أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ".
الرابع:
(أجل) بفتح اللام؛ أي: من أجل، وهذا المفهوم لا يُعمل به؛ لأنه خرج مخرج الغالب، فلا فرق في كون القتل أعظم بين أن يكون من أجل ذلك، أو لا.
* * *
٦٨١١ / -م - قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مِثْلَهُ، قَالَ عَمْرُو: فَذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ حَدَّثَنَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، وَوَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: دَعْهُ، دَعْهُ.
الخامس:
(دَعْه دَعْه)؛ أي: اترك هذا الإسنادَ الذي ليس فيه ذكرُ أبي ميسرة بين أبي وائل وعبدِ الله، وأبو وائل وإن روى كثيرًا عن عبد الله؛ لكن هذا الحديث لم يروه عنه، وليس المراد بذلك الطعنَ عليه؛ بل ترجيحَ طريقِ الواسطة لموافقة الأكثرين.
* * *
стр. 8088
٢١ - باب رَجْمِ الْمُحْصَنِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ زَنىَ بِأُخْتِهِ حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي.
(باب: رجم المحصن)
بفتح الصاد وكسرها: المتزوج؛ أي: مَنْ جامعَ في نكاحٍ صحيح.
* * *
٦٨١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الحديث الأول:
(رجم المرأة)؛ أي: شُرَاحة -بضم المعجمة وبالراء والمهملة- الهمدانية؛ أي: جلدَها يوم الخميس، ورجَمَها يومَ الجمعة، فقيل له: أجمعتَ بينَ حدين عليها؟ فقال: جلدتُها بكتاب الله، ورجمتُها بسنة رسول الله ﷺ ، فقيل: يُجْمَع بين الجلد والرجم إذا كان الزاني شيخًا ثيبًا، لا شابًّا ثيبًا، وقال الظاهرية: الجمع بينهما مطلقًا.
قال الحازمي: لم يثبت الأئمة سماع الشّعْبِي من علي، وقيل للدارقطني: أسمع منه؟ فقال: سمع منه حرفًا، ما سمع غيرَه.
* * *
стр. 8089
٦٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنىَ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ.
الثاني:
(أن رجلًا) هو ماعز -بمهملة وراء- ابنُ مالك.
(فشهد)؛ أي: أقر.
(أربع) ذهب أَبو حنيفة، وأحمد لاشتراط تكرار الإقرار أربع مرات؛ لظاهر هذا، وقال مالك، والشافعي: يكفي مرة؛ لقوله ﷺ : "وَاغْدُ يَا أُنَيْسِ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ"، ولم يقل: أربعًا، وأيضًا: فإنما أقرت الغامديةُ مرة، وأجابا عن التكرار هنا: أنه حسبه مجنونًا؛ لأنه أقر بما يقتضي قتلَه، وله طريقٌ إلى سقوط الإثم بالتوبة، فأراد ﷺ تحقيقَ الأمر، ولهذا قال ﷺ له بعد الرابعة: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ "، ونحو ذلك.
(قد أُحْصِنَ) بالبناء للفاعل والمفعول.
* * *
٦٨١٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ:
стр. 8090
قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
الثالث:
(إسحاق) قال الكلاباذي: هو ابنُ شاهين.
(سورة النور)؛ أي: قوله تعالى فيها: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]؛ أي: هل هو ناسخ لحكم الآية، أو لا؟
* * *
٢٢ - باب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةَ
وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟
(باب: لا يرجم المجنون ولا المجنونة)
قوله: (وقال علي لعُمر) سبق بيانه في (كتاب الطلاق)، والقصة: أنه مر بمجنونة زنت، وقد أمر عُمر ﵁ برجمها، فردَّها، وقال له ذلك، فخلَّى عنها.
(حتى يدرك)؛ أي: يبلغ.
* * *
стр. 8091
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي الْمَسْجدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّات، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نفسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ".
٦٨١٦ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْركْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ.
(فأخبرني من سمع) هو أَبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ.
(بالمصلَّى)؛ أي: مصلى الجنائز، وهو بقيع الغرقد.
(أذلقته) بالمعجمة والقاف؛ أي: أقلقته، وأصابته بحدها.
وفيه: أن الإمام يسأل عن شرط الرجم، والتعريضُ للمقر بالدفع عن نفسه، وجوازُ استنابة الإمام في إقامة الحدود، وأن مصلى الأعياد والجنائز ليس له حكمُ المسجد، وأن مجردَ الهربِ لا يُسقط الحدَّ؛ أي: إلا أن يرجع عن إقراره، فقال الشافعي، وأحمد، والكوفيون: يُترك فلا يُحد.
* * *
بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ، فَرَأَيْتُ الْيَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا.
الحديث:
(أحدثا)؛ أي: زنيا، ويطلق الإحداث أيضًا على الإيذاء.
(والتجنية) بمثناة ثم جيم ثم نون ثم ياء، وهي: أن يحمم وجوه الزانيين، ويحملا على بعير أو حمار، ويخالف بين وجوههما، وقيل: التجبية؛ أي: بالموحدة عوض النون؛ أي: يقوم مقام الراكع، وقيل: هو السجود.
(عند البَلاط) فائدة ذكره: أن الرجم لا يختص بالمصلَّى؛ بل يجوز في الأبنية، وبلا حفرة؛ لأن المواضع المبلطة لم تحفر غالبًا.
(أحنا) بالمهملة، يقال: حنت على ولدها حنوًا: عطفت؛ كأحنت، وبالجيم والهمز، يقال: جَنَأَ عليه، وأجنى: أَكَبَّ؛ أي: أَكَبَّ عليها يقيها الحجارةَ.
وفيه: وجوبُ الحد على الكافر، وخطابهُ بالفروع، وأما سؤالُه ﷺ ، فلإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، لا لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم منهم، وقيل: لم يكونا محصنين، وإنما رُجما تنفيذًا لحكم النبي السابق عليه؛ لأنه يعمل به ما لم ينسخ، وقد سبق في (فضائل الصحابة)، وأما اليهودية المرجومة، فهي بسرة؛ ذكره ابن العراقي في "أحكام القرآن".
* * *
стр. 8095
٢٥ - باب الرَّجْمِ بِالْمُصَلَّى
(باب: الرّجْم بالمُصَلَّى)
٦٨٢٠ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّات، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبِكَ جُنُونٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "احْصَنْتَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ. لَمْ يَقُلْ يُونس، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَصَلَّى عَلَيْهِ.
(أَسْلَم) بفتح الهمزة واللام: قبيلة.
واعلم أنه إنما عدل عن التوبة، واختار الرجم في سقوط الإثم بالإصرار على الإقرار؛ لأن سقوطه بالحد متيقن، لا سيما بأمره ﷺ ، وأما التوبة، فيخاف أن لا تكون نصوحًا، فاختار حصولَ البراءة يقينًا.
وفيه: أنه يُصلَّى على المقتول حَدًّا.
(لم يقل يونس)؛ أي: في روايته التي وصلها قبل ثلاثة أبواب.
(وابن جُرَيج) وصل روايته مسلمٌ.
* * *
стр. 8096
٢٦ - باب مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا دُونَ الْحَدِّ فَأَخْبَرَ الإمَامَ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِذَا جَاءَ مُستَفْتِيًا
قَالَ عَطَاءٌ: لَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِي جَامَعَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يُعَاقِبْ عُمَرُ صَاحِبَ الظَّبْيِ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب: من أصاب ذنبًا دون الحدّ، فأخبر الإمام)
أي: ارتكبَ صغيرةً؛ كالقبلة، والغمزة، وغرضُه من ذلك: أنها تسقط عنه بالتوبة، أو بالتعزير، ولا يعترضه الإمام؛ بخلاف الكبيرة.
قال ابن المنذر: قال الشافعي: إذا تاب قبل أن يُقام عليه الحدّ، سقط عنه، انتهى.
لكن المشهور عدمُ السقوط.
(مستفتيًا) في بعضها: (مستعتبًا)، وهو طلب الرضا، وطلب إزالة العَتْب.
(لم يعاقبه)؛ أي: من أصاب ذنبًا لا حدَّ فيه، وتاب، وقيل: يعني المحترقَ المجامعَ في نهار رمضان.
(صاحب الضبي) اسمه: قَبيصَةُ بنُ جابر، ذكره الثعالبي، وابنُ عطية.
قَالَ: "فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ"، أَوْ قَالَ: "حَدَّكَ".
(رجل) سبق أنه أَبو اليَسَر -بفتح الياء والمهملة- كعب بن عُمر.
(أصَبْتُ حدًّا)؛ أي: فعلًا يوجبُ الحدّ؛ كأنه فعل صغيرة ظن أنها توجب الحدّ، فلم يرَ النبي ﷺ أن يكشفه عليه، فلم يستفسره؛ بل أعرض عنه، وستر عليه.
قال (ك): وإنما ستر؛ لأن الكشف ضربٌ من التجسس، وهو حرام، لعله صرح بما فعل، أو فهمه عنه بالقرينة، أو كما قال في الخبر الآخر: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّكَ لَمَسْتَ"، فلما صلى، زال ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
(أو قال: حَدَّك) هو شكٌّ من الراوي.
* * *
٢٨ - باب هَلْ يَقُولُ الإمَامُ لِلْمُقِرِّ: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ أَوْ غَمَزْتَ ؟
(باب: هل يقول الإمام للمقرِّ: لعلك لمستَ؟)
٦٨٢٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ
(وخادم) لا ينافي ما سبق في (الصلح) بلفظ: (وليدة)؛ لأن الخادم يطلق على الذكر والأُنثى.
(المئة شاة) هو على قول الكوفيين.
(وعلى ابنك) هو جواب استفتاء الأب، لا حكمٌ؛ لأن إقرار الأب على الابن لا يُقبل.
(أُنيس) -بالتصغير- هو ابن الضحاك الأسلمي على الأصح.
(أشك فيها)؛ أي: في سماعها من الزُّهْري؛ فتارة أذكرها، وتارة أسكت عنها.
وفيه: فسخُ كلِّ صلح وقع غير شرعي، وأن ما يؤخذ بالفاسد لا يُملك، ويجب ردُّه.
وفيه: أن العالم يفتي، وفي المِصْرِ مَنْ هو أعلمُ منه؛ فإن الصحابة ﵃ أفتوا في زمنه ﷺ ، وجوازُ قولِ الخصم للقاضي: اقضِ بيننا بالحقّ، واستماعُ الواقعةِ، وأحدُ الخصمين غائبٌ، وتأخيرُ الحدود عند ضيق الوقت؛ لأنه ﷺ أمره بالغدوّ إلى المرأة، وإرسالُ واحد في تنفيذ الحكم، وإقامةُ الحد على من اعترف مرة، والتغريبُ؛ خلافًا للحنفية فيهما، وإرسالُه ليس لاستكشاف الزنا والتجسس؛ لأنه مما يستر؛ بل لإعلامها بأنه قذفها، ولها عليه حدُّ القذف؛ فإما أن تطالب، أو تعفو، أو تعترف بالزنا.
* * *
стр. 8104
٦٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، أَلا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنىَ، وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ -قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا حَفِظْتُ- أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ.
الثاني:
(فيضلوا) من الضلال.
(أنزلها الله)؛ أي: باعتبار ما كان، وهو: (الشيخُ والشيخةُ)، الذي نُسخ تلاوته، أو باعتبار أنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
(كان الحَبَلُ)، أي: ثبت الحبل، فيُحَدُّ بذلك؛ لكن قال الشافعي، وأبو حنيفة: لا حدّ عليها بمجرد الحمل؛ لأن الحدود تسقط بالشبهات.
* * *
٣١ - باب رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا إِذَا أَحْصَنَتْ
(باب: رجم الحُبلى من الزنا إذا أحصنت)
٦٨٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ،
(أُقْرِئُ)؛ أي: القرآن.
وفيه: أن العلم يأخذه الكبير من الصغير.
(منزله)؛ أي: منزل عبد الرحمن.
(حجها)؛ أي: عُمر ﵁.
(لو رأيت) جوابه محذوف؛ أي: لرأيتَ عجبًا، أو (لو) للتمني.
(لو قد مات عُمر) دخول (لو) على (قد)؛ إما لأنها مقحَمة، فما دخلت إلا على الفعل، أو أنها قائمة مقام فعل؛ أي: لو تحقق موته.
(بايعت فُلانًا) في "مسند البزار"، و"الجَعْدِيات": أن المراد: طلحة بن عُبيد الله الأنصاري، ولهذا قال (ك) في تفسير فُلانًا: إنه رجل من الأنصار؛ لكن في "الأنساب" للبلاذري بإسناد قوي من رواية هشامِ بنِ يوسفَ عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ بالسند المذكور في "البخاري": قال عُمر: بلغني أن الزُّبَير قال: لو قد مات عُمر، بايعنا عليًّا، الحديث، فهذا أصح.
(فَلْتة) بفتح الفاء وتسكين اللام ثم مثناة على المشهور، وروى سُحنون عن أشهب: ضم الفاء، وهو انفلات الشيء من الشيء.
قال: ولا يجوز الفتح؛ لأن معناه: ما يندم عليه، وعلى الرواية المشهورة، فالمراد به: فجأة من غير تدبر؛ أي: وتمت المبايعة بذلك، وكذلك أنا لو بايعت فُلانًا، لتمَّ أيضًا.
(أن يعصبوهم) في بعضها: (يعصبونهم)، وهي لغة كقراءة:
стр. 8110
﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]-بالرفع-؛ حملًا لأن المصدرية على ما في الإهمال؛ أي: الذين يقصدون أمورًا ليس ذلك وظيفتهم، ولا لهم مرتبة ذلك، فيريدون يباشرونها بالظلم والغصب.
وفيه: رفع مثل هذا الكلام إلى الإمام، وغضبه على قائله إذا قال باطلًا.
(رَعاع) بفتح الراء وتخفيف المهملة الأولى؛ أي: جُهّال، أو أَحداث، أو أراذل.
(وَغَوْغَائِهِم) بفتح المعجمتين والمد: الكثير المختلط من الناس، أو اللفظ، واحده غوغاة.
(يغلبون)؛ أي: فيكونون قريبًا منكَ عند قيامك للخطبة، ولا يتركون قربك لأولي النهى.
(مطير) اسم فاعل من الطارة؛ أي: ينقلها عنك كلُّ ناقل بالسرعة والانتشار، لا بالتأني والضبط.
(ولا يعوها)؛ أي: يحفظوها.
(وأن لا يضعوها) في بعضها: (يضعونها)؛ على إهمال (أن) كما سبق آنفًا.
وفيه: جواز الاعتراض على الإمام عند خوف الفتنة، وأن لا توضع دقائق العلم إلا عند أهل الفهم.
(عقب ذي الحجة)؛ أي: آخره، أو ما يليه، وهو أول المحرَّم.
стр. 8111
(أجدُ) بالرفع.
(سعيد بن زيد) أحد العشرة.
(فلم أنْشَب) بفتح المعجمة؛ أي: لم أمكث، ولم أتعلق بشيء.
(ليقولن) إنما ذكر ذلك لسعيد لإحضار فهمه.
(فأنكر)، أي: استبعادًا لذلك، لتقرر الفرائض والسُّنن.
(ما عسيت) كان القياس: ما عسى أن يقول؛ كما هو في بعض النسخ؛ لكنه في معنى رَجَوت، وتوقعت.
(ووعاها)، أي: حفظها.
وفيه: الحضُّ لأهل العلم والضبط على التبليغ والنشر في الإسفار.
(لأحد) كان الأصل أن يقول: له؛ ليرجع الضمير إلى الموصول؛ لكن لما كان القصد الربط، قام عمود أحد مقام الضمير.
(آية الرجم)؛ أي: (الشيخ والشيخة).
ففيه: أنه كان قرآنًا، فنسخت تلاوته دون حكمه.
(إن طال) بكسر (إن).
(أن يقول) بفتح (أن).
(الحبل) سبق الخلاف فيه، وقال ابن جرير: يعني: حبل المحصن التي لا زوج لها، ولا يذكر الزاني أنه من زِنا، ويروى: (الحمل) -بالميم-.
стр. 8112
(أو أن يكفرا بكم) يعني: أنه شاكٌّ فيما كان في القرآن، أهو كذا، أو: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفرٌ بكم)، فيكون من المنسوخ التلاوةِ دون الحكم، وقد مر في (مناقب قريش): أنه قال ﷺ : (لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبيِه وَهُوَ يَعْلَمُ إِلَّا كَفَرَ)، وهو إما للتغليظ، أو محمولٌ على المستحِلِّ.
(لا تُطروني) من الإطراء وهو المبالغة في المدح بالباطل، أو بما لا يليق بالممدوح؛ كما ضلت النصارى بالمسيح، واليهود بالعزير.
(الأعناق) أعناق الإبل تقطع من كثرة السير؛ أي: ليس فيكم مثلُ أبي بكر في الفضل والتقدم؛ لأنه سبقَ كلَّ سابق؛ فلذلك مضت بيعتُه على حال فجأة، ووقى الله تعالى شرّها، فلا يطعن أحد في مثل ذلك، وقيل: كانت فلتة؛ لأنه لم يكن في أول الأمر جميع خواص الصحابة، ولا عوامّهم، وقيل: لأنهم يغلبون (١) إلى ذهابهم إلى الأنصار.
(مَشْورَة) بسكون الشين وفتح الواو، وبضمها وسكون الواو.
وبالجملة: فقد ابتدرها الصحابة من المهاجرين، وعامة الأنصار؛ لعلمهم أنه ليس لأبي بكر منازع، ولا يحتاج في أمره إلى نظر، ولا مشاورة، وإنما عوجل بها؛ مخافة انتشار الأمر والشقاق، فيطمع بها من ليس بموضع لها؛ فإن مثل هذه البيعة جدير بأن تكون مُهيِّجة للشر والفتنة، فعصم الله تعالى من ذلك؛ كذا ذكره أحمد ابن
стр. 8113
خالد في "مسنده"؛ كما حكاه عيسى بن سهل في كتاب "غريب ألفاظ البخاري".
(يبايع) من المبايعة -بالموحدة-، ومن المتابعة -بالمثناة-؛ أي: لا يبايع المبايع؛ ولا المبايع له؛ أي: لا الناصب، ولا المنصوب، قيل: معناه: لا يؤمَّر واحد منهما؛ لئلا يطمع في ذلك.
(تَغِرَّة) تَفْعِلَة من الغرور -بالمعجمة-، يقال: غَرَّرَ بنفسه تغريرًا، وتَغِرَّةً: إذا عَرَّضها للهَلَكَة؛ أي: لأن ذلك تغرير لأنفسهما، غرر بنفسه وبصاحبه بالقتل، وفي الكلام حذف؛ أي: خوف وقوعهما في القتل، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وهو تغرة، ويحتمل النصب على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون قوله: (أن يقتلا) بدلًا من (تغرة)، ويكون المضاف محذوفًا كالأول، ومن أضاف (تغرة) إلى (أن يقتلا)، فمعناه: خوف تغرته قتلهما؛ قاله صاحب "النهاية".
(بأسرهم)؛ أي: بأجمعهم.
(سقيفة)؛ أي: صُفَّة، كان لهم طاق يجتمعون فيه لفصل القضايا، وتدبيرِ الأمور.
(سَاعِدة) بكسر العين المهملة.
(وخالف عنا)، أي: معرضًا عنا.
قال المهلَّب: أي: في الحضور والاجتماع، لا بالرأي والقلب.
(لقينا) بتحريك الياء قبل النون.
стр. 8114
(رجلان) فاعل (لقي)، وهما مَعْن -بفتح الميم وسكون العين وبالنون- ابن عدي أخو عاصم، والآخر: عُوَيْم -بضم المهملة وفتح الواو وإسكان الياء- ابن ساعدة، سماهما البخاري في (غزوة بدر)، وكذا رواه البزار في "مسند عُمر".
وفيه: ردٌّ على من زعم أن عُوَيمًا مات في حياة النبي ﷺ .
(تمالًا) -بالهمز- من التفاعُل؛ أي: اجتمع.
(مزمل) من التزمُّل، وهو الالتفاف في الثوب والاحتباء.
(بين ظهرانَيْهم)؛ أي: بينهم، وأصلُه: بين ظهريهم، فزيد فيه ألف ونون للتأكيد.
(يوعَك) بفتح المهملة؛ أي: يُحَمُّ ويوجَع بدنه برعدة، وكأن ذلك -والله أعلم- لهولِ ذلك المقام.
(تشهَّدَ خطيبُهم) قيل: هو ثابت بن قيسِ بنِ شَمَّاسٍ؛ أي: قال: كلمة الشهادة.
(رهط أنصار الله)؛ أي: أنصار دينه، أو رسوله.
(وكَتيبة) بفتح الكاف: الجيش.
قال (خ): أي: نفر يسير؛ فالرهطُ في الأصل من الثلاثة إلى العشرة؛ أي: عددكم بالنسبة إلى الأنصار قليل.
(دَفّتْ) بتشديد الفاء؛ أي: سارت.
(دَافَّة)؛ أي: رفقة يسيرون من البادية سيرًا ليّنًا من الفقر، مأخوذ
стр. 8115
من الدَّفيف وهو السير الضعيف؛ أي: أنتم قومٌ طُراةٌ غرباء، وأقبلتم من مكة إلينا، أو نفر يسير.
(يَخْتَزِلونا) من الاختزال -بالمعجمة والزاي-، وهو الاقتطاع والحذف؛ أي: يقتلعونا من أصلنا.
(وأن يَحْضُنُوننَا) بالحاء المهملة والضاد المعجمة والنون؛ أي: يخرجوننا، يقال: حضنته من الأمر: إذا نَحَّيته عنه، وانفردت به، وكأنه من المقلوب؛ أي: يحضنون الأمر دوننا. وقال أَبو عبيد: معناه: يخرجوننا إلى ناحية منه، والمعنى: يخرجوننا من الإمارة والحكومة، ويستأثرون بها علينا.
(زَوَّرْتُ) هيأتُ وأصلحت؛ من التزوير -بالزاي والواو والراء- وهو التهيئة والتحسين.
قال الزُّهْري: أراد عمر ﵁ بالمقالة: أن رسول الله ﷺ لم يمت.
(أُداري)؛ أي: أدفعُ عنه بعضَ ما يعتريه من الغضب ونحوه.
(الحَد) بفتح الحاء؛ أي: الحدة.
(رِسْلك) بكسر الراء؛ أي: اتَّئِدْ، واستعمل الرفق والتؤدة.
(أغضبه) من الإغضاب، وفي بعضها: (أعصيه)؛ من العصيان.
(أحلم) من الحلم، وهو الطمأنينة عند الغَضب.
(وأوقر) من الوقار، وهو التأني في الأمور والرزانة عند التوجه إلى المطالب.
стр. 8116
(ما ذكرت)؛ أي: من النصرة، وكونكم كتيبةَ الإسلام.
(هذا الأمر)؛ أي: الخلافة.
(قد رضيت) إنما جاز لأبي بكر ﵁ أن يقول ذلك، وقد جعله ﷺ إمامًا في الصلاة، وهي عمدة الإسلام؛ لأنه قاله تواضعًا وأدبًا، وعلمًا منه أن كلًّا منهما لا يرى نفسَه أهلًا لذلك مع وجوده، وأنه لا يكون للمسلمين إلا إمام واحد.
(لا يقرِّبني ذلك من إثم)؛ أي: لا يقربني الضربُ من الإثم؛ أي: ضربًا لا أعصي به.
(تسول) من سوَّلَت له نفسُه كذا؛ أي: زَيَّنَت، ويقال: سَوّل له الشيطان؛ أي: زين له وأغواه.
(قائل من الأنصار) هو حُباب -بضم المهملة وخفة الموحدة الأولى- ابنُ المنذِرِ، رواه مالِكٌ وغيره؛ بل وفي "البخاري" التصريحُ به في غير هذا الموضع من حديث عائشة ﵂ ﵂، وقيل: هو سعدُ بنُ عُبادةَ.
(جُذَيْلُهَا) مُصغر الجِذْل -بفتح الجيم وكسرها وسكون المعجمة-: أصلُ الشجر، والمراد به هنا: الجذع الذي تربط إليه الإبل الجرباء، وتنضم إليه تَحْتَكُّ به؛ أراد: أني يُستشفى برأي كما تستشفي الإبلُ بالاحتكاكِ به، والتصغيرُ للتعظيم.
(المُحَكّك) وصفه بذلك؛ لأنه أملسُ؛ لكثرة ذلك، وهو بضم
стр. 8117
الميم وتشديد الكاف بالبناء للمفعول.
(وَعُذَيْقُها) تصغير عَذْق -بفتح المهملة وسكون المعجمة-، وهو النخلة، وبكسرها، وهو العرجون.
(المُرَجَّب) بالجيم: المدلل المحسَّن ليجتنى، والرجبة: أن تُعْمَدَ النخلةُ الكريمةُ ببناء من حجارة أو خشب إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها أن تقع، وقيل: هو ضمُّ أعذاقها إلى سعافها، وشَدُّها بالخوص؛ لئلا يَنْفُضها الريح، أو وضعُ الشوك حولها؛ لئلا تصل إليها الأيدي المتفرقةُ.
(منا أمير ومنكم أمير) إنما قال ذلك؛ لأن أكثر العرب لم تكن تعرف الإمارة، إنما كانت تعرف السيادة، لكل قبيلة سيد، فلا تطيع إلا سيّدَ قومها، فجرى هذا القول منه على العادة المألوفة، فلما بلغه قولُ النبي ﷺ : "الخِلَافَةُ في قُرَيْشٍ"، أمسك عن ذلك؛ وأقبلوا على البيعَة.
(اللَّغَط) بفتح اللام والمعجمة: الصوت والجَلَبَة.
(فَرِقْتُ) بكسر الراء؛ أي: خِفْتُ.
(ونزَوْنا)؛ أي: وَثَبْنا، وغَلَبْنا، ووطِئْنا عليه.
(قتلتم)؛ أي: صُيِّرَ بالخذلان كالمقتول؛ لسلب قوته.
(قتله الله) إما إخبارٌ عما قَدّر الله تعالى من إهماله، ومنعِه من الخلافة، وإما دعاءٌ عليه صَدَرَ منه حين لم ينصر الحق، قيل: إنه لما تخلف عن البيعة وخرج إلى الشام، وُجِد ميْتًا في مغتسله، وقد اخضرَّ
стр. 8118
جسدهُ، ولم يشعروا بموته، حتى سمعوا قائلًا يقول، ولا يرون شخصَه:
قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةْ ... فَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَه
(فيما حضرنا)؛ أي: من دفن رسول الله ﷺ ونحوه؛ لأن إهمال أمرِ المبايعة كان يؤدي إلى الفساد الكلي، وأما دفنهُ ﷺ ، فكان العباسُ، وعليٌّ، وطائفةٌ مباشرين له، وما كان يلزمنا من اشتغالنا بالمبايعة محذورٌ في ذلك.
(فمن بايع) إلى آخره؛ أي: فلا يطمعنّ أحد أن يبايعَ ويتمّ له كما بويع لأبي بكر ﵁.
* * *
٣٢ - باب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ ويُنْفَيَانِ
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿رَأْفَةٌ﴾: في إِقَامَةِ الْحُدُودِ.
стр. 8119
(باب: البِكْرَان يُجْلَدَان ويُنْفَيَان)
المراد بالبِكْر: من لم يجامِعْ في نكاحٍ صحيحٍ، والتثنيةُ للرجل والمرأة، مفهومُه: أنه لو زنى بكرٌ بثيب؛ أي: محصن، لا يجلدان، وينفيان، وهو صحيح؛ لأن أحدهما يرجم، ومعنى النفي: تغريب عام عن البلد.
(رأفة)؛ أي: رحمة في إقامة الحدود؛ أي: لا تعطَّل الحدودُ شفقةً عليهما؛ ففي كلام البخاري اختصار.
* * *
٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ.
٦٨٣٢ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ.
الحديث الأول:
(ثم لم تزَل) بفتح الزاي.
(تلك السُّنَّة) برفع (السنة) ونصبه.
стр. 8120
قال (ط): التغريبُ إجماعُ الصحابة.
* * *
٦٨٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنىَ وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ بإقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
الثاني:
(وبإقامة الحدِّ)، أي: متلبسًا بهما، جامعًا بينهما، وفي بعضها: و (إقامة).
* * *
٣٣ - باب نَفْيِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْمُخَنَّثِينَ
(باب: نفي أهل المعاصي والمخنثين)
بفتح النون على الأشهر، وبكسرها، وهو القياس، ووجهُ هذا الباب هنا: أن النفي إذا كان على الذنب الذي لا حدَّ فيه ثابتًا، فعلى مَنْ عليه الحدُّ أولى.
٦٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى،
стр. 8121
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتكُمْ"، وَأَخْرَجَ فُلَانًا، وَأَخْرَجَ فلَانًا.
(والمترجلات)؛ أي: المتشبِّهات بالرجال، المتكلِّفات في الرجولية، فهو ضد المخنثين؛ لأنه تشبّه بالنساء.
(فلانًا وفلانًا) قيل: هما مَاتع -بالمثناة والمهملة-، وهِيْت -بكسر الهاء وسكون الياء ثم مثناة-، وسبق في (اللباس).
* * *
٣٤ - باب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ
(باب: من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه)
الأَولى أن يقال: مَن أمره الإمامُ؛ و (غائبًا) حالٌ من فاعل الإقامة، وهو الغير، ويحتمل أن يكون حالًا من المحدود المقام عليه.
قال (ك): وفي عبارته تعجرف.
قلت: لا عجرفةَ، فعادةُ البخاريِّ التعميمُ في المعنى، فيقول: باب من فعل كذا، ويكون الفاعل لذلك معينًا؛ إشارةَ إلى أن الحكم
стр. 8122
عامٌّ، فقوله: من أمر هو الإمام، وقوله: غير الإمام؛ أي: غيره، فأقامَ الظاهرَ مقامَ المضمرَ؛ لأنه لم يكن قد صرح به؛ ولكن التركيب واضح.
* * *
٦٨٣٥ - و ٦٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اقْضِ بِكِتَابِ اللهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ، يَا رَسُولَ اللهِ! بِكِتَابِ اللهِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنىَ بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْم، فَزَعَمُوا أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ، يَا أُنيسُ! فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا.
(إن ابني) هو من كلام الأعرابي، لا خصمِه، ومر في (كتاب الصلح) هكذا: (جاء الأعرابي، فقال: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمُه، فقال: صدقَ، فقال الأعرابي: إن ابني ...) إلى
стр. 8123
آخره، وذكره هنا مختصرًا؛ أي: فإن اعترفت بالزنا، فارجمها.
* * *
٣٥ - باب إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ
(باب: إذا زنت الأَمَة)
٦٨٣٧ - و ٦٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: "إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.
(ولم تحصن) ذكر هذا القيد، وإن كانت الأمةُ دائمًا هذا حكمها؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية [النساء: ٢٥]، فلم يوجب عليها مع الإحصان إلا ذلك؛ إما لأن الحديث خرج مخرج الغالب، أو أن الأمة المسؤول عنها كانت كذلك، على أن هذا القيد ليس في لفظ النبي ﷺ ؛ بل أطلق الحكم، وقيل: الإحصان هنا بمعنى: العفة عن الزنا، وقال (خ): هو بمعنى العتق، سبق الحديث في (البيع) أربع مرات.
стр. 8124
(بَضَفِير) بفتح المعجمة وكسر الفاء: الشعر المنسوج، والحبل المفتول.
* * *
٣٦ - باب لَا يُثَرَّبُ عَلَى الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ، وَلَا تُنْفَى
(باب: لا يُثَرَّبُ على الأمة إذا زنت)
٦٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِناَهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(فتبين)؛ أي: تحقَّقَ زِناها وثَبَتَ.
(يثرب) بالمثلثة؛ من التثريب، وهو التوبيخ والملامة.
(فليبعْها)، وإنما كان كذلك، مع أنه لم يرتضه لنفسه، لعله تستعفُّ عند المشتري.
(شعر) بسكون المهملة وفتحها.
(تابعه إسماعيل) وصله النسائي.
* * *
стр. 8125
٣٧ - باب أحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِحْصَانِهِمْ إِذَا زَنَوْا وَرُفِعُوا إِلَى الإِمَامِ
(باب: أحكام أهل الذمَّة) جمعُ حُكْم.
(ورُفعوا) بالبناء للمفعول.
٦٨٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنِ الرَّجْم، فَقَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَقَبْلَ النُّورِ أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَالْمُحَارِبِيُّ، وَعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَائِدَةُ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
الحديث الأول:
(أَقَبْلَ النُّورِ)؛ أي: نزولِ آية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، ووجهُ دلالته على الترجمة: إطلاقُ قوله: رجم.
قلت: فيه نظر؛ لأن الفعل لا عموم له.
(تابع عليّ) وصله مسلم.
(وخالد) موصول في (باب رجم المحصن).
(وعَبِيْدَة) وصله الإسماعيلي.
(قال لبعضهم) هي رواية أحمد بن منيع في "مسنده" عن عَبيدة،