الحادي عشر:
سبق في (العلم) في (باب من أجاب الفُتيا بالإشارة).
* * *
٧٢٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ".
الثاني عشر:
(سؤالُهم) فاعلُ أهلك، وفي بعضها: (هلكَ بسؤالهم)، وإنما كان السؤالُ مهلِكًا؛ لأنه فُضولٌ، وإيذاءٌ للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
* * *
٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِيهِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
(باب: ما يُكْرَه من كثرةِ السؤالِ)
قوله: (يَعْنِيهِ)؛ أي: يهمُّه.
стр. 8580
٧٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلتِهِ".
الحديث الأول:
(أعظمُ المسلمين جرمًا)؛ أي: إثمًا، والسؤالُ -وإن لم يكن في نفسه جريمةً، فضلًا عن كونه كبيرةً، فضلًا عن كونه أكبرَ الكبائر- إلا أنه لما كان سببًا لتحريم شيء مباحٍ، صار أعظمَ الجرائم؛ لأنه سببٌ في التضييق على جميع المسلمين؛ فإن القتل -مثلًا- مضرَّتُه راجعةٌ للمقتول، وهذا عامٌّ للكل.
(من أجل) إنما علل، مع أن أفعال الله تعالى لا تُعَلَّل؛ لأن المنكر عند الأشاعرة كونُ التعليل واجبًا، ويحتمل أن المقدر أن الشيء الفلاني تتعلق الحرمة به إذا سُئل عنه، فسبق القضاء بذلك، لا أن السؤالَ علةُ التحريم، والجمعُ بين قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، وبين ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]؛ لأن المأمورَ به: ما تقرر حكمُه من وجوبٍ ونحوِه، والمنهيَّ: ما لم يتعبد الله تعالى به عباده، ولم يتكلم بحكم فيه.
* * *
٧٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا
السادس:
(أكثرَ الناسُ البكاءَ)؛ أي: لِما سمعوا من الأمور العظيمة التي بين أيديهم، وأما استكثارُه ﷺ من طلب السؤال، فذلك على سبيل الغضب منه.
(فقال: النار) بالرفع، وذلك إمّا لأنه كان منافقًا، أو عرف رداءة خاتمته؛ كما عرف حسن خاتمة العشرة المبشرة بالجنة.
(فبرك) أصلُه للبعير، واستُعمل في الإنسان؛ كما استعمل الشفرُ للشفة مجازًا.
(أوَلا)؛ أي: أوَلا ترضون؛ أي: سواءٌ رضيتُم أو لا.
(والذي نفسي بيده) إلى آخره، وقد تُمال (لا)، وقد تُكتب بالياء؛ بل هو ما في أكثر النسخ.
قال في "المطالع": (أولى له أولى) مكررًا، وبالجار والمجرور، قيل: هو من الوَيْل، فقُلب، وقيل: من الوَلاء، وهو القُرب؛ أي: قارب الهلاك، وقيل: كلمة تستعملها العرب لمن رام أمرًا ففاته بعد أن كاد يُصيبه، وقيل: كلمة تقال عند المعتبة بمعنى: كيف لا؟ وقيل: معناهُ التهديد، وقال المبرد: يقال للرجل إذا أفلت من عظيمة: أولى لك؛ أي: كدتَ تهلك، ثم أفلتَّ.
(عُرْض) بالضم: الحائط، والجانب، والناحية.
(كاليوم) صفة لمحذوف؛ أي: يومًا مثل هذا اليوم.
* * *
стр. 8585
٧٢٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا نَبِيَّ اللهِ! مَن أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ فُلَانٌ"، وَنزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآيَةَ.
السابع:
سبق شرحه قريبًا.
* * *
٧٢٩٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا شَبابةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ".
الثامن:
(لن يبرح)؛ أي: لن يزال، وإنما ذم السؤال، مع أنه سؤالٌ عن معرفة الله تعالى بالدليل، وهو إما فرضُ عينٍ، أو كفاية؛ لأن علمَ كونِ الله تعالى غيرَ مخلوق ضروريًّا، أو كالضروري، فالسؤال عنه تعنُّت، أو هو مذمّةٌ للسؤال الذي يكون على سبيل التعنُّت، وإلا، فهو صريحُ الإيمان؛ إذ لا بُدَّ من الانقطاع إلى من لا يكون له خالقٌ؛ دفعًا للتسلسل، أو ضرورة.
* * *
(وأسنان الإبل)؛ أي: إبل الديات؛ لاختلافها في الخطأ، وشبهِ العمد، والعمدِ.
(عَيْر) بفتح المهملة وسكون الياء: موضع، أو جبل. سبق شرحه آخر (الحج)، وفي (باب حرم المدينة).
(حَدَثًا)؛ أي: بدعة أو ظلمًا.
(لعنة) هي هنا: البعدُ عن الجنة أولَ الأمر؛ بخلاف لعنةِ الكفار؛ فإنها مطلقًا.
(صَرْفًا): فريضة.
(عَدْلًا): نافلة، وقيل بالعكس.
(ذِمَّة)؛ أي: أمان؛ أي: تأمين المسلمِ الكافرَ.
(أدناهم)؛ أي: من عبدٍ أو امرأةٍ.
(أخفرَ)؛ أي: نقضَ.
(والى)؛ أي: نسبَ نفسَه؛ كانتمائه إلى غير أبيه، أو لغيرِ مُعْتِقِه، وذلك لِما فيه من كفرِ النعمة، وتضييع حقِّ الإرث، والولاء، والعقل، وقطع الرحم ونحوه.
(بغير إذن) ليس بقيد؛ بل خرج مخرجَ الغالب، وأما مناسبته للترجمة، فلعله استناد من قول علي ﵁ تبكيت من تنطع في الكلام، وجاء: (بغيرِ ما في الكتاب والسُّنَّة).
* * *
стр. 8590
٧٣٠١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا تَرَخَّصَ وَتنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَام يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءَ أَصْنَعُهُ؟ فَوَاللهِ إِنِّي أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً".
الثالث:
(مسلم) يحتمل أنه ابنُ صُبيح، أو البطين؛ فكلاهما يروي عن مَسْرُوق، وعنهما الأعمشُ.
(تَرَخَّص)؛ أي: تسهَّل فيه؛ كالإفطار في بعض الأيام، والصوم في بعضها في غير رمضان، والتزوج، ونحو ذلك.
(وتنزَّهَ عنه قومٌ) بأن سردوا الصومَ، واختاروا العزوبةَ.
(إني لأعلمُهم) إشارة للقوة العلمية.
(وأشدُّهم له خشيةً)؛ أي: أتقاهم، إشارة للقوة العملية؛ أي: يتوهمون أن رغبتهم عما فعلتُه أفضلُ لهم عند الله تعالى، وليس كذلك؛ إذ أنا أعلمُهم بالأصل، وأولاهم بالعمل، وسبق في (الأدب) في (باب من لم يواجه الناس بالعتاب).
* * *
٧٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ نَافِعِ بْنِ
ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إلَيَّ، فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا.
السابع:
(الظالم) إنما جاز للعباس مثلُ هذا القول؛ لأن عليًّا كولده، وللوالدِ ما ليس لغيره، أو هي كلمة لا يراد بها حقيقتُها، أو الظلمُ هو وضعُ الشيء في غير موضعه، أعمُّ من الصغيرةِ، والمباحةِ التي لا تليق بمثله عُرفًا، وقيل: يؤوّل بتقدير محذوف؛ أي: الظالم، أو كالظالم إن لم ينصفْ.
قال المَازَرِيّ: هذا اللفظ لا يليق بالعباس، وحاشا عليًّا من الظلم، فهو سهو من الرواة، وإن كان لا بُدَّ من صحته، فيؤوّل بأن العباس تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغةً في الزجر، وَرَدْعًا لما يعتقد أنه مخطئ فيه، ولذا لم ينكره أحدٌ من الصحابة، لا الخليفةُ، ولا غيرُه، مع تشدّدهم في إنكار المنكَر، وما ذاك إلا أنهم فهموا بقرينة الحال أنه لا يريدُ الحقيقة. وسبقَ مبسوطًا في (الجهاد) في (قصة فَدَك).
* * *
стр. 8597
٦ - باب إِثْمِ مَنْ آوَى مُحْدِثًا
رَوَاهُ عَلِيٌّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب: إثْمِ مَنْ آوَى مُحْدِثًا)؛ أي: مُبْتَدِعًا، أو ظالمًا.
(رواه علي) موصول في (الحج)، وقال (ك): في (الجزية).
* * *
٧٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. قَالَ عَاصِمٌ: فَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوْ آوَى مُحْدِثًا.
(حَدَثًا)؛ أي: بدعةً، أو ظلمًا.
(موسى بن أنس) قال الدّارَقُطْنيّ في كتاب "العلل": هو وَهْمٌ من البخاري، أو من شيخِه موسى، والصوابُ: النّضْر -بسكون المعجمة- ابن أنس؛ كما في "صحيح مسلم".
* * *
(بعد أن أَعْطَاكُمُوهُ) في بعضها: (أعْطَاهُمُوهُ).
(قبض العلماء بعلمهم)؛ أي: مع علمهم، ففيه نوع قلبٍ في الحرفين، ويراد من لفظ (بعلمهم): بكتبهم؛ بأن يجيء العلم من الدفاتر، وتبقى مع المصاحبة، أو (مع) بمعنى: عندَ. ومرَّ الحديثُ في (كتاب العلم).
(بعد)؛ أي: بعد تلك السَّنة أو الحجة.
(يا بنَ أُختي!) هو عُروةُ بنُ أسماءَ أُختِ عائشةَ.
(فعجبت)؛ أي: من جهة أنه ما غَيَّر حرفًا منه، رُوي أنها قالت له: القَهْ ففاتِحْه؛ حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك. قال: فلقيتُه، فسألتُه، فذكره لي نحوَ المرة الأولى، فلما أخبرتها، قالت: ما أحسبُه إلا قد صدق، لم يزد فيه شيئًا، ولم ينقص منه.
* * *
٧٣٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: هَلْ شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنَّ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ هَذَا الأَمْرِ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو
стр. 8600
وَائِلٍ: شَهِدْتُ صِفِّينَ، وَبِئْسَتْ صِفُّونَ!
الثاني:
(حمزة) بمهملة وزاي.
(صِفِّين) بكسر المهملة وشدة الفاء المكسورة وسكون الياء وبالنون: موضع بين الشام والعراق بشاطئ الفرات، وقعت فيه المقاتَلَة بين علي ومعاوية ﵄.
(اتّهِمُوا)؛ أي: لا تظنوا أني مقصّرٌ في وقت القتال؛ فإني في وقت الحاجة لا أُقَصّر.
(يوم أبي جَنْدَل) يريد: يوم الحُديبية، وإنما عدل إلى تسميته بذلك؛ لأن ردَّ أبي جَنْدَل إلى المشركين كان شاقًّا على المسلمين، وكان ذلك أعظمَ ما جرى عليهم من سائر الأمور، وأرادوا القتالَ بسببه، وأن لا يردوه، ولا يرضوا بالصلح.
(ولو أستطيع)؛ أي: لو قدرْتُ على مخالفة حكمِ رسول الله ﷺ ، لقاتلت قتالًا لا مزيدَ عليه؛ لكنِ التوقفُ اليومَ لمصالح المسلمين.
(يَفْظِعنا) بإعجام الظاء المكسورة؛ أي: يخوفنا ويهولنا.
(أسْهَلْنَ)؛ أي: السيوفُ؛ أي: أَفْضَيْنَ بنا إلى أمرٍ سهلٍ نعرفُه غيرِ هذا الأمرِ الذي نحن فيه، وهو المقاتلةُ بِصِفِّين؛ فإنه لا يسهل بنا.
وسبق مبسوطًا في آخر (الجهاد).
(وَبِئْسَتْ صِفُّونَ)؛ أي: بئستِ المقاتلةُ بها، وأعرب كإعرابِ
стр. 8601
الجمعِ؛ نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩]، وإن كان المشهورُ أن يُعرب على النون مع الياء في الأحوال الثلاثة؛ وكذا ما سمي به من الجموع؛ كَفِلَسْطِينَ، وَقِنِّسْرِينَ، ونحوِ ذلك.
* * *
٨ - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ: "لَا أَدْرِي"، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرُّوح فَسَكَتَ حَتَّى نزَلَتِ.
(باب: ما كان النبيُّ ﷺ يُسْأَلُ مِمَّا لم يُنْزلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ)
(يُسْأَلُ): مبني للمفعول.
(فيقول: لا أدري)، قال (ك): في هذا حزازة، وليس في الحديث ما يدل عليه، ولم يثبت عنه ﷺ ذلك.
قلت: بل ثبت في حديث في "الحاكم".
(بقياس، ولا برأي) من عطف المرادف، وقيل: الرأي: التفكر؛ أي: لم يقل بمقتضى العقل ولا بالقياس، وقيل: الرأيُ أعمُّ؛
стр. 8602
لشموله الاستحسانَ.
(لقوله: بما أراك الله) إشارة إلى ما في الآية؛ لكن الحكم بالقياس أيضًا حكمٌ بما أراه الله.
(وقال ابن مسعود) موصول في (التفسير).
* * *
٧٣٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرِضْتُ فَجَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ! - كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ.
(أي رسول الله!)؛ أي: ناداه بـ (أَيْ)، وهي لنداء القريب، و (يا) للأعم، وسبق الحديث في (سورة النساء)، وتوقفُه ﷺ عند من قال: يجوز له الاجتهاد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢]، وهو سيد المعتبرين؛ إما لكونه لم يجد أصلًا يقيس عليه، أو لنحوِ ذلك.
* * *
"فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: "فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عِرْقٌ نزَعَهَا، قَالَ: "وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نزَعَهُ"، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الاِنْتِفَاءِ مِنْهُ.
الحديث الأول:
سبق في (اللعان).
* * *
٧٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: "فَاقْضُوا الَّذِي لَهُ، فَإنَّ اللهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ".
الثاني:
(قاضيتُه) في بعضها: (قاضية) بغير الضمير.
(اقضي) في أكثر النسح: (اقضوا)؛ أي: أيها المسلمون الحق الذي لله ودخلت المرأة في هذا الخطاب (١) كما في الأصول؛ من
стр. 8608
ترجيحِ دخولِ النساء في خطاب الرجال، لا سيما عندَ القرينة؛ أما قولُ الفقهاء بتقديمِ حقِّ الآدمي، فلا ينافي الأحقيةَ بالوفاء واللزوم؛ لأن تقديمَ حقِّ العبدِ بسبب احتياجه.
واعلمْ أن عقدَه هذا الباب وما فيه يدلُّ على صحة القياس، والباب المتقدم مشعِرٌ بذم القياس والكراهة؛ وجوابُه: أن القياس نوعان: محمودٌ، ومذمومٌ؛ فالمحمودُ: هو المأمورُ به، وهو الصحيحُ المستوفي الشرائطَ، والمذمومُ: الفاسدُ.
وفيه: وقوعُ القياسِ منه ﷺ .
* * *
١٣ - باب مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ الْقُضَاةِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى لِقَوْلهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
وَمَدَحَ النَّبِيُّ ﷺ صَاحِبَ الْحِكْمَةِ حِينَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا، لَا يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ، وَمُشَاوَرَةِ الْخُلَفَاءِ وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ الْعِلْم.
(باب: ما جاء في اجتهادِ القَضاء)، وفي بعضها: (القُضاة)، والاجتهادُ لغةً: المبالغة، واصطلاحًا: استفراغُ الوُسْعِ والجهدِ في دَرْك الأحكام.
(الظالمون) ذكر آية الظالمين دون آيتي الكافرين والفاسقين؛ لأن
стр. 8609
الظلمَ يشمل الكفرَ والفسقَ؛ لأنه وضعُ الشيء في غير موضعه.
(الحكمة) هي العلمُ الوافي المتقن.
(يقضي بها) إشارة إلى الكمال.
(ويُعَلِّمها) إشارة إلى التكميل.
(قِبَلَه) بكسر القاف؛ أي: من جهة نفسه.
(ومشاورة) عطف على اجتهاد.
(أهل) تنازعه عاملان: المشاورة والسؤال.
* * *
٧٣١٦ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا".
الحديث الأول:
(اثنين) في بعضها: (اثنتين)؛ أي: خَصْلَتين.
(رجل)؛ أي: خصلةُ رجلٍ.
* * *
٧٣١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ إليهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ إِمْلَاصِ
стр. 8610
الْمَرْأَةِ -هِيَ الَّتِي يُضْرَبُ بَطْنُهَا فَتُلْقِي جَنِينًا- فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ"، فَقَالَ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجيئَنِي بِالْمَخْرَجِ فِيمَا قُلْتَ.
٧٣١٨ - فَخَرَجْتُ، فَوَجَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَجئْتُ بِهِ، فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "فِيهِ غُرّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ"، تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ.
الثاني:
(محمد) قال الكلاباذي: ابنُ سلام، وابنُ المثنى يرويان عن أبي معاويةَ.
(إمْلاص) هو إلقاءُ الجنين مَيْتًا.
(وهي) إلى آخره: جملة معترضة.
(غُرّة) بضم المعجمة.
(عَبْدٌ أو أمَةٌ) قال الشافعي ﵁: تساوي خمس إبل.
(لا تبرحْ)؛ أي: لا تفارقْ مكانَكَ حتى تجيءَ بشاهدٍ على قولك، وطلبُه ذلك للتأكيد، وإلا فخبرُ الواحد يجبُ العمل به، ثم إنه بإخبارِ آخرَ لا يخرجُ عن خبرِ الواحد.
(تابعه ابنُ أبي الزِّنَاد) وصله الطبراني.
* * *
شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ ".
الثاني:
(اليهود) بالرفع: الذين قبلَنا هم اليهود، ولا ينافي هذا ما سبقَ من أنهم كفارس والروم؛ لأن الروم نصارى، وفي الفرس كان يهود، مع أن ذلك كلَّه على سبيل المثال إذ قال: (كفارس). وسبق الحديث في (كتاب الأنبياء) في (ذكر بني إسرائيل).
* * *
١٥ - باب إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، أَوْ سَنَّ سنَّةً سَيِّئَةً لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآيَةَ .
(باب: إثم من دعا إلى ضلالة)
٧٣٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا"، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: "مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا".
(ابن آدم الأول) هو قابيلُ، سَنَّ القتلَ؛ إذ قتل أخاه هابيلَ، وهو
стр. 8613
أولُ قتيلٍ في العالم.
(كِفْلٌ)، أي: حظٌّ ونصيبٌ.
* * *
١٦ - باب مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَمَا كَانَ بِهَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ
(باب: ما ذكرَ النبيُّ ﷺ وحَضَّ على اتفاقِ أهلِ العلم)
في بعضها: (عليهِ من اتفاق)، وهو تنازع فعلين، وهما: (ذكر)، (حضّ)، والإجماعُ: اتفاقُ المجتهدينَ من أمة محمدٍ ﷺ على أمر من الأمورِ الدينية.
قلت: يُشترط أن يكون بعد وفاته ﷺ ، فخرج بالمجتهدين: العوامُّ، وبعضُ المجتهدين، ولو كانوا في بلد كمكةَ، والمدينة، أو البصرة، أو الكوفة، أو نحو ذلك؛ خلافًا لمالكٍ ﵁ في إجماع أهل المدينة، والخلافُ في ذلك مبسوط في محله من أصول الفقه.
(بها)، أي: بالمدينة؛ لأن ما ذكره في الباب كله متعلق بالمدينة وحدها.
* * *