Полный текст (8 898 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
الحديث الأول:
(أثَرَة) بفتح الهمزة والمثلثة؛ أي: استئثارًا في الحظوظ الدنيوية.
* * *
٧٠٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنِ الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً".
الثاني:
(من السلطان)؛ أي: من طاعته.
(مِيْتَةً) بكسر الميم.
(جاهلية)؛ أي: كموت الجاهلية؛ بحيث لم يعرفوا إمامًا مطاعًا؛ أي: فيموت عاصيًا؛ لا أن المراد يموت كافرًا.
* * *
٧٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً
جَاهِلِيَّةً".
стр. 8367
الثالث:
(فليصبر) فيه دليل على أن السلطان لا ينعزل بالفسق، والظلم، فلا ينازع.
(إلا مات) وجه الاستثناء: أن (من) للاستفهام الإنكاري، أي: ما فارق أحد الجماعة، أو يقدَّر في الكلام (ما) النافية.
قال ابن مالك: وجاز ذلك، كقوله:
فَوَاللهِ مَا نِلْتُمْ وَمَا نِيلَ مِنْكُمُ ... بِمُعْتَدِلٍ وَقْفٍ وَلَا مُتَقَارِبِ
وسيجيء أول (كتاب الأحكام) صريحًا، أو (لا) زائدة، قال الأصمعي منه:
حَرَاجِيجُ لَا تَنْفَكُّ إِلَّا مُناخةً ... عَلَى الخَسْفِ أَوْ يرى بها بَلَدًا قَفْرًا
والحراجيج: جمع حرجوج -بالمهملة والراء وضم الجيم الأولى- وهي الناقة، والقفر -بتقديم القاف-: الخالي، والكوفيون يقولون في مثله: إلا حرف عطف.
* * *
٧٠٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيد، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى
стр. 8368
عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهْوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ الله حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ.
٧٠٥٦ - فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا ننازع الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كفْرًا بَوَاحًا، عِنْدكمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.
الرابع:
(مَنْشَطنا)، أي: فرحنا ومحبوبنا.
(ومَكْرَهنا)؛ أي: حُزننا ومكروهنا.
(وأثَرَة)؛ أي: استيثار الأمراء بحظوظهم، واختصاصهم إياها بأنفسهم.
(الأمر)؛ أي: الإمارة.
(إلا أن تروا)؛ أي: بايعنا قائلًا ذلك، وإلا، فالمناسبُ: (أن نرى) بنون المتكلم.
(بَوَاحًا) بفتح الموحدة وخفة الواو وبالمهملة: الظاهر المكشوف الصُّراح، وباح بالشيء: إذا صرح به، ويروى: (بَرَاحًا) بالراء؛ أي: فيحلُّ قتالهم، وهو معنى قوله: (عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَان).
قال (ن): المراد بالكفر هنا: المعاصي؛ أي: إلا أن تروا منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام؛ إذ عند ذلك تجوز المنازعة
стр. 8369
بالإنكار عليهم.
قال (ك): الظاهرُ أن الكفرَ على ظاهره، والمراد من النزاع: القتال.
(بُرْهان) هو الدليل القطعي؛ كالنصِّ، ونحوِه.
* * *
٧٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! استَعْمَلْتَ فلانًا وَلَم تَستَعْمِلْنِي؟ قَالَ: "إِنَّكم سَتَرَونَ بَعْدِي أثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْني".
الخامس:
(أن رجلًا) هو أُسيدٌ راوي الحديث؛ لكنه لم يُرد نسبةَ ذلك لنفسه.
(فُلانًا) هو عمرو بنُ العاصي.
(وإنكم سترون) وجهُ كونه جوابًا للسؤال: أن المراد: أن استعمال فُلان ليس بمصلحة خاصة؛ بل لك ولجميع المسلمين؛ نعم، يصير بعدي الاستعمالات خاصة، فيصدق أنه لفلان، وليس لي؛ فظهرت المطابقة.
* * *
стр. 8370
٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ
(باب: قول النبي ﷺ : هلاك أمتي على يدي أُغَيْلِمَة سُفَهاءَ)
تصغير غلام على غير قياس.
٧٠٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيد قَالَ: أَخْبَرني جَدِّي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسْجدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا مَروَانُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ: "هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ"، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: لَو شِئْتُ أَنْ أقولَ: بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ، فَكُنْتُ أَخْرجُ مَعَ جَدِّي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مَلَكُوا بِالشَّأْمِ، فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قالَ لَنَا: عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ؟ قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ.
(مروان) هو ابنُ الحكم الأمويُّ.
(المصدوق)؛ أي: من عند الله، أو: من المصدق من عند الناس.
(هَلَكة) بفتحتين؛ أي: هلاك.
(غلْمَة) في قول مروان نُصب على الاختصاص، ويروى:
стр. 8371
(أُغَيْلِمَة) على طبق ما في الترجمة.
(أحداثًا)؛ أي: شباب، وليس في الحديث ما في الترجمة من ذكر سفهاء؛ إما لأنه لم يجد فيه حديثًا على شرطه، وإن ثبت عنده غيره، أو بَوَّبَ له ليوردَ فيه حديثًا؛ ولكن ما اتفق، والموجبُ لهلاك الناس: أنهم أُمراء متغلبون.
* * *
٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : وَيْلٌ لِلْعَرَبِ، مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ
(باب: قول النبي ﷺ : ويلٌ للعربِ من شَرٍّ قَدِ اقتربَ)
٧٠٥٩ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبة، عَنْ زينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ﵅ أنَّهَا قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ويلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ"، وَعَقَدَ سُفْيَانُ تِسْعِينَ أَوْ مِائَةً، قِيلَ: أَنَهْلِكُ وَفينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نعمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ".
الحديث الأول:
(عن أُمّ حَبِيبة) قيل: سقط قبلها راوٍ، فالإسنادُ منقطع، وصوابُه
стр. 8372
كما في مسلم: (زينب عن حبيبة، عن أُمّ حبيبة، عن زينب)، وهو من الغرائب اجتمع فيه أربع صحابيات: زوجتان لرسول الله ﷺ ، وربيبتان له.
قال (ك): ويحتمل أن زينب سمعت من حَبيبة، ومن أُمها، وكلاهما صواب.
(للعرب) خصهم؛ لأن معظم شرهم راجعٌ إليهم، ويقال: إن يأجوجَ هم التركُ، وقد أهلكوا الخليفَة المستعصم بالله، وجرى ما جرى ببغداد منهم.
(ردم) هو السدُّ الذي بيننا وبينهم.
(أَنَهْلِكُ) بكسر اللام.
(الخَبَث) بفتحتين؛ إما الفسوق، أو الزِّنَا خاصة، أو أولاد الزِّنَا، أقوال؛ فإذا كثر ذلك، حصل الهلاك العام؛ لكنه طهارةٌ للمطيعين، وتمحيص من الذنوب، ونقمةٌ على الفاسقين، ويبعث الله الكلَّ على حسب نياتهم، وفيه: حرمةُ الركون إلى الظَّلَمة، والاحتراز عن مجالستهم.
(وعقد)؛ أي: بما هو مشهور عند أهل الحساب.
* * *
٧٠٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
стр. 8373
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ ﵄ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُم مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنِّي لأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتكُم كوَقْعِ الْقَطْرِ".
الثاني:
(أشرف)؛ أي: علا وارتفع.
(أُطُم) بضم الهمزة والمهملة: القصر والحصن.
(خلال)؛ أي: أوساط.
(القطر) في بعضها: (المطر)، فشبه بمواقعه في الكثرة، والعموم؛ أي: ليس مخصوصًا بطائفة، وفيه: إشارة إلى الحروب الجارية بينهم؛ كقتل عثمان، ويوم الحَرَّةِ، ونحوه، وفيه: معجزةٌ ظاهرة للنبي ﷺ .
* * *
٥ - باب ظُهُورِ الْفِتَنِ
(باب: ظهور الفتن)
٧٠٦١ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَليدِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يتقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ
стр. 8374
الْهَرْجُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أيُّمَ هُوَ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ الْقَتْلُ".
٧٠٦٢ - وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَيُونسٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الحديث الأول:
(يتقارب الزمان) قال (خ): أي: حتى تكون السنة كالشهر، وهو كالجمعة، وهي كاليوم، وهو كالساعة، وذلك من استلذاذ العيش؛ كأنه -والله أعلم- يريد: خروجَ المهدي، وبسطَ العدل والأمن في الأرض، وأيام الخير قصار.
قال (ك): وهذا لا يناسب أخواته من ظهور وكثرة الهرج.
قال (ش): المراد: يتقارب الزمان بالشر والفساد، حتى لا يبقى من يقول: الله الله.
وقال الطحاوي: المراد: تقارُب أحوال أهله في ترك طلب العلم، والرضا بالجهل؛ وذلك لأن الناس لا يَتَسَاوَون في العلم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وإنما يتساوون إذا كانوا جهالًا.
(ويلقى) قال الحُميدي: لم يضبط الرواة هذا الحرف، ويحتمل أن يكون بتشديد القاف؛ بمعنى: يُتلقى، ويُتعلم، ويتُواصى به، ويُدعى إليه؛ من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، أي: ما يُعَلّمها ويُنبه عليها؛ أما بتخفيف القاف، فأبعد؛ إذ لو
стр. 8375
لقي، لتُرك، ويكون مدحًا، والمساق للذم، وبالفاء لا يصح، لأن (الشُّحَّ) -بتثليث الشين-، أي: البُخْل والحرص ما زال موجودًا؛ نعم، إن أُريد غلبتُه وكثرتُه، بحيث يراه جميع الناس، استقام.
واعلم أنه سبق في (كتاب الأنبياء) في (نزول عيسى ﵇: (أن يفيض المال، حتى لا يقبله أحد)، وفي (كتاب الزكاة): (حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها)، ولا تنافي، بل الكلُّ من أشراط الساعة؛ لكن كل واحد في زمان غير الأول.
(أيُّمَ) أصله: أيّما، فحذفت ألف (ما)، أيُّ شيءٍ الهرجُ، فهو بفتح الهمزة وتشديد الياء المضمومة، وقد تخفف، كأيش في موضع: أيُّ شيء.
(وقال شُعَيْب) وصله البخاري في (الأدب).
(ويونس) وصله مسلم.
(والليث، وابن أخي الزُّهْرِي) وصلهما الطبراني في "الأوسط".
* * *
٧٠٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ".
стр. 8376
الثاني:
(عُبيد الله) قال الغساني: يقع في بعض النسخ: (ثنا مُسَدَّد)؛ وهو وَهْمٌ.
* * *
٧٠٦٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ: جَلَسَ عَبْدُ اللهِ وَأَبُو مُوسَى، فتحَدَّثَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، ويَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ".
٧٠٦٥ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى ﵄، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : مِثْلَهُ، وَالْهَرْجُ -بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ- الْقَتْلُ.
الثالث، والرابع:
فُهِمَ معناهما مما سبق.
(مثله)؛ أي: مثل ما ذكره آنفًا؛ أي: إن بين يدي الساعة أيامًا.
(والهَرْج بلسان الحبشة) هو مدرج من قول أبي موسى.
قال (ع): وهو وَهْمٌ من بعض الرواة؛ فإنها عربية صحيحة.
* * *
стр. 8377
٧٠٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَأَحْسِبُهُ رَفَعَهُ قَالَ: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أيَّامُ الْهَرْجِ، يَزُولُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الْجَهْلُ"، قَالَ أَبُو مُوسَى: وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ.
الخامس:
(محمد) يحتمل: ابن بشار، وابن المثنى، وابن الوليد؛ فإنهم رووا عن غُنْدَر في "الجامع" كما قاله الكلاباذي.
(وأحسبه رفعه)؛ أي: قال أبو وائل: أحسب عبدَ الله رفعَ الحديث إلى النبي ﷺ .
* * *
٦ - باب لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلا الذي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ
(باب: لا يأتي زمانٌ إلَّا والذي بعدَه شرٌّ منه)
٧٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِي قَالَ: أتيْنَا أَنس بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: "اصبِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرُّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ"، سَمِعْتُهُ مِنْ نبَيِّكُمْ".
стр. 8378
الحديث الأول:
(أَشَرُّ) فيه شاهد على استعمال أشرّ وأخير بالألف، وفي بعضها: (شر) بدون ألف، وأما زمن نزول عيسى ﵇ الذي تمتلئ الأرض فيه عَدْلًا، فليس مقصودًا هنا، لأن المراد الذي وجد بعده، وعيسى ﵇ وجد قبله، أو المراد بالنسبة إلى الأُمراء، فخروج زمنه من المعلوم بالضرورة.
* * *
٧٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ الْفِرَاسيَّةِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتِ: استَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: "سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ -يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ- لِكَيْ يُصَلِّينَ؟ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا، عَارِيةٍ فِي الآخِرَةِ".
الثاني:
(فَزِعًا)، أي: خائفًا، وسبق في (كتاب العلم)، وفيه: أن الفتن مقرونة بالخزائن؛ قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، ومن جملة فتنته الإسراف؛ فلذا قال: (رُبَّ كَاسِيَةٍ).
* * *
стр. 8379
٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ حَمل عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا "
(باب: من حملَ السلاحَ علينا، فليسَ مِنَّا)
أي: ليس تابعًا سُنَّتَنا، ولا سالكًا طريقتنا، لا أن المراد: ليس على ديننا؛ فالطائفةُ الباغيةُ على العادلة ليست حالَ البغي متبعةً سنتَهُ ﷺ .
٧٠٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا".
٧٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْد، عَنْ أَبِي بُردَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا".
الحديث الأول، والثاني:
معناهما ظاهر.
* * *
٧٠٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى
стр. 8380
أَخِيهِ بِالسِّلَاح، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ".
الثالث:
(لا يشير) بلفظ النفي والنهي.
(ينزع في يده) (في) بمعنى (من) على أن الحروف تتقارض، أو معناه: ينزع القوس -مثلًا-، وفي بعضها: (ينزغ) -بزاي مفتوحة ومعجمة-: يَطعن، أو يُغوي.
* * *
٧٠٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرو: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا"؟ قَالَ: نعمْ.
الرابع:
(يا أبا محمد! سمعتَ) بتاء الخطاب.
(بنصالها) جمع نَصْل، وهو حديدةُ السهم.
* * *
٧٠٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي الْمَسْجدِ بِأسهمٍ قَدْ أبْدَى نُصُولَهَا،
стр. 8381
فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولهَا، لَا يَخْدِشُ مُسْلِمًا.
الخامس:
(أبدى)؛ أي: أظهر.
* * *
٧٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا مَرَّ أَحَدكمْ فِي مَسْجدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نبلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا"، أَوْ قَالَ: "فَلْيَقْبِض بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ".
السادس:
(نبل) بفتح النون: السهام.
(أن يصيب)؛ أي: كراهةَ الإصابة، أو (لا) مقدرة؛ كما في: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، سبق في (الصلاة في المساجد).
* * *
٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ "
(باب: قول النبي ﷺ : لا تَرْجِعوا بعدي كفارًا)
٧٠٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
стр. 8382
حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سِبابُ الْمُسْلِم فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ".
الحديث الأول:
(وقتاله كفر)؛ أي: إذا كان من جهة أنه مسلم، أو كان مستحلًّا، أو أطلق الكفر للتغليظ، والمراد: معصية؛ نعم، قتال البُغاة ونحوهم ليس كفرًا ولا معصية، سبق في (كتاب الإيمان).
* * *
٧٠٧٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، أَخْبَرَني وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض".
الثاني:
(يضرب) بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع استئنافًا، أو حالًا، وقال بعضهم: من جَزَمَ، أَوَّلَه على الكفر، ومن رفعَ، لا يعلقه بما قبله؛ بل يجعلُه حالًا، أو استئنافًا كما بيناه.
* * *
٧٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ،
стр. 8383
وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "أَلَا تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أليْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ أليْسَتْ بِالْبَلْدَةِ؟ " قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءكمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَأَبْشَاركمْ، عَلَيْكُمْ حَرَام، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكمْ هَذَا، فِي بَلَدِكمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " قُلْنَا: نعمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ! اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ"، فَكَانَ كَذَلِكَ، قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ، حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: أَشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ، فَقَالُوا: هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَحَدَّثتنِي أُمِّي، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ.
الثالث:
(وعن رجل آخر) هو حُميد بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، صرح به في (كتاب الحج) في (باب الخطبة أيام منى) كذا رواه مسلم.
(وأعْرَاضكُم) جمع عِرْض، وهو الحسب، وموضعُ المدحِ والذمِّ من الإنسان.
(وأبْشَاركُم) جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد، ولم يذكر في هذه
стр. 8384
الرواية أي شهر، مع أنه قال بعد: (في شَهْرِكُمْ هَذَا)، كأنه لتقرر ذلك في أذهانهم، وحرمة البلد، وإن كانت متقررة أيضًا؛ لكن الخطبة كانت بمنى، فربما قصد به دفع وهم من يتوهم أنها خارجة من الحرم، أو من يتوهم أن البلدة لم تبق حرامًا؛ لقتاله ﷺ يوم الفتح فيها، أو اختصره الراوي اعتمادًا على سائر الروايات، مع أنه لا يلزم ذكره في صحة التشبيه.
(مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ) بكسر اللام فيهما، والضمير الراجع إلى الحديث المذكور مفعول أولُ له.
(من هو أوعى) مفعولُه الثاني.
(فكان كذلك)؛ أي: وقع التبليغ كثيرًا من الحافظ إلى الأحفظ، وهو مدرَجٌ من كلام ابن سيرين كما قال البخاري في (كتاب العلم): (قال محمد: صدق رسولُ الله ﷺ ، وكان ذلك).
(ابن الحَضْرَمِيّ) بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الراء: هو عبد الله.
قال المهلب: هو رجل امتنع من الطاعة، فأخرج إليه جاريةُ -أي: بالجيم- ابنُ قُدامةَ جيشًا، فظفروا به في ناحية من العراق كان أبو بكرة يسكنها، فأمر جاريةُ بصلبه، فصُلب، ثم أُلقي في النار في الجذع الذي صُلب فيه، ثم أمر جاريةُ جيشَه أن يُشرفوا على أبي بكرةَ، هل هو على الاستسلام، والانقياد؟ فقالوا له: إنه يراك وما صنعتَ بابن الحَضْرَمِيّ، وما أنكر عليك بكلام ولا سلاح، فلما سمع أبو بكرة
стр. 8385
ذلك، وهو في غرفة له، قال: لو دخلوا عليّ، ما بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ؛ فكيف أقاتلهم؛ لأني ما أرى الفتنة في الإسلام، ولا التحركَ فيها مع إحدى الطائفتين.
(حَرَّقه) قال (ش): كذا وقع، والوجهُ: أَحرقَهُ.
قلت: إذا كان بالتشديد، فهو بمعناه.
(بَهَشْتُ) بفتح الموحدة والهاء وشين معجمة؛ أي: مددت يدي إليها، وتناولتها لأدافع، وقيل: المعنى: ما قاتلت بها مدافعة عن نفسي؛ من بهش القومُ بعضُهم بعضًا: إذا توافَوْا للقتال، وقال ابن عبد البر: أرسلَ معاويةُ بنَ الحَضْرَمِيّ إلى البصرة ليأخذَها من زياد؛ وكان أميرًا بها لعلي ﵁، فبعث زياد إلى عليّ؛ فبعث جَارية، فأحرق على ابن الحَضْرَمِي الدار التي يسكنها.
* * *
٧٠٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَرْتَدُّوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
٧٠٨٠ - حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ"، ثُمَّ قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
стр. 8386
الرابع، والخامس:
سبقا في (كتاب العلم).
* * *
٩ - باب تَكونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ
(باب: تكون فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم)
٧٠٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَحَدَّثَنِي صَالح بْنُ كيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَتكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِم، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّايِر، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ".
٧٠٨٢ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَني أبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَتكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ".
стр. 8387
الحديث الأول، والثاني:
(من تشرف) بلفظ الماضي؛ من الشرف، وفي بعضها بالمضارع؛ من الإشراف؛ أي: مَنْ خاطرَ بنفسه فيها، أهلكَتْه.
* * *
١٠ - باب إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
(باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما)
٧٠٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّار"، قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِه"، قَالَ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ: فَذَكرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لأيُّوبَ، وَيُونسُ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا.
الحديث الأول:
(ابن عبد الوهاب) هو الحُجَبيّ.
стр. 8388
(حَمّاد) هو ابن زيد.
(عن رجل لم يُسمِّه) قال (ك): قالوا: هو هشامُ بنُ حسانَ القُرْدُوسِيُّ -بضم القاف والمهملة وسكون الراء، ثم واو ومهملة-، وقال غيره: هو عمرُو بنُ عُبيد رأسُ الاعتزال، وإنما ساق الحديث من طريقه؛ ليبين غلطه فيه.
(ابن عمِّ رسول الله ﷺ )؛ يعني: عَلِيًّا ﵁.
(تواجه المسلمان)؛ أي: ضرب كلٌّ منهما وجهَ الآخر؛ أي: ذاته.
(من أهل النار)؛ أي: مستحقٌّ لها، وقد يعفو الله عنه، والمراد في الحديث: المتواجهان بلا اجتهاد، ولا تأويل؛ أما عليّ ومعاوية ﵄، فمجتهدان؛ لكن معاوية مخطئ، فله أجر واحد، وعليٌّ مصيبٌ، فله أجران، وأما امتناعُ أبي بكرة من مساعدة عليّ، وهو الإمام الحقّ، والمقاتل له بُغاة، والعادلُ تجب مساعدتُه؛ فلعل الأمر لم يكن بعدُ ظهرَ لهُ، وكل قضية صدرت من الصحابة في ذلك ناشئةٌ عن اجتهاد، وكلّ طائفة تظن أنها المحقَّةُ، ومن امتنع من القتال؛ فإنما هو لكون الأمر مُشْكلًا عندهُ لم يتضح، وسبق الحديث في (كتاب الإيمان).
(أراد)؛ أي: بتصميم وجزم، فيكون بذلك عاصيًا، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣].
* * *
٧٠٨٣ / -م (١) - وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، ويونسُ، وَهِشَامٌ، وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ، عَنْ
стр. 8389
أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أيوب. وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.
الثاني:
(وقال مُؤمَّل) بفتح الميم الثانية؛ أي: ابنُ إسماعيل، وصله أحمد.
(وروى مَعْمَر) وصله مسلم، والنسائي، والإسماعيلي.
(ورواه بَكّار) وصله الطبراني في "الكبير".
* * *
٧٠٨٣ / -م (٢) - وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِي بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُور.
(وقال غُنْدَر) وصله أحمد، ومسلم.
(ولم يرفعه سفيان) روايته الموقوفة وصلها النسائي.
* * *
١١ - باب كيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكنْ جَمَاعَةٌ ؟
(باب: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟)
٧٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنى، حَدَّثَنَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم،
стр. 8390
حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ: أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْألونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْألُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قَالَ: "نعمْ"، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: "نعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ"، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: "قَوْم يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيٍ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِر"، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نعمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لنا، قَالَ: "هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيتكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، قُلْتُ: فَمَا تمأمُرُني إِنْ أَدْركنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".
(بعد ذلك الشر من خير) قال (ع): هو أيام عمرَ بنِ عبدِ العزيز، والذين تعرفُ منهم وتُنكر هُم الأُمراء بعدَه، ومنهم من يدعو إلى بدعة وضلالة؛ كالخوارج.
قال (ك): ويحتمل أن يُرَادَ بالشر: زمانُ قتل عثمان، وبالخير بعدَه: زمانُ خلافة عليّ ﵄، والدَّخَن: الخوارج ونحوهم، والشرُّ بعده: زمان الذين يلعنونه على المنابر.
стр. 8391
(دَخَنٌ) بمهملة ثُمَّ معجمة مفتوحتين: دخان؛ أي: ليس خيرًا خالصًا؛ بل فيه كُدورة بمنزلة الدخان من النار.
قال (ن): المراد من الدخن: أن لا تصفو القلوب بعضُها لبعض كما كانت عليه من الصفاء.
(هُدًى) هو السيرة والطريقة.
(من جِلْدَتنا)؛ أي: من العرب.
(بألسنتنا)، أي: بالعربية، وقيل: إنهم من بني آدم، خلقوا كما خلقنا، ويتكلمون كما نتكلم.
(ولو أن تَعَضَّ)؛ أي: ولو كان الاعتزال بأن تعضَّ، وفيه: الإشارةُ إلى مساعدة الإمام بالقتال ونحوه إذا كان إمام، ولو كان ظالمًا عاصيًا، والاعتزال إذا لم يكن، وسبق الحديث في (علامات النبوة).
* * *
١٢ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ
(باب: من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم)
٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ، وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النهْيِ
стр. 8392
ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَني ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيقْتُلُهُ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
(حَيْوَة) هو ابن شُرَيْح.
(وغيره) هو ابن لَهِيعَة كما رواه الطبراني، وفي بعضها: (وعَبْدَة)، والأولُ أصحُّ.
(وقال الليث) سبقت روايته في (سورة النساء).
(بَعْث)؛ أي: جيش.
(فاكتتبت) مبني للمفعول، أو للفاعل، على معنى: كتبتُ نفسي في ديوان السلطان.
(فيأتي السهم فيرمى) هو من القلب؛ أي: يرمى السهم فيأتي، وسبق الحديث في (سورة النساء).
(أو يضربه) عطف على: (فيأتي)، لا على: (فيصيب)، والمعنى: يقتل إمّا بالسهم، وإما بضرب السيف ظالمًا نفسه بسبب تكثيره سوادَ الكفار، وعدمِ هجرته عنهم، وهذا إذا كان راضيًا مختارًا.
قال مُغُلْطاي: هو حديث مرفوع؛ لأن تفسير الصحابي إذا كان مستندًا إلى نزول آية، فهو مرفوع اصطلاحًا.
* * *
стр. 8393
١٣ - باب إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالةٍ من النَّاسِ
(باب: إذا بقِيَ في حُثَالةٍ مِن النّاس)
حُثَالَة -بضم المهملة وخفة المثلثة-: هو رديء كل شيء، وما لا خير فيه.
٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ؛ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنتظِرُ الآخَرَ؛ حَدَّثَنَا: "أَنَّ الأَمَاتة نزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ"، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا، قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فتقْبَضُ الأَمَانة مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثْلَ أثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فتُقْبَضُ، فَيَبْقَى فِيهَا أثَرُهَا مِثْلَ أثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فترَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبحُ النَّاسُ يتبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَد يُؤَدِّي الأَمَانة، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدلٍ مِنْ إِيمَانٍ"، وَلَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَلَا أُبَالِي أيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نصرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.
стр. 8394
(حديثين)؛ أي: في باب الأمانة، وإلا فله أحاديثُ كثيرةٌ، أحدهما في نزولها، والثاني في رفعها.
(جَذْر) بفتح الجيم وسكون المعجمة: الأصل؛ أي: كانت لهم بحسب الفطرة، وحصلت لهم بالكسب من الشريعة استفادة من الكتاب والسُّنَّة.
(الوَكْت) بفتح الواو وإسكان الكاف وبالمثناة: الأثر اليسير، وقيل: السواد، وقيل: اللون المخالف للون الذي كان قبله، وسبق الحديث في (كتاب الرقاق).
* * *
١٤ - باب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
(باب: التعرُّب في الفتنة) -بالعين المهملة-؛ أي: الإقامة بالبادية، والتكلُّف في صيرورته أعرابيًّا.
٧٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الأكوَعِ! ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ.
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ
стр. 8395
سَلَمَةُ بْنُ الأكوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ، وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ.
الحديث الأول:
(ارتددت على عقبيك) يريد الحجاجُ بذلك: أنك رجعتَ في الهجرة التي فعلتها لوجه الله بخروجك من المدينة؛ أي: فتستحق القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذر يجعلونه كالمرتد، فأجابه بأن النبي ﷺ رخَّص له. وقال بعضهم: إن سَلمة مات في آخر خلافة معاوية سنة ستين، ولم يدرك زمان وإمارة الحجاج، فالله أعلم.
(وتعربت) بالمهملة، ويروى بالمعجمة، ويروى بمهملة وزاي؛ أي: بعدت عن الجماعات والجمعات.
(في البدو)، أي: في الإقامة فيه.
(الرَّبَذَة) بفتح الراء والموحدة والمعجمة: موضع بقرب المدينة.
* * *
٧٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِم غَنَمٌ، يتبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ".
стр. 8396
الثاني:
(ومواقع القَطْر)؛ أي: التلال، والبوادي، والأودية، سبق الحديث في (الإيمان)، وسبق السؤال فيه؛ لأن قواعد الشرع تقتضي الاختلاط للجماعات والجمعات، وغير ذلك من وقوف عرفات، ونقل اللقيط من القرية للبلد، وهذا الحديث يقتضي فضل الاعتزال، وأن جوابه: بأن ذلك بحسب الأحوال؛ فالجليسُ الصالح خيرٌ من الوَحْدَة، وهي خير من الطالح.
* * *
١٥ - باب التَّعَوُّذ مِنَ الْفِتَنِ
(باب: التعوّذ من الفتن)
٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنس ﵁ قَالَ: سَألوا النَّبِي ﷺ حَتَّى أَحْفَوهُ بِالْمَسْئَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِي ﷺ ذَاتَ يَوْم الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "لَا تَسْألوني عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ"، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسُهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأنْشَأ رَجلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نبَيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، ثُمَّ أَنْشَأ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّد رَسُولًا، نعوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 8397
"مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ"، قَالَ قتادَةُ: يُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ هَذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
(أَحْفَوْه)؛ أي: ألحُّوا عليه، وبالغوا، ورَدَّدوا.
(لاحَى)؛ أي: خاصم.
(يُدْعَى)؛ أي: ينسب، وكان اسمه: عبد الله -على الأصح- ابن حُذَافة -بضم المهملة وخفة المعجمة-.
* * *
٧٠٩٠ - وَقَالَ عَبَّاس النَّرْسِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قتادَةُ: أَنَّ أَنسًا حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نبَيَّ اللهِ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، وَقَالَ: عَائِذًا بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ.
٧٠٩١ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيد، وَمُعْتَمِر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قتادَةَ: أَنَّ أَنسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ: عَائِذًا بِاللهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ.
(وقال عباس) وصله أبو نُعيم في "المستخرج".
وقال (ك): لم يقل: حَدَّثنا؛ لأنه أخذه بطريق المذاكرة، لا تحديثًا
стр. 8398
وتحميلًا، وأراد بذكره هنا: التصريحَ بسماع سعيد من قتادة، وسماعِ قتادةَ من أنس، ولما ألحّوا على رسول الله ﷺ ، كَرِه مسائِلَهم، وعزّ على المسلمين الإلحاحُ والتعنيتُ، وتوقعوا نزولَ عقوبة الله عليهم، فبكوا خوفًا من ذلك، فَمَثّل الله تعالى الجنةَ والنارَ له، وأراه كلَّ ما يسأل عنه، وفيه: فقهُ عُمر ﵁، والظاهر أن الأقوال في كيفية الاستعاذة كقوله، وقال بعض الشارحين: إن استعاذته ﷺ من الفتن تعليم لأمته، وفي رواية خليفة: (من شر الفتن)، وفي غيرها: (سوء).
(لافّ) في بعضها: (لافًّا) بالنصب على الحال.
(عائذًا بالله) نصب على الحال؛ أي: يقول ذلك عائذًا، أو على المصدر؛ أي: عياذًا، وبالرفع على جعل الفاعل موضعَ المفعول؛ كقولهم: سِرٌّ كاتم؛ أي: أنا عائذ.
* * *
١٦ - باب قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ "
باب: قولِ النبيِّ ﷺ : "الفتنة من قِبَلِ الْمَشْرِقِ".
٧٠٩٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ
стр. 8399
يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ"، أَوْ قَالَ: "قَرْنُ الشَّمْسِ".
٧٠٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقولُ: "أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
الحديث الأول، والثاني:
(قَرْن) هو الشروق، وموضعُه، وناحيةُ الشمس، وأعلاها، وقيل: الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها؛ ليقع سجودُ عبدتِها له، وقيل: القَرْن في الحيوان يُضرب به المثلُ فيما لا يَجْمُل من الأمور.
* * *
٧٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا"، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَفِي نَجْدِنَا؛ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةَ: "هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
الثالث:
(في شامنا)؛ أي: إقليم الشام.
стр. 8400
(في يمننا) إقليم اليمن، والشام هو من شمال الحجاز، واليمن من يمينه، وسبق الحديثُ قُبيل (مناقب قريش).
(نجدنا) النجد: هو ما ارتفع من الأرض، والغور: هو انخفض منها، ومن كان بالمدينة الطيبة، كان نجدُه باديةَ العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها.
(الزلازل) لعله المراد به: الاضطراباتُ التي بين الناس، والبلايا؛ لتناسب الفتن مع احتمال إرادة حقيقتها، قيل: إن أهل المشرق كانوا حينئذ أهلَ كفر، فأَخبر أن الفتنة تكون من ناحيتهم؛ كما أن وقعة الجمل وصِفِّين وظهور الخوارج في أرض نجد، والعراق، وما والاها كانت من المشرق، وكذلك خروجُ الدجال، ويأجوج ومأجوج منها.
* * *
٧٠٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خلفٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ: فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! حَدِّثْنَا عَنِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَة؟ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّد ﷺ يُقَاتِلُ المُشْرِكينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ.
стр. 8401
الرابع:
(حديثًا حسنًا) التقييدُ بالحسن، مع أن حديث النبي ﷺ كلَّه حسن؛ باعتبار إرادة أن يكون ذكر الرحمة، لا ذكر الفتنة، أو هو من باب الصفة اللازمة.
(فبادرنا إليه رجل) هو يَزِيد بنُ بِشْرٍ السَّكْسَكِيّ.
(ثكلتك أُمك)؛ أي: فقدتْك، ولم يقصِدْ به حقيقةَ الدعاء، ومرتْ قصتُه في (سورة البقرة)، وغيرها.
* * *
١٧ - باب الْفِتْنَةِ التِي تَمُوجُ كمَوْجِ الْبَحرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يتمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً ... تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا ... وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيل
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنها وَتَغَيَّرَتْ ... مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
стр. 8402
(باب: الفتنة التي تموج كموج البحر)
قوله: (بهذه الأبيات) قيل: هي لاِمْرِئِ القَيْس.
(أول) فيه، وفي (فتية) مصغَّرة ومكبرة؛ أي: شابة: أربعةُ أوجه: رفع أول، ونصب فتية؛ أي: أولُ أحوالها إذا كانت فتية؛ فالحربُ مبتدأ، وأولُ مبتدأ ثان، وفتيةً حالٌ سدَّت مسدَّ الخبر، والجملةُ خبر الحرب.
ونصب أول، ورفع فتية؛ أي: الحرب في أول أحوالها فتية؛ فالحربُ مبتدأ، وأولَ ظرف، وفتية الخبر.
ورفعُهما مبتدأ وخبر، والجملة خبر عن الحرب، أو أولُ بدل من الحرب.
ونصبها على أن أولَ ظرف، وفتيةً حال، وتسعى خبر عن الحرب، والمراد: أنها تَغُرُّ من لم يجرّبها، حتى يدخل فيها فتهلِكَه.
(بزينتها) رواه سيبويه: (ببزتها)، والبزة: اللباس، وأصلُه من بززتُ الرجل أبزُّه: إذا سلبته؛ فسمي اللباس بما يؤول إليه من السلب.
(إذا اشتعلت) إما شرطية، وجوابها: (ولت)، وإما ظرفية.
(ضِرَامُها) بكسر المعجمة: ما اشتعل من الحطب، والشبُّ: الإيقادُ والارتفاعُ.
(حَلِيل) بمهملة مفتوحة؛ أي: زوج، ويروى بمعجمة.
стр. 8403
(شَمْطَاء) هي البيضاء تخالط السواد.
* * *
٧٠٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ، إذْ قَالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِه، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ"، قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْألكَ، وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأسٌ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بابًا مُغْلَقًا، قَالَ عُمَرُ: أَيُكْسَرُ الْباب أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ عُمَرُ: إِذا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْتُ: أَجَلْ، قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: كًانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْباب؟ قَالَ: نعمْ، كَمَا أَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَد لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ، فَهِبْنَا أَنْ نسألهُ: مَنِ الْباب؟ فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَألهُ، فَقَالَ: مَنِ الْباب؟ قَالَ: "عُمَرُ".
الحديث الأول:
(يعلق) بالنصب.
(دون غد)؛ أي: علمًا ضروريًّا.
(الأغاليط) جمع أُغلوطة، وهي الكلام الذي يُغلط به، ويُغالط فيه؛ أي: لا شبه فيه من معدن الصدق.
стр. 8404
(فأمرنا)؛ أي: قلنا، أو طلبنا، ففيه: أن الأمر لا يُشترط فيه علوّ ولا استعلاء.
قال (ط): أشار بالكسر إلى قتل عُمر ﵁، وبالفتح إلى موته، وقال عُمر: إذا كان بالقتل، فلا تسكن الفتنة أبدًا، وكان حُذيفة مهيبًا، وكان مَسْرُوق أجرأ على سؤاله؛ لكثرة علمه، وعلوّ منزلته، وسبق أول (كتاب مواقيت الصلاة)، وإنما قال: بينك وبينها بابًا مُغْلقًا، ثم أنجره أنه الباب؛ لأن المراد: بين زمانك، أو حياتك، وبينها، أو الباب بدنُ عُمر، وهو بين الفتنة وبين نفسه.
* * *
٧٠٩٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِه، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَائِطَ جَلَسْتُ عَلَى بابِهِ، وَقُلْتُ: لأكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَم يَأْمُرني، فَذَهَبَ النَّبِي ﷺ وَقَضَى حَاجَتَهُ، وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ، فَقُلْتُ: كمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأذِنَ لَكَ، فَوَقَفَ، فَجئْتُ إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا نبِي اللهِ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأذِنُ عَلَيْكَ، قَالَ: "ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، فَدَخَلَ، فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَجَاءَ
стр. 8405
عُمَرُ، فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، فَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَامْتَلأَ الْقُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ، فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، مَعَهَا بَلَاءٌ يُصِيبُهُ"، فَدَخَلَ فَلَمْ يَجدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا، فتحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ دَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَجَعَلْتُ أتمَنَّى أَخًا لِي، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَأتِيَ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فتأوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ، اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ.
الثاني:
(قُفّ) بضم القاف: هو بناء حول البئر كالدكَّة، وأصلُ القُفّ: ما غَلُظ من الأرض وارتفعَ، أو هو من القُفّ اليابس؛ لأن ما ارتفعَ حولَ البئر يكون بالبناء في الغالب.
(فدلَّاهما)؛ أي: أرسلهما فيها.
(كما أنت)؛ أي: قفْ واثبُتْ كما أنت عليه.
(بلاء)؛ أي: بلية صار بها شهيدَ الدار، وإنما خُصَّ عثمانُ بالبلاء، وإن عُمر -أيضًا- قتل؛ لأنه لم يمتحَنْ كعثمانَ من التسلط عليه، ومطالبة خلعِ الإمامة، والدخول على محرمه، ونسبة القبائح إليه.
следующие страницы →