جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تتوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا"، فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: عَلَيْكَ -بأبِي أَنْتَ وَأُمِّي- يَا رَسُولَ اللهِ! أَغَارُ؟
عُرِفَ شرحه مما سبق؛ لكن قال (خ): إنما هو امرأة شَوْهَاء، وإنما أسقط الكاتب منه بعض حروفه؛ فصار: (تتوضأ)؛ إذ لا عملَ في الجنة، وقال القرطبي: الرواية الصحيحة: (تتوضأ)، ولكن ابن قتيبة قال: إنه شَوْهاء.
قال ابن الأعرابي: وهي الحسنة، وضدُّها القبيحة. ووضوءها لتزداد حسنًا ونورًا؛ لأن الجنة منزَّهة عن الأوساخ.
* * *
٣٣ - باب الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ
(باب: الطواف بالكعبة في المنام)
٧٠٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبة، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنٍ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ
стр. 8333
مَرْيَمَ، فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ"، وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ.
(سَبْط) -بسكون الموحدة وكسرها-؛ لكن سبق في (الأنبياء) في (باب مريم): (وأَمَّا عِيسَى، فَأَحْمَرُ جَعْدٌ)، فيكون ذلك في غير الطواف؛ بل في وقت آخر، أو أن المراد: جعودةُ الجسم؛ أي: اكتنازُه.
(يَنْطف) بضم الطاء وكسرها.
قال المهلب: النطف: الصَّبُّ؛ وذلك لأن تلك الليلة كانت ماطرة.
قال (ك): ويحتمل أن يكون أثر غسله من زمزم ونحوه، أو الغرضُ منه: بيان لطافته، لا حقيقة النطف.
(ابن قَطَن) -بفتح القاف والمهملة وبالنون- اسمه: عبدُ العُزَّى، وسبق أن هذا لا ينافي منعَ دخول الدّجّال مكة؛ فإن المرادَ حالَ ظهورِه وشوكتِه، وأيضًا: يدخل مستقبل، ولعل هذه كان بعد دخوله.
* * *
стр. 8334
٣٤ - باب إِذَا أَعْطَى فَضْلَهُ غَيْرَهُ فِي النَّوْمِ
(باب: إذا أعطى فضلَه غيرَه في المنام)
٧٠٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلَهُ عُمَرَ"، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْعِلْمُ".
(الرِّيَّ)؛ أي: ما يروى به؛ يعني: اللّبن، أو إطلاق على سبيل الاستعارة، وإسناد الخروج قرينة، وقيل: الرِّيُّ اسم من أسماء اللّبن، مر به مرارًا.
* * *
٣٥ - باب الأَمْنِ وَذَهَابِ الرَّوْعِ فِي الْمَنَامِ
(باب: الأمن، وذهاب الرَّوع في المنام)
هو بفتح الراء: الفزع.
٧٠٢٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ،
(رؤيا) غير منصرف.
(مِقْمَعَة) بكسر الميم وسكون القاف وبإهمال العين: العمود، أو شيء كالمِحْجن يُضرب به رأسُ الفيل، يُعمل من حديد، ورأسها معوَجٌّ.
(يُقبلان) من الإقبال ضد الإدبار، أو من أقبلتُهَ الشيءَ: جعلته يلى قبالته.
(لم تُرعَ) في بعضها: (لن تُرَع).
قال ابن مالك: سكن العين للوقف، ثم شبهه بسكون الجزم، فحذف الألف قبله، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويجوز أن يكون جزم بـ (لن) على لغة حكاها الكسائي.
(قُرُون) جمع قرْن: وهو الميل على فم البئر إذا كان من حجارة.
(ذات اليمين)؛ أي: جهة اليمين.
* * *
٣٦ - باب الأَخْذِ عَلَى الْيَمِينِ فِي النَّوْمِ
(باب: الأخذ باليمين)، في بعضها: (على اليمين).
٧٠٣٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا
(ذكر لي) لا يضر جهالةُ الذاكر، فإن الصحابة كلَّهم عُدول.
(سوارين) في بعضها: (أسوارين)، وهو خلاف الأكثر في اللغة، وحكى قُطْرُب: أسوار، وقال: إن أساور جمع أسوار.
(فَفَظِعْتُهما) (١) بكسر الظاء المعجمة؛ أي: استعظمتُ أمرهما.
قال بعضهم: كذا روي متعديًّا حملًا على المعنى، لأنه بمعنى: أكبرتُهما، وخِفْتهما، والمعروف: فظعت به، أو منه.
(العَنْسِيّ) -بفتح المهملة وسكون النون وبمهملة- اسمه الأسودُ الصنعاني، كان يقال له: ذو الحمار؛ لأنه علم حمارًا إذا قال له: اسجد، يخفض رأسه؛ كذا قال (ك).
قال (ش): اسمه: عَبْهَلَة بن كعب، وكان يزعم أن الذي يأتيه ذو حمار، فقيل له: ذو الحمار.
(فيروز)؛ أي: الدَّيْلَمي.
(مُسَيْلِمَة) تصغير مَسْلَمة بن حَبِيب الحَنَفِي اليَمَامِي.
قال (ش): اسمه: ثُمَامة بنُ ميسرة، كان صاحبَ نيرنجيات، وهو أول من أدخلَ البيضةَ في القارورة؛ قتله وَحْشِيّ قاتلُ حمزة، سبق في (علامات النبوة).
قال المهلب: أَوَّلَهما بالكذابَيْنِ؛ لأن الكذب إخبار عن الشيء
стр. 8340
بخلاف ما هو به، ووضعه في غير موضعه، والسوار في يده ليس في موضعه؛ لأنه ليس من حلي الرجال، وكونه من الذهب مشعرٌ بأنه شيء يذهب عنه، ولا بقاء له، والطيرانُ عبارة عن عدم ثبات أمرهما، والنفخُ عن كون زوالهما بلا كلفة؛ لسهولة النفخ على النافخ.
* * *
٣٩ - باب إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ
(باب: إذا رأى بقرًا تُنْحَر)
٧٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا، وَاللهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي أَتَانَا اللهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ".
(وَهلي) بفتح الواو، وسكون الهاء وفتحها، وعليه اقتصر (ش).
(اليَمَامَة) بخفة الميم: بلاد الجوّ بين مكة والمدينة، وقيل: بلد
стр. 8341
باليمن، سميت باسم جارية فيها زرقاء كانت تُبصر الراكبَ من مسيرة ثلاثة أيام.
(هَجَر) بالهاء والجيم المفتوحتين: قاعدة أرض البحرين.
(يَثْرِب) هو اسم لمدينة النبي ﷺ في الجاهلية.
(فيها)؛ أي: في الرؤيا، وفي بعض الروايات: (بقر تنحر)، وبه يتم تأويل الرؤيا، إذ نحرُ البقر هو قتل المؤمنين بأُحُد.
(واللهُ خيرٌ) مبتدأ وخبره، أي: وثوابُ الله للمقتولين خيرٌ لهم من بقائهم في الدنيا، أو صنعُ الله خيرٌ لكم، قيل: والأولى أن يقال: إنه من جملة الرؤيا، وإنها كلمة سمعها عند رؤياه البقر، بدليل تأويلها بقوله: (وإذا الخير) إلى آخره.
(بعد يوم بدر)، أي: من فتح مكة ونحوه، وفي بعضها: (بَعْدُ) بالضم، أي: بعد أُحُد، ونصب (يوم)؛ ونسبها (ش) لرواية الجمهور، ونقل الأول عن (ع) إذا جعلنا ذكر خير فيه على التفاؤل؛ أي: وإذا الذي رأيت كرهته، وتفاءلت فيه الخير، والصواب في الآخرة فيه هو ما أصاب المسلمين بعد بدر بأُحُد.
وقال (ع) في موضع آخر: روي: (خيرًا)، بالنصب، وعلى الرواية الثانية، قال (ك): فقيل: معناه: ما جاء الله به بعد يوم بدر، والثانية من تثبيت قلوب المؤمنين، لأن الناس جمعوا لهم، فزادهم ذلك إيمانًا، وقالوا: حسبُنا الله ونعم الوكيل، وتفرق العدوُّ عنهم هيبةً لهم، ويحتمل أن يراد بالخير: الغنيمة، وبعد، أي: بعد الخير الثواب والخير حصلا في يوم بدر، مر في (علامات النبوة)، قيل: شبه
стр. 8342
الحرب بالبقر؛ لأجل ما لها من السلاح، ولما كان طبع البقر المناطحة، والدفاع عن نفسها، والقتل بالنحر.
* * *
٤٠ - باب النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ
(باب: النفخ في المنام)
٧٠٣٦ - حَدَّثَنِي إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ".
٧٠٣٧ - وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ، فَوُضعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صاحِبَ صَنْعَاءَ وَصاحِبَ الْيَمَامَةِ".
(نحن الآخِرون) ذكره هنا؛ لأنه أولُ كتاب هَمّام بنِ مُنَبِّهٍ؛ فكلما روى البخاري منه حديثًا رواه أولًا، ثم أتبعه بالمقصود؛ كذا قيل، ومرّ مثلُه في آخر (الوضوء) بما فيه فتأمله!
(فَكَبُرا)؛ أي: عَظُمَ أمرُهما وشَقَّ عليَّ.
يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ، فإنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ".
الثاني:
(وليحدِّثْ بها)؛ أي: من يُحِبُّ، وإلَّا، فربما حملها المبغِض على مكروه، فيحصل له في الحال حُزن، وإن لم يقع ما قال.
(من الشيطان) سبق بيانه قريبًا.
* * *
٤٧ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لأوَّلِ عَابِرِ إِذَا لَمْ يُصِبْ
(باب: من لم ير الرؤيا لأول عابر)
وذلك؛ لأن المعتبر في أقوال العابرين قولُ العابر الأولِ؛ أي: إذا كان مُصيبًا في وجه العبارة، أما إذا لم يُصب، فلا؛ إذ المدارُ على إصابة الصواب، فمعنى الترجمة: باب: من لم يعتقد أن تفسير الرؤيا هو للعابر الأول إذا كان مخطئًا، ولهذا قال ﷺ للصديق ﵁: "أَخْطَأْتَ بَعْضًا".
٧٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي
﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١].
(بأبي)؛ أي: مُفَدًّى بأبي أنت.
(لتدعني)؛ أي: تتركني.
(فينقطع) مبني للفاعل، وفي بعضها للمفعول، يقال: انقطع به -بالبناء للمجهول-: إذا عجز عن سفره، والذي انقطع به، ووصل له هو عُمر؛ لأنه لما قتل، وصل له بأهل الشورى، وبعثمان.
(وأخطأت بعضًا) قيل: فيه تعيين الخطأ في تعبيره عن الشيئين -السمن والعسل- بالشيء الواحد وهو القرآن، وكان حقُّهُ أن يعبرهما بالكتاب والسُّنَّة؛ لأنها بيانُ الكتاب الذي أُنزل عليه، وبهما تتم الأحكام كتمام اللذة بهما، وقيل: الخطأ هو التعبير بحضرته ﷺ ، وقيل: هو ذكر ثم يوصل له؛ إذ ليس في الرؤيا إلا الوصل، وقد يكون لغيره، فكان ينبغي أن يقف حيث وقفت الرؤيا، ويقول: ثم يوصل، ولا يقول له (١). وقيل: الخطأ سؤالُه لتعبيرها، وإنما ساغ التبيينُ لهذه الأقوال، وهو ﷺ لم يبين جهة الخطأ؛ لأنها احتمالات لا جزمَ فيها، أو لو بين، لكان يلزم مفاسد للناس.
(لا تُقْسِمْ) إن قيل: قد أمر ﷺ بإبرار القسم! قيل: مخصوص بما إذا لم يكن ثَمَّ مفسدةٌ، وهنا لو أبَرَّهُ، لزم مفاسد، منها: بيانُ مقتل عُثمان ونحوه، أو بما يجوز الاطلاع عليه؛ بأن لا يكون من أمر الغيب
стр. 8353
ونحوه، أو بما لا يستلزم توبيخًا على أحد من الناس بالإنكار -مثلًا- على مبادرته، أو على ترك تعبير الرجال الذين يأخذون السبب، وكان في بيانه ﷺ أعيانهم مفاسدُ، وفي الحديث جاز تعبير الرؤيا، وأن عابرها قد يخطئ وقد يصيب، وأن العالم يسكت عن التعبير إذا خشي منه فتنة على الناس.
* * *
٤٨ - باب تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ
(باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)
٧٠٤٧ - حَدَّثَنِي مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ " قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: "إِنَّهُ أتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أتيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَاْخُذُهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ
وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِين فِي مِثْلِ بِنَاءَ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أتيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فإنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ"، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطَرٌ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ".
الحديث سبق في (الجنائز)، إلا أن في قصة الكَلُّوب مقدمة على قصة الصخر، وفيه -أيضًا- في قصة الكلوب: (فإذا رجلٌ مضطجع على قفاه)، وفي قصة الصخر: (فإذا رجلٌ جالس)، وهنا في قصة الصخر: (مضطجعٌ)، وفي قصة الكلوب: (مستلقٍ لقفاه)، ولا منافاة بين ذلك؛ لأن الواو ليست للترتيب، ولعل الرجلين كانا مضطربين، واختلفت أحوالهما، فتارة يستلقي على قفاه، وتارة يقوم، وتارة يجلس، وتارة يضطجع، ونحو ذلك؛ كما هو عادة من به قلق وألم.
(قَطُّ) استعملت في الإثبات، وإن كان أصلُ استعمالها في
стр. 8357
النفي؛ لأن ذلك جائز كما قال ابن مالك. قال: والنحاةُ غفلوا عن ذلك.
قال (ك): واكتفى بالنفي الذي يلزم من التركيب؛ إذ معناه: ما رأيتهم أكثر من ذلك، والنفي مقدر، ومضى تحقيقه في (باب صلاة الخسوف).
(كان شطر منهم حسنًا) في بعضها: (كانوا شطر منهم حسن)، على أنّ (كان) تامة، والجملة حال، وإن كانت بلا واو؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، ولا يؤخذ من قوله: (لم أر روضة أحسنَ منها ولا أعظمَ)؛ أي: منزلُهم أحسنُ من منزلِ إبراهيمَ ﵊؛ لأنه لم يقل: إن ذلك منزلهم، وذلك منزله؛ بل فيه إشارة إلى أنه الأصل في الملة، وهو أولهم، ومَنْ بعدَه تابعٌ له، وبممره يدخلون الجنة، وأيضًا ذلك لسيدنا رسول الله، فلا محذورَ في أن يكون أحسنَ، وأُمته فيها بالتبعية، لا بالاستقلال.
(تجاوز) في بعضها: (فتجاوز).
* * *
стр. 8358
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد السابع عشر]
الثالث:
(فليصبر) فيه دليل على أن السلطان لا ينعزل بالفسق، والظلم، فلا ينازع.
(إلا مات) وجه الاستثناء: أن (من) للاستفهام الإنكاري، أي: ما فارق أحد الجماعة، أو يقدَّر في الكلام (ما) النافية.
قال ابن مالك: وجاز ذلك، كقوله:
فَوَاللهِ مَا نِلْتُمْ وَمَا نِيلَ مِنْكُمُ ... بِمُعْتَدِلٍ وَقْفٍ وَلَا مُتَقَارِبِ
وسيجيء أول (كتاب الأحكام) صريحًا، أو (لا) زائدة، قال الأصمعي منه:
حَرَاجِيجُ لَا تَنْفَكُّ إِلَّا مُناخةً ... عَلَى الخَسْفِ أَوْ يرى بها بَلَدًا قَفْرًا
والحراجيج: جمع حرجوج -بالمهملة والراء وضم الجيم الأولى- وهي الناقة، والقفر -بتقديم القاف-: الخالي، والكوفيون يقولون في مثله: إلا حرف عطف.
* * *
٧٠٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيد، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى
стр. 8368
عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهْوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ الله حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ.
٧٠٥٦ - فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا ننازع الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كفْرًا بَوَاحًا، عِنْدكمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.
الرابع:
(مَنْشَطنا)، أي: فرحنا ومحبوبنا.
(ومَكْرَهنا)؛ أي: حُزننا ومكروهنا.
(وأثَرَة)؛ أي: استيثار الأمراء بحظوظهم، واختصاصهم إياها بأنفسهم.
(الأمر)؛ أي: الإمارة.
(إلا أن تروا)؛ أي: بايعنا قائلًا ذلك، وإلا، فالمناسبُ: (أن نرى) بنون المتكلم.
(بَوَاحًا) بفتح الموحدة وخفة الواو وبالمهملة: الظاهر المكشوف الصُّراح، وباح بالشيء: إذا صرح به، ويروى: (بَرَاحًا) بالراء؛ أي: فيحلُّ قتالهم، وهو معنى قوله: (عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَان).
قال (ن): المراد بالكفر هنا: المعاصي؛ أي: إلا أن تروا منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام؛ إذ عند ذلك تجوز المنازعة
стр. 8369
بالإنكار عليهم.
قال (ك): الظاهرُ أن الكفرَ على ظاهره، والمراد من النزاع: القتال.
(بُرْهان) هو الدليل القطعي؛ كالنصِّ، ونحوِه.
* * *
٧٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! استَعْمَلْتَ فلانًا وَلَم تَستَعْمِلْنِي؟ قَالَ: "إِنَّكم سَتَرَونَ بَعْدِي أثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْني".
الخامس:
(أن رجلًا) هو أُسيدٌ راوي الحديث؛ لكنه لم يُرد نسبةَ ذلك لنفسه.
(فُلانًا) هو عمرو بنُ العاصي.
(وإنكم سترون) وجهُ كونه جوابًا للسؤال: أن المراد: أن استعمال فُلان ليس بمصلحة خاصة؛ بل لك ولجميع المسلمين؛ نعم، يصير بعدي الاستعمالات خاصة، فيصدق أنه لفلان، وليس لي؛ فظهرت المطابقة.
* * *
стр. 8370
٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ
(باب: قول النبي ﷺ : هلاك أمتي على يدي أُغَيْلِمَة سُفَهاءَ)
تصغير غلام على غير قياس.
٧٠٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيد قَالَ: أَخْبَرني جَدِّي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسْجدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا مَروَانُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ: "هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ"، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: لَو شِئْتُ أَنْ أقولَ: بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ، فَكُنْتُ أَخْرجُ مَعَ جَدِّي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مَلَكُوا بِالشَّأْمِ، فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قالَ لَنَا: عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ؟ قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ.
(مروان) هو ابنُ الحكم الأمويُّ.
(المصدوق)؛ أي: من عند الله، أو: من المصدق من عند الناس.
(هَلَكة) بفتحتين؛ أي: هلاك.
(غلْمَة) في قول مروان نُصب على الاختصاص، ويروى: