الرابع:
(حديثًا حسنًا) التقييدُ بالحسن، مع أن حديث النبي ﷺ كلَّه حسن؛ باعتبار إرادة أن يكون ذكر الرحمة، لا ذكر الفتنة، أو هو من باب الصفة اللازمة.
(فبادرنا إليه رجل) هو يَزِيد بنُ بِشْرٍ السَّكْسَكِيّ.
(ثكلتك أُمك)؛ أي: فقدتْك، ولم يقصِدْ به حقيقةَ الدعاء، ومرتْ قصتُه في (سورة البقرة)، وغيرها.
* * *
١٧ - باب الْفِتْنَةِ التِي تَمُوجُ كمَوْجِ الْبَحرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يتمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً ... تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا ... وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيل
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنها وَتَغَيَّرَتْ ... مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
стр. 8402
(باب: الفتنة التي تموج كموج البحر)
قوله: (بهذه الأبيات) قيل: هي لاِمْرِئِ القَيْس.
(أول) فيه، وفي (فتية) مصغَّرة ومكبرة؛ أي: شابة: أربعةُ أوجه: رفع أول، ونصب فتية؛ أي: أولُ أحوالها إذا كانت فتية؛ فالحربُ مبتدأ، وأولُ مبتدأ ثان، وفتيةً حالٌ سدَّت مسدَّ الخبر، والجملةُ خبر الحرب.
ونصب أول، ورفع فتية؛ أي: الحرب في أول أحوالها فتية؛ فالحربُ مبتدأ، وأولَ ظرف، وفتية الخبر.
ورفعُهما مبتدأ وخبر، والجملة خبر عن الحرب، أو أولُ بدل من الحرب.
ونصبها على أن أولَ ظرف، وفتيةً حال، وتسعى خبر عن الحرب، والمراد: أنها تَغُرُّ من لم يجرّبها، حتى يدخل فيها فتهلِكَه.
(بزينتها) رواه سيبويه: (ببزتها)، والبزة: اللباس، وأصلُه من بززتُ الرجل أبزُّه: إذا سلبته؛ فسمي اللباس بما يؤول إليه من السلب.
(إذا اشتعلت) إما شرطية، وجوابها: (ولت)، وإما ظرفية.
(ضِرَامُها) بكسر المعجمة: ما اشتعل من الحطب، والشبُّ: الإيقادُ والارتفاعُ.
(حَلِيل) بمهملة مفتوحة؛ أي: زوج، ويروى بمعجمة.
الحديث الأول:
فيه: أن من خاف على نفسه، لا يلزمه الأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر.
(عيسى)؛ أي: ابنُ موسى بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وكان أميرَ الكوفة يومئذ.
(قال)؛ أي: إسرائيل.
(حدثنا الحسن)؛ أي: البصري.
(بالكتائب) جمع كتيبة، وهي الجيشُ، وجماعةُ الخيل.
(تولى)؛ أي: تدبر.
(أخراها)؛ أي: الكتيبة التي لخصومهم، أو الكتيبة الأخيرة التي لأنفسهم، ومن ورائهم؛ أي: لا ينهزمون؛ إذ عند الانهزام يرجع الآخر أولًا.
(بذراري) بالتخفيف والتشديد؛ أي: من يكفل لهم حينئذ.
(تلقاه)؛ أي: تجتمع به، وتقول له: نحن نطلب الصلح.
(ابني) أطلق الابن على ابن البنت.
(فئتين) هما: الحسن وطائفة معاوية ﵄، دعاه ورعهُ إلى ترك المُلْك رغبةً فيما عندَ الله، ولم يكن ذلك لقلَّةٍ، ولا لعلَّةٍ، ولا لذلَّةٍ؛ بل صالَحَه رعايةً لدينه، ومصلحةً للأُمة، وفيه معجزةٌ ظاهرةٌ لرسول الله ﷺ ، وسبق الحديث في (الصلح).
* * *
стр. 8414
٧١١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عمرو: أَخْبَرَني مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ حَرْمَلَةَ مَوْلَى أُسَامَةَ أَخْبَرَهُ، قَالَ عمرو: قَدْ رَأَيْتُ حَرْمَلَةَ قَالَ: أَرْسَلَنِي أُسَامَةُ إِلَى عَلِيٍّ، وَقَالَ: إِنَّهُ سَيَسْألكَ الآنَ فَيَقُولُ: مَا خَلَّفَ صَاحِبَكَ؟ فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ: لَوْ كُنْتَ فِي شِدْقِ الأَسَدِ لأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ، وَلَكِنَّ هَذَا أَمْر لَمْ أَرَهُ، فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا، فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَابْنِ جَعْفَرٍ فَأَوْقَرُوا لِي رَاحِلَتِي.
الثاني:
(محمد بن علي)؛ أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر.
(حَرْمَلَة) هو مولى أُسامة.
(ما خلف)؛ أي: ما السببُ في تخلّفه عن مساعدتي.
(شِدْق) هو جانب الفم، وكان سببه: أنه لما قَتل مِرْدَاسًا، وعَتَبه النبي ﷺ على ذلك، قرّر على نفسه أن لا يقاتل مسلمًا أبدًا.
* * *
٢١ - باب إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْم شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
(باب: إذا قال عند قوم شيئًا)
٧١١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ
стр. 8415
أيوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيع اللهِ وَرَسُولهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجلٌ عَلَى بَيع اللهِ وَرَسُولهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْني وَبَيْنَهُ.
الحديث الأول:
(حشمه)؛ أي: خاصته الذين يغضبون له.
(غادر) الغدرُ: ترك الوفاء بالعهد.
(لواء) هو الراية.
(على بيع رسول الله)؛ أي: على شرط أمرَ الله به من البيعة، ومن بايع سُلطانًا، فقد أعطاه الطاعة، وأخذ منه العطية، فقد أشبهت البيع.
(خلعه)؛ أي: يزيد عن الخلافة.
(لا تابع) بالمثناة.
(كان الفَيْصَل) بفتح الصاد: الحاجز، والفارق، والقاطع، وقيل: هو بمعنى القطع، وفي بعضها: (كانت) بتاء التأنيث باعتبار الخلعة والمبايعة.
* * *
стр. 8416
٧١١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ وَمَرْوَانُ بِالشَّأْمِ، وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي داره وَهْوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ عُلِّيِّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ؟ فَأَوَّلُ شَيْء سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ: إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللهِ أَنِّي أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ، إِنكمْ، يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ! كُنتمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ، وإنَّ اللهَ أَنْقَذَكمْ بِالإسلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ ، حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ، وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ، إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ وَاللهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا.
الثاني:
(ابن زياد)؛ أي: عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان.
(ومروان)؛ أي: ابن الحكم بن أبي العاص ابن عم عثمان.
(ووثب ابن الزُّبَيْر)؛ أي: على الخلافة.
(القُرّاء) جمع قارئ، هم طائفة سموا أنفسهم توّابين؛ لتوبتهم وندامتهم على ترك مساعدتهم الحسين، وكان أميرهم سليمان بن صُرَد -بضم المهملة وفتح الراء- الخزاعي، كان فاضلًا قارئًا عابدًا، وكان دعواهم: إنا نطلب دمَ الحسين، ولا نريد الإثارة، وغلبوا على البصرة
стр. 8417
ونواحيها، وهذا كله كان عند موت معاوية بن يزيد بن معاوية.
(عُلِّيَّة) بضم المهملة وكسرها وشدة اللام والياء: الغرفة.
(يستطعمه بالحديث)؛ أي: يستفتحه، ويطلب منه التحديث.
(احتسبت)؛ أي: تقربت إلى الله.
(أحياء)؛ أي: قبائل.
(ما ترون)؛ أي: من العزة والكثرة.
(إن ذاك)؛ أي: مروان.
(أن يقاتل)؛ أي: ما يقاتل، قيل: ووجهُ مطابقته للترجمة: أن هذا الذي قال لسلامة، وأبي المنهال لم يقله عند مروان حين بايعه، ولعله سخطه؛ لأنه أراد منهم أن يتركوا ما ينازع فيه، ولا يقاتلوا عليه كما فعل عثمان والحسن، فسخط على قتالهم بتمسك الخلافة، واحتسب بذلك عند الله ذخرًا؛ لأنه لم يقدر من التغير إلا عليه، وعلى عدم الرضا به.
* * *
٧١١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ.
الثالث:
(على عهد) متعلق بمقدَّر؛ أي: تائبين؛ إذ لا يجوز أن يقال: متعلق
стр. 8418
بالضمير القائم مقام المنافقين، وإنما كان هذا شرًّا؛ لأن شرهم لا يتعدى إلى غيرهم، ووجهُ مناسبته للترجمة: أن المنافقين بالجهر والخروج عن الجماعة قائلون بخلاف ما قالوه حين دخلوا في بيعة الأئمة.
* * *
٧١١٤ - حَدَّثَنَا خَلَّاد، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَّا الْيَومَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الإيمَانِ.
الرابع:
(الكفر)؛ لأن المسلم إذا أبطن الكفر، صار مرتدًّا، هذا ظاهره، لكن غرضه: أن التخلف عن بيعة الإمام جاهلية، ولا جاهلية في الإسلام، أو هو تفرق، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أو هو غير مستور اليوم، فهو كالكفر بعد الإيمان.
* * *
٢٢ - باب لَا تَقُوم السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ
(باب: لا تقوم الساعة حتى يُغْبَطَ أهلُ القبور)
الغِبْطَة: تمني مثلِ نعمةِ صاحبِه من غيرِ زوالٍ.
(دَوْس) بفتح المهملة وسكون الواو: قبيلة أبي هريرة.
(الخَلَصَة) بفتح المعجمة واللام والمهملة، وقيل بسكون اللام، وقيل بضمها: موضع ببلاد دَوْس، كان فيه صنمٌ يعبدونه اسمه الخَلَصَة.
(طاغية) هو الصنم، وكلامُ البخاري يُشعر بأن الخَلَصَة هو الطاغيةُ نفسها، إلا أن يقال: كلمة: فيها، أو كلمة: هي محذوفة؛ لكن سبق في (الجهاد) في (باب حرق الدور) بأنه بيت في خَثْعَم يسمى: كعبة اليمانية، والمعنى: لا تقوم الساعة حتى تضطرب؛ أي: تتحرك أعجاز نسائهم من الطواف حول ذي الخلصة؛ أي: حتى يكفرْنَ، ويرجعْنَ إلى عبادة الأصنام.
* * *
٧١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاه".
الثاني:
(قَحْطَان) -بفتح القاف وسكون المهملة ثم مهملة-: قبيلة باليمن.
(يسوق) يحتمل أن يكون حقيقة، وأن يكون مجازًا عن القهر، والمعنى: أن الناس ينقادون له كما ينقاد من يُساق بالعصا، وسبق في
الثاني:
(فئتان) هم طائفتا علي ومعاوية ﵄، وكان دعوى كل منهما أنها على الحق.
(يبعث)؛ أي: يظهر ويخرج.
(دَجَّالُون)؛ أي: خلاطون بين الحق والباطل، مُمَوِّهون، والفرقُ بينهم وبين الدجّال الأكبر: أنهم يدعون النبوة، وهو يدَّعي الإلهية، مع اشتراك الكل في التمويه، وادعاء الباطل العظيم، وقد وجد كثيرٌ منهم، وفضحَهم الله تعالى وأهلَكَهم.
(قريبٌ) بالرفع؛ أي: عددهم قريب، ويحتمل نصبه؛ ولكن كُتب بلا ألف على لغة ربيعة.
(ويتقارب الزمان)؛ أي: أهله؛ بأن يكونوا كلهم جهالًا، ويحتمل الحقيقة؛ بأن يعتدل الليل والنهار دائمًا؛ بأن تنطبق منطقة البروج على معدل النهار.
(فيفيض)؛ أي: يكثر حتى يسيل كالوادي.
(يُهِم) بضم الياء وكسر الهاء.
(رب) مفعول (يهم).
(من يقبل) هو الفاعل؛ أي: يحزنُه ذلك؛ قاله (ط)، وحكى (ن): يهم -بفتح الياء وضم الهاء أيضًا-، وحينئذ يكون (رب) فاعلًا؛ أي: يقصده، وسبق فيه مزيدُ بيان في) الزكاة)؛ نعم، كان الظاهر أن
стр. 8426
يقال: من لا يقبل؛ لكن المراد به: مَنْ شأنه أن يكون قابلًا لها.
(أرب)؛ أي: حاجة.
(نشر)؛ أي: للمبايعة.
(لِقْحَته) بكسر اللام: قريبة العهد من الولادة، والناقة الحلوب.
(يطعمه)؛ أي: يشربه.
(يَلِيط) ويلوط، من لاطَ الحوضَ: طَيَّنه، وأصلَحه، وألصَقَه.
(أُكْلَتَهُ) بضم الهمزة: نحو اللقمة، مرّ في (الرقاق).
* * *
٢٦ - باب ذِكرِ الدَّجَّالِ
(باب: ذكر الدّجّال)
هو رجل ابتلى الله به عباده، وأقدَرَه على أشياءَ؛ من إحياء الموتى، واتِّباع كنوزِ الأرض، وإمطارِ السماء، وإنباتِ الأرضِ بأمره، ثم يُعجزه الله تعالى بعد ذلك، يدَّعي الإلهية، وصورةُ حالِه تُكَذِّبه؛ من نقصه بالعَوَر، وعجزِه عن إزالته، وعن إزالةِ الشاهد بكفره المكتوبِ بين عينيه، وظهورُ الخوارق على يديه جائزٌ للابتلاء، وامتحانِ العباد؛ لأنه يدَّعي الإلهية، واستحالةُ دعواه ظاهرةٌ، فلا محذورَ؛ بخلاف الكاذب في دعوى النبوة، فإنه لو وقعت الخارقة منه، لالتبس بالنبي.
стр. 8427
٧١٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ: قَالَ لِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبةَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَألتُهُ، وَإِنَّهُ قَالَ لِي: "مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟ " قُلْتُ: لأَنهمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنهرَ مَاءٍ، قَالَ: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ".
الحديث الأول:
(أنهم)؛ أي: الناس، وفي بعضها: (لأنهم)، وهو متعلق بمقدّر يناسب المقام.
(وَنَهر) بسكون الهاء وفتحها.
(أهون) قال (ع): معناه: أهونُ على الله من أن يجعل ذلك سببًا لضلال المؤمنين؛ بل هو: ليزداد الذين آمنوا إيمانا، وليس معناه: أنه ليس معه شيء من ذلك.
* * *
٧١٢٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، حَدَّثَنَا أيوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَعْوَرُ عَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبةٌ طَافِيَةٌ".
الثاني:
(عين اليمنى)؛ أي: عين الجهة اليمنى.
* * *
الحديث الأول:
(دخل عليها يومًا) سبق في (الفتن) أنه استيقظ من النوم يقول ذلك، ولا منافاة؛ لجواز وقوع الأمرين، وخصص العرب؛ لأن شرهم بالنسبة إليهم أكثرُ؛ كما وقع ببغداد من قبل الخليفة ونحوه.
(الخَبَث) بفتح المعجمة والموحدة: الفسوق، وقيل: الزنا خاصة؛ أي: إذا كثر يحصل الهلاك العام؛ لكن يُبعثون على حسب أعمالهم، والفرقُ بين هذا وبين ما ورد: "هُمُ القَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ"؛ حيث غلبت بركةُ الخير على شؤم الشر: أن ذلك في القليل، وهذا فيما كثر الخبثُ فيه؛ فإن الأكثر يغلب الأقل، ففي الصورتين غلب الأكثر.
* * *
٧١٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "يُفْتَحُ الرَّدْمُ رَدْمُ يَأجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذ"، وَعَقَدَ وُهَيْبٌ تِسْعِينَ.
الثاني:
(وَعَقَدَ وُهَيْب) في أول (الفتن): (عقد سفيان)، وفي (ذكر الأنبياء) في (باب ذي القرنين): (عقد النبي ﷺ )، ولا منافاةَ؛ فالكلُّ عقدوا؛ أما العقُد، فهو تحليقُ الإبهامِ والمسبِّحَةِ بوضعٍ خاصٍّ يعرفُه الحُسَّاب.
* * *
стр. 8435
٩٤ - كتاب الأحكام
стр. 8436
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٤ - كتاب الأحكام
(كتاب الأحكام)
الحكم: إسنادُ أمرٍ إلى آخر إثباتًا ونفيًا، وفي اصطلاح الأصول: خطابُ الله تعالى المتعلِّقُ بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء، أو التخيير.
١ - باب قولِ اللهِ تَعَالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
(باب: قول الله تعالى : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩])
أُولي الأمر: هم الأمراء، وقيل: العلماء؛ والطاعة: الإتيانُ بالمأمور به، والانتهاءُ عن المنهيّ عنه، والمعصيةُ خلافُ ذلك، فوجوبُ طاعةِ السلطان، وطاعةِ العبد لسيده هو بحكم الله تعالى، فهو طاعة الله ورسوله.
٧١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونس، عَنِ الزُّهْرِيِّ:
стр. 8437
أَخْبَرَني أبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي".
الحديث الأول:
(فقد أطاع الله) يحتمل أن [يكون] ذلك؛ لأن الله تعالى أمر بطاعة رسوله ﷺ ؛ وكذا الرسولُ ﷺ أمر بطاعة أميرِه، ويحتمل: أن ذلك هو نفسُ طاعة الله؛ لأنه ﷺ لم يأمره إلا بما أمره الله تعالى به.
* * *
٧١٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا كلُّكُمْ رَاعٍ، وَكلُّكُمْ مَسْؤُلٌ عَنْ رَعِيتهِ، فَالإمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْؤُلٌ عَنْ رَعِيتهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهْوَ مَسْؤُلٌ عَنْ رَعِيتهِ، وَالْمَرْأة رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُلَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهْوَ مَسْؤُلٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُلٌ عَنْ رَعِيته".
الثاني:
سبق في (الجمعة).
* * *
واعلم أن ما رواه معاوية لا ينافي مقالةَ عبدِ الله ﵄، وإن لم يرفعها للنبي ﷺ ؛ لأنه عند عدم إقامتهم الدين يُسلط عليهم، وذاك على وجه الاستحقاق، وقد سبق قريبًا في (باب تغيير الزمان): "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ"، وكأنها لم تبلغ معاويةَ، والخلافةُ في قريش إلى زماننا، وإن كان الخليفة مغلوبًا على أمره في الأقاليم بسبب الشوكة؛ لكن لم تنقطع بالكلية.
(تابعهُ نُعَيْم) وصله الطبراني.
* * *
٧١٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ هذا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ".
الثاني:
في معنى ما قبله.
* * *
٣ - باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحكمَةِ
لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
стр. 8440
(باب: أجر من قضى بالحكمة)
٧١٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْد، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا".
سبق الحديث فيه في (العلم)، وأن المراد بالحسد: الغِبْطَة، أو أنه لا حسدَ إلا في هذا، وهذا لا حسدَ فيه، فلا حسدَ؛ نحو: ﴿إلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].
* * *
٤ - باب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَام، مَا لَمْ تَكنْ مَعْصِيَةً
(باب: السمع والطاعة للإمام)
٧١٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاح، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ فإنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبةٌ".
الحديث الأول:
(زَبِيبة) أراد بها: صغرَ رأسه؛ لأن الحبشةَ توصف بصغر