الإذْخِرَ، فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ". وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: الْقَتْلَ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: "إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ".
الحديث الأول:
(وقال عبد الله) وصله البيهقي.
(بني ليث) بفتح اللام والمثلثة: قبيلة.
(الفِيل) بكسر الفاء وبالياء.
(يختلى): يجز.
(يُعضد): يُقطع.
(منشِد): مُعَرِّف؛ أي: لا تجوز لقطتها إلا للتعريف فقط.
(أَبو شاه) هو معنى ما سبق في (العلم): (أبي فلان)، وهو بالهاء على المشهور.
قال (ع): هو مصروف، وضبطه غيره معرفة ونكرة، وخَطَّأَ الحافظُ السِّلَفِيُّ من قال: أَبو شاة -بتاء-، وقال: هذا فارس من فرسان الفرس المرسلين من قبل كسرى إلى اليمن.
(اكتب لي)؛ أي: هذه الخطبة.
(رجل) هو العباس.
(إلا الإذْخِر) استدل به لانفصال الاستثناء عن المستثنى منه،
стр. 8159
وجواز تفويض الحكم إلى رأيه ﷺ ؛ بل على وقوعه.
(تابعه عُبيد الله) بصيغة التصغير؛ أي: ابن موسى، وصله مسلم.
(في الفِيل)؛ أي: في روايته بالفاء.
(وقال بعضهم) هو الإمام محمد بن يحيى الذُّهْلي النيسابوري، فقد أخرجه الجَوْزَقِي من طريقه، وسبق الحديث، وجواب ما استشكل فيه في (العلم).
(القتل)؛ أي: بالقاف والمثناة على هذه الرواية.
* * *
٦٨٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، قَالَ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ.
الثاني:
(ولم تكن فيهم الدية) قالوا: ولم يكن في دين عيسى ﵊ القصاص، فكل واحد منهما واقع في الطرف، وهذا الدِّين الإسلامي هو الواقع وسطًا، وهكذا جميع الأحكام يُعلم ذلك
стр. 8160
من استقرائها، ففي العلميات: صفاتُه ليست إثباتًا بحيث يؤدي للتجسيم، ولا نفيًا بحيث يؤدي للتعطيل، وفي أفعال العباد: لا جبرَ، ولا قدَر، وفي أمور الآخرة: لا محضَ خوف، ولا محضَ رجاء؛ بل بينهما، وفي الإمامة: لا خروج ولا رفض، وفي الماليات: لا إسرافَ ولا تقتير، وفي العمليات: لا جهرَ ولا مخافتة، وفي البدنيات، وهلمَّ جَرًّا.
قال (ك): وقد يستنبط منه: أنه ﵊ خاتم النبيين؛ إذ الذي يفرض بعده إما أن يأمر بالإفراط، أو بالتفريط، وكلاهما منافٍ للتكميل.
قلت: ما أسمجَ استدلالَه على المقطوعِ به المعلومِ من الدِّين بالضرورة بمثل هذا الاستدلال الذي قد يقول كافر: إن الذي بعده يأتي بمثله في التوسط.
* * *
٩ - باب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ
(باب: من طلب دم امرئ بغير حق)
٦٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
стр. 8161
"أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ".
(أبغض) هو بمعنى المفعول، أو المراد في نسبته إلى الله تعالى: إيصالُ المكروه.
(الناس)؛ أي: المسلمين.
(ملحِد) هو المائل عن الحق، العادلُ عن القصد؛ أي: الظالم.
(الحرم) هو حَرَم مكة؛ فإن قيل: فاعلُ الصغيرة فيها مائلٌ عن الحق، فيكون أبغضَ من صاحب الكبيرة المفعولةِ في غيره؛ قيل: نعم، مقتضاه ذلك؛ بل مريدُها كذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ويحتمل أن يقال: هو خبر مبتدأ، فالجملة اسمية، فالمقصود: ثبوتُ الإلحاد ودوامُه، والتنوينُ للتكثير والتعظيم؛ أي: صاحبُ الإلحاد الكثير أو العظيم، أو معناه: الظلم في أرض الحرم بتغييرها عن وضعها، أو تبديل أحكامها ونحوِه.
(سنة الجاهلين)؛ أي: طريق أهلها؛ كنياحةٍ ونحوِها، وهي، وإن كانت صغيرة؛ لكن المقصود: إرادة بقاء تلك القاعدة وإشاعتها، وتنفيذها، لا مجرد فعلها؛ لأن اسم الجنس يعم بالإضافة.
(ومطلب)؛ أي: متكلف للطلب.
(ليهريق) بفتح الهاء وسكونها، والإهراق، وإن كان هو المحظور؛
стр. 8162
لكن المراد: الطلبُ المترتب عليه المطلوب، لا مجرد الطلب.
* * *
١٠ - باب الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ
(باب: العفو في الخطأ بعد الموت)
٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللهِ! أُخْرَاكُمْ! فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ! أَبِي، أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.
سبق الحديث فيه في (كتاب بدء الخلق) وغيره.
قال (خ): وفيه أن المسلم إذا قتل صاحبه خطأ عند اشتباك الحرب لا شيء عليه، إلا إن قصده بالإهلاك.
(منهم)؛ أي: من المشركينَ بالطائف.
* * *
الْيَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ.
(إسحاق) قال الغساني: لعله ابن منصور.
(من فعل بكِ) قولُها، وإن لم يثبتْ به شيء؛ لكن سُئِلت ليُعْرف المتهم فيطالب، فإن أقرَّ، ثبت عليه الحقُّ.
وفيه: القصاصُ في المثقَّل، ومراعاةُ المِثْل في القِصاص، وقتلُ الرجل بالمرأة.
* * *
١٣ - باب قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ
(باب: قتل الرجل بالمرأة)
٦٨٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ قَتَلَهَا عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا.
فيه الحديثُ في الباب قبله.
* * *
стр. 8165
١٤ - باب الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْجِرَاحَاتِ
وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ.
وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ: تُقَادُ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فِي كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْجرَاحِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنْ أَصْحَابِهِ.
وَجَرَحَتْ أُخْتُ الرُّبَيِّعِ إِنْسَانًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْقِصَاصُ".
(باب: القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات)
قوله: (تقاد)، أي: يقتص، سواء في النفس ودونها.
وقال الحنفية: لا قصاص بينهما فيما دون النفس.
(وجَرَحَتْ أُخْتُ الرُّبَيِّع) رواه مسلم عن أنس: (أن أُخت الرُّبَيِّع أُمّ حارثة جرحت إنسانًا)، وأصلُه عند البخاري: (لطمت إنسانًا، أو كسرت ثَنِيَّةَ جارية)، ويشبه أن يكونا واقعتين.
قال (ك): قيل: صوابُه حذف لفظ: (أُخت)، وهو الموافق لما في (سورة البقرة): (أن الرُّبَيِّع نفسَها كسرت ثنيةَ جارية)، إلا أن يقال: هذه امرأة أُخرى؛ لكنه لم ينقل عن أحد، ونقل (ش) عن أبي ذر: أنه قال: كذا وقع هنا، وإن الصواب الرُّبَيِّع بنتُ النَّضْر.
(القصاص) بالنصب؛ أي: أَدُّوه والزموه، وهو محمول على ما إذا
стр. 8166
انضبطت الجراحة، وقيل: يجوز القصاص في الجرح مطلقًا بالتحري.
* * *
٦٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: "لَا تَلُدُّونِي"، فَقُلْنَا: كَرَاهِيةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرَ الْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ".
(لددنا) من اللدود، وهو ما يُصَبُّ بالمسعط من الدواء في أحد شِقَّي الفم.
(إلَّا لُدَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: قصاصًا ومكافأة.
قال (ك): ويحتمل أن ذلك عقوبة لهم؛ لمخالفة نهيه؛ لكن قال (خ): فيه حجةٌ للقصاص بالتحري فيما لا يوقَف على حده؛ لتعذر ضبط اللدود، وسبق آخر (المغازي).
* * *
١٥ - باب مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ أَوِ اقْتَصَّ دُونَ السُلْطَانِ
(باب: من أخذ حقَّه، أو اقتصَّ دون السلطان)
٦٨٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ
стр. 8167
الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ".
الحديث الأول:
(نحن الآخِرون)؛ أي: المتأخرون في الدنيا، وسبق الحديث مرات، أولها آخر (الوضوء)، ووجه دخوله هنا: أن الراوي عن أبي هريرة سمع منه أحاديث، فذكرها على الترتيب الذي سمعه منه، أو كان أول صحيفته ذلك، فاستفتح بذكره.
* * *
٦٨٨٨ - وَبِإِسْنَادِهِ: "لَوِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ، خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ".
(وبإسناده)؛ أي: إسناد الحديث السابق.
(فخذفته) بمعجمتين؛ أي: رميته بأصبعيك؛ كذا لأكثرهم، وعند أبي ذر بالمهملة.
(جناح)؛ أي: إثم.
* * *
٦٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيدٍ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا، فَقُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
стр. 8168
الثاني:
هو مرسل أولًا، مسند آخرًا.
(أن رجلًا اطلع) تقدم أنه الحَكَمُ بنُ أبي العاص.
(فسدد) بإهمال السين؛ أي: قومه، وفاعله النبي ﷺ ، هذا على رواية الأصيلي، وأبي ذرّ، وهو الصواب، وإنْ رواه الأكثر بالمعجمة.
(مِشْقَصًا) بكسر الميم وبالقاف والمهملة: النصل العريض، أو السهم الذي فيه ذلك، وإنما طابق الحديث الترجمة، وإن كان النبي ﷺ الإمام الأعظم، فآحادُ الناس ليس مثله؛ لأن أفعاله ﷺ عامة للأُمة، حتى يأتي دليل يخصه.
* * *
١٦ - باب إِذَا مَاتَ فِي الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ
(باب: إذا مات في الزحام، أو قُتل)
٦٨٩٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ: قَالَ هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أُخْرَاكُمْ! فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ، فَإِذَا هُوَ بأبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أَبِي، أَبِي، قَالَتْ: فَوَاللهِ، مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، قَالَ
стр. 8169
حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ.
(إسحاق) قال الغساني: إما ابنُ منصور، أو ابنُ نصر، أو ابنُ إبراهيمَ الحنظلي.
(هزم) مبني للمفعول، وسبق الحديث في (الفضائل).
قلت: وفي مطابقته للترجمة نظر! فإنهم تعمدوا قتله؛ لكن يظن أنه من المشركين.
* * *
١٧ - باب إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ
(باب: إذا قتل نفسه خطأً، فلا دية له)
قال الإسماعيلي: ليس في الحديث الذي أورده عن مكي -وهو قتل عامر- مطابقةٌ لترجمة قتل نفسه؛ نعم، في (الدعوات) في (باب من خص أخاه بالدعاء): أن عامرًا أُصيب بقائمة سيف نفسه، فقطع أكحله، فمات؛ لأن سيفه كان قصيرًا، فرجع إلى ركبته من ضربته؛ أي: فكان المناسبة إيراده هنا، والحديثُ من ثلاثيات البخاري.
قال (ك): ووجهُ مطابقته للترجمة: أنه لم يحكم بالدية لورثته على عاقلته، ولا على بيت المال؛ لكن الظاهر: أنّ: فلا دية له في
стр. 8170
الترجمة لا وجَه له، وإنما يناسب الترجمةَ السابقة؛ أي: إنه إذا مات في الزحام، فلا دية على المزاحمين؛ لظهور أن قاتلَ نفسِه لا ديةَ له، ولعلَّه من تصرفات النقلَة عن نسخة الأصل.
وقالت الظاهرية: ديتُه على عاقلته، فربما أراد البخاري التعريضَ بردِّه.
* * *
٦٨٩١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا، يَا عَامِرُ! مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنِ السَّائِقُ؟ " قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: "﵀"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ، فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قتلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا نبَيَّ اللهِ! فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: "كَذَبَ مَنْ قَالهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ".
(خَيْبَر) قرية لليهود على أربع مراحل من المدينة من ناحية الشام.
(فقال رجل منهم) هو عُمر بن الخطاب ﵁.
стр. 8171
(يزيد عليه)؛ أي: يزيد الأجر على أجره، وسبق الحديث في (المغازي).
* * *
١٨ - باب إِذَا عَضَّ رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ
(باب: إذا عَضَّ رجلًا، فوقعت ثناياه)
٦٨٩٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَينٍ: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَال: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَكَ".
الحديث الأول:
(أن رجلًا عَضَّ يدَ رجل) العاضُّ: يعلى بنُ أُمية، والمعضوض: أجيره، وهو مصرَّح به عند النسائي من رواية يعلى نفسه؛ بخلاف ما قاله (ن) في "شرح مسلم".
(ثنيتاه) الثنايا: هي الأضراس التي في مقدَّم الفم.
(الفَحْل): الذكَر من الحيوان.
* * *
стр. 8172
٦٨٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ فِي غزْوَةٍ، فَعَضَّ رَجُلٌ، فَانتزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ .
الثاني:
(ثَنِيَّتَهُ) هنا بالإفراد، وفيما سبق بالتثنية؛ إما لأن القليل لا ينافي الكثير، أو المراد: الجنس.
(فأبطلها)؛ أي: حَكَمَ بأنه لا ضمانَ.
* * *
١٩ - باب السِّنِّ بِالسِّنِّ
(باب: السِّنِّ بِالسِّنِّ)
٦٨٩٤ - حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً، فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ.
(فكسرت) الكسرُ وإن لم ينضبط غالبًا، وشرطُ القصاص الضبط؛ لكن هذا محمول على أنه انضبط، وقد جوز كثيرٌ الضبطَ بالتحري.
قال مالك: جميعُ العظام فيها القَوَد عند الكسر، وقال أبو حنيفة: لا قصاصَ في عظم إلا السِّنَّ.
стр. 8173
قال ابن حزم: ورد في الرُّبيِّع حديثان مختلفان: أحدهما: جراحةٌ جرَحَتْها، والثاني: ثنيَّةٌ كَسَرَتْها.
قلت: قد يجاب عن هذا الاختلاف: بأن الأمرين وقعا؛ والحديثُ من ثلاثيات البخاري.
* * *
٢٠ - باب دِيَةِ الأَصَابِع
(باب: دية الأصابع)
٦٨٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ"، يَعْنِي: الْخِنْصَرَ وَالإبْهَامَ.
الحديث الأول:
(سواء)؛ أي: في الدية.
* * *
٦٨٩٥ / -م - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبة، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : نَحْوَهُ.
стр. 8174
الثاني: نزل في طريقه البخاريُّ عن طريق الذي قبله بدرجة، كأنه لينصَّ على سماع ابن عباس ﵄ من النبي ﷺ .
قال (خ): هذا أصل في كل جناية لا تُضبط، فإنه إذا لم يكن اعتباره من طريق المعنى، يعتبر من طريق الاسم؛ كالأصابع، والأسنان؛ إذ معلوم أن للإبهام من القوة، والمنفعة، والجمال ما ليس للخنصر، وديتُهما سواء نظرًا إلى الاسم فقط.
* * *
٢١ - باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ، هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كلِّهِمْ ؟
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ جَاآ بِآخَرَ وَقَالَا أَخْطَأْنَا: فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا وَأُخِذَا بِدِيَةِ الأَوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا.
(باب: إذا أصاب قوم من رجل)؛ أي: فجعوه.
(يُعَاقَب) بالبناء للمفعول.
(كلهم) تنازعه فعلان، وفائدةُ الجمع بين المعاقبة والاقتصاص، وهما واحد: أن القصاص يستعمل في الدم، والمعاقبة: المكافأة والمجازاة، فيتناول مثل مجازاة اللّدّ ونحوه، فلعل غرضه التعميم،
стр. 8175
ولهذا فسرنا الإصابة بالتفجيع؛ ليتناول الكل، وإنما خص الاقتصاص بالذكر ردًّا لمثل ما نقل عن ابن سيرين في رجل يقتله رجلان: يُقتل أحدُهما، وتؤخَذُ الديةُ من الآخر، وعن الشّعْبِي: يدفعان إلى وليّه، فيقتل من شاء منهما، أو منهم إن كثروا، أو يعفو، وعن الظاهرية: لا بل الديةُ.
(جاءا) بلفظ التثنية.
(بآخر)؛ أي: برجل آخر.
(أخطأنا)؛ أي: أن هذا هو السارق، لا ذاك.
(فأبطل شهادتهما)؛ أي: باعترافهما أولًا، وفي الثاني صاروا متهمين.
(بدية الأول)؛ أي: بدية يدِ الرجل الأول.
* * *
٦٨٩٦ - وَقَالَ لِي ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ غُلَامًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمِ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا، فَقَالَ عُمَرُ: مِثْلَهُ.
وَأَقَادَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلِيٌّ، وَسُويدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ.
стр. 8176
(غلامًا) اسمه: أصيل، رواه البيهقي.
(غيلة)؛ أي: غفلة وخديعة.
(صنعاء) بالمد: بلد باليمن، وذلك الغلام قُتل بها، وقَتَل عُمر ﵁ بقصاصه سبعة نفر، وقال: (لو اشترك)، وفي بعض الروايات: (لو تمالأ).
(مثله)؛ أي: مثل لو اشترك.
(بالدِّرة) بالكسر: التي يضرب بها.
(وأقادَ عليٌّ)؛ أي: حين جاءه رجل، فسارَّهُ، فقال: عليّ يا قَنْبَر -أي: بفتح القاف والموحدة وسكون النون بينهما وبالراء-: أخرجْه فاجلدْه، ثم جاء المجلود، فقال: إنه زاد ثلاثة أسواط، فقال عليّ: ما تقول؟ قال: صدق يا أمير المؤمنين، قال: خذ السوط واجلده ثلاثة؛ وللعلماء فيما لا يُضبط من لطمةٍ ونحوِها خلافٌ سبق.
وحديثُ اللَّدِّ ليس صريحًا في أنه قصاص؛ لجواز أنه عقوبة على مخالفته؛ نعم، هذه الأمور قيل: لا تناسب الترجمة، وقد يجاب: بأنه إذا أخذ القود في مثل هذه المحقِّرات، فكيف لا يقتص من الجمع في الأمور العظام؛ كالقتل والقطع.
* * *
٦٨٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَا
لأن الظاهر هنا بسبب اللوث المقتضي لظن صدقه، وفي غير ذلك الظاهر مع المدعى عليه، فلذلك خرج هذا عن الأصل، وإنما كانت خمسين؛ لعظم أمر الدم، ثم قال الشافعي وأبو حنيفة ﵁: موجبُها الدية؛ لعدم العلم بشرط القصاص، وقال مالكٌ وأحمدُ: موجبُها القصاص، وأنكر البخاريُّ حكمَها بالكلية، وكذا طائفةٌ أُخرى؛ كأبي قِلابة ونحوه، قالوا: لا حكمَ لها، ولا عملَ بها.
(وقال الأشعث) موصول في (كتاب الأحكام)، وقال (ك): في (كتاب الشرب).
(البصرة) مثلث الأول.
(السَّمَّانِينَ) بيَّاعي السمن.
* * *
٦٨٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فتفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا؟ قَالُوا: مَا قتلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْناَ أَحَدَنَا قَتِيلًا، فَقَالَ: "الْكُبْرَ الْكُبْرَ"، فَقَالَ لَهُمْ: "تأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟ " قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: "فَيَحْلِفُونَ"، قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ،
стр. 8179
فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ.
الحديث الأول:
(للذي وجد فيهم) هو نحو: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، وفي بعضها: (الذين)، بلفظ الجمع.
(الكُبْرَ الكُبْر) بضم الكاف: مصدر، أو جمع أكبر، أو مفرد بمعنى الأكبر، يقال: كُبرُهُمْ بمعنى: أكبرهم، وفي بعضها بكسر الكاف وفتح الموحدة؛ أي: كبر السن، ونصبه بمقدر؛ أي: قَدِّموا؛ إشارة إلى الأدب في تقديم الأسنِّ، والدعوى وإن كانت للوارث -وهو أخو المقتول عبد الرحمن، لا لحُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة، وهما ابنا عمه- لكن المراد: يتكلم في تفهيم القضية الأكبرُ، وعند الدعوى يدعي المستحق، أو المعنى: ليكن الكبيرُ وكيلًا له.
(يُبْطِل) في بعضها: (يُطَلّ)؛ أي: يُهْدَر.
قال المهلب: في حديث سعيد بن عبيد أوهام حيث قال: يأتون بالبينة على من قتله؛ لأنه لم يتابع عليه الأئمة الأثبات.
(من إبل الصدقة) وإنما جاز ذلك؛ لأنه من المصالح العامة، وجوز بعضُهم صرفَ الزكاة إليها، والأكثرون على أنه اشتراها من أهلها، ثم دفعها إليهم، قالوا: بدأ بالمدعين، فلما نكلوا، ردها على المدَّعَى عليهم، فلما لم يرضوا بأيمانهم عقله من عنده إصلاحًا وجبرًا لخاطرهم، ومر الحديث في (الجزية)، و (الأدب)، وغيرهما.
(بِدِمَشْق) بكسر المهملة وفتح الميم وتسكين المعجمة.
(بِحِمْص) بالكسر وسكون الميم.
(رَجُل قُتِلَ) بالبناء للمفعول.
(بِجَرِيرَة) بفتح الجيم: الذنب والجنابة؛ أي: متلبسًا بما يجر إلى نفسه ذلك، أي: قتل ظلمًا.
(فقُتل) قصاصًا، وهو بالبناء للمفعول، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل؛ أي: فقتله رسولُ الله ﷺ .
فإن قيل: هذا حجة على أبي قِلابة، لا له؛ لأنه إذا أثبت القسامة، يقتل قصاصًا أيضًا، قيل: قد يجيب بأنه بعد ثبوتها لا يستلزم القصاص؛ لانتفاء الشرط.
(أوليس) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدّر لائق بالمقام.
(السَّرَق) بفتح السين والراء، جمع سارق، أو مصدر، أو بكسر الراء؛ بمعنى: السرقة.
(وَسَمَّر) بالتشديد والتخفيف: كحل بالمسامير.
(ثمانية) بدل من (نفر).
(فاسْتَوْخَمُوا)، أي: لم توافقهم، وكرهوها، شربُ الأبوال جائزٌ للتداوي، وتقدم أن اسم الراعي: يَسار النوبي، وفي "النسائي": (أنهم سمروا عينه).
стр. 8184
قال ابن عبد البر: غرزوا الشوك في لسانه وعينه، حتى مات، وسبق الحديث كثيرًا.
(يا عَنْبَسَة) بفتح المهملة والموحدة وسكون النون بينهما وبالمهملة؛ أي: سعيد بن العاص.
(هذا الشيخ)، أي: أبو قِلابة.
(وقد كان) هو قول أبي قِلابة.
(في هذا)، أي: في مثله.
(سُنَّةً)، وهي أنه لم يحلف المدعي للدم أولًا؛ بل حلف المدعى عليه أولًا.
(يتشحَّط) بالمعجمة والمهملتين: يتخَبَّط ويضطرب.
(تُرون) بالضم: تظنون، والشك من الراوي.
(نَفَل خمسين)، أي: أيمان خمسين، وهو بسكون الفاء وفتحها: الحلف، وأصله النفي، ويسمى اليمين في القسامة نفلًا؛ لأن القصاص ينفى بها؛ قاله (ع).
(ثم يَنْفِلُونَ)، أي: يحلفون.
(أيمان خمسين) بالإضافة، أو الوصف.
(هُذَيْل) قبيلة.
(خَلِيعًا) هو الرجل يقول له قومه: ما لنا منك ولا علينا، وبالعكس، كانت العرب يتعاهدون على النصرة، وأن يؤخذ كل
стр. 8185
منهم بالآخر، فإذا أرادوا أن يتبرؤوا من الذي حالفوه، أظهروا ذلك للناس، وسموا ذلك الفعل: خَلْعًا، والمتبرّأ منه: خَلِيعًا؛ أي: مخلوعًا، فلا يؤخَذون بجنايته، ولا يؤخَذ بجنايتهم، فكأنهم قد خلعوا اليمين التي كانوا قد لبسوها معه؛ فسموه خَلِيعًا؛ مجازًا واتساعًا.
(اليماني) بتخفيف الياء.
(فدُفِعوا) مبني للمفعول، وفي بعضها: (فدفعه)؛ أي: عُمر.
(والخمسون) أطلقها على التسعة والأربعين مجازًا من إطلاق الكل على البعض، أو المراد: خمسون تقريبًا أو تغليبًا.
(بنخلة) بنون ومعجمة غير منصرف: اسم موضع.
(السماء) المطر.
(فانهجم)؛ أي: سقط.
(وأفلت)؛ أي: تخلَّص، وفي معناه: تفلَّت وانفلَت.
(القرينان) هما: أخو المقتول، والرجل الذي جعلوه عوضَ الرجل الشامي، وسبق مثل هذا في (كتاب الفضائل)، في (باب القسامة في الجاهلية)، وقال هناك: (وما حال الحول وفي الثمانية والأربعين عينٌ تطرِف) وغرضهُ من هذه القصة: أن الحلف توجه أولًا على المدعى عليه، لا على المدعي؛ كقصة النفر من الأنصار.
(الديوان) بفتح الدال وكسرها: مجتمع الصحف.
стр. 8186
قال القابسي: عجبًا لعُمر كيف أبطل حكمَ القسامة الثابتَ بحكمِ رسولِ الله ﷺ ، وعملِ الخلفاء الراشدين بقولِ أبي قِلابة، وهو من بُلْهِ التابعين، وسمع منهُ في ذلك قولًا مرسلًا غيرَ مسند، مع أنه انقلبت عليه قصة الأنصاري إلى قصة خيبر، فركّب إحداهما مع الأُخرى؛ لقلة حفظه، وكذا سمع حكايةً مرسلة، مع أنها لا تعلُّقَ لها بالقَسامة؛ إذ الخلعُ ليس قسامةً؛ وكذا محو عبد الملك لا حجة فيه.
* * *
٢٣ - باب مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَؤا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ
(باب: من اطَّلَع في بيت قوم، ففقؤوا عينه، فلا ديةَ له)
٦٩٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليمان، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أَوْ بِمَشَاقِصَ وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ.
الحديث الأول:
(جُحْر) بضم الجيم بعدها مهملة؛ أي: ثقب.
(حُجَر النبي ﷺ ) بضم المهملة، وفتح الجيم: جمع حُجرة.
(يختِلُه) بالمعجمة؛ أي: يستغفله، ويأتيه من حيث لا يراه.
الثالث:
(فحذفته) بمعجتمين سبق في (كتاب بدء السلام)، وغيره.
* * *
٢٤ - باب الْعَاقِلَةِ
(باب: العاقلة)
٦٩٠٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: سَألتُ عَلِيًّا ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ وَقَالَ مَرَّةً: مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاس؟ فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
(وَبَرَأ)، أي: خلق.
(إلا فَهْمًا) بسكون الهاء والفتح، والاستثناء منقطع؛ أي: لكن الفهم عندنا، أو حرف العطف مقدر، وسبق في (باب كتابة العلم) بلفظ: (إلا كتاب الله، أو فهم أُعطيه رجلٌ مسلم).
قال (خ): الفَهْم: هو ما يُفهم من فحوى كلامه، ويستدرك من
стр. 8189
باطن معانيه التي هي غير الظاهر من نصه، ويدخل فيه جميعُ وجوه القياس.
(كتابه)، أي: كتاب الله تعالى.
(العقل)، أي: أحكام الدية التي تتحملها العاقلة، وكل ما يتحمله من ذلك، وإن لم يكن في القرآن؛ بل فيه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، إلا أنه قصد به المعونةَ والمصلحةَ؛ إذ لو غرم المخطئ، والخطأ يقع كثيرًا، للزم استئصال أمواله، ولو ترك الدم بلا عوض لهدر، والدمُ لا يُهدر، فأُمروا بالتعاون، ولم يكلَّفوا إلا بقدرٍ لا يُجحِف بهم، وهو نصفُ، أو ربعُ دينار، وأيضًا: فهم يرثونه، فعليهم الغُرْمُ كما لهم الغُنْمُ.
(وفكاك) بفتح الفاء وكسرها، فإن فيه معونةً كالعقل؛ فإنه إنقاذ نفسٍ مشرفةٍ على الهلاك، وسبق في (باب حرم المدينة): أن فيها أيضًا: "المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى كَذَا ... إلى آخره"، ولا منافاة.
(وأن لا يُقتل)، أي: وظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وإن كان عامًّا في قتل المسلم بالكافر؛ لكن خص بالسنة، فلذلك قال في هذه الخلال الثلاث: إنها خارجة عن القرآن؛ أي: عن ظاهره، وإن كانت في الحقيقة داخلةً فيه، وعلى وَفْق حكمِه ومعناه.
* * *
(من هُذَيْل).
(عَصَبَتها)؛ أي: عصبة المقضي عليها.
* * *
٦٩١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، قَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا.
الثاني:
(دية المرأة)؛ أي: المقتولة.
(على عاقلتها)؛ أي: عاقلة القاتلة؛ أي: وهي المقضيُّ عليها بالغُرَّة التي ماتت حتف أنفها، وسبق الحديث في (كتاب الطب)، ودلالةُ الحديث الأول على الترجمة ظاهرة؛ لأنه قال: (ميراثها لبنيها، والعقل على عَصَبَتها)، فعُلم منه أن العقل ليس على الولد بحكم المقابلة، وأما الحديث الثاني، فدل على أكثرها.
* * *
стр. 8194
٢٧ - باب مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا
وَيُذْكَرُ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ بَعَثَتْ إِلَى مُعَلِّم الْكُتَّابِ: ابْعَثْ إِلَيَّ غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ صُوفًا، وَلَا تَبْعَثْ إِلَيَّ حُرًّا.
(باب: من استعان عبدًا أو صبيًّا)
قال (ك): في بعضها: (استعار) بالراء مكان النون.
(ولا تبعث إليّ حرًّا) لعل غرضها بذلك التزامُ الخير، وإيصال العوض؛ لأنه على تقدير هلاكه في ذلك العمل لا تضمنه؛ بخلاف العبد؛ فإن الضمان عليها لو هلك به.
* * *
٦٩١١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَر، فَوَاللهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟
(فواللهِ! ما قال لي) إلى آخره، فيه: حسنُ خلقه ﷺ ؛ قال
стр. 8195
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ووجه دلالة الحديث على الترجمة: أن الخدمة مستلزمة للاستعانة، أو اعتمد على ما في سائر الروايات؛ فإن فيها: الْتَمِسْ لي غلامًا يخدمني؛ أما تعلق الباب بالكتاب؛ فلأن العبد إذا هلك في الاستعمال، تجب الدية، واختلف في دية الصبي.
* * *
٢٨ - باب الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ
(باب: المَعْدِن جُبَار) بالضم وخفة الموحدة؛ أي: هدرٌ لا ديةَ فيه ولا قَوَدَ.
٦٩١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ".
(العجماء): البهيمة؛ أي: ليس على صاحبها بسبب جرحها؛ أي: إتلافها، وإن لم يكن جرحًا، ضمانٌ، وفيه تفاصيلُ في الفقه.
(والبئر) يحتمل أنها حيث جاز حفرُها، وسقط فيها أحدٌ، أو