به إجمالًا، من الكتُب والرُّسل، من الإلهيَّات والنُّبوَّات، وعلى إسنادِ الذَّوات إليه، من قوله: (وجَّهت وجهي إليك)، والصِّفات، من قوله: (أمري)، والأفعال، من قوله: (وألجَأتُ ظهري)، مع ما فيه من التَّوكُّل على الله تعالى والرِّضا بقضائه، وهذا بحسَب المَعاش، وعلى الاعترافِ بالثَّواب والعقاب خيرًا وشرًّا، وهذا بحسَب المَعاد.
وقال (ن) (١) في المَصدر الفتح والضم، وقد سبق ذلك، وأنَّ مالِكًا يشترِطُ في الغُسل الدَّلكَ، وأنَّ عائشة ﵂ لمَّا وصفت غُسلَه ﷺ لم تذكر دَلكًا، وعن المُزَنِيِّ موافقةُ مالكٍ محتجًّا بقياسه على الوُضوء.
قال (ط): هو لازمٌ.
قال (ك): ليس بلازمٍ، لأنَّه لا نُسلِّم وجوبَ الدَّلك في الوُضوء أيضًا.
(فاطهروا)، أي: عن الحَدَث للجمعِ بين (فاطَّهروا) و (المؤمن لا ينجس)، إذ التَّطهير أعمُّ من الحَدَث والخَبَث، ووجوبُ الغُسل مُستفاد من هاتين الآيتين، ويوجد هنا في بعض النُسخ: (باب الوضوءِ قبلَ الغُسل).
* * *
١ - بابُ الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ
(باب الوضوء قبل الغسل)
٢٤٨ - حدّثَنا عبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنا مالكٌ، عنْ هِشَامٍ،
стр. 845
عنْ أَبيهِ، عَن عَائِشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ
الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يدخِلُ أَصابِعَهُ فِي المَاءَ، فَيُخَلِّلُ بِها أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
الحديث الأول:
(بدأ) أتى به ماضيًا، وبالأفعال بعدَه مُضارِعةً إشعارًا بالفَرقِ بين ما هو خارجٌ من أفعال الغُسل، وما هو داخلٌ، هذا إذا جُعِلَت شرطيَّةً، فإن كانت ظَرفيَّةً، فما جاءَ ماضِيًا فعلى أصلِه، وما جَاء مُضارعًا فلاستِحضار صُورته للسَّامعين.
(الشعر) في بعضِها: (شَعره)، والمعنَى في هذا تليينُ الشَّعر وترطيبُه ليَسهُل مُرورُ الماء عليه.
(غرف) جَمع -غُرفَة- بالضَّم، وهي مِلءُ الكفِّ من الماء، وفي بعضِها: (غَرَفَات)، وهو الأصلُ في مميِّزِ الثَّلاثة؛ لأنَّه جَمعُ قلَّة، فعُرف حينئذٍ من إقامَة جَمعِ الكَثرة موضعَ القلَّة، أو أنَّه جَمعُ قلَّة، كما يقولُ الكوفيون: كعَشر سُورٍ، وثَماني حِجَجٍ.
(يفيض)؛ أي: يُسيلُ، ففي الحديثِ: استِحبابُ غَسل اليدَين قبل الغُسل، وتثليثُ الصَّبِّ، وتخليلُ الشَّعر، وجوازُ إدخالِ الأصابعِ في المَاء.
* * *
стр. 846
٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أفاضَ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا. هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الجَنَابَةِ.
الثاني (ع):
(سفيان)؛ أي: ابن عُيينة.
(غير رجليه) هذا الاستثناءُ زائدٌ على حديث عائشةَ ﵂ فيُعملُ به، ويُحمَلُ إطلاقُها: (توضَّأَ) على فعلِ أكثرِ الوُضوء حَملًا للمُطلقِ على المقيَّد، فيكونُ هو الأفضل، وهو أحدُ قولي الشَّافعي، لكن الأرجح كمالُ الوضوء، وتأخيرُ رجلَيه ﷺ في حديث مَيمونة ﵂ إنَّما كان لإزالة الطِّين ونحوِه، أو أنَّه (١) فعَلَهما في وقتَين لبيانِ الجَواز.
قلت: بل حديثُ عائشةَ ﵂ هو الذي فيه زيادةُ الثِّقة، لاقتِضائه غَسلَ رِجلَيه، وليس هذا من المُطلَق والمُقيَّد؛ لأنَّ ذلك في الصِّفات، لا في غَسلِ جُزءٍ وتَركِه، وكذا ليس في التيمُّم مسحُ رأسٍ ورِجلٍ، ولا في كفَّارة القتلِ إطعامٌ على المُرجَّح.
стр. 847
(وغسل فرجه) فيه إطلاقُ الفَرجِ على الذَّكَر، وإنَّما أخَّره عن التَّوضُّؤ إمَّا لعدمِ وجوبِ التَّقديمِ، أو لأن الواوَ لا تقتَضي التَّرتيبَ، أو أنَّه للحال.
(الأذى) الظَّاهرُ أنَّ المُرادَ به المستقذَرُ الطَّاهر.
(هذه)؛ أي: الأفعال المذكورة، وفي بعضِها: (هذا)، أي: المَذكور.
(غسله) بضَمِّ الغَين.
قال (ط): أجمعوا على استِحبابِ الوضوء قبلَ الغُسل، كأنَّ ذلك لفَضلِ أعضاء الوُضوء، وما رُوِي عن عليٍّ ﵁ أنَّه كان يتوضَّأ بعدَ الغُسل؛ لو ثَبَت فإنَّما فعَله لانتِقاضِ وضوئِه، أو شكِّه فيه.
* * *
٢ - بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَع امْرَأَتِهِ
(باب غسل الرَّجل مع امرأته)
٢٥٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أَغْتَسِلُ أنا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ.
стр. 848
(م).
(ابن أبي ذئب) بكسر المعجمة، هو محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُرَشِيُّ.
(والنبي ﷺ ) نصبٌ على أنَّه مفعولٌ معه، أو رفعٌ بالعَطفِ على (أنا)، وإن لم يصحَّ أن يكونَ (اغتَسل) عاملًا فيه، إمَّا لتغليب المُتكلِّم على الغائب، كتغليبِ المُخاطَب على الغائب في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، فيُقدَّر عامل كما قُدِّر هناك: وليَسكُنْ زَوجُك، وذاك وإنْ غُلِّبَ لكونِ آدم ﵇ أصلًا في سُكنَى الجَنَّة، فغُلِّبَ هنا؛ لأنَّ النِّساء كالأصل في هذا الباب؛ لكونِهنَّ محلَّ الشَّهوات وحاملاتٍ على الاغتسال.
(من قدح) الأَولى أن يُجعلَ بدلًا من قوله قبلَه: (من إناء)، بإعادة الجارِّ، وقيل: (مِنْ) الأُولى ابتدائيَّة، والثَّانية بيانيَّة.
(الفرق) الأشهرُ فتحُ رائِه، وإسكانُها لغةٌ، حكاها أبو زَيدٍ الأَنْصاريُّ، وهو ما يَسَعُ ثلاثةَ آصُعٍ، ستَّةَ عَشر رَطلًا؛ حكاه مُسلم عن سفيان.
وفي الحديث استعمالُ فضلِ وضوءِ المَرأة، وهو إن احتملَ أنَّه يغتَسلُ ﷺ -أوَّلًا، ويترُك لها ما بقي؛ لكنَّه خلافُ الطاهر، لا سيَّما إذا نُصب (النَّبِيّ) ﷺ مفعولًا معه، وقد سبق في (باب وضوءِ الرَّجل مع امرأته) ذكرُ المَذاهبِ في المسألة.
(أبو بكر) اسمه: عبدُ الله.
(أَبا سلمة) أي: عبدَ الله بنَ عبدِ الرَّحمن، وهو ابنُ أختِ عائشةَ ﵂ من الرَّضاعة؛ أرضَعته أُمُّ كُلْثُومٍ بنتُ الصِّديق ﵃.
(وأخو عائشة)؛ أي: من الرَّضاع، وهو عبدُ الله بنُ يزيدَ -بفتح الياء وبالزاي- كما في "مسلم"، وقال الدَّاودِيُّ: إنَّه عبدُ الرَّحمن ابنُ أبي بكرٍ ﵄.
(نحو) بالجر صفةٌ لـ (إناء)، ويُروى بالنَّصب؛ لأنَّ الباء زائدةٌ في المفعولِ المعطوفِ عليه على حدِّ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وإنَّما أصله: دَعَت إناءً؛ أي: طلبَته.
(وقال يزيد ...) إلى آخره، وصَلَه أبو عَوانة، وأبو نُعيمٍ في "مُستخرجَيهما".
(وبهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي، هو ابنُ أَسدٍ، وصَلَه الإسماعيلِيُّ.
(والجُدِّي) بضَمِّ الجيم وتشديد الدال، عبدُ الملِكِ بنُ إبراهيمَ، نسبةً إلى جُدَّة بساحِلِ البَحر من ناحية مَكَّة، وأصلُه منها، لكنه سَكَن البَصرة.
(قدر صاع) أي: بدلًا من قوله في الأول: (نحو صاع)، وبينهما فَرقٌ، والصَّاعُ خمسةُ أرطالٍ وثُلُث على مذهب الحجازيين احتجاجًا بحديث الفَرَقِ، فإنَّ تفسيرَه ثلاثةُ آصُعٍ.
стр. 851
وأمَّا احتجاجُ العِراقيينَ بأنَّ الصَّاع ثَمانيةُ أرطالٍ؛ لحديثِ مُجاهدٍ: دخلْنا على عائشةَ ﵂ فأُتِيَ بِعُسٍّ، أي: قَدَحٍ عظيمٍ، فقالت عائشة: كانَ رسول الله ﷺ يَغتسل بِمثلِه.
قال مجاهدٌ: فحَزَرتُه ثَمانيةَ أرطالٍ إلى تسعةٍ إلى عَشَرةٍ.
فلا يقابلُ ما اشتهر بالمدينة وتداولوه في مَعاشهم، توارثوا ذلك خَلَفًا عن سَلَف، كما أخرجه مالكٌ لأبي يوسف حين قَدِمَ المَدينة، وقال له: هذا صاعُ النَّبِيّ ﷺ ، فوجدَه أبو يوسف خَمسةَ أرطالٍ وثُلثًا، فرجَعَ إلى قَول مالكٍ، فلا يُترك نقلُ هؤلاء الذينَ لا يجوز تواطؤُهم على الكذبِ إلى خبرِ واحدٍ يحتمِلُ التَّأويل؛ لأنَّه حَزْرٌ، والحَزرُ لا يُؤمَن فيه الغَلَط.
وأيضًا فليس فيه بيانُ مقدارِ الماء الذي كان في العُسِّ، فجازَ أن يكونَ النبيُّ ﷺ اغتَسل بِملئِه، وبدونِ ملئِه، وقد سبق بيانُ ذلك قريبًا.
قال (ع): ظاهرُ هذا الحديث أنَّهما رأَيا عَمَلها ﵂ في رَأسِها وأعالي جَسدِها مِمَّا يَحِلُّ للمَحْرم نَظَرُه، ولولا شاهدا ذلك لم يكنْ لاستِدعائِها الماءَ وطهارتها بحضرَتِهما معنًى، وإنَّما ستَرت أسافِلَ البَدَن، وما لا يحِلُّ للمَحْرَمِ نظرُه، ففي ذلك استحبابُ التَّعليمِ بالفِعل، فإنَّه أوقَعُ في النفس من الوَصفِ بالقَول، وأدلُّ على المَقصودِ.
* * *
стр. 852
٢٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ وَأَبَوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلوهُ عَنِ الغسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِيني، فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ.
الثاني:
(يحيى) قال الغَسَّانِيُّ: في بعض النُّسخ ساقِطٌ، وهو خطأ؛ إذ لا يتَّصل الإسناد إلَّا به.
(أبي إسحاق)؛ أي: السَّبيعِيِّ.
(أبو جعفر)؛ أي: محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسينِ بن عليّ، الملقَّبُ بالبَاقِرِ.
(عن الغسل)، أي: عن مِقدارِ ماءِ الغُسلِ.
(يكفيك) بفتح أوَّله، وأُفردَ مع أنَّ السُّؤالَ من القَوم؛ إمَّا لأنَّ السَّائل واحدٌ منهم، ولكن نُسِبَ إليهم لأنَّه منهم، كما يُقال: النُّبوة في قُريشٍ، وإنْ كانَ النبيُّ واحدًا منهم، أو أريدَ بخِطاب الواحدِ العمومُ كما في: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وفي نحو: "بشِّر المشَّائين في ظُلَمِ الليالي إلى المساجد بالنُّور التَّامِّ"؛ أي: يكفي لكلِّ مَن يصحُّ الخِطابُ له صاعٌ.
(رجل) هو الحسنُ بنُ محمدِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أبوه ابنُ الحَنَفيَّة.
стр. 853
(شعرًا) نصب على التَّمييز.
(أو خيرًا) رُوِيَ بالنَّصب عَطفًا على الموصول الذي أُريدَ به النَّبِيّ ﷺ ، ويُروى: (خيرٌ)، بالرَّفع عطفًا على (أوفى)، لأنه بمعنى أكثر.
(ثم أمنا) إمَّا من قَول جابرٍ عطفًا على (كان يكفي)، فيكونُ الإمامُ هو النبيَّ ﷺ ، وإمَّا من مَقول أبي جعفر عَطفًا على: (فقال جابرٌ)، فالإمام: جابرٌ.
وفي الحديث أنَّه يُندَبُ أن لا يُنقصَ ماءُ الغُسل عن صاعٍ، ويجوزُ بأكثرَ إذا لم يُسرِفْ.
* * *
٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ.
وقالَ يزيدٌ بنُ هارونَ وبهزٌ والجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبةَ: قدرِ صاعٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ أَخِيرًا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونة؛ وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ.
الثالث (م):
(أبو نُعيم) هو الفَضلُ بنُ دُكَينٍ.
(عمرو) هو ابنُ دينارٍ.
стр. 854
(من إناء واحد) تعلُّقُ هذا الحديث بالباب؛ إمَّا لأنَّ المُرادَ بالإناء الفَرَقُ المذكورُ أو لكونِه مَعروفًا عندَهم [لم يحتَجْ إلى التَّعريف، أو أنَّ الإناءَ كان مَعهودًا عندَهم] (١) أنَّه الذي يَسعُ صاعين أو أكثر، أو أنَّ في الحديثِ اختصارًا، وكانَ في تَمامِه ما يدلُّ عليه، كما في حديثِ عائشةَ ﵂.
(كان ابن عُيينة)؛ أي: أنَّه مُستمرٌّ على ذلك إلى آخر عُمره، أي: فيكونُ عندَه من مُسنَد ميمونة، لكنَّ المُصحَّحَ عند البخاريِّ ما ذكرَه أوَّلًا، وهو أن يكونَ من مُسند ابنِ عبَّاس، وقد وَصَل رواية ابنِ عُيينَة مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو بكرِ بنُ أبي شَيبَة، والحُمَيدِيُّ وغيرُهم في مَسانيدِهم.
* * *
٤ - بابُ مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثلَاثًا
(باب من أفاض على رأسه ثلاثًا)
٢٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَمَّا أنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا)، وَأَشَارَ بِيَدَيهِ كلْتَيْهِمَا.
стр. 855
الحديث الأول (د م س ق):
سبق بيانُ رُواته قريبًا.
(أما أنا) لم تعادَل بـ (أمَّا) أُخرى بعدَها؛ لأنَّ ذاك ليس بلازم، والمعنَى مَهما يكنْ من شيء فأنا أُفيضُ، أي: بضَمِّ الهمزة، أو أنَّ السِّياقَ دلَّ على مقابله، ففي "مسلمٍ": أنَّ الصَّحابةَ ﵃ تَمارَوا في صِفَةِ الغُسلِ عندَه ﷺ ، فقال: (أمَّا أنا فأُفيضُ)؛ أي: وأمَّا غيري فلا يُفيضُ، أو لا أعلَمُ حالَه، ففيه أنَّه ما كان يُفيضُ من الإناءِ إلَّا ثلاثًا.
(كلتيهما) في بعضِها (كلتاهُما)، وهو على لغةِ لزومِ الألف عند إضافتِها للضَّمير كما في الظَّاهر.
وقال (ش): على لغةِ من يُلزِم المثنَّى الألفَ، وفيه نظر!
وفي الحديثِ: أنَّ الإفاضَة ثلاثًا باليَدَين على الرَّأس، ويقاسُ عليه سائرُ البدَن، وعلى الوضوء، بل هو أولى بالتَّثليث لبناءِ الوُضوء على التَّخفيف.
* * *
٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبهُ، عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسهِ ثَلَاثًا.
(ابن عمك)؛ أي: ابنُ عمِّ أبيك، ففيه تَجوُّزٌ.
(يعرض) هو خلافُ التَّصريح، وهو اصطِلاحًا كنايةٌ سبَقَت لمَوصوفٍ غيرِ مذكورِ، وفي "الكشَّاف": أن تَذكرَ شيئًا تدلُّ به على شيءٍ لم تذكرْه.
(الحسن بن مُحَمَّد)؛ أي: ابنُ عليّ بنِ أبي طالب، وأمّ محمَّدِ هي الحَنَفِيَّة.
قال ابن عُيينة: ما كان الزُّهْرِيّ إلَّا من غلمان الحسن بن مُحَمَّد، مات سنة مئة.
(ثلاثة أكف) إنَّما أتى بالتَّاء مع أنَّ الكَفَّ مؤنَّثةٌ؛ لأنَّ المُراد قدرُ كفٍّ، ثم ليس المُرادُ أنَّ كلَّ مرَّةٍ كفٌّ واحدٌ؛ بل ثلاثُ غَرَفاتٍ بالكفَّين معًا بدليل ما سبق: (وأشار بيدَيه)، فيُحملُ هذا على ذاك.
(على رأسه) في بعضِها بإسقاط (على).
(ثم يفيض) مفعوله محذوف؛ أي: الماء، ولا يُعاد إلى ما سبق في المَعطوفِ عليه، وهو (ثلاثة أكفٍّ)، ويكونُ قرينتُه العطفَ، لأنَّ البدنَ لا يكفيه ذلك غالبًا.
(كثير الشعر)؛ أي: فلا يكفيني هذا العدد، فردُّه عليه بأنَّ النَّبِيّ ﷺ كانَ أكثرَ شعرًا منك ويكفيه، وفي الحديث ندبيَّةُ تقديمِ الإفاضَةِ على الرَّأس.
* * *
стр. 858
٥ - بابُ الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً
(باب الغسل مرة واحدة)
٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونة: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أفاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.
(ع).
(أو ثلاثًا) شكٌّ من ميمونَةَ.
(مذاكيره) جَمع (ذَكَر) على غيرِ قياسٍ، فَرقًا بينَه وبينَ جَمع (الذَّكر) خلافِ (الأُنثَى).
وقال الأَخفش: إنَّه جمعٌ لا واحدَ له من لفظهِ كـ (أبابيل)، وإنَّما أتى بصيغةِ الجَمع وهو واحدٌ؛ إشارةً إلى غَسل الأُنثَيينِ، وحوالَيهِما معه، كأَنَّه قيلَ: كلُّ جزءٍ من هذا المَجموع كذَكَرٍ في حُكمِ الغَسل، أو (مذاكير) جمعُ (مِذكار)، لكنْ أُهمِلَ المفردُ فاستُعمِل الجَمعُ.
وفي الحديثِ استحبابُ غَسلِ اليد أوَّلًا، وتثليثُ غَسلِها، والاستنجاءُ
стр. 859
قبلَ الغُسل وبالشِّمال، ودَلكُ اليدِ بالأرض، والمَضمَضَةُ والاستِنشَاقُ.
ووَجهُ الاستدلالِ به على التَّرجَمة كما قال (ط): إنَّه لم يذكر في الإفاضةِ كمِّيةً، فحُمِلَ على أقلِّ ما يُمكِنُ وهو واحدٌ، والإجماعُ على وجوبِ التَّعميم والإسباغِ لا العدد.
قال (ن): ينبغي للمُغتَسل من نحوِ إبريقٍ أن يتَفَطَّن لدقيقةٍ، وهو أنَّه إذا استَنجى يُعيدُ غَسلَ محلَّ الاستنجاء بنيَّةِ غُسلِ الجنابة؛ لأنَّه إذا لم يُغسَل الآن ربَّما غَفَل عنه بعد ذلك، فلا يصحُّ غُسلُه لتَركِه بعضَ البَدَن، وإن تذَكَّر احتاجَ لِمَسِّ فَرجه، فينتقضُ وضوؤُه، أو يحتاجُ إلى كُلفَةِ لفِّ خِرقةٍ على يده.
* * *
٦ - بابُ مَنْ بَدَأَ بِالحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ عِنْدَ الغُسْلِ
(باب من بدأ بالحلاب): هو بكسر الحاء المُهمَلة، (أو الطيب عند الغسل): وظاهرُه أنَّه ظنَّ أنَّ (١) الحلاب الآتي في الحديث طِيبًا، وليسَ كذلك.
قال (ح): إنَّما هو إناءٌ يَسعُ قَدرَ حَلْبِ ناقةٍ، لا المِحْلَبُ الذي يُستَعمَلُ في غَسل الأيدي.
стр. 860
وقال (ط): أما المَحْلَبُ -بالفتح- فهو الحبُّ الطيِّبُ الرِّيح.
قال: فإنْ ظنَّ البُخَارِيّ أنَّه ضَربٌ من الطِّيبِ، فقد وَهِمَ، إنَّما هو الحِلابُ الذي كانَ فيه طِيبُ رسول الله ﷺ الذي كان يستعملُه عند الغُسل، ففي الحديثِ: الحضُّ على استعمالِ الطِّيبِ عندَ الغُسل تأسِّيًا به ﷺ .
قال (ش): ويُروَى خارجَ الصَّحيحِ: بجيمٍ مضمومَةٍ ولامٍ مُشدَّدةٍ، وفُسِّر بِماء الوَرد.
قال في "النهاية": ويحتملُ أنَّ البخارِيَّ إنَّما قاله كذلك، ولهذا عَطَف عليه (الطِّيب)، ولكنَّ الذي يُروى في كتابه إنَّما هو بالحَاء، وهو بِها أشبَهُ؛ لأنَّ الطِّيبَ أليقُ بعدَ الغُسل لا قبلَه؛ لأنه إذا بدأَ به أذهبَه الغُسل.
قال (ك): لم يتوهَّم البخاريُّ ذلك، وإنَّما أراد الإناء، والمعنَى: أنَّه ﷺ كان يبتدِئُ عندَ الغُسل بطَلَبِ ظَرفٍ للماء، وإنَّما لم يَذكر الطِّيبَ في الباب لأنَّه عَقَد التَّرجمة لإباحة الأمرَين، بدليلِ (أو) المُنفصلَة، فوفَّى بذكرِ أحدِهِما، وأيضًا فالبخاريُّ كثيرًا ما يترجِمُ ثُم لا يذكرُ في بعضِه حديثًا؛ لأمورٍ سبق بيانُها.
وأيضًا فإذا كانَ المُراد من المِحلَبِ الذي يُستعمَلُ في غَسل الأيدي كان ذلك مُشتَرَكَ الإلزامِ؛ لأنه ليس فيه ذكرُ الطِّيب.
قال: وأمَّا مناسبةُ اقتِرانِ الطِّيب في التَّرجمة بالظَّرف؛ فمن حيثُ إنَّ كلًّا منهما يُبتدَأُ به في الغُسل، ويحتملُ أنَّه أَرادَ بالحِلاب الإناءَ الذي
стр. 861
فيه الطِّيبُ، يعنِي: أنَّه يبدأُ تارةً بطلَبِ ظَرفِ الطِّيبِ، وتارةً بطلَب نفسِ الطِّيب؛ سلَّمنا أنَّه يوهِمُ ما يستعملُ في غَسل الأيدي، لكنَّ غَرضَه منه أنَّه ليس بطيبٍ؛ فإنَّه جعل الطِّيبَ قسيمَه؛ أي: إنَّ رفعَ الأذى بأحدِ أمرين؛ المزيلِ للأذى، أو تحصيلِ الطِّيب الذي هو ضدُّه، انتهى مُلخَّصًا، وهو مع تكلُّفه لا حاصلَ له في الجواب.
* * *
٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيءٍ نَحْوَ الحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.
الحديث (م د س):
(أبو عاصم) هو الضَّحَّاكُ بن مَخْلَد.
(حنظلة)؛ أي: ابنُ أبي سفيان القُرَشيُّ.
(وقال بهما)؛ أي: بالكفَّين، وأجَرى (قال) مجرى (فَعَل)، وهو من إطلاقِ القَول على الفِعل مَجازًا.
(وسط) بتحريك السين، حاقُّ الوَسَط، أي: مركزُه، وبالتَّسكين أعمُّ منه. وقال الجوهري: بالسكون ظَرفٌ، وبالحَرَكة اسمٌ، وكلُّ مَوضِعٍ صلح فيه (بَينَ) سُكِّنَ وإلا حُرِّكَ.
* * *
стр. 862
٧ - بابُ المَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاق فِي الجَنَابَةِ
(باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة)؛ أي: في غُسلِ الجَنابة.
٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثتنَا مَيْمُونةُ قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا.
(أبي)؛ أي: حفصُ بنُ غياثٍ.
(غسلًا) بضَمِّ الغين، أي: ماءً، بدليل ما سبَق: (وضَعتُ له ماءً).
(فرجه) فيه إطلاقُ الفَرْجِ على الذَّكر.
(ثم قال بيده) أقامَ (القولَ) مَقام (الفعل)، كما سبق في رواية: (فقالَ بِهما).
قال (ط): كما أقامَ الفعل مَقام القَول في حديث: "لا حَسَد إلا في اثنتين"، ثم قال في الذي يتلو القرآن: "لو أوتيتُ مثلَ ما أوتِيَ هذا
стр. 863
لفعلتُ مثلَ ما فَعل".
قال: وفيه أنَّ الإشارة باليد تُسمَّى قولًا، تقولُ العربُ: قل لِي برأسك، أي: أمِلْهُ.
قال (ش): وفي رواية أبي داودَ: (ثمَّ ضَرَب بيده الأرضَ).
(ثم تنحى)؛ أي: بَعُد، وسبَقَ بيانُ حكمِ ذلك، وحكمتُه والخلافُ فيه، ففي الحديث غَسلُ اليدينِ، والفَرجِ، ودلكُ اليد بالأرضِ، والمَضمَضةُ والاستِنشاق قبلَ الغُسل، وسبق بيانُ الحكمة في وجوبِهما أو نَدبِهما.
(بمنديل) مأخوذٌ من النَّدْل، وهو الوَسَخُ؛ لأنَّه يُندَلُ به، يقال: تندَّلْتُ بالمِندِيل.
قال الجوهري: ويقالُ: تَمَندَلتُ به، وأنكَرَهُما الكِسائِيُّ.
(فلم ينفض بِها) أنَّثَ على معنَى (الخِرقة) كما في حديث عائشةَ: (كانت له خِرقةٌ يتنشَّف بِها)، وإلا فالمِنديلُ مُذَكَّرٌ، ورواية مسلم: (فَرَدَّه).
(قال أبو عبد الله)؛ أي: البخاريُّ: إنَّ المعنَى في: (لم يَنفُض بِها)؛ لم يَتمسَّح بِها.
وفي التَّنشيفِ في الوُضوء والغُسل خَمسةُ أوجُهٍ عندنا كما قال (ن): يندبُ تَركُه، مكروهٌ، مباحٌ، مستحبٌّ؛ لما فيه من الاحترازِ عن الأَوساخِ، يُكرَه في الصَّيف دون الشِّتاء.
قال (ط): أجمعوا على عدمِ وجوبِ الوضوء في غُسل الجنابة،
стр. 864
والمَضمضةُ والاستنشاقُ سُنَّتان في الوُضوء؛ فسقَطتَا لسُقوطِ الوضوء، فدَلَّ أنَّهما في حديثِ مَيمونةَ سُنَّتان، قال: وتركُهُ المِنديلَ لإبقاءِ بَرَكة المَاءِ.
وقال التَّيمِيُّ: ما أُتِيَ بالمِنديلِ إلَّا أنَّه كان يَتَنَشَّفُ، ورَدُّه؛ لعلَّه كانَ وَسِخًا أو نحوَه.
* * *
٨ - بابُ مَسْحِ اليَدِ بالتُّرَابِ لِيَكُونَ أَنْقَى
(باب مَسْحِ اليَدِ بِالتُّرَابِ لِيَكُونَ أَنْقَى): حَذَف (مِن) الملازمةَ لأفعَل التَّفضيل المُنَكَّر، أي: أنقى من غير المَمسوحَة.
قال (ك): إنَّه حينئذٍ يكونُ مفردًا مذكَّرًا، فلذلك لم يطابِقْ اسمَ (كان).
قلت: إن عَنَى أنَّ اسمها ضميرُ اليدِ صَحَّ ما قاله، والظَّاهرُ أنَّ اسمَها يعودُ على المَسح أو نحوِه، فالمُطابقة حاصلةٌ.
٢٦٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونة: أَنَّ النبي ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
стр. 865
(سفيان)؛ أي: ابنُ عُيينة.
(الأعمش)؛ أي: سليمان، وفي السَّند ثلاثةٌ تابعيُّون، وصَحابيَّانِ.
(فغسل) من عَطفِ المُفصَّل على المُجمَل؛ لأنَّه تفسيرٌ لِـ (اغتسل)، وإلا فغَسلُ الفَرج والدَّلكُ ليس بعد الغُسلِ.
وهذا الحديثُ وإن عُلِم حكمُه من الباب قبلَه؛ فليس بتكرار؛ لأنَّ غرضَ البخاريِّ بِمِثلِها خلافُ استِخراجات الشُّيوخ، مثلًا عمرُو بنُ حَفصٍ رَوَى الحديثَ في مَعرِضِ المَضمَضة والاستِنشاق في الجَنابة، والحُمَيدِيُّ في مَعرِضِ مَسحِ اليَد بالتُّراب، هذا مع إفادَة التَّقوِيةِ والتَّأكيدِ.
* * *
٩ - بابٌ هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا إِذا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الجَنَابَةِ ؟
وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ، وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ.
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ.
(باب هل يدخل الجنب يده في الإناء ...) إلى آخره.
стр. 866
(قذر) ضِدُّ النَّظافة، من قَذِرْتُ الشَّيءَ -بالكَسرِ-: كَرِهتُه.
(يده)؛ أي: أَدخَل كلٌّ منهما يدَه، وفي بعضِ النُّسخ: (يدَيهما ولم يغسلاهُما، ثم تَوضَّأا)، بالتثنية في الكل.
(في الطهور) بالفَتح على المَشهور.
(ينتضح)؛ أي، يتَرَشرَشُ.
قال الحسن: ومن يَملك انتشارَ الماء؟ إنَّا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسَعُ.
* * *
٢٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أفلَحُ، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ.
الحديث الأول (م):
(أفلح) هو ابنُ حُمَيدٍ الأنصاريُّ، والسَّنَدُ كلُّه مدني.
(والنبي ﷺ ) بالرَّفع والنَّصب سبق توجيههما.
(تختلف)؛ أي: إدخالًا وإخراجًا.
* * *
٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ.
стр. 867
الحديث الثاني (د):
(حماد) هو ابنُ زيد.
(غسل يده)؛ أي قبل إدخالِها في الماء، وليس فيما أوردَه البخاريُّ في الباب غَسلُ اليدِ إلَّا في هذا الحديث، وحُمِل غَسلُها قبلَ إدخالِها على ما إذا خَشِيَ أن يكونَ عَلِقَ بِها شيءٌ من أذى الجنابة أو غيرِها، فاستُعمِل في اختلاف الأحاديث ما جُمعَ فيه بين معانيها وانتفاءِ التَّعارضِ عنها.
وقد أشار إلى ذلك (ط) قال: لأنَّ يدَه إذا كانت طاهرةً من النَّجاسة وهو جُنُب، جاز أن يُدخِلَها قبل أن يَغسلَها، لأنَّ الجنابة لم تُنَجِّس شيئًا منه؛ لقوله ﷺ : "المؤمنُ لا ينجُسُ"، انتهى.
وقال بعضهم: وجهُ مُطابقته للتَّرجَمة أنَّه لمَّا جازَ إدخالُ اليدِ في أثناء الغُسل قبل تَمامِ الطُّهر جاز في ابتدائه، وأمَّا التَّوفيقُ بينَه وبين حديثِ ميمونةَ: أنَّه إذا اغتسل من الجنابةِ غَسَل يده، فلأنَّ ذلك نَدبٌ، وهذا جوازٌ.
قال (ك): أو أنَّ هذا مُطلَقٌ وذلك مقيَّدٌ، فيُحمَل عليه، فيكونُ مَندوبًا.
* * *
٢٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ.
стр. 868
٢٦٣ / -م - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، مِثْلَهُ.
الثالث (س):
(أبو الوليد) هو هِشَامُ الطيالِسِيُّ.
(من إناء واحد من جنابة): (من) الأولى للابتِداء، والثَّانية: سببيةٌ، أي: من أجلِ الجنابةِ، وذلك جائزٌ، ولو تعلَّقا بفعلٍ واحدٍ. أو يقال: متعلِّقةٌ بمحذوفٍ، أي: آخذَينِ أو مُستَعملَين الماءَ من إناءٍ واحدٍ، فهي ظَرفٌ مستقرٌّ، والثانيةُ: لَغوٌ.
(وعن عبد الرَّحْمَن) عطفٌ على (أبي بكر)؛ أي: حدَّثَ أبو الوليدِ عن شُعبَةَ عنهما، فيكونُ متَّصلًا لا تَعليقًا.
(عن أَبيه) أي: القاسِمِ بنِ محمَّدِ بنِ أبي بكرٍ الصِّديقِ يَروي (١) عن عمَّته عائِشَةَ.
(مثله): منصوبٌ، ويجوزُ رَفعُه، وفي بعضِها: (بِمثلِه) -بالمُوحَّدة-.
* * *
٢٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 869
وَالمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ، عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الجَنَابَةِ.
الرابع (م):
(عبد الله بن عبد الله) مكبَّران.
(والمرأة) اللامُ للجنس.
(زاد مسلم)؛ أي: ابنُ إبراهيمَ.
(ووهب)؛ أي: ابنُ جَريرٍ.
(عن شعبة)؛ أي: عمَّن في السَّند السَّابق، وهو عن عبد الله: سمعتُ أنسًا.
ثمَّ ظاهرُ هذا أنَّه تعليقٌ من البُخاريِّ، لأنَّه حين وفاةِ وَهْبٍ كانَ ابنَ اثنتَي عشرةَ سنةً، ويحتملُ أنَّه سمعَه منه، وإدخالُه في مَسلَكِ مسلمٍ يدلُّ علَيه.
قلت: وهو على كل حالٍ: زيادةُ وهْب وصَلَها الإسماعيلِيُّ، وزيادةُ مُسلمٍ؛ قال بعضُ العَصريينَ: لم أجِدْها.
* * *
١٠ - بابُ تَفْرِيقِ الغُسْلِ وَالوُضُوءِ
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُهُ.
(باب تفريق الغسل والوضوء): يحتملُ أنَّه يريدُ بذلك تركَ
стр. 870
المُوالاة، وأن يريدَ الغُسل لا يكفي عن الوُضوءِ لِمَن عليه الحَدَثان، لكنَّ الأوَّل أظهرُ، بدليلِ أثرِ ابنِ عمرَ.
(ويذكر عن ابن عمر) تعليقٌ بتَمريضٍ، وهو في "الأمِّ" عن مالكٍ عن نافعٍ، عنه، لكنْ فيه أنَّه توضَّأ في السُّوقِ دونَ رِجلَيه، ثم رَجَع إلى المَسجدِ، فمسحَ على خُفَّيه، ثم صلَّى، والإسنادُ صحيحٌ، فلعلَّ البخاريَّ إنَّما لم يَجزِمْ به لكَونه ذَكرَه بالمعنَى.
(وضوؤه) بالفَتح، أي: الماءُ الذي يَتوضَّأ به.
* * *
٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أفرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وغَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.
(محبوب) بمُهمَلةٍ فمُوحَّدة مكرَّرةٍ، قيل: وهذا لَقَبٌ، وإنَّما اسمُه الحسَنُ، وأكثرُ مباحثِ الحديثِ سبَقت.
(ثلاثًا) الظَّاهرُ عَودُه لجميعِ الأفعال السَّابقة، ويحتملُ عودَه للأخيرِ فقط، وهو يناسبُ قولَ الحنفيَّة: إنَّ القَيدَ المُتَعقِّبَ (١) لجُملٍ
стр. 871
يعودُ للأخير، والشَّافعيَّةُ قالوا: للكلِّ.
(مقامه) -بفَتح الميم- اسمُ المكان، وهو إن كانَ مِنْ: قامَ يقومُ، فلا يُستَدلُّ به على أنَّه ﷺ اغتَسَلَ قائمًا؛ لأنَّ العُرفَ يُطلِقُه على المَكانِ سواءٌ كانَ قائِمًا فيه أو قاعِدًا، ففي الحديثِ جوازُ تأخيرِ غَسلِ بعضٍ قبلَ جَفافِ الأوَّلِ، وأصحُّ قولَي الشَّافعي: أنَّ الموالاة سُنَّةٌ لهذا الحديث؛ ولأنَّ الله تعالى إنَّما أوجَبَ غَسلَ الأعضاء، فمَن أتى به امتَثَلَ مُواصِلًا أو مُفَرِّقًا، وأوجبَها مالكٌ إلَّا إنْ كانَ ناسيًا، أو كانَ التَّفريقُ يسيرًا؛ نعم، نَقَلَ عنه ابنُ وَهْبٍ أنَّها مُستَحبَّة.
وقال الطَّحاويُّ: إنَّ تنَحِّيَه ﷺ ظاهرُه القُربُ، يُشعِرُ به لفظُ (التَّنَحِّي)، فإنَّه ﷺ لم يترك المُوالاة، وتواطأَ بعدَه السَّلفُ عليه، أي: فاليسيرُ لا يضُرُّ، ولا ينبغي أن يُقاس عليه الكثير كما في الحجِّ، فإنَّ اليسيرَ في الصَّلاة لا يُبطِلُ، والكثيرَ يُبطِلُ، وقياسُه بِها أولَى مِنَ الحجِّ، لأنَّ الطَّهارة تُرادُ للصَّلاة.
* * *
١١ - بابُ مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِي الغُسْلِ
(باب من أفرغ بيمينه على شماله)
٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ
стр. 872
عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ -قَالَ سُلَيْمَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لا- ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا.
(غسلًا) -بضَمِّ الغَين-: الماءُ، وتقدَّم أنَّه بفَتحِها: الفِعلُ، وبكَسرِها: ما يُغسَل به من سِدْرٍ ونحوِه.
(وسترته)؛ أي: غطَّت رأسَه.
(فصب) عطفٌ على مَحذوفٍ، أي: فأرادَ الغُسلَ، فكَشَف رأسَه فأخذَه فصبَّ على يدِه، والمُرادُ باليدِ الجنسُ، فيصِحُّ إرادةُ كلتَيهما.
(سليمان) هو الأعمشُ، وهذا من قَول أبي عَوانَةَ.
(وذكر)؛ أي: سالِمٌ.
(فقال بيده)؛ أي: أشارَ أنَّه لا يتناوَلُها.
(ولم يردها) من الإرادَةِ، وقد سبقَ حكايةُ (ن) الأوجهَ الخَمسةَ في التَّنشيفِ، ونَزيدُ هنا: أنَّ للصَّحابةِ ثلاثةُ مذاهبَ؛ فقال أنسٌ: لا بَأَسَ به في الوُضوء والغُسل.
وقال ابن عمَرَ: مكروهٌ فيهما.
وقال ابنُ عبَّاس: يُكرَه في الوضوءِ دونَ الغُسل.
стр. 873
وفي الحديث خدمةُ الزَّوجاتِ للأزواج، وتغطيَةُ الماء، والصبُّ على اليَدِ دونَ إدخالِها.
قال (ط): والحديثُ مَحمولٌ عند البُخاريِّ على أنَّه كانَ في يده أو في فَرجِه أذى، فلذلك دَلَك يدَه بالأرض وغَسَلها قبلَ إدخالِها.
قال (ح): صبُّ الماء باليمينِ على الشِّمالِ واضحٌ، وغَسلُ الأطرافِ إن كانَ الإناءُ واسِعًا، فيضَعُه عن يمينِه، ويأخذُ منه بيُمناه، أو ضيِّقًا فعَن يسارِه، ويصبُّ منه على يمينِه، وردُّه الخِرقَةَ ليس لأنَّه غيرُ مباحٍ، فقد رُوِيَ عن قيسِ بنِ سَعدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ اغتسَلَ، فأتيناهُ بِمِلْحَفَةٍ فالتَحَفَ بِها.
وفيه: أنَّ تقديمَ الاستنجاء أولى، وإن جازَ تأخُّرُه؛ لأنَّهما طهارتانِ مختلفتان، فلا ترتيبَ بينَهُما، وفيه الوُضوءُ قبلَ الغُسل، وأوجبَه داودُ مُطلَقًا، وقومٌ إن كانَ مُحدِثًا، ومذهبُ الشَّافعيِّ دخولُ الوضوء في الغُسل، وفيه التَّباعدُ في غَسلِ الرِّجلَين، وسبقَ بيانُه.
* * *
١٢ - بابٌ إِذَا جَامَعَ ثمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحدٍ
(باب إذا جامع ثم عاد): في بعضِها: (عاوَدَ).
٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
стр. 874
وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا.
الحديث الأول (م):
(بشار) بالموحَّدة وشينٍ مُعجَمة مشدَّدة، أي: بُنْدارٌ.
(ابن أبي عدي) محمدُ بنُ إبراهيمَ، فأبو عَدِيٍّ كنيةُ إبراهيمَ.
(ذكرته) أي: ذكرتُ ما يأتي به، وهو قول ابنِ عمَرَ: ما أحِبُّ ... ، إلى آخره.
(أَبا عبد الرَّحْمَن) هو كنيةُ ابنِ عمرَ، وترحُّمُها له.
فيه إشعار بأنَّه سَها فيما قاله في شأنِ النَّضْحِ، وغَفَلَ عن حالِ النَّبِيّ ﷺ .
(ينضخ) بالخاء المُعجَمةِ، وفي بعضِها: بالمُهمَلة، قيل بمعنًى، وهو الرَّشّ، وقيل بالمُعجمَة أوسعُ وأكثرُ.
* * *
٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قتادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى
стр. 875
عَشْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ لأَنسٍ: أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كنَّا نتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قتَادَةَ: إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: تِسْعُ نِسْوَةٍ.
الحديث الثاني:
(أبي)؛ يعني: هشامَ بنَ أبي عبدِ الله.
(من الليل والنهار) الواو بمعنَى (أو).
(وهن إحدى عشرة) الإطلاقُ في الحديثِ السَّابقِ محمولٌ على هذا، حتَّى يكونَ للأوَّلِ دَخْلٌ في التَّرجَمة؛ لأنَّ النِّساء أوَّلًا لو كُنَّ قليلًا ما كان يتَعذَّر الغُسلُ من وَطءِ كلِّ واحدةٍ بخلافِ الأحدَ عشَرَ، إذ يتَعَذَّر في ساعةٍ واحدةٍ في العادة المُباشرةُ والغُسل إحدى عشرةَ مرَّةً.
واعلم أنَّه لا تعارضَ بين هذا والحديثِ الآخر (تسعُ نِسوَةٍ) لاختلافِ الأَوقاتِ، أو أنَّه أَرادَ ما سِوى سَراريه: ماريَةَ، ورَيحانةَ، أو المُراد: زَينَبُ بنتُ خُزَيْمَةَ أيضًا ورَيحانةُ أيضًا.
قلت: فيه نظر!، وفي الحديثِ أنَّه ﷺ كان يُباحُ له نكاحُ أكثرَ من تِسعَةٍ، وهو الأصحُّ عندَ الشَّافعيَّة.
قلت: في ذلك نَظَر؛ لما سبَقَ في الجَمعِ بينه وبين حديث (تسعة).
(قال)؛ أي: قتادةُ.
(أو كان) الهمزةُ للاستِفهام، والعَطفُ على مُقدَّرٍ، أي: أثَبَتَ ذلك؟ على طريقةِ من يَلتزِمُ ذلك، وسبَق مرَّاتٍ.
стр. 876
(ثلاثين) مُميِّزُه محذوفٌ، أي: ثلاثين رجلًا.
(وقال سعيد) هو ابنُ أبي عَرُوبَةَ بفتحِ المُهمَلة وضَمِّ الرَّاء المُوحَّدة، والظَّاهرُ أنَّه تعليقٌ، ووصَله البخاريُّ في (باب الجُنُب يَخرُجُ وَيمشي في الأسواق)، ويحتملُ أنَّه من كلامِ ابن عَدِيٍّ، ويحيى القَطَّان، لأنَّهما يروِيان عنه، وأن يكونَ من كلامِ معاذٍ إن صحَّت روايته عن ابن أبي عَروبَةَ.
(تسع) بالرفعِ، لأنَّه بدلٌ من العَدَدِ السَّابق، وذلك خبَرُ مبتدأ، وهو: (وهُنَّ)، أي: عائشةُ، وحفصَةُ، وأمُّ سلَمَةَ، وزينبُ بنتُ جَحشٍ، وأمُّ حبيبةَ، وجُوَيرِيَة، وميمونةُ، وصَفِيَّةُ، وسَودَةُ.
قال (ط): اختلفوا فيمَن وطِيءَ نسوةً؛ هل يتوضَّأ عندَ وَطْءِ كلِّ واحدةٍ وُضوءَه للصَّلاة؟ ولم يختلفوا في أنَّ الغُسل لهنَّ واحدٌ، وأمَّا وطؤُه الكُلَّ في ساعةٍ، فقيل: لأنَّ القَسم لم يكنْ واجبًا عليه، كما هو وجهٌ لأصحابنا، أو أنَّه لمَّا رَجَعَ من سفرٍ وأرادَ القَسم ولا واحدةَ أَولى من الأُخرى بالبِدايةِ بِها، فَوَطِيءَ الكُلَّ، أو كانَ ذلك باستِطابتِهِنَّ كما استَأذَنَ أنْ يُمَرَّضَ في بيت عائشةَ، أو الدَّورانُ كان يومَ القُرعَةِ للقِسمَة قبلَ أن يَقْرَعَ بينَهنَّ.
قال: وفي الحديث عَدُّ السَّراري من النِّساء، قال: لأنَّه لا يحلُّ له إلَّا تسعةٌ، أي: على مذهَبِه، وفيه أنَّه لا يَجِبُ التَّدلُّكُ في الغُسل، إذ الغُسلُ لا يُبقي أثرَ الطِّيبِ، وقال الطَّحاويُّ: يجوزُ أن يكونَ ذلك، وقد