(إنما يأكل آل محمّد) الظّاهر أن المرادَ حصرُ أنه ليس لهم من هذا المال إلا أكلُهم، والباقي بعد ذلك للمصالح، لا أنهم لا يأكلون إلا من هذا المال، وجوابه: أن الأكل إمّا حقيقة، وإما بمعنى الأخذ والتصرف، فـ (من) للتبعيض؛ أي: لا يأخذون إلا بعضَ هذا المال، وهو مقدار النفقة، أو لا يأكلون إلا بعضَه، وأمّا الحكمةُ في أن متروكاتِ الأنبياء -عليهم الصّلاة والسلام- صدقاتٌ؛ فلعلّه أنه لا يُؤْمنُ أن يكونَ في الوَرَثَة من يتمنى موتَه، فيهلِك، أو أنهم كالآباء للأُمة، فمالُهم لكلِّ أولادهم -يعني: المصالح العامة-، وهو معنى الصَّدقة.
(فَهَجَرَتْهُ)؛ أي: انقبضت عن لقائه، لا الهجران المحرَّم من تركِ السّلام ونحوِه.
(حتّى ماتت) كانت وفاتُها بعد ذلك بنحو ستة أشهر، أو أقلَّ.
* * *
٦٧٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ذَكَرَ لِي مِنْ حَدِيِثِهِ ذَلِكَ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، فَأَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ؟ قَالَ: نعمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نعمْ، قَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ
الثّاني:
(يَرْفأ) بفتح الياء؛ أي: وسكون الراء، وبالفاء، والهمزِ وتركه: عَلَمٌ لحاجبِ عُمرَ.
(في عثمان) إلى آخره؛ أي: هل لك رغبةٌ في دخولهم عليك؟
(أنْشُدكم) بضم الشين؛ أي: أسألكم بالله.
(نفسه)؛ أي: مع نفس سائر الأنبياء، أو هو جمع التعظيم.
(ولم يعطه أحدًا غيره)؛ أي: خَصَّصَ الفيءَ كلَّه أو جُلَّه برسول الله ﷺ ، وقيل: أي: حيث حلل الغنيمة له، ولم تحل لسائر الأنبياء.
(وخاصة) في بعضها: (خالصة).
(ما احتازها) بالمهملة والزاي؛ أي: ما جمعها لنفسه دونكم.
(واستأثر)؛ أي: استبدَّ وتفرَّدَ.
(وبَثَّها)؛ أي: نشرها، وفرقها عليكم.
(هذا المال)؛ أي: هذا المقدار الّذي تطلبان حصتكما منه.
(مَجْعَلَ مَالِ اللهِ)؛ أي: هو في جهة المصالح للمسلمين.
(فقلت: أنا وليّ رسولِ الله ﷺ ) في بعضها: (وليُّ وليِّ رسولِ الله ﷺ )، وسبق الحديث في (الجهاد) في (باب الخُمْس).
(وكلمتُكُما واحدةٌ)؛ أي: تتفقان، لا نزاعَ بينكما.
(بذلك)؛ أي: قد يعملان فيه كما عمل رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكر
стр. 8019
فيها. قال (خ) (١): هذه القضية مُشْكِلة؛ لأنهما إن كانا أخذا هذه الصَّدقة من عُمر ﵁ على هذه الشريطة، فما الّذي بدا لهما بعدُ حتّى يختصما؟ فالجواب: أنه كان يشقُّ عليهما الشركةُ، فطلبا أن يقسم بينهما؛ ليستقل كلٌّ منهما بالتّدبير والتصرُّف فيما يصير إليه، فمنعَهُما عُمر من ذلك لئلا يجري عليهما اسم المُلك؛ لأن القسمة إنّما تقع في الأملاك، وبتطاول الزّمان يظن به الملكية.
* * *
٦٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا ترَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ".
٦٧٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيسَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟ ".
الثالث، والرابع:
علم شرحهما ممّا سبق.
* * *
(باب: ميراث الولد من أبيه وأُمّه)
٦٧٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
قوله: (شركهم) الضمير للبنات والذكر، فغلب التذكير على التأنيث؛ يعني: إن كان من البنات أخ لهن، وكان معهم غيرهم ممّن له فرضٌ مسمًّى؛ كالأمّ مثلًا؛ كما لو مات عن بناتٍ وابنٍ وأُمٍّ، يبدأ بالأُمّ، فتعطى فريضة، وما بقي فهو بين البنات والابن؛ لأن العَصَبَة يأخذون ما فَضَل عن الفروض، وهو معنى قوله في الحديث:
(ألحقوا الفرائض) إلى آخره، وأهلُ الفرائض: ذوو الأنصِباء المقَّدرةِ المعينةِ.
(لأَوْلى رجلٍ ذَكَرٍ)؛ أي: لأقرب رجل من العَصَبَة، فالمراد بالأَولى: الأقربُ، لا الأحقُّ.
قال: وإلا لخلا عن الفائدةُ؛ فإنا لا ندري من الأحقُّ، وإنّما أُكّد بـ (ذَكَرٍ)؛ لينبه على أنه لا يعصّب نحو ابنِ الأخ، والعمُّ، وابنُ العمِّ أُختَه؛ كما يجري في ذلك الأولادُ والإخوةُ؛ فإن كُلًّا يعصِّب أُختَه؛ هذا معنى كلام (خ).
وقال (ن): إنّه للتنبيه على سبب استحقاقه، وهي الذكورة الّتي هي سبب العُصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، فلهذا جعل للذكر
стр. 8022
مثل حظ الأُنثيين.
قال السهيلي: (أَولى) بمعنى: أَقرب، و (ذَكَرٍ) صفةٌ له، و (رجلٍ) هو الواسطة بين هذا الأقرب الذكر الّذي هو أقربُ للميت، وبين الميِّت؛ أي: تكون القرابة من جهة رجلٍ وصُلْبٍ، لا من جهة بطنٍ ورَحِمٍ؛ كالخال ونحوه؛ فإنّه وإن كان أقربَ، وَذَكَرًا؛ لكن لا بواسطة رجل، ولو جُعل (ذَكَر) صفةً لرجل، لكان لغوًا، ولم يبق معه حكمُ الطفل الرضيع؛ لأنه لا يقال في العرف رجلٌ إلا للبالغ، وقد علم أنه يرث، ولو ابنَ لحظة، أيضًا، فلا يحصل تفرقةٌ بين قرابة الأب، وقرابة الأُم.
وقال (ش) عن السهيلي: إن (ذَكَر) توكيدٌ لمتعلّق الحكم؛ لأن متعلّق الحكم الذكورةُ، والرجلُ قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمور، وحكى سيبويهِ: مررتُ برجلٍ رجل أبوه، فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة توكيد.
قال (ك): ويحتمل أن يكون (ذَكَر) توكيدًا؛ لئلا يتوهَّم أن الرَّجل هو البالغُ؛ كما هو العرف، أو الشخصُ، ذكرًا كان أو أُنثى؛ كما عليه بعضُ الاستعمالات، وأن يكون لإخراج الخنثى، وأن يراد بالرجل: الميِّتُ؛ لأن الغالبَ في الأحكام أن يذكر الرجال، ويدخل النِّساء تبعًا.
قلت: لا يخفى ركةُ هذه الأجوبة، وإن أَسَدَّها ما نُقل أوّلًا عن السهيلي.
* * *
أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ.
(لقد ضللت) غرضُه بقراءة الآية: لو حَرَّمْتُ بنتَ الابنِ، كنت ضالًّا.
(الحبر): العالم.
وفيه: ما كانت الصحابةُ عليه من الاعتراف بالحقِّ لأهله، وشهادة بعضهم لبعض بالفضل.
* * *
٩ - باب مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الأَبِ وَالإخْوَةِ
وَقَالَ أبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ: الْجَدُّ أَبٌ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَحَدًا خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي زَمَانِهِ، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَرِثُنِي ابْنُ ابَنِي دوُنَ إخْوَتِي، وَلَا أَرِثُ أَنَا ابْنَ ابْنِي. ويُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزيدٍ أَقَاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ.
(باب: ميراث الجدِّ مع الأب والإخوة)
القصد: وإن كان ميراثُ الجدِّ مع الإخوة؛ لكنَّ ذكرَ الأبِ تنبيهٌ على مسألة أُخرى، وهي: أن الجدَّ محجوب بالأب؛ بدليل حديث:
стр. 8028
"فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
(خالف)، أي: في قوله: إن حكم الجد كالأب.
(متوافرون) من الوَفْر بمعنى الكثرة؛ أي: صار ذلك لكثرتهم كالإجماع؛ لسكوت مَنْ سواهم على قولهم.
(ولا إرث) في مقام الإنكار؛ أي: لم يرث الجد، فيكون ردًّا على مَنْ حجَب الجدَّ بالإخوة، أو أن المعنى: فَلِمَ لا يرث الجد وحدَه دونَ الإخوة؛ كما في العكس، فيكون ردًّا على من قال بالشركة بينهما، وفي المسألة أقاويلُ ومذاهبُ مبسوطة في الفقه.
* * *
٦٧٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ألْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
الحديث الأوّل:
سبق شرحه.
* * *
٦٧٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإسْلَامِ
стр. 8029
أَفْضَلُ"، أَوْ قَالَ: "خَيْرٌ"، فَإنَّهُ أَنْزَلَهُ أَبًا، أَوْ قَالَ: قَضَاهُ أَبًا.
الثّاني:
(أو قال: خير)، أي: بدل أفضل، وغرضُه: أن أبا بكر أنزل الجد أبًا؛ أي: جَعَلَهُ مثلَه في الإرث والحَجْب؛ وذكره بلفظ هذه المنقبة العظيمة؛ لتأكيد الحكم وتقريره، والمعنى: لو كنت منقطعًا إلى غير الله تعالى، لانقطعت إلى أبي بكر؛ لكن هذا ممتنع؛ لامتناع ذلك؛ ولكن خلة الإسلام معه أفضلُ من الخلة مع غيره، وسبق في (الصّلاة) في (باب الخوخة في المسجد).
(وإنه) بالواو، وكان قاعدة النحو الإتيان بالفاء؛ لأنه جواب (أما)، فهو عطف على الجواب المحذوف، وهو: (فورثه) -مثلًا-، وسبق في (المناقب): (أنزله) بلا فاء ولا واو.
* * *
١٠ - باب مِيرَاثِ الزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ وَغَيْرِه .
(باب: ميراث الزوج مع الولد وغيره)
٦٧٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ
اللقيط، فيحتمل أنه ممّا لم يجد فيه حديثًا بشرطه.
* * *
٢٠ - باب مِيراثِ السَّائِبَةِ
(باب: ميراث السائبة)
أي: المهملة؛ كالعبد يعتق على أن لا ولاءَ لأحدٍ عليه، وكالبعير يُترك لا يُركب، ولا يُحمل عليه، ولا يُمنع من الماء والكلأ.
٦٧٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الإِسلَامِ لا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ.
الحديث الأوّل:
(عبد الله)؛ أي: ابن مسعود، واختصر البخاريّ قصته، وهي أنه جاء إليه رجل، فقال: إنِّي أعتقت عبدًا لي، وجعلته سائبة، فمات وترك مالًا، ولم يَدَع وارثًا، فقال عبد الله: (إن أهل الإسلام) إلى آخره، ثمّ قال: وأنت ولي نعمته، فلك ميراثه.
* * *
٦٧٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
стр. 8040
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لأُعْتِقَهَا، وَإِنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ وَلَاءَهَا، فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، أَوْ قَالَ: "أَعْطَى الثَّمَنَ"، قَالَ: فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا، قَالَ: وَخُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ مَعَهُ. قَالَ الأَسْوَدُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، قَوْلُ الأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا، أَصَحُّ.
الثّاني:
(وَخُيِّرَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: بعد العتق بين فسخ نكاحها، واختيار نفسها، وبين إمضاء النِّكاح واختيار الزوج، واسمُه مُغيث، وسبق الحديث كثيرًا، ووجهُ مطابقته للترجمة: أن الولاء للمعتِق، سواء السائبة وغيرها.
(منقطع)؛ أي: وهو ما سقط من سنده واحد فأكثر، وفيه مبهم؛ أما المرسَل، فقول غير الصحابي: قال رسول الله ﷺ ، وقيل: هما بمعنى؛ لكن أكثر ما يطلق المرسَل على ما رواه التابعي عن النَّبيّ ﷺ ، وقيل غير ذلك، فقال البخاريّ: إن كونَهُ عبدًا أصح، ووصله في (كتاب الطّلاق)، وقال هنا: وكونه حرًّا منقطع.
* * *
(الإبل)؛ أي: إبل.
(عَيْر) بفتح المهملة وسكون الياء: جبل بالمدينة.
(ثور) قيل: خطأٌ، فليس بالمدينة موضع يسمى ثورًا، ولهذا ترك بعضهم مكانه بياضًا، وكنى بعضهم عنه بكذا، وإنّما هو أُحُد؛ أي: من عَيْر إلى أُحُد، وقيل: بل كان لفظ ثور اسمًا لجبل هناك، أُحُد أو غيره؛ لكن خفي.
(آوى) الأكثر في المتعدي المد، وفي اللازم القصر.
(مُحْدَثًا) بفتح الدال؛ أي: الرأي المُحْدَث في أمر الدِّين، وبالكسر؛ أي: صاحبه الّذي يُحْدِثه ويبتدعه.
(لعنة) هي البعدُ عن الجنَّة دارِ الرّحمة في أول الأمر، لا مطلقًا، وسبق شرح الحديث في (الحجِّ) في (حرم المدينة).
* * *
٦٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ.
الثّاني:
(الوَلاء) بفتح الواو: حق إرثِ المعتِق من العتيق؛ لأنه غيرُ مقدور على تسليمه.
* * *
стр. 8043
٢٢ - باب إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ
وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى لَهُ وِلَايَةً.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: "هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ"، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ.
(باب: إذا أسلم على يديه رجل)
قوله: (ولاية)، أي: ولاء.
(ويذكر عن إبراهيم) وصله أحمد، والترمذي، والنَّسائيّ، وابن ماجه، والطبراني، وابن أبي عاصم، والدارمي، وغيرهم، وفيه: سألت رسولَ الله ﷺ : ما السُّنَّةُ في الرَّجل يُسلم على يديه رجل؟ قال: "هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ"، وهو المراد بقوله: (رفعه)، فهو عائد لما ذكر بعده، وإنّما ذكره بصيغة التّمريض؛ للاختلاف في صحته، ومَنْ صححه أَوَّلهُ بأنه أولى به في حياته بالنصرة، وفي مماته بالغسل والصلاة عليه، والدفن، لا في ميراثه؛ لأن الولاء لمن أعتق خصصه بالمعتق، ووجهُ تعلّقِ حديث بَريرَة بالترجمة: أن اللامَ للاختصاص، بمعنى: الولاءُ مختصٌّ بمن أعتقه، وبذلَ المالَ في إعتاقه.
* * *
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَجِزْ وَصِيَّةَ الأَسِيرِ، وَعَتَاقَهُ، وَمَا صَنَعَ فِي مَالِهِ، مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَالُهُ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ.
(باب: ميراث الأسير)
٦٧٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا".
سبق شرح الحديث فيه قريبًا.
* * *
٢٦ - باب لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ
(باب: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم؛ وإذا أسلم)؛ أي: ولا إذا أسلم بعد ذلك، ولو كان قبل قسمة التركة؛ لأن العبرة بحال الموت، رُدَّ به على طائفة قالوا بذلك؛ كأحمد.
٦٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ
стр. 8048
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ".
(عمرو بن عثمان)؛ أي: ابن عفان ﵁، وكلهم قالوا: عمرو، إلا مالكًا، فقال: عمر -بلا واو-، وعثمان وإن كان له ابنان: عمرو، وعُمر؛ لكن هذا الحديث من رواية عمرٍو، لا عُمرَ.
قال الكلاباذي: فهو وَهْمٌ من مالك، فإن قيل: في عدم توريث المسلم من الكافر تنفير للمستحق عن الإسلام رجاء الإرث من الكافر؟ قيل: قطع الله الولاء بين المسلم والكافر، ووعد المسلم ما هو خير منه من ثواب الآخرَة، ومن غلبة المسلمين على الكفار في الدنيا؛ بحيث لو غلب الأخ المسلم -مثلًا- في دار الحرب على أخيه الوارث، مَلَكَ رقبته وماله، ونحو ذلك، وعلى كلّ حال، فالآخرة خير وأبقى.
* * *
٢٧ - باب ميرَاثِ الْعَبْدِ النَّصْرَانِيِّ، وَمُكَاتَبِ النَّصْرَانِيِّ، وَإِثْمِ مَنِ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ
(باب: ميراث العبد النصراني)
عقبه بقوله:
* * *
стр. 8049
(باب: إثم من انتفى من ولده)
وبقوله:
* * *
٢٨ - باب مَنِ ادَّعَى أَخًا أَوِ ابْنَ أَخٍ
(باب: من ادَّعَى أخًا أو ابن أخ)
٦٧٦٥ - حَدَّثَنَا قتيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ! ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي، يَا رَسُولَ اللهِ! وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ! الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ! " قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ.
ثمّ أورد حديثَ الاختصام في ابن زَمْعَة، وهو يناسب الترجمةَ الأخيرة كما قاله (ك)، والأولتان كأنه لم يظفر بحديث على شرطه فيهما، والظاهر: أنه خَلَّى بين الترجمتين بياضًا، والنقلة ضموا البعض
стр. 8050
إلى بعض، وسبق شرحُ الحديث مرات.
* * *
٢٩ - باب مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ
(باب: من ادَّعَى إلى غير أبيه)
٦٧٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ-، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهْوَ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ".
٦٧٦٧ - فَذَكَرْتُهُ لأَبِي بَكرَةَ، فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الحديث الأوّل:
(خالد) هو أولًا: ابن عبد الله، وثانيًا: ابن مهران الحذّاء.
(ادَّعَى)؛ أي: انتسب.
(وهو يعلم)؛ أي: لأن الإثم يتبع العلم.
(حرام) هذا والذي في الحديث بعدَه محمول على المستحلِّ، أو المراد: كفرانُ النعمة، أو التغليظ.
عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ ائْتُؤنِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ، يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ، إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إلا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كنَّا نقُولُ إلا: الْمُدْيَةَ.
(فتحاكما)؛ أي: الشخصان، وفي بعضها: (فتحاكمتا)، وهو الأصل، وحكمهما - عليهما الصّلاة والسلام - معًا كان بالوحي، والثّاني ناسخ للأول، لا أن سليمان نقض حكم داود، أو أنهما حكما بالاجتهاد، وجاز النقض لدليل أقوى، على أن الضمير في (فقضى) يحتمل أن يكون راجعًا إلى داود، فإن قيل: لما اعترف الخصم بأن الحق لصاحبه، كيف حكم بخلافه؟ قيل: لعلّه علم بالقرينة أنه لا يريد حقيقة الإقرار.
قال (ن): استدل سليمان ﵇ بشفقة الصغرى على أنها أُمه، ولعلّ الكبرى بعد ذلك أقرت به للصغرى.
(المُدْيَة) بتثليث الميم والدال ساكنة، سميت بذلك؛ لأنها تقطع مَدَى الحياة، والسكين؛ لأنها تسكن الحركة، وسبق الحديث في (كتاب الأنبياء).
* * *
стр. 8053
٣١ - باب الْقَائِفِ
(باب: القائف)
من القِيافة، وهي: معرفةُ الآثار، وشرطُه عند الفقهاء: أن يكون أهلًا للشهادة، مجربًا بعرض ولد في أصناف، في الرّابع أحدُ أبويه، وأصابَ في الإلحاق به.
٦٧٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نظًرَ آنِفًا إِلَى زيدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْض".
الحديث الأوّل:
(تَبْرُق) بضم الراء.
(أسارير): خطوط.
(ألم تري) في بعضها: (ترين) بثبوت النون، قيل: هي لغة.
(مُجَزِّزًا) (١) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الزاي مكسورة؛ لأنه
стр. 8054
كان إذا أخذ أسيرًا، جز لحيته، ومنهم من فتح الزاي الأولى، وتقدم في (باب صفة النَّبيّ ﷺ )، وفي (مناقب قريش).
* * *
٦٧٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهْوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجيَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزيدًا، وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُؤُسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ".
الثّاني:
(ذات يوم)؛ أي: يومًا، فـ (ذات) مقحمة، أو من إضافة المسمى إلى اسمه.
* * *