(ثلاثين) مُميِّزُه محذوفٌ، أي: ثلاثين رجلًا.
(وقال سعيد) هو ابنُ أبي عَرُوبَةَ بفتحِ المُهمَلة وضَمِّ الرَّاء المُوحَّدة، والظَّاهرُ أنَّه تعليقٌ، ووصَله البخاريُّ في (باب الجُنُب يَخرُجُ وَيمشي في الأسواق)، ويحتملُ أنَّه من كلامِ ابن عَدِيٍّ، ويحيى القَطَّان، لأنَّهما يروِيان عنه، وأن يكونَ من كلامِ معاذٍ إن صحَّت روايته عن ابن أبي عَروبَةَ.
(تسع) بالرفعِ، لأنَّه بدلٌ من العَدَدِ السَّابق، وذلك خبَرُ مبتدأ، وهو: (وهُنَّ)، أي: عائشةُ، وحفصَةُ، وأمُّ سلَمَةَ، وزينبُ بنتُ جَحشٍ، وأمُّ حبيبةَ، وجُوَيرِيَة، وميمونةُ، وصَفِيَّةُ، وسَودَةُ.
قال (ط): اختلفوا فيمَن وطِيءَ نسوةً؛ هل يتوضَّأ عندَ وَطْءِ كلِّ واحدةٍ وُضوءَه للصَّلاة؟ ولم يختلفوا في أنَّ الغُسل لهنَّ واحدٌ، وأمَّا وطؤُه الكُلَّ في ساعةٍ، فقيل: لأنَّ القَسم لم يكنْ واجبًا عليه، كما هو وجهٌ لأصحابنا، أو أنَّه لمَّا رَجَعَ من سفرٍ وأرادَ القَسم ولا واحدةَ أَولى من الأُخرى بالبِدايةِ بِها، فَوَطِيءَ الكُلَّ، أو كانَ ذلك باستِطابتِهِنَّ كما استَأذَنَ أنْ يُمَرَّضَ في بيت عائشةَ، أو الدَّورانُ كان يومَ القُرعَةِ للقِسمَة قبلَ أن يَقْرَعَ بينَهنَّ.
قال: وفي الحديث عَدُّ السَّراري من النِّساء، قال: لأنَّه لا يحلُّ له إلَّا تسعةٌ، أي: على مذهَبِه، وفيه أنَّه لا يَجِبُ التَّدلُّكُ في الغُسل، إذ الغُسلُ لا يُبقي أثرَ الطِّيبِ، وقال الطَّحاويُّ: يجوزُ أن يكونَ ذلك، وقد
(ذكرك) في رواية عن مالكٍ، وأحمدَ: الكُلُّ، لظاهِرِ إطلاقِ ذلك، ولأنَّ المعنَى أنْ تتقَلَّصَ عُروقُه فينقطِعَ، والواجبُ عند الشَّافعيِّ والجماهيرِ غَسلُ ما أصابَه قياسًا على البَول، ولأنَّهم لم يكونوا مُتَحرِّزينَ عن المَذيِ تَحَرُّزَهم عن البَول، فأَمَرَ بغَسل الكُلِّ.
والظَّاهرُ أنَّ المرادَ غَسلُ ما أصابه المَذيُ منه لا الكلِّ كما في البَول، ويُؤيِّدُه قولُه في رواية: (اغسله)، والضَّميرُ للمَذيِ، ورواية: (فليَغسِل فَرجَه)، والفَرجُ: المَخرَجُ.
وفي الحديث جوازُ تأخيرِ الاستنجاءِ عن التَّوضُّؤ، وغيرُ ذلك ممَّا سبَق في (باب من استَحيا فأمَرَ غيرَه بالسُّؤالِ) آخر (كتاب العلم).
* * *
١٤ - بابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ، وَلَقِيَ أَثرُ الطِّيبِ
(باب من تطيب ثم اغتسل، وبقي أثر الطِّيب)
٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَبَو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.
стр. 879
الحديث الأول:
(أبو النُّعمان) بضَمِّ النُّون: مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ.
(سألت عائشة)؛ أي: عن التَّطَيُّبِ قبلَ الإحرام.
(وأنضخ) بمهمَلةٍ ومعجَمَةٍ، روايتان.
(طاف) كنايةٌ عنِ الجِماعِ.
(أصبح محرمًا)؛ أي: ناضِخًا طِيبًا، حتَّى يحصلَ الرَّدُّ بذلك على ابنِ عمرَ، وبه طابقَ ترجمةَ الباب، ففي الحديث ندبُ الطِّيبِ قبلَ الإحرام، وجوازُ ردِّ بعضِ الصَّحَابَة على بعضٍ، وخدمةُ الأزواج.
* * *
٢٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أنظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ.
الحديث الثاني:
(وبيص) بفتح الواو وكسرِ الموَحَّدة وصادٍ مهمَلة: بريقُ اللَّون، ويقالُ فيه أَيضًا: بَصَّ بَصيصًا بمعنًى، وبَصَّ وَبيصًا.
(مفرق) بفتح الميمِ وكسرِ الرَّاء وفتحِها، ووجه الدَّليل من نظَرِها بعدَ الإحرامِ أنَّ الطِّيبَ إنَّما كانَ بعد الغُسل؛ لأنَّه ﷺ لا يترك غُسلَ الإحرام، فلو كانَ الطِّيبُ قبلَ الغُسل لزالَ به، فهو دليلٌ على مالكٍ في
стр. 880
قوله: إنَّ الطِّيبَ إنَّما كان لمُباشَرَة نسائِه لا للإحرام، وأنَّ نظَرَ عائشةَ
إنَّما هو لأثَرِ الطِّيب لا لجِرْمِهِ، ولنا حديثُها: كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله ﷺ
لحَرَمِه وحِلِّه، فصرَّحت بأنَّه للإحرامِ لا للنِّساء، وتأويلُه برؤيةِ الأثرِ
لا ضرورةَ إليه.
وجعَلَه (ط) من خصائِصِه ﷺ ، فغيرُه لا يُسنُّ له الطِّيبُ للإحرام.
قال: لأنَّه من دَواعي الجِماع، والجِماعُ مُفسِدٌ للحجِّ، والنبيُّ ﷺ كان أملكَ لإِرْبِهِ من الأمَّة، فلذلك لا يتَجَنَّبُ الطِّيبَ في الإحرام، ونحن لضَعفِنا نهَانا عنه.
* * *
١٥ - بابُ تَخْلِيلِ الشَّعَرِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ
(باب تخليل الشعر)
٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّه قَدْ أَرْوَى بَشَرتَهُ، أفاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
стр. 881
٢٧٣ - وَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا.
(أروى)؛ أي: جعَلَه ريَّانًا.
(إذا اغتسل)؛ أي: أَرادَ الاغتِسالَ.
(ثم اغتسل)؛ أي: أَخَذَ في أفعالِ الغُسلِ.
(أن قد)؛ أي: أنَّه قَد، فهي المخفَّفة من الثَّقيلة، واسمُها ضميرُ الشَّأنِ حُذِفَ وُجوبًا، وفي بعضِها: (أنَّه)، فالضَّميرُ للنبيِّ ﷺ .
(عليه)؛ أي: على شعرِ رأسِه، وقيل: المرادُ بالشَّعر: الكُلُّ.
(نغرف): حالٌ أو استِئنَافٌ.
(جميعًا) حالٌ أَيضًا، خلافًا لِما يوهِمُه قولُ (ك): إنَّه لفظٌ يُؤَكَّدُ به، يقالُ: جاؤوا جميعًا، أي: كلُّهم، والجميعُ: ضِدُّ التَّفريق، ويحتملُ هنا أنْ يرادَ: جَميعُ المَغروفِ، أو جَميعُ الغَارفِين.
قال (ط): تخليلُ شعر الرَّأس إجماعٌ، وأمَّا شعرُ اللِّحية؛ فرَوَى ابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنَّه لا يجبُ تخليلُه لا في غُسلٍ ولا في وُضوءٍ، ورَوَى ابن وَهْبٍ عنه وجوبَه مُطلَقًا، وبه قال المُزَنِيُّ، فقالَ: تخليلُها واجبٌ في الوُضوءِ والغُسلِ، واشتُهِرَ عنه الوجوبُ في الغُسل دونَ الوضوء؛ لأنَّ عبد الله بنَ زيدٍ لم يذكرْه في صِفَةِ وُضوئِه ﷺ ، وبه قالَ أبو حنيفةَ، وأحمدُ.
وقال الشَّافعيُّ: التَّخليلُ كلُّه مسنونٌ، وإيصالُ الماءِ إلى البَشَرةِ
стр. 882
واجبٌ في الجنابةِ، أي: وفي الوضوء في شَعرِ الوَجهِ الخَفيفِ، والكثيفِ إذا كانت كثافتُه نادرةً لا غالبَةً.
قال: وحجَةُ مَن لَم يوجِبْه في الجنابة أنَّ داخِلَ العَين لا يجب غَسلُه لعلِّةِ أنَّ دونَه ساترًا خَلقِيًّا، فكذا هنا، وأيضًا الأمرَدُ كانَ يجب غَسلُ بَشَرَة ذَقنِه، فلما استتر باللِّحيةِ سقَطَ في الوضوءِ، فيسقُطُ في الجنابة.
* * *
١٦ - بابُ مَنْ تَوَضَّأَ فِي الجَنَابَةِ ثمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوء مَرَّةً أُخْرَى
(باب من توضأ في الجنابة ...) إلى آخره.
٢٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وَضعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ -أَوِ الحَائِطِ- مَرَّتينِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تنحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ.
стр. 883
(وضوء الجنابة) بفتحِ الواو، وفي رواية: (وضوءًا) بالتَّنوين (لِجَنَابةٍ) بلام الجرِّ، وإنَّما أُضيفَ أو أعِدَّ للجنابة مع أنَّ الوَضوءَ هو الماءُ المُعَدُّ للوُضوءِ؛ لأنَّه صارَ اسمًا له، ولو استُعمِل في غير الوُضوء.
قال (ك): ومثلُه يُسمَّى بالمَجازِ غيرِ المقيَّد، كإطلاق المَرْسِنِ على أنفِ الإنسانِ، ونحوِه ممَّا أُطلِقَ المُقيَّدُ وأُريدَ به المُطلَقُ.
(فأكفأ) بالهَمزِ، أي: قَلَبَ.
(على يساره) في بعضِها: (على شِمالِه).
(يده بالأرض) في بعضِها (بيدِه الأرضَ)، والمعنَى واحدٌ.
(ذراعيه)؛ أي: ساعدَيه إلى المِرفق، يذكَّرُ ويؤَنَّثُ.
(أفاض)؛ أي: أفرَغَ.
(فلم يردها) من الإرادةِ، وعندَ ابنِ السَّكَنِ بالتَّشديدِ مِنَ الرَّدِّ.
قال في "المطالع": وهو وَهْم، أي: وتدُلُّ له الرِّاويةُ الآتية: (فلم يأخُذْها).
(ينفض) فيه أنَّه لا بأسَ بنَفْضِ اليَدِ بعد الوُضوء أو الغُسل، أي: مباحٌ، وهو أظهرُ الأوجُهِ عندنا، كما قاله (ن)، وأنَّه المُختارُ إذ لم يثبتْ في النَّهي شيءٌ. قال: وأشهرُها أنَّ المستَحَبَّ تركُه، وثالثها: مَكروهٌ.
قال (ط): وكأنَّ الحديثَ السَّابق الذي فيه: (ثُمَّ غَسَلَ سائر
стр. 884
جَسَده) أولى بالتَّرجمة من هذا الحديث؛ لأنَّه بوَّبَ هنا: (ثُمَّ غَسَلَ سائر جَسَده)، وهو تفسيرٌ لرواية: (ثُمَّ أفاضَ على جَسَده الماءَ)، فإنَّ المُرادَ الغَسلُ لما بقيَ من الجسَدِ دونَ إعادةِ أعضاءِ الوُضوء.
قال: وأجمعوا أنَّ الوُضوء ليسَ بواجبٍ في غُسل الجنابة، فلمَّا نابَ غَسلُ مواضعِ الوُضوء وهو سنَّةٌ في الجنابة عن غَسلِها وهو فريضَةٌ؛ صحَّ بذلك ما رُوِيَ عن مالكٍ: أنَّ غُسلَ الجُمعةِ يُجزِيءُ عن غُسل الجنابة، وحجَّةٌ أَيضًا لقَولِ مالكٍ فيمن جَدَّدَ الوُضوءَ للعَصر بعد ما صلَّى الظُّهرَ بوُضوءٍ، ثُمَّ تذكَّر (١) أنَّ الوُضوءَ الأوَّل انتَقَضَ أنَّ صلاتَه تُجزِئُه؛ لأنَّ الوُضوءَ للسُّنة يجزِيءُ به عن الفَرض.
قال (ك): ليس في الحديثِ أن السُّنَّة نَابَتْ عن الفَريضَةِ؛ إذ ليسَ فيه أنَّ غَسلَه للوَجه والذِّراعَين كان للوُضوءِ أو للسُّنة، بل كانَ للجَنابة، فلا يدلُّ لِمَالكٍ على ما سبَقَ، بل ليسَ فيهِ أنَّه لم يُعِدْ غَسلَ مواضعِ الوُضوء، بل قولُه: (ثُمَّ غَسَلَ سائر جَسَده) شاملٌ لتمامِ البَدَن، أعضاءِ الوُضوءِ وغيرِها، وكذا الحديثُ الآخر: (سائرَ جَسَدِه)، أي: باقي البَدَنِ غيرَ الرَّأس لا غيرَ أعضاءِ الوُضوء.
* * *
стр. 885
١٧ - بابٌ إِذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ
(باب إذا ذكر في المسجد أنَّه جنب يخرج كما هو): (ما) موصولةٌ أو مَوصوفةٌ، وهي مبتدأٌ، والخبَرُ محذوفٌ، أي: كالأمرِ الذي هو عليه، أو كحالةٍ هو علَيها، وتُسمَّى هذه الكافُ كافَ المُقارنة، أي: مقارِنًا للأمرِ أو الحالةِ التي هو عليها، أي: الجنابة.
٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لنا: (مَكَانَكُمْ)، ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.
تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(م).
(عثمان بن عمر) بلا واوٍ.
(وعدلت)، أي: سوِّيت، من عَدَّلتُه فاعتَدَل، أي: قَوَّمتُه فاستَقامَ.
(قيامًا) جمع (قائم) كتُجَّار جَمعُ (تاجِرٍ)، أو أنَّه مصدرٌ بمعنَى
стр. 886
(فاعل)، فنصبُه على الحالِ، أو على حقيقَتِه؛ ونصبُه على التَّمييز.
(مكانكم)؛ أي: اِلزمُوا مكانكَم، فهو مفعولٌ به، أو أنَّه للأَمرِ، اسمُ فعلٍ بمعنَى: اِلزَمْ، ففَتحتُه بناءٌ.
(ذكر أنَّه جنب) وإنَّما فَهِمَ أبو هريرة ذلك بالقرائِنِ، لأنَّ الذِّكْرَ باطِنِيٌّ لا يُطَّلعُ عليه.
(فكبر) ظاهرُ تعقيبِه بالفاءِ: أنَّ الإقامَةَ لَم تُعَدْ، وهو حُجَّةٌ لقَولِ الجُمهورِ بأنَّ الفَصلَ جائزٌ بينَها وبين الصَّلاة بالكلام مُطلقًا، وبالفعلِ إذا كانَ لمَصلَحَةِ الصَّلاة، وقيلَ يَمتَنِعُ، ويؤوَّل: (فكبَّر)، أي: مع رِعايَةِ ما هو وظيفةٌ للصَّلاة كالإقامة، أو يؤوَّلُ قولُه أوَّلًا (أُقيمَت) بغَير الإقامة الاصطِلاحيَّةِ.
(تابعه عبد الأعلى) الضميرُ لعثمانَ، أي: تابعَهَ عبدُ الأَعلى السَّامِيُّ -بالسين المهملة- عن مَعْمَرٍ، وهي مُتابَعَةٌ ناقِصَةٌ، لكنْ وصَلَها أحمدُ في "مسنده".
(ورواه الأَوْزَاعِيّ) تعليقٌ أَيضًا، وصَلَه البخاريُّ في (كتاب الصَّلاة)، وقولُه هنا: (ورواه)، وفي عبد الأعلى: (تابَعه)؛ يحتملُ أنَّ ذلك بلَفظِه؛ لأنَّ المُتابَعَةَ تكون بِمثلِه، وهنا بِمعنَاه؛ لأنَّ الرِّواية تَصدُق على ذلك، وإمَّا أنَّه لدَفعِ توهُّمِ أن يكونَ تابَعَ عثمانَ مع أنَّه إنَّما رواه عن الزُّهريِّ بلا واسطَةٍ، أو للتَّفنُّنِ في الكلامِ، أو غيرِ ذلك.
قال (ط): في الحديث ردٌّ على مَن قالَ من التَّابعين: إنَّ الجُنُبَ
стр. 887
إذا نَسِيَ فدخل المَسجِدَ فذكرَ أنَّه جُنبٌ يتيمَّمُ وَيخرُجُ، وعلى أبي حنيفةَ في قَوله في الجُنُبِ المُسافِرِ يَمرُّ على مسجِدٍ فيه عينُ ماءٍ: يتيمَّمُ ويدخُلُ المسجدَ، فيستقي ثمَّ يُخرِجُ الماءَ من المسجد؛ لأنَّه لم يحتَجْ للتَّيمُّمِ لخُروجِه، فلا يحتاجُ إليه المارُّ للضَّرورَة.
وقد قالَ الشَّافعيُّ: يُباحُ المرور في المسجد لقوله تعالى: ﴿إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] فإنَّ العُبورَ قرينةُ أنَّ المُرادَ بِـ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] مكانَ الصَّلاة، وهو المَسجد، فسمَّاه باسمِها كما في: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠].
وقال أحمدُ: يجلِسُ الجُنُبُ في المَسجد، وَيمُرُّ إذا توضَّأَ، ومنعَ مالكٌ والكوفيون الدُّخولَ فيه ولو عابرَ سبيلٍ؛ إذ حَمْلُ الصَّلاة على مكانِها مَجازٌ، أو يُحملُ على عُمومِه؛ أي: لا تقربوا الصَّلاةَ، ولا مكانَها إلَّا أن تكونوا مُسافرين، فتيمَّموا واقرَبوا.
قال (ك): القرينةُ دلَّت على إرادة المَجازِ، والحَمْلُ على العموم مُمتَنِعٌ؛ إذ يلزَمُ إرادةُ الحقيقةِ والمَجازِ بلفظٍ واحدٍ، وهو مُمتَنِعٌ عندَهم.
* * *
١٨ - بابُ نَفْضِ اليَدَيْنِ مِنَ الغُسْلِ عَنِ الجَنَابَةِ
(باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة): في بعضِها: (من
стр. 888
الجنابة)، فتكونُ (مِن) الأولى متعلِّقةً بالنَّفضِ، والثانية: بالغُسل، وفي بعضِها: (غُسل الجنابة) بالإضافة.
* * *
٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَض واستنشق وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تنحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ.
(أبو حمزة) -بالمهملة والزاي- مُحَمَّدُ بنُ مَيْمُوْنٍ السُّكَّرِيُّ.
وفي الحديث: أنَّ تَركَ التَّنشيفِ سنَّةٌ إبقاءً لأثَرِ العبادة، ولا يُكرَه لِما ثَبَتَ مِن فعله، وقد سبَقَ الخلافُ فيه وفي النَّفض وسائرُ المَباحِثِ.
وقال (ط): إنَّ ابنَ عبَّاس كَرِهَ المَسح بالمِنديل بعد الطَّهارة في الوُضوء دونَ الغُسلِ من الجنابة، وتركُه النبيَّ ﷺ له تَواضُعًا، أو لشيءٍ في المِنديل من حَريرٍ أو وَسَخٍ، أو لاستِعجالٍ، أو نحوِه.
* * *
стр. 889
١٩ - بابُ مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ فِي الغُسْلِ
(باب من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل)
٢٧٧ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ.
(خ).
(كنا) أكثرُ الأصوليِّين على أنَّ قولَ الصَّحابِيِّ: (كنَّا نفعَلُ) أو (كانوا يفعلون) حُجَّةٌ؛ لأنَّ الغالبَ اطلاعُه ﷺ على ذلك وتقريرُه، لكنَّ لفظَ: (أَحَد) لا عمومَ فيه إلَّا عند بعضِهم، فإنَّه قال: مُفرَدٌ مُضافٌ، فيعُمُّ، ولو كانَ إثباتًا، ولا يَخفَى ما فيه، على أنَّ الاستدلالَ ليس لكَونِ الفاعلِ جَمعًا؛ بل لظُهورِ اطِّلاعه ﷺ وتقريرِه كما سبق.
(أصاب) في بعضها: (أصابت).
(بيديها) في بعضِها: (يديها) بدونِ الجارِّ، فيُنصَبُ على نزعِ الخافضِ، أو يُجرُّ بتقديرِ مضافٍ؛ أي: مِلءَ يدَيها.
(فوق) ظرفٌ لمَحذوفٍ، أي: صَابَّةً، أو تَصبُّ فوقَ، لا ظَرفٌ لِـ (أخَذَت) لفَسادِه.
стр. 890
(وبيدها)؛ أي: وتأخذُ بيدِها الأُخرى صَابَّةً على شِقِّها، نعم، المفهومُ من ظاهره أنَّ الصَّبَّ بكلِّ يدٍ على شِقٍّ في حالةٍ واحدةٍ، لكنَّ العادةَ إنَّما هي الصَّبُّ باليدَين معًا، فتُحمَلُ اليدُ على الجِنسِ الصَّادق عليهما، وعلى هذا فالمُغايرَةُ بين الأمرين بحسَبِ الصِّفة، وهو أخذُ الماءِ أوَّلًا، وأخذُه ثانيًا، والواوُ إنْ لم تدُلَّ على الترتيب؛ فلفظ (أُخرى) يدلُّ على سَبْق أولى، وهي: اليمين، والمرادُ الشِّقُّ الأيمنُ والأيسرُ من الرَّأس، لا الأيمنُ من الشَّخص، فللَّه دَرُّ البُخَارِيِّ وحُسنُ استِنباطاته.
* * *
٢٠ - بابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَة، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ
وَقَالَ بَهْزٌ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ).
(باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة)؛ أي: عنِ النَّاس، وهو تأكيدٌ لقوله: (وحدَه)، لتلازُمِهما في المعنَى، وكشفُ العَورَةِ في الخَلوةِ جائزٌ للحاجةِ، وأمَّا لغيرها؛ قيل: يُكرَه، والأصحُّ عندَ الشَّافعيَّة تحريمُه.
(وقال بهز) -بفتح المُوحَّدة وسكونِ الهاءِ وبالزَّاي- هو ابنُ
стр. 891
حَكِيمٍ -بفتح المُهملَة وكسرِ الكاف- ابنُ مُعاوِيَةَ بنِ حَيْدَة -بفتح الحاء وسكون المثنَّاة تحت ودالٍ مهمَلةٍ-.
(عن أَبيه)؛ أي: حَكِيم، وهو تابعيٌّ ثِقَةٌ.
(عن جده)؛ أي: معاوِيَةَ، قال في "الكمال": إنَّه صَحابِيٌّ، وأيضًا: لفظُ البخاريِّ يُشعِرُ به.
وهذا التَّعليقُ وصَلَه أَحْمد والأربعةُ، وإنْ لم يكنْ بتَوفِيَةِ إيرادِ لفظِ البُخاريِّ؛ نعم، البَيهَقِيُّ أخرَجَه عن عبدِ الوارِثِ عن بَهْزٍ بهذا اللَّفظ المَذكورِ.
قال الحاكم: إنَّما لم يَروِ البخاريُّ هذه النُّسخة؛ لأنَّها شاذَّةٌ لا مُتابعَ له فيها.
* * *
٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْس، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا)، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ لندَبٌ بِالحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ
стр. 892
سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالحَجَرِ.
(م).
(منْ النَّاس) مُتعلِّق بِـ (أحق).
(أن يستحيا) في نسخة بدله: (أن يستَتِر).
(إسحاق بن نصر) هو إبراهيمُ بنُ نَصْرٍ، نُسِبَ إلى جَدِّه، وربَّما قالَ البُخارِيُّ فيه: إسحاقُ بنُ إبراهيمَ على الحقيقة.
(كانت) التأنيثُ فيه إمَّا على رَأيِ مَن يُؤنِّثُ الجُموعَ مُطلقًا، ولو كان سالمًا لمُذَكَّرِ كما هنا، وإنَّ (بنِي) جمعُ سلامةِ، لكنْ على خلافِ القياس [لغيرِ مُفرَدِه، وأمَّا مَن خَصَّصَ بغيرِ السَّالم المُذكَّر فإمَّا لتَأويلِه بالقبيلِة، أو أنَّ ذلك خاصٌّ على خلافِ القياسِ] (١).
(ينظر بعضهم) إمَّا لكَونه كان جائزًا في شَرعهم، وموسى ﵊ يختارُ الخَلوَةَ تنزيهًا واستِحبابًا وحَياءً ومُروءَةً، أو كان حَرامًا عندَهم، ولكنْ كانوا يَتَساهلون في ذلك.
(إلا أنَّه آدر) -بمَدِّ الهمزة وفتحِ المُهمَلة-؛ أي: عظيمُ الخِصيَتَينِ مُنتَفِخُهما، والاستثناءُ مُفرَّغٌ.
قال (ك): والمُستَثنَى منه مُقدَّرٌ؛ أي: على قَولٍ، لكنَّه ضعيفٌ.
(فخرج موسى) في بعضِها: (فَجَمَحَ)، وهو بجيمٍ وميمٍ مفتوحةٍ
стр. 893
وحاءٍ مهمَلةٍ، أي: أَسرَعَ وجَرى أشدَّ الجَرْيِ.
(إثره) بكسرِ الهمزة وسُكونِ المثلَّثة، وفي بعضِها بفَتحِها.
(ثوبي) مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: رُدَّ، أو أَعْطِ.
(يَا حجر) ناداه كنِداءِ عاقلٍ؛ لفعلِه فِعلَ مَن يعقِلُ، أو المُتحرِّكُ يُمكِنُ أن يَسمعَ ويُجيبَ.
(من بأس) اسم (ما)، و (مِنْ) فيه زائدةٌ.
(فطفق) بكسرِ الفاء وفتحِها.
(الحجر) نُصِبَ بِمقَدَّرٍ، أي: يَضرِبُ الحجرَ ضَربًا، وفي بعضِها: (بالحجَرِ) بزيادة الباء، أي: جُعِلَ مُلتزمًا بذلك يَضرِبُه ضَربًا.
(قال أبو هريرة) هو تعليقٌ من البُخاريِّ، أو تتمة مقولِ هَمَّامٍ، فيكونُ مُسندًا.
(لندب) بفتحِ النُّونِ والدَّال المُهملة، أي: أَثَرٌ.
(ستة) أي ستَّةُ آثارٍ، وهو مرفوعٌ بالبَدَليَّةِ، أو منصوبٌ على التَّمييزِ.
(ضربًا): تَمييزٌ، وستأتي القِصَّة في (كتاب الأنبياء).
قال (ن): يجوزُ أنَّ موسى أَرادَ بضَربِ الحجَر إظهارَ المُعجزةِ لقَومِه بأثر الضَّرب بالحجر (١)، أو أنَّه أوحِيَ إليه بذلك.
ومَشيُ الحَجَرِ بالثَّوبِ مُعجِزَةٌ أُخرى.
стр. 894
وفيه ما ابتُلِيَ به الأنبياءُ من أذى الجُهَّالِ، وصبرُهم عليهم، ونزاهتُهم عن نقصِ الخَلْق والخُلُق.
* * *
٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ! أَلَمْ أَكَنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ).
وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا).
(وعن أبي هريرة) هو تعليق أيضًا، إلَّا أنَّه بصيغَةِ التَّمريض، بخلافِ قَوله في الذي قَبلَه.
(بينا) أصلُه (بينَ) أُشبِعت فتحته ألفًا، والعاملُ فيه قوله بعدَ ذلك (خَرَّ)، ولا يضُرُّ وقوعُه بعدَ الفاء؛ لأنَ الظَّرفَ يُتوسَّع فيه، أو يقال: العاملُ (خَرَّ) مُقدَّرة دلَّ عليها المَذكور.
(أَيُّوب)؛ أي: النبيُّ المُبتَلى مِن ولد رُوم -بضَمِّ الرَّاء- ابنِ العِيصِ -بكسر العين المهملة والصَّاد المهملة- ابنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ ﷺ ، وكان عمرُه ثلاثًا وستين سنةً، ومدَّةُ بلائه سبعُ سنينَ، وهو مبتدأ.
стр. 895
(يغتسل) خبَرُه، والجملةُ أُضيفَ إليها الظَّرفُ وهو (بينا)، وإنَّما لم يُؤتَ في جوابِ (بينا) بِـ (إذ) و (إذا) الفُجائية؛ لأنَّ الفاءَ تقومُ مَقامَها، كعكسِه في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦].
(جراد) واحدُه: (جَرَادة) كتَمرَةٍ وتَمرٍ، وفي رواية: (رِجلُ جَرَادٍ)، تأتي في (كتاب الأنبياء).
(يحتثي) يفتَعِلُ مِن (حثَا) بالمهملة والمثلَّثة، أي: يَرمي، ويُروى: (يَحتَثِنُ) بالنون.
(بلى)؛ أي أغنيتني، ولو قيل: (نعم) لم يَجُزْ؛ لأنَّه كُفرٌ، وإنَّما لم يُفرِّق الفقهاءُ بينهما في الإقرار؛ لأنَّه مبنيٌّ على العُرفِ.
(لا غنى) يجوزُ أن لا يُنوَّن، وهو مبنيٌّ، والجملةُ نصبٌ على أن تكونَ عاملةً عملَ (إِنَّ)، وأن يُنوَّنَ على أنَّه مرفوعٌ على أنَّ (لا) عاملةٌ عَمَل (ليس)، لكنَّ الأوَّلَ نصٌّ في الاستِغراقِ، والثانيةَ ظاهرةٌ فيه، كما أشارَ إليه الزَّمخشريُّ في ﴿لَا رَيْبَ﴾ [البقرة: ٢] أولَ البقرة، وخبَرُ (لا) يحتملُ أن يكونَ (بِي) أو (عن بَرَكتِكَ)، فالمعنَى صحيحٌ على التَّقديرَين.
(إبراهيم) الظَّاهر أنَّه: ابنُ طَهْمَانَ -بفتح الطَّاء المُهمَلة-.
(بينا أَيُّوب) المُرادُ إلى آخر الحديث، وهو بَدَلٌ من ضميرِ المَفعولِ في: (ورواه إبراهيمُ)، وفي بعضِها: (قال: بينا)، بزيادةِ (قالَ).
فإن قيلَ: لم أخَّر الإسنادَ عن المَتن؛ وإن كانَ يقَعُ من المُحدِّثين كثيرًا لكنَّ الغالبَ العكسُ؟
стр. 896
قيل: لعلَّ له طريقًا آخرَ غيرَ هذا، وتركَه وذَكَر الحديث تعليقًا لغَرَضٍ من أغراضِ التَّعليقاتِ، ثم قال: (ورواه إبراهيمُ)، إشعارًا بهذا الطَّريق الآخَر، وهو تعليقٌ أيضًا؛ لأنَّ البخاريَّ لم يُدركْ إبراهيمَ لكنَّه نوعٌ آخر، فلا يكونُ فيه تأخيرُ الإسنادِ، وكذا لو قلنا: إنَّ (وعن أبي هريرةَ) من تَتمَّةِ كلامِ هَمَّامٍ، فلا يكونُ تأخيرٌ أيضًا؛ بل يكونُ تقوِيةً وتأكيدًا، وقد وَصَل روايةَ إبراهيمَ المذكورةَ النَّسانيُّ.
٢١ - باب التَّسَتُّرِ فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ
(باب التستر في الغسل عند الناس): في بعضِها: (من النَّاس).
٢٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْح، فَوَجَدتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرهُ فَقَالَ: (مَنْ هَذِه؟)، فَقُلْتُ: أَناَ أُمُّ هَانِئٍ.
الحديث الأول (م ت س ق):
(عن أبي النضر) هو بفتحِ النُّونِ وسكونِ المُعجَمَة.
(مولى أم هاني) سبق في (بابِ مَن قَعَدَ حيثُ ينتَهي به المَجلسُ)
(في الستر)؛ أي في لفظِ (ستَرتُ النبِيَّ ﷺ ) لا في بقيَّة الحديثِ، وروايةُ أبي عَوَانة وصَلَها البُخاريُّ في مَوضعٍ آخرَ من (الغُسل)، وابنُ فُضَيلٍ وصَلَها أبو عَوَانَة في "صحيحِه".
قال (ط): أجمَعوا على وجوبِ سَترِ العَورَةِ عن أعين النَّاظرين، فمن دخَلَ الحمَّامَ بغيرِ مِئْزَرٍ سقَطَت شهادتُه.
واختَلَفوا فيما لو نزَعَ مِئْزَرَه ودخَلَ الحَوضَ، وبَدَت عَورتُه عندَ دُخوله، فقال مالكٌ، والشَّافعيُّ: تَسقُطُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا؛ للعُذْرِ، إذ لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه، واتَّفقوا على أنَّ الرجلَ يرى عورَةَ أهلِه، وهي عَورتَه.
قلت: إلا حَلْقَةَ الدُّبُرِ، كما قاله الدَّارِمِيُّ من أصحابِنا.
* * *
٢٢ - باب إذا احتَلَمَتِ المَرأَةُ
(باب إذا احتلمت المرأة): سبقَ بيانُ الحديثِ المَذكورِ فيه في (باب الحياء في العلم).
٢٨٢ - حدَّثنا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ، قَالَ: أَخْبَرناَ مَالكٌ، عَنْ هِشَامِ ابنِ عُروةَ، عَنْ أبْيهِ، عنْ زينبِ بنت أبِي سَلَمَة، عَن أُمِّ سَلَمَة أمِّ المُؤمنينَ: أنَّها قَالتْ: جَاءتْ أُمُّ سليمٍ امرأةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -
стр. 899
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ لَا يَسْتحيِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المرأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احتَلَمَت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (نعم، إِذَا رَأَتِ المَاء).
(بنت أبي سلمة) لفظُه هناك: بنتُ أمِّ سَلَمَةَ، وكلاهُما صحيحٌ.
قال (ط): لا خلافَ أنَّها كالرَّجلِ في وجوبِ الغُسلِ إذا رأت الماء، وفيه دليلٌ على أنَّه ليسَ كلُّ النِّساء يَحتَلِمنَ، ففي غيرِ هذه الرِّواية أنَّ أمَّ سُلَيمٍ غَطَّت وجهَها وقالت: (أتَحتَلِمُ المَرأةُ)؟
وفيه أنَّ مَن جَهِلَ شيئًا من دينه يلزمُه أن يَسألَ عنه العالِمَ به، ولا حياءَ في ذلك، وإنَّما الحياءُ فيما منه بُدٌّ، وإنَّما اعتَذَرت لمُشافَهتِه ﷺ بِمثلِه.
* * *
٢٣ - بابُ عَرَقِ الجُنُبِ، وَأَنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ
(باب عرق الجنب، وأنَّ المسلمَ لا ينجس): بضَمِّ الجيم وفتحِها بناءً على ضمِّها في الماضي وكَسرِها.
٢٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: (أَيْنَ كنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟)، قَالَ: كنْتُ جُنُبًا،
стр. 900
فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَناَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ).
(ع).
(علي)؛ أي: ابنُ المَدينيِّ.
(يحيى)؛ أي: القَطَّانُ.
(حُميد) -بالضمِّ-؛ أي: الطَّويلُ.
(بكر)؛ أي: ابنُ عبدِ الله المُزنيُّ.
(عن أبي رافع) وهو نُفَيعٌ بالتصغير، الصَّائِغُ بالغَين المعجمَة.
(جنب) هو ممَّا يستَوي فيه المُفرَدُ وغيرُه قال تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاَطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
والجنابةُ: البُعد، فسُمِّي جُنُبًا؛ للنَّهي عن أن يَقرَب الصَّلاة ما لم يتطَّهر.
(فانبجست)؛ أي: قالَ أبو هريرةَ ذلك، وهو بالنَّون والمُوَحَّدة، أي؛ انفَجَرتُ وجَرَيتُ، وهي رِوايةُ ابنِ السَّكَنَ، فوزنُ الفعلِ: اِنْفَعَلَ، ويروى: (اِنْخَنَسْتُ) بالخاء المُعجمة والنُّون.
قال (ط): وهي الأكثرُ، أي: تأخَّرتُ وانقبَضتُ، ومنه وُصِفَ الشَّيطانُ بالخَنَّاس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَاَ أُقسمُ بالخُنَّس﴾ [التكوير: ١٥]، وانْخِنَاسُها: رُجوعُها وتواريها تحتَ ضَوءِ الشَّمس.
وقيل: اختِفاؤُها بالنَّهار، وفي بعضِها: (انتَحَست) اِفتِعَالٌ من
стр. 901
النَّحْسِ، أي: اعتَقَدتُ نَفسي نَحِسًا.
(فذهبت فاغتسلت) هو المناسِبُ لما قبله، وفي بعضِها: (فذهَبَ فاغتَسلَ)، وهو من النَّقل من الرَّاوي عنه بالمعنَى، ويجوزُ أن يُجعَلَ من قَول أبي هريرة، بأن يكونَ قد جعلَ نفسَه غائبًا، ومثلُه يُسمَّى بالتَّجريد، يعني جَرَّدَ من نفسِه شخصًا وأخبَرَ عنه، فيكونُ ذلك من لفظِه بعينه.
(يا أبا هريرة!) يجوز أن تُحذفَ همزةُ (أبا) تخفيفًا.
(سبحان الله) منصوبٌ بفعلٍ لازمِ الحذف، وأتى به هنا للتَّعجبِ والاستِعظام، أي: كيف يَخفى مثلُ هذا الظَّاهرِ علَيك.
قال (خ): وفي الحديث دليلٌ على جواز تأخيرِ الاغتِسال عن أوَّلِ وقتِ وُجوبه.
قال (ط): وعلى أنَّ النجاسةَ في الآدميِّ ليست في ذاته؛ بل لِمَا يعتَريه من تَرك التحفُّظِ من النَّجاسات والأقذار، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]؛ أي: لنَجاسَةِ أفعالِهم، والبعدِ عمَّا قدَّسه الله من بُقعةٍ أو كتاب، حتَّى إنَّ عَرَقه طاهرٌ [لإباحتِه، قال تعالى: ﴿ياأَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ولم يسلَم من ضاجَعَهُنَّ من عَرَقٍ، ولا خلافَ في عَرَقِ الجنُب أنَّه طاهرٌ] (١)، فدلَّ على أنَّ نَجاسةَ الآدميِّ لا في ذاته؛ بل لِما يَعرِضُ له، فلذلك قال هنا: (إنَّ المُؤمِنَ لا ينجُس)،
стр. 902
أي: لِسلامَتِه من ذلك.
قال (ن): فالحديثُ أصلٌ عظيمٌ في طهارةِ المُسلم؛ أما في حياته فواضحٌ، وأمَّا في مَوته فهو أصحُّ قولَي الشَّافعيِّ، وحكمُ الكافر في ذلك كالمُسلم، وأمَّا الآيةُ فالمُراد بِها نجاسةُ اعتقادِهم.
وفي الحديث أيضًا احترامُ أهلِ الفَضل وتوقيرُهم بكونِ جليسِهم يكونُ على أكملِ الحالات، ولذلك استَحبَّ العلماء لطالبِ العلم أن يكونَ عند مُجالسَةِ شيخِه مُتطهِّرًا مُتنَظِّفًا بإزالةِ شَعرٍ طُلِبَ إزالتُه وظُفُرٍ، وريحٍ كريهٍ ونحوِ ذلك.
وفيه من الآداب أنَّ العالِم إذا رأى من تابعه ما يَخافُ أن يكونَ غيرَ صوابٍ سأله عنه، وذكر له صَوابه.
وقال البَيضَاوِيُّ: يُمكِنُ أن يُحتَجَّ به على من قال: الحدَثُ نَجاسةٌ، وإنَّ من وَجَبَ عليه وضوءٌ أو غُسلٌ يكون نَجِسًا حُكمًا.
* * *
٢٤ - بابٌ الجُنُبُ يخرجُ وَيمشِي فِي السُّوقِ وغَيْرِهِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يحتَجِمُ الجُنُبُ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَإِنْ لَم يتَوَضَّأ.
(باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره)؛ أي: وفي غير
стр. 903
السُّوق، ويجوز الرَّفعُ على أنَّه مبتدأ، أي: وغيرُه ونحوه، أي: فينامُ ويأكُلُ كما يخرجُ، فهو عَطفٌ عليه من جهةِ المعنَى، كذا قال (ك)، وفيه تكلُّفٌ بلا ضرورة.
* * *
٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ: أَنَّ أَنس بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُم: أَنَّ نبَيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
الحديث الأول:
(ثنا سعيد) قال الغَسَّانِيُّ: في نسخة الأَصِيلِيِّ بدَلَه: (شُعبَةُ)، أي: ابنُ الحجَّاجِ، وليسَ صَوابًا.
(يومئذ)؛ أي: حينَئذٍ، إذ لا يومَ لذلك مُعيَّنٌ، ولفظَةُ (كان) تدلُّ على التكرار والاستمرار.
ووجه دلالة الحديث على التَّرجمة أنَّه كان يَخرُج من الحجرة قبلَ الغُسل، وسبقَ بيانُ مباحِثِه في (باب إذا جامَعَ ثمَّ عاد).
* * *
٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَيَّاش، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعلَى، حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيني رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَناَ جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ
стр. 904
الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: (أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟)
فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللهِ! يَا أَبَا هِرٍّ! إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُس).
الحديث الثاني:
(عياش) بالمثنَّاة تحت والشِّين المعجمة؛ أي: ابنُ الوَليد.
(عبد الأعلى)؛ أي: ابنُ عبدِ الأعلى.
(بيدي) في بعضها: (بيَميني).
(فانسللت)؛ أي: خرجت، وقيل: الانسلال: الذهاب في خفية.
(الرحل) بفتحِ الرَّاء وبالحاء المُهملة: المَسكَنُ وما يُستَصحبُ من الأثاث.
(أين): خبرُ (كان) إن كانت ناقصةً، وإن كانت تامَّة، فـ (أين) ظَرفٌ لَغوٌ.
(يا أبا هريرة) في بعضِها: (يا أبا هر)، بالتَّكبير.
(فقلت له)؛ أي: ما فَعلتُ من المَجيءِ للرَّحل والاغتِسال.
وفي الحديث مُصافَحَةُ الجنُب ومُخالطتُه. قال (ط): وأنه يتصرَّف في أموره قبلَ الغُسلِ، خلافًا لمَن أَوجَب عليه الوُضوءَ، وفيه أخذُ العالِمِ بيدِ تلميذِه ومشيُه معه معتَمِدًا عليه، ومُرتَفِقًا به، وأنَّ من الأدبِ أن لا ينصَرفَ عنه حتَّى يعلمَه؛ لِقَوله: أينَ كنتَ؟ ودلَّ أنه أحبَّ أن لا يُفارقه.
* * *
стр. 905
٢٥ - بابُ كيْنُونةِ الجُنُبِ فِي البَيْتِ إِذَا تَوضأَ قَبْل أَنْ يَغْتَسِلَ
(باب كينونة الجنب): وهو مصدرُ (كان يكونُ) شبَّهوه بالحَيدودَةِ والدَّيمومَةِ، وأصلُه: (كيِّنونةٌ) بتشديد الياء مكسورةً، ثم خُفِّفت كـ (هَيِّنٍ).
قلت: وفيه بحثٌ لطيف أوردته في (باب المصادر) من "شرح لاميَّة ابن مالك".
٢٨٦ - حَدَّثَنَا أبَو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام وَشَيْبَانُ، عَنْ يحيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يرقُدُ وَهْوَ جُنُب؟ قَالَتْ: نعم ويتَوَضَّأُ.
الحديث الأول:
(ويتوضأ) عُطِفَ على ما سَدَّ (نعم) مَسَدَّه، وهو: كانَ يرقُدُ.
قلت: أو مقدَّم من تأخير، أي: يتوضَّأ وَيرقُدُ، لأنَّ الواوَ لا ترتيبَ فيها.
* * *
стр. 906
٢٦ - بابُ نَوْمِ الجُنُبِ
(باب نوم الجنب)
٢٨٧ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أيرقُدُ أَحَدُناَ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: (نعم، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدكم فَلْيَرقد وَهُوَ جُنُبٌ).
الحديث الثاني:
(أيرقد)؛ أي: أيجوزُ الرُّقود؟ لأنَّ السؤالَ إنَّما هو عن الحُكمِ.
(فليرقد) هو لإباحة الرُّقود قبل الغُسل، لقرينة الإجماعِ على عَدَم وجوبِ الرقود ونَدبِه.
قلت: أو كونُه جوابًا للاستِئذان عند من يراه صارفًا عن الوجوب، و (يرقدُ) عاملٌ في (إذا) سواء قيل: ظَرفٌ محضٌ، أو مُضمَّنةٌ معنى الشَّرط، ثمَّ السَّببيَّةُ هنا في الوضوء تَحتَمِلُ أن يكون سببُها الرُّقودَ، أو الأمرَ به، كما سبقَ في نظائِره.
* * *
٢٧ - باب الجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ
(باب الجنب يتوضأ ثم ينام)
٢٨٨ - حَدَّثَنَا يحيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ
стр. 907
ابْنِ أَبِي جَعفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرحمَنِ، عَنْ عُروَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فرجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ.
الحديث الأول:
(وتوضأ للصلاة)، أي: وُضوءًا شَرعيًّا كما يتوضَّأ للصَّلاة، لا أنَّ المرادَ: ليُصلِّي به؛ لأنَّ الصَّلاة تَمتنِعُ قبل الغُسل، أو يُقدَّر فيه: وضوءَه للصَّلاة، ولهذا فى رواية: (توضَّأ وضوءَه للصَّلاة)، أي: ليَنفِيَ إرادةَ اللُّغوِيّ.
* * *
٢٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيَنَامُ أَحَدُناَ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: (نعم، إِذَا تَوَضَّأَ).
الحديث الثاني:
(جويرية)؛ أي: ابنُ أسماء.
(عبد الله بن دينار) قال الغَسَّانِيُّ: في بعضِ النُّسخ: (نافع) بدَله، وكلاهُما صوابٌ، لأنَّ مالكًا يروي هذا الحديثَ عنهما، لكنَّه براوية عبد الله أشهرُ.
وفي الحديث ندبُ غَسلِ ذَكَرِ الجنُب عندَ النَّوم، وأنَّ له تأخيرَه عن الوُضوء.
стр. 908
قال (ن): نَصَّ أصحابُنا على كراهة النَّوم قبل الوُضوء، فإنه لا يجبُ قَطعًا، وإن أوجَبَه بعضُ المالكيَّة، وداود، ومما يُروى: أنَّه ﷺ كان ينامُ وهو جنُبٌ ولا يَمَسُّ ماءً، فقيل: وهمٌ من بعضِ الرُّواة، وإن صحَّ فالمُراد: لا يَمسُّ ماءً للغُسل أو فعلَ ذلك في وقتٍ لبيانِ الجواز.
ثم اختُلف في حِكْمَةِ هذا الوُضوء، فقيلَ: يُخَفِّفُ الحَدَثَ؛ لأنَّه يرفَعُ الحَدَثَ عن أعضاءِ الوضوء، أو ليبيتَ على إحدى الطَّهارتَين خَشية أن يَموتَ في منامه، أو أنَّ الماء إذا نال أعضاءه يُنشِّطُه للغُسل.
وفي الحديث: أنَّ غُسلَ الجنابة ليسَ على الفَور؛ بل إنَّما يتَضَيَّقُ عند القيام للصَّلاة، ولهذا اختُلِف في المُوجب لغُسل الجنابة، هل هو للجنابة؟ أو للقيامِ للصَّلاة؟ أو المَجموع؟
* * *
٢٨ - بابٌ إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ
(باب إذا التقى الختانان): من الخَتْنِ، وهو القَطعُ؛ فالخِتانُ: بالكسر اسمُ المصدر من (خَتَنَ)، والمُرادُ هنا موضعُ القَطع من الذَّكَر يلتقي مع موضِعه من الأُنثَى.
٢٩١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ (خ) وَحَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ قتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أبِي رَافعٍ، عنْ
стр. 909
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأربَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقد وَجَبَ الغَسْل).
تَابَعَهُ عَمرُو بْنُ مَرزُوقٍ، عَنْ شُعبةَ، مِثْلَهُ، وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ: أَخْبَرَناَ الْحَسَنُ، مِثْلَهُ.
الحديث (م د س ق):
(وحدثنا أبو نعيم) هو تحويلٌ الإسناد، وربَّما كُتِبَ قبلَه (ح) لذلك.
(جلس)؛ أي: الرَّجل.
(شعبها) -بضَمِّ المُعجمة وفتح المهملة- جَمعُ شُعبَة، والمُرادُ بالأربع: اليدان والرّجلان، وقيلَ: الرِّجلان والفَخِذان، وقيل: الرِّجلان والشفران.
وقال (ع): شُعَبُ الفَرج؛ أي: نواحيه الأربع.
(جهدها) -بفتح الهَاء-؛ أي: بَلَغ مشَقَتَها، وجَهدتُه وأجْهَدتُه: حَمَلتُ عليه في السَّير فوقَ طاقَتِه، والإشارةُ به إلى الحركة، وتَمكّنِ صورةِ العمل، وإلا فأيُّ مشقَّة بَلَغ بِها؟ وقيل: الجَهْدُ: الجِماعُ، فجَهَدها؛ أي: جامَعَها، وإنَّما كنَّى بذلك للتَّنزه عمَّا يفحُشُ ذِكرُه مُصرَّحًا.
ووجهُ دخولِ الحديث في التَّرجمة: أنَّ بلوغَ الجَهد المُشار إليه هو التقاءُ الختانيَن، ولهذا في رواية عائشة: (إذا جَلس بين شُعَبِها
стр. 910
الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان).
قال (ن): والمعنى في الحديث أنَّ الغُسل لا يتوقَّف على نزولِ منِيٍّ، بل متى غابت الحَشَفَةُ وجَبَ الغُسل، وقد كان فيه خلافٌ، ولكنْ انعَقَد الإجماعُ عليه، وحديث: "إنَّما الماءُ من الماءِ" منسوخٌ، أي: كان لا يجبُ الغُسل إلا بالإنزال، ثمَّ صار الغُسل بدونه، نعم، قال ابنُ عبَّاس: ليس بمنسوخٍ؛ بل المراد به نفيُ وجوبِ الغُسل بالرُّؤية في النَّوم إذا لم ينزِلْ، وهذا الحكم باقٍ.
وأما حديثُ: "إذا مسَّ الختانُ الختانَ"، فمعناه: غيَّبَ ذَكَرَه، لا حقيقةُ المسِّ؛ لأنَّ ختانَها في أعلى الفَرجِ ولا يمسُّه الذَّكَر في الجِماع، وقد أجمَعوا على أنّه لو وضَع ذَكَره على خِتانِها ولم يولِج؛ لا يجبُ عليه الغُسل، فالمرادُ المُحاذاةُ، وهو المراد أيضًا في التِقاءِ الخِتانيَن.
قال (ط): في "المُوطَّأ" عن عائشة: إذا جاوَزَ الخِتانُ الخِتانَ، فقد وجب الغُسل، وهي أعلمُ بذلك؛ لأنَّها مشاهِدَةٌ لمثلِه، وقد كان عليٌّ يقول بخلافِ ذلك، ثم أجمَعوا على وجوبِ الغُسل، والإجماعُ في عصرٍ بعد انقِراضِ المختَلفين يرفَعُ الخلافَ.
قال (ك): إنه لا يقالُ: إن نفيَ الغُسل كانَ بالأصل، والنَّسخُ إنَّما يكونُ بحكمٍ شَرعيٍّ، لأنَّا نقولُ: عدمُه إنَّما كان بالشَّرع، والحصرُ في (إنَّما الماءُ من الماءِ) يدلُّ عليه، إذ معناه: لا ماءَ من غير الماء؛ أي: لا غُسل بماءٍ من غيرِ إنزالِ منِيٍّ، على أنَّه لا يُحتاجُ لادِّعاء نسَخٍ، بل
стр. 911
تقديمٌ لحديث: (إذا التَقَى الخِتانان) -لأنَّه بالمنطوقِ- على (إنَّما الماءُ من الماءِ) -لأنَّه بالمَفهومِ-.
وفي حجِّيته خلافٌ، وعلى تسليمِه؛ فالمَنطوق مُقدَّمٌ على المفهومِ، ولا يقالُ: حديثُ الالتقاءِ مُطلَق، وحديثُ الماء مُقيَّد، فيُحمَل المُطلق على المقيَّد؛ لأنَّا لا نُسلِّم أنه مُطلَق؛ بل عامٌّ، لأنَّ الالتقاءَ وَصفٌ ترتَّب الحكمُ عليه، كما وُجِدَ وُجِدَ الحُكمُ، وكلَّما انتَفى انتفى، والآخَر خاصٌّ لا مُقيَّد، وكأنَّه قال: بالالتقاء يجبُ الغُسل، ثمَّ قال: بالالتقاءِ مع الإنزال، فيكونُ من ذِكر بعضِ أفرادِ العُموم مثل: (أيُّما إهابٍ دُبغَ)، مع قوله: (دِباغُها طُهورُها).
ولا يقالُ أيضًا: الجَهْدُ يُحمَلُ على الإنزال، لأنَّه غايةُ الأمر، لأنَّ الرِّواياتِ الأُخرى مبيِّنةٌ له، ولأنَّ لفظَ (الجَهدِ) مُشعِرٌ بالاختيار، والإنزالُ لا اختيارَ فيه انتهى ملخصًا بمعناه.
(تابعه عمرو)؛ أي: ابنُ مَرزوقٍ، والضَّمير يُحتملُ عَوده إلى (هشامٍ) وإلى (الحَسَن)، لأنَّ شُعبةَ قد سمع من قتادةَ، ومن الحَسَن.
(وقال موسى)؛ أي: التَّبُوذَكِيُّ.
(أبان) بفتح الهمزة، مَصروفٌ ومَمنوعٌ، ولَمَّا رَوى قتادةُ أوَّلًا بِـ (عن) وهو مُدَلسٌ؛ ذَكَر هنا أنَّه صَرَّح بالسَّماع؛ إذ قال: (أخبَرَنا الحَسَنُ)، وإنَّما قال هنا: (قال)، وهناك (تابَعَه)؛ لأنَّ المُتابعة أقوى؛ لأنَّ القَول أعمُّ من نَقلِه روايةً، أو على سبيلِ المُذاكَرة.
стр. 912
واعلم أنَّه يحتمِلُ سماعَ البخاريِّ من عَمرٍو وموسى، فلا يُجزَمُ بأنَّها تعليقٌ.
قال صاحب "تغليق التَّعليق" من أصحابنا: مُتابعَةُ عَمرٍو رويناها في جزءٍ من حديث أبي عَمرِو بنِ السَّمَّاكِ بنِ عثمانَ بنِ عمرَ الضَّبِّيِّ: ثنا عمرُو بنُ مَرزوقٍ، ومتابعةُ أبانَ زعمَ الشيخُ مُغُلْطَاي أنَّ البَيهقِيَّ وصَلَها من طريقِ عثمانَ عن موسى، وهو وَهمٌ، فإنَّما رواها البَيهَقِيُّ عن عفَّانَ عن أبانَ نفسِه، وليس لعفَّانَ عن موسى روايةٌ بوَجهٍ من الوجوه.
* * *
٢٩ - بابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فرجِ المرأةِ
(باب غسل ما يصيب من فرج المرأة)
٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو معمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ يَحيَى: وَأَخْبَرني أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ سأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امرَأتهُ فَلمْ يُمنِ؟ قالَ عثمانُ: يتوضأُ كمَا يتَوَضَّأُ للصَّلاةِ ويَغْسِلُ ذَكَرَهُ، قالَ عُثمانَ: سَمِعتُه من رسولِ اللِه ﷺ ، فسألْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَأُبَيَّ بْنَ
стр. 913
كعبٍ ﵃، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
قَالَ يَحيَى: وَأَخْبَرَني أَبو سَلَمَةَ: أَنَّ عروَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الحديث الأول (م):
(أبو معمر)؛ أي: المُقْعَدُ.
(الحسين)؛ أي: ابنُ ذَكوان.
(يحيى)؛ أي: ابنُ أبي كَثيرٍ.
(وأخبرني) إنَّما ذَكَره بواوٍ للإِشعار بأنَّه حدَّثه غيرَ ذلك أيضًا، وأنَّ هذا من جُملتِه، فالعَطف على مُقدَّر.
(فسألت) هو من قَول ابنِ زَيدٍ، استفتَى هؤلاءِ عن ذلك، أي: إنَّ هذا الحديث استَمَرَّ العملُ به كما أَفتاني عثمانُ أوَّلًا، وسبقَ أكثرُ مباحثِ الحديث في (باب مَن لَم يَرَ الوُضوء إلا من المَخرجَين).
(بذلك)؛ أي: بالوُضوء وبِغَسْلِ الذَّكَر فقط من غير غُسل.
(وأخبرني أبو سلمة) هو أيضًا من مَقولِ يحيَى، وفي بعضِها (قال يحيى: وأخبرني).
* * *
٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عروَة، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أخبَرَبي أْبَو أيوبَ، قَالَ: أَخْبَرَني أُبَيُّ بْنُ كعبٍ أَنَّهُ
стр. 914
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المرأةَ فَلَم يُنْزِل؟ قَالَ: (يَغْسِلُ مَا مَسَّ المرأةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتوَضَّأُ وَيُصَلِّي).
قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: الغَسْلُ أَحوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وإنَّمَا بيَنَّا لاِخْتِلَافِهم.
الحديث الثاني (م):
(أخبرني أُبي بن كعب) سبَقَ في طريقِ رِواية أبي أيُّوبَ للحديث عن النبيِّ ﷺ بلا واسِطَة، وذلك لاختِلافِ الحديثيَن لفظًا ومعنى، وإنْ توافقا في بعضٍ، فيكونُ سَمِعَه من النبي ﷺ مرَّة ومن أُبيٍّ أُخرى، فذكَرَه للتَّقوية، ولأغراضٍ أُخرى.
(مس) فيه ضميرٌ يعودُ على (ما)، والمُرادُ بِمسِّها إصابةُ رُطوبةِ فَرجها، فيُطابِقُ بذلك التَّرجَمة، وهو من إطلاق اللازِم وإرادة المَلزومِ، فهو كنايةٌ، ويحتملُ أن يُضمَر فيه: يَغسِلُ عُضوًا مَسَّ فَرجَ المَرأة.
(ثم يتوضأ) صريحٌ في تأخيره عن غَسلِ ما يصيبُه من المَرأة.
(قال أبو عبد الله)، أي: البخاريّ.
(الغسل) بضَمِّ الغَين، أي: الاغتسالُ من الإيلاجِ، وإن لَم يُنزِلْ.
(أحوط)؛ أي: من الاكتفاءِ بغَسلِ الفَرج والتَّوضُّؤ، كما في الحديث السابق، وفَتوى المذكورين.
(وذلك الآخر)؛ أي: الحديثُ الذي يدلُّ على عَدَمِ الغُسل إنَّما
стр. 915
ذَكَره لأجلِ اختلافِ الصَّحابة في الوُجوبِ وعَدَمِه، ولاختلافِ المُحدِّثين في صِحَّته.
قال (ط): قال الأَثْرَمُ: سألتُ أحمدَ عن حديث زيدِ بنِ خالد، وقوله: (سألتُ خَمسة من الصَّحابة) فقال: فيه عِلَّةٌ، ونعم، ما يُروَى بخلافِه عنهم، وقال ابنُ المَديني: إنَّه حديثٌ شاذٌّ، وقد رُوِيَ عن عثمانَ، وعلي، وأُبَيٍّ: أنَّهم أفتَوا بخلافِه، وقال يعقوبُ: هو مَنسوخ، كانت هذه الفُتْيا في أوَّل الإسلام، ثم جاءت السُّنة بوجوبِ الغُسل، ثم أجمَعوا عليه بعدَ ذلك.
قال الطحاوي: ولأنَّه مُفسِدٌ للصَّومِ ومُوجِبٌ للحدِّ والمَهرِ، وإنْ لم يُنزِلْ، فكذا الغُسلُ، وفي بعضِ النُّسَخ بعدَ حديث: (إذا جَلَسَ بينَ شُعَبِها)، وذلكَ أَولى، وفي بعضِها: (والماءُ أنقَى)، وفي هذا -أي: الغُسلُ- آكَدُ وأجودُ.
قال (ش) بعد حكايةِ لفظِ البخاريِّ على صورةِ (الآخِر)، أي: بلا ياء بكَسرِ الخاء: أي: مِن فِعلِه ﷺ ، فيكونُ ناسِخًا لما قَبلَه، وقال السَّفاقِسِيُّ، روينَاه بفتحِ الخاء، وقيلَ: إنَّه الوَجه.
وقال في قوله: (إنما بيناه لاختلافهم) إنَّه ميلٌ لمَذهَبِ داودَ، والجُمهورِ على أنَّها منسوخةٌ.
قلت: إنَّما يكونُ مَيلًا لمَذهب داودَ إذا فُتِحَت الخَاء من (آخر)،