Полный текст (8 898 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.
стр. 8646
عرفت بالدلائل؛ كما هو الترجمة؛ وكذا الحديثُ الذي قبلَه، ففيه دلالة: على أن المَلَك يتأذَّى مما يتأذى منه بنو آدم، فهو من الترجمة أيضًا.
* * *
٢٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ "
(باب: قولِ النبيِّ ﷺ : لا تسألوا أهلَ الكتابِ)؛ أي: اليهودَ والنصارى.
(عن شيء)؛ أي: مما يتعلق بالشرائع؛ بخلاف الأشياءِ المصدِّقَة لشريعتنا؛ وكذا القصص ونحوها، فهو عامٌّ مخصوص.
٧٣٦١ - وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبَ الأَحْبَارِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ.
الحديث الأول:
(كَعْب الأحبار) هو كَعْبُ بنُ مَاتِعٍ -بالمثناة المكسورة-، والأحْبارُ جمع حَبر -بفتح الحاء وكسرها-: العالم؛ أي: كعب
стр. 8647
العلماء، وكان من علماء أهل الكتاب، وأسلمَ في خلافة أبي بكر، أو عُمر ﵄، وكان من فضلاء التابعين.
(إن كان)، (إن) مخففة من الثقيلة، وجازَ حذفُ اللام.
(الكتاب)؛ أي: التوراة والإنجيل.
(لنبلو عليه الكذبَ)؛ أي: لنمتحن؛ أي: قد يخطئ في بعض أخباره، لا أنه كان كاذبًا، وقد ذكره ابن حِبّانَ في "صحيحه"، وقيل: الهاء في (عليه) عائدة على الكتاب؛ لأن كتبهم قد غُيرت، لا على كعب.
وقال (ع): وعندي: أنه يصحُّ أن يعود على كعبٍ، أو حديثِه، وإن لم يقصد كعبٌ الكذبَ، ولا تعمَّدَه؛ إذ لا يشترط في الكذب عند أهل السُّنَّة التعمدُ؛ بل الإخبارُ بالشيء على خلافِ ما هو عليه، وليس فيه تجريحٌ لكعبٍ بالكذب.
وقال أَبو الفرج: يعني أن الكذب فيما يخبر به عن أهل الكتاب، لا منه؛ فالأخبارُ التي يحكيها عن القوم، ويكون بعضُها كذبًا، وأما كعبُ الأحبار، فمن خيارِ الأحبار.
* * *
٧٣٦٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤُنَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا
стр. 8648
بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ " الآيَةَ.
الثاني:
(بالعبرانية)؛ أي: لغة اليهود، والآية هي قولُه تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]، وسبق في (البقرة).
* * *
٧٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْدَثُ؟ تَقْرَؤُنَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللهِ وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا؟ أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْم عَنْ مَسْئَلَتِهِمْ؟ لَا وَاللهِ، مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْألُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيكُمْ.
الثالث:
(أَحْدَثُ)؛ أي: نزولًا، وإلا، فالقرآن بالمعنى القائم بذاته تعالى قديمٌ.
(مَحْضًا)؛ أي: صِرْفًا خالصًا.
стр. 8649
(لم يُشَب)؛ أي: لم يخلَط؛ لأنه لن يتطرق إليه تحريف ولا تبديل؛ بخلاف التوراة.
(حُدِّثْتُم) ماض مبني للمفعول، وفي بعضها: (حَدَّثكم).
(ما جاءكم) فاعلُ (ينهاكم)، والإسنادُ مجازي.
(من العلم)؛ أي: الكتاب والسُّنَّة.
(لا والله)، (لا) تأكيدٌ للنفي، وفي بعضها: (ألا) بحرف التنبيه، وغرضُه: أنهم -مع أن كتابهم محرَّفٌ- لا يسألونكم، فأنتم بطريق الأولى؛ بل لا يجوز لكم أن تسألوا منهم.
* * *
٢٧ - باب نَهْي النَّبِيِّ ﷺ عنِ التَّحْرِيمِ، إِلّا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا: "أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ "
وَقَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ.
وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَازة، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
(باب: نهي النبي ﷺ على التحريم)
أي: محمولٌ على التحريم حقيقةً فيه، لا ينصرفُ عنه للإباحة أو
стр. 8650
غيرها إلا بقرينة؛ كما في حديث أُمِّ عَطيةَ.
(وكذلك أمرُه)؛ أي: محمولٌ على الوجوب حتى يقومَ صارفٌ يصرِفُه عن حقيقته إلى غير ذلك من المعاني المجازية، وذلك موضَّحٌ في موضعه من أصول الفقه.
(أحلُّوا)؛ أي: من الإحرام.
(أَصيبوا)؛ أي: جامعوهن، فهذا الأمر عُلم أنه للإباحة، فلا يُحمل على الايجاب.
(ولم يعزم)؛ أي: لم يوجبْ عليهمُ الجِماعَ، فالأمرُ للإحلال، أو الإباحة، وسبق شرحُ الحديث مبسوطًا في (الحج).
(وقالت أُمُّ عطية) موصولٌ في (الجنائز).
(نُهِينَا) مبني للمفعول، والناهي النبيُّ ﷺ كما رواه ابنُ شاهين بإسناد صحيح عن أُمّ عطيةَ، قالت: نهانا رسولُ الله ﷺ ؛ وليسَ نهيَ تحريم.
* * *
٧٣٦٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ،
стр. 8651
فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَحِلَّ وَقَالَ: "أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ"، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ: أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِي عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَذْيَ، قَالَ: وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَحَرَّكَهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ للهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، فَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ"، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
الحديث الأول:
(وقال محمدُ بنُ بكرٍ) هو تعليقٌ؛ لأنه مات سنة اثنتين ومئتين.
وسبق بيان وصلِه في (الحج) في (حجة الوداع).
* * *
٧٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ صلَاةِ الْمَغْرِبِ، قَالَ: فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ"، كَرَاهِيةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
الثاني:
(سُنَّة)؛ أي: طريقة شرعية، أعَمُّ من الفرضِ، والنفلِ. وسبق
стр. 8652
في (الصلاة).
قال (ك): هذا آخرُ ما قصد البخاري إيرادَه من مسائل أصول الفقه.
٢٦ - باب كَرَاهِيَةِ الْخِلَافِ
(باب: كراهية الاختلاف)
٧٣٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْرَؤُا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوُبكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ".
الحديث الأول:
(إسحاق) قال الكلاباذي: هو الحَنْظَلِيُّ.
(ائتلفت قلوبُكم)؛ أي: توافقت على القراءة وغيرِها، مرّ في (فضائل القرآن).
* * *
٧٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -
стр. 8653
قَالَ: "اقْرَؤُا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ". وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هَارُونَ الأَعْوَرِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ، عَنْ جُنْدَبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثاني:
(إسحاق) إما ابنُ منصور، أو الحَنْظَلِيُّ.
(وقال يزيدُ بنُ هارونَ) قال (ك): الظاهرُ أنه تعليقٌ، ويحتمل أن البخاريَّ سمع منه، وقال غيره: قال الدارمي في "مسنده": حدثنا أَبو النعمان، ثنا هارون الأعور، وحدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، ثنا همامٌ، جميعًا عن أبي عمرانَ؛ فليحرَّرْ هذا. انتهى.
* * *
٧٣٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -قَالَ: "هَلُمَّ، أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ"، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالاِخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قُومُوا عَنِّي"، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ
стр. 8654
ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.
الثالث:
(من اختلافهم) بيانٌ لـ (ما حال)، وفيه: أنه ﷺ كان يكتب، والأميُّ مَنْ لا يُحسن الكتابة، لا مَنْ يقدر عليها؛ اللهمَّ إلا أن يُقال: يكتب على سبيل الإعجاز، أو المراد: المجاز؛ أي: أمر بالكتابة.
قال (ط): عُمرُ أفقهُ من ابنِ عباسٍ حين اكتفى بالقرآن، ولم يكتفِ ابنُ عباسٍ به، وإنما ساغَ لهم مخالفةُ أمرِه ﷺ ؛ لأنهم فهموا بالقرائن: أن ذلك غيرُ واجبٍ عليهم، وقال: واقرؤوا القرآن، وهلمَّ أكتبْ لكم هو من تتمة مباحثِ الأمرِ الذي لغير الإيجاب.
قال (ك): ولعل ترجمةَ هذا الباب لم تكن عنده؛ أي: عند (ط).
قال (ن): كان ﷺ همَّ بكتاب حين أوحي إليه بذلك، أو كان مصلحةً، ثم تركه حين جاء الوحيُ بخلافه، أو بغير مصلحة، وفيه مباحثُ سبقت في (كتاب العلم).
* * *
٢٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى
стр. 8655
اللَّهِ﴾، فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لأْمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا: أَقِمْ، فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ، وَقَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ"، وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى أَهْلُ الإِفْكِ عَائِشَةَ فَسَمِعَ مِنْهُمَا، حَتَّى نزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ، وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النبِيِّ ﷺ يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ، إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقتُلُوهُ"، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كتَابِ اللهِ .
(باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى﴾ [الشورى: ٣٨])
في بعض النسخ هذا الباب قبلَ باب: (نَهْيُ النبيِّ ﷺ على التحريم).
стр. 8656
(وأن المشاورة) عطفٌ على (قول الله تعالى).
(والتبيين)؛ أي: وضوح المقصود، ووجهُ دلالة الآية: أنه أمرَ أولًا بالمشاورة، ثم رتَّبَ التوكُّلَ على العزم إذ قال: ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
(لِبَشَرٍ)؛ أي: لأحد من الناس.
(وشاورَ النبيُّ ﷺ وصله أحمد، والحاكمُ، والطبراني بتمامه، والنسائي، وابنُ ماجه مختصرًا من حديث ابن عباس، ووصله أحمدُ أيضًا، والدارمي، والنسائي من طريق جابر.
(في المُقام)؛ أي: الإقامة بالمدينة.
(والخروج)؛ أي: للقتال.
(لأْمَتَهُ) بتخفيف الميم والهمز: الدرع.
(أقمْ)؛ أي: لا تخرج إليهم.
(فلم يمل)؛ أي: إلى كلامهم بعد العزم.
(لا ينبغي)؛ أي: إذا عزمَ أن ينصرفَ، كأنه نقض التوكلَ الذي أمر الله تعالى به، ولبسُ اللأمةِ دليلُ العزيمة.
(وشاور عليًّا وأُسامة ﵄) هو طرف من حديث الإفك، وسيأتي في الباب، وسبق مرارًا.
(فجلد الرامين) وصله أحمد، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ.
стр. 8657
(تنازعهم) القياس: تنازعُهما، إلا أن يقال: أقلُّ الجمعِ اثنان، أو المراد: هما ومَنْ معهما ووافَقهما في ذلك.
(ليأخذوا بأسهلها)؛ أي: عند تأدية اجتهادهم إلى الأسهل، وعند عدم وضوح الكتاب والسُّنَّة فيه.
(ورأى أَبو بكر ﵁) موصول في (الزكاة) وغيرها.
(بَعْدُ)؛ أي: بعد أن كان مخالفة؛ وهو مبني على الضم.
(عُمر) فاعلُ وافقَ، وحكمُه ﷺ في المارقين المبدِّلين القتلُ؛ لحديث: "مَنْ بَدَّلَ"، و"إِلَّا بِحَقِّهَا" دليل عليه -أيضًا-، وقتالهُم ليس قتالَ كفار، إلا أن يجحدوا، لكنهم كانوا متأَوِّلين بأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وصلاةُ أبي بكر ﵁ ليستْ سكنًا.
(قال النبي ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دينَه، فاقتُلوه) موصول في (الجهاد) من حديث ابن عباس.
(القُرّاء) كان اصطلاحُ الصدر الأول أنهم العلماءُ.
(شبابًا) بموحدتين، وفي بعضها بموحدة ونون، والمراد: أنه كان يعتبر العلم، لا السِّنّ، وهو موصول في (تفسير سورة الأعراف).
* * *
٧٣٦٩ - حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ،
стр. 8658
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ: قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زيدٍ، حِينَ استَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا، وَهْوَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَقَالَ: "هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ "، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فتَأْكُلُهُ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُني مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا"، فَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ، وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ هِشَامٍ.
الحديث الأول:
(ودعا) عطفٌ على مقدَّر؛ أي: قالت: عملَ رسولُ الله ﷺ كذا، ودعا.
(يسألهما)؛ أي: عن المصلحة في القضية.
(أهله)؛ أي: عائشة ﵂.
(كثير) لم يقل: كثيرة، ولا كثيرات؛ لأن فضلًا يستوي فيه المذكَّر، والمؤنث، والمفردُ وغيرُه.
(الجارية)؛ أي: جارية عائشة ﵂، وهي بَرِيرَةُ.
(يريبك) بفتح أوله وضمه؛ أي: يوقعك في التهمة.
(الداجن)، أي: الشاة التي ألفتِ البيتَ، ولا يقال: داجنةٌ؛ أي:
стр. 8659
لا عيبَ فيها إلا نومُها عن العجينِ حتى يتلفَ.
(من يعذرني)؛ أي: يقومُ بعذري، والعذيرُ: الناصر.
(من رجل) هو ابنُ سَلُولَ.
(وقال أبو أُسامة) موصولٌ في (التفسير).
* * *
٧٣٧٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي؟ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ"، وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالأَمْرِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي، فَأَذِنَ لَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نتَكَلَّمَ بِهَذَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
الثاني: هو حديثُ الإفك -أيضًا-.
(بالأمر)؛ أي بكلام أهل الإفك وشأنهم.
(رجل من الأنصار) هو أبو أيوبَ خالدٌ الأنصاريُّ، رواه الحاكمُ في "الإكليل"، وغيره من طريق الواقدي، والطبراني في "مسند الشاميين"، والآجريُّ في طريق حديث أهل الإفك عن الزُّهْرِي، عن
стр. 8660
عروةَ، عن عائشةَ، وروي -أيضًا- عن أُبَيِّ بنِ كعب: أنه قالَ ذلكَ لامرأته، رواه الحاكم -أيضًا-، وعن ابن بَشْكُوال.
* * *
стр. 8661
٩٨ - كِتابُ التَّوْحِيدِ
стр. 8662
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٨ - كِتابُ التَّوْحِيدِ
(كِتابُ التَّوْحِيدِ، والرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّة وغَيْرِهِم)
في بعضها: (وردّ الجهميّة) بالإضافة إلى المفعول، والجَهْمِيَّةُ نسبةٌ إلى جَهْم -بفتح الجيم وسكون الهاء- بنِ صفوانَ، وقد قتل بِمَرْوَ في زمان هشامِ بنِ عبدِ الملكِ، وهو مقدَّمُ الطائفةِ القائلةِ بأن لا قدرةَ للعبد أصلًا، وهم الجبريّةُ.
١ - باب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ ﵎
(باب: ما جاء في دعاء النبي ﷺ أُمته إلى توحيد الله ﵎
التوحيد: هو توحيدُ الله ، وهو تعالى وإن كان واحدًا أزلًا وأبدًا قبل وجود الموحدين وبعدَهم؛ لكن المرادَ بتوحيده: إثباتُ أنه واحدٌ بالدليل، أو نسبتُه إلى أنه واحد؛ نحو: فَسّقتُ زيدًا؛ أي: نسبتُه إلى الفسق، وهذا من البخاري؛ أي: شروعه في مسائل أصول
стр. 8663
الكلام، وما يتعلق به، وختم كتابه به بعد فراغه من مسائل أصول الفقه، وإن كان المناسب في الوضع تقديمه على سائر ما في "الجامع"، ثم مسائل أصول الفقه، ثم الأحكام العمليات؛ إما أن ذلك للترقي إرادةً لختم الكتاب بالأشرف، وختامُه مسكٌ، وقدّم في هذا التوحيد، وهو أصلُ الأصول، وهو معنى كلمة الشهادة التي هي شعار الإسلام.
قال (ك): قالوا: صفاتُ الله تعالى إما عدميةٌ؛ أي: نفي النقائص، أو وجوديةٌ؛ أي: إثباتُ الكمالات، وتسمى الأولى: صفات الجلال، والثانية: صفات الإكرام ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقدّم العدمية؛ لأن مقتضى العقل أن ينفي النقصان، ثم يثبت الكمال؛ كما يقال: تقدَّم التخليةُ على التحلية، فأشرفُ الجلاليات، وهي التنزيهات: نفي الشريك، وهو التوحيد، فلذلك قدَّمه، فهو أولُ الواجبات، وآخرُ ما تنحل إليه المقاصدُ.
والوجوديات سبعة: الحياة، والإرادة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، وما سواها من صفات الرحمة، والخلق، وغيرِها كلُّها راجعة إليها.
وختم البخاريُّ بصفة الكلام؛ لأنه مدارُ الوحي، وبه تثبتُ الشرائع، ولهذا افتتح الكتابَ ببدء الوحي، فالانتهاءُ إلى ما منه الابتداء، وختمُه بباب الميزان ليس مقصودًا لذاته؛ بل لإرادة أن يكون آخرُ كلامه تسبيحًا وتحميدًا؛ كما أنه بدأ بالنية؛ لبيان إخلاصِه فيه،
стр. 8664
ففيه ما كان البخاري ﵀ عليه في حالتيه أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا.
* * *
٧٣٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِي، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ.
الحديث الأول:
(نحو)؛ أي: جهة.
(تقدَّم) بفتح الدال.
(أن يوحِّدوا) اسمُ (كان)، و (أول) خبره، وفي بعضها: (إلى أن يوحدوا)، ووجهُه: أن يكون (أولُ) مبنيًّا على الضم، و (ما) مصدرية؛ أي: ليكن أول الأشياء دعوتهم إلى التوحيد.
(أقَرُّوا)؛ أي: صدّقوا وآمنوا به، وسبق الحديث أول (الزكاة).
* * *
٧٣٧٢ - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِي: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى
стр. 8665
قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ".
٧٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ " قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟ " قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ".
الثاني:
سبق مرارًا، وأن المراد بحق العباد على الله، مع أنه تعالى لا يجب عليه شيء؛ إما لأنّ الحق بمعنى الثابت، أو الوجوب الشرعي بإخباره، أو كالواجب في تحقيق وقوعه، أو للمشاكلة لمقابله.
* * *
٧٣٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ
стр. 8666
الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لتعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ".
٧٣٧٤ / -م - زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثالث:
(فكان الرجل) بتشديد النون، أو أنه فعلٌ ماضٍ من الكون.
(زاد إسماعيل) سبق بيانُه في (باب فضائل القرآن).
* * *
٧٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ: أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ زَوْج النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِ فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "سَلُوهُ: لأَيِّ شَيءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ "، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيَّ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ".
стр. 8667
الرابع:
(محمد) قال الكلاباذي: أحسبه ابنَ يحيى الذُّهْلي.
قال الغساني: لفظُ: (محمدٍ) ساقطٌ من بعض النسخ.
قال (ك): وهو صحيح؛ لأن أحمدَ بنَ صالحٍ شيخَ البخاري يروي عنه كثيرًا بلا واسطة، ويحتمل ثبوتُ محمدٍ أن يكون من كلام الفِرَبْرِي يريد بمحمد: البخاريَّ نفسَه.
(حَجْر) بفتح الحاء وكسرها.
(على سَرِيَّة)؛ أي: أميرًا عليهم؛ سبق الحديث في (الصلاة) في (باب الجمع بين السورتين).
* * *
٢ - باب قَوْل الله ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
(باب: قول الله : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ [الإسراء: ١١٠])
٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زيْدِ بْنِ وَهْبٍ، وَأَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ".
стр. 8668
الحديث الأول:
(محمد) إما ابنُ سلام، أو ابنُ المثنى، ومعنى الحديث ظاهرٌ.
* * *
٧٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ يَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ : "ارْجِعْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ"، فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ: أَنَّهَا أَقْسَمَتْ لتأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ، جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".
الثاني:
(إلى ابنها) سبق في (كتاب المرضى): أنها قالت: إن ابنتي، وأن (ط) قال: إن هذا الحديث لم يضبطه الراوي، وإنه يجاب عما قاله باحتمال أنهما قصتان، وسبق شرحُ الحديث أيضًا.
(ما هذا)؛ أي: مخالفة ما عهد منك من الصبر، فأجاب ﷺ بأنه
стр. 8669
أثرُ رحمةٍ جعلَها الله تعالى في قلوبِ عبادِه الرحماء، لا جزعٌ، وقلةُ صبر، وربما لم يوجد في بعض النسخ: (ما هذا)، فيكون مقدَّرًا، والرحمةُ من الله تعالى: إرادةُ إيصالِ الخير، ومن العبد: رقةُ القلب المستلزمة لإرادته، والغرضُ من الباب: إثباتُ صفة الرحمة، وعُلم من تعريف الرحمة بأنها راجعة إلى صفة الإرادة.
* * *
٣ - باب قَوْلِ اللهِ تعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
(باب: قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨])
في بعضها: (إني أنا الرزاق)؛ قال بعضهم: هي قراءةُ ابنِ مسعود.
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيرْزُقُهُمْ".
(عن أبي حمزة) بمهملة وزاي؛ أي: محمد.
(أصبر) معنى الصبر في الأصل، وهو حبسُ النفس على المكروه،
стр. 8670
محالٌ على الله تعالى؛ فالمراد: لازمُه، وهو تركُ المعاجلة بالعقوبة، وهو تعالى، وإن كان منزهًا عن لحوق الأذى به؛ فالمرادُ: لحوقُ الأذى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو في إثبات ولدٍ له تعالى تكذيبٌ للنبي ﷺ ، وإنكارٌ لمقالته.
(من الله) صلة لقوله: (أصبر)، ووقوعُ الفصل بينهما بغير أجنبي جائزٌ.
(يدعون)؛ أي: ينسبون.
(ثم يعافيهم، ويرزقهم)؛ أي: ثم هو -بعد ذلك - يدفعُ عنهم المكروهاتِ والبلياتِ، ويرزقُهم الأقواتَ وغيرَها مقابلةً للسيئاتِ بالحسنات، والجمهورُ على أن تفسير الرزق بما ينتفع العبدُ به غذاءً أو غيرَه حلالًا أو حرامًا، وقيل: هو الغذاء، وقيل: الحلال، وغرضُه: إثبات الرازقية له تعالى، وهي راجعةٌ للقدرة؛ لأن المعنى: أنه خالقٌ للرزق، منعمٌ على العبد به، والقدرةُ، وإن كانت قديمة، فالمرادُ بالرزق الحادث: تعلُّقها به، فلا يلزم من ذلك تغيرٌ لما كان في القدم، ولا أنه تعالى محلٌّ للحوادث؛ لأن التغير في التعلق والمعنى: أنه لم تكن القدرةُ متعلقةً لإعطاء الرزق، ثم تعلقت، وهذا منشأ الاختلاف في أنه صفة ذاتية، أو صفة فعلية، فمن نظر إلى نفس القدرة؛ قال: ذاتية، وهي قديمة، ومن نظر إلى تعلقها؛ قال: فعليّة، فهي حادثة، واستحالة الحدوث إنما هو في الصفات الذاتية، لا في الفعليات والإضافيات.
* * *
стр. 8671
٤ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ , وَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، وَ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وَ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾، ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
قَالَ يَحْيَى: الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْء عِلْمًا، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
(باب: قول الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الجن: ٢٦])
قوله: (قال يحيى) قيل: هو ابنُ زيادِ بنِ عبدِ الله بنِ منصورٍ الذُّهْلي، وهو الذي نقل عنه البخاريُّ في كتابه "معاني القرآن".
(على كل شيء) في بعضها: (بكل شيء)؛ أي: العالم بظواهرِ الأشياء وبواطنِها، وقيل: المرادُ: الظاهرُ بدلائله، الباطنُ بذاته عن الحواس؛ أي: الظاهر عند العقل، الباطن عند الحسّ، وهو تفسير لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣].
* * *
٧٣٧٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ: لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا
стр. 8672
اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللهُ".
(مفاتيح) استعارةٌ إما بالكناية، أو بالتصريح. وسبق شرحُه في أواخر (الاستسقاء).
(تغيض) من غاض الماء: إذا نقص، وهو لازمٌ ومتعدٍّ، والغيضُ: السقط الذي لم يتم خَلْقُهُ.
(تدري) فسرت الدراية بأنها علمٌ بتكلُّف، فكيف يوصَف به الله تعالى، ويُجعل مستثنىً في ذلك؟ وجوابُه: أن المراد بها هنا: العلمُ المطلَقُ.
* * *
٧٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: ﴿لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا الله﴾.
الثاني:
(رأى ربه)، أي: ليلة المعراج، وإنكارُ عائشة له باجتهادها، ومباحثُ ذلك كثيرة.
стр. 8673
(وهو يقول: لا يعلم الغيبَ إلا الله) التلاوة إنما هي: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فإما الضمير في: (وهو) عائد إلى النبي ﷺ ، وإما أن المراد: ذكرُ المقصود من الآية، لا نقلُها، ولا قراءتها، والغرضُ من الباب: إثباتُ صفة العلم؛ ردًّا على المعتزلة في قولهم: عالمٌ بلا علم، على أن العبريّ قال: إن كتبهم شاهدةٌ بتعليل عالمية الله تعالى بالعلم كما يقول أهلُ السُنّة؛ لكن ذلك العلم المعلل به هو عينُ الذات كما تقوله المعتزلة، أو لا، كما يقوله أهل السُنّة.
* * *
٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾
(باب: قول الله تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣])
السلام: هو المنزَّهُ عن النقائص، المبرَّأُ عن العيوب، فهو صفة عدمية، أو المسلِّمُ على عباده؛ كما في: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، فهو صفة كلامية.
وقال (خ): الذي سلمَ الخلقُ من ظلمه، وقيل: أي: منه السلامةُ لعباده، فهو صفة فعلية. سبقت مباحث الحديث في (الصلاة).
٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ،
стр. 8674
حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، أَيُّهَا النَّبِيُّ! وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
* * *
٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب: قول الله : ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢])
قوله: (فيه ابنُ عُمر) سيأتي موصولًا قريبًا.
* * *
٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ ".
стр. 8675
وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبي سَلَمَةَ.
(بيمينه) من المتشابه، فيه طريقتا التفويض والتأويل؛ أي: بقدرته، أو نحو ذلك، وصفة الملك راجعةٌ إلى القدرة، فهو صفة ذاتية؛ لكن باعتبار التعلُّق تصير فعلية.
(وقال شعبة) يأتي قريبًا.
(والزُّبَيْدِي) وصله ابنُ خزيمةَ.
(وابن مُسَافِرٍ) موصول في (التفسير).
* * *
٧ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ , وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ
وَقَالَ أَنسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ، قَطْ، وَعِزَّتِكَ".
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -
стр. 8676
قَالَ: "قَالَ اللهُ : لَكَ ذَلِكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ".
وَقَالَ أَيُّوبُ: وَعِزَّتِكَ، لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكتِكَ.
(باب: قول الله : ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤])
قوله: (بعزة الله) سبق في (كتاب اليمين).
(وسلطانه) في بعضها: (وصفاته).
(وقال أنس) موصولٌ في (كتاب اليمين).
(قط) بفتح القاف وكسرها وسكون الطاء بالتنوين؛ أي: حسبُ، سبق في (سورة ق).
(رجل) يروى أن اسمه جُهينة -بالجيم والنون-، وهذا وإن لم يكن قولُه حجةً؛ لكن حكايته ﷺ وتقريرَه هو الحجة.
(قال أبو سعيد) هو من تتمة حديث أبي هريرة؛ أي: إنه تعالى يعطيه أمانيه، ويقول له: ولك عشرةُ أمثاله. وسبق الحديثُ قريبًا قُبيل (كتاب القدر).
(وقال أيوب) موصولٌ في (كتاب الغسل) بطوله.
* * *
٧٣٨٣ - حَدَّثَنَا أبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِعِزَّتك الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ،
стр. 8677
الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ".
الحديث الأول:
(الذي لا يموت) بلفظ الغائب، وفي بعضها بالخِطاب، واستغنى عن ذكر عائد الموصول؛ لأن نفسَ المخاطب هو المرجوعُ إليه، فالارتباطُ حاصلٌ، وكذا في المتكلم؛ نحو:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
ولم يذكر في الحديثِ الملائكةَ، فيفهم منه: أنهم لا يموتون؛ لكنه مفهومُ لقبٍ لا يُعتبر.
* * *
٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُلْقَى فِي النَّارِ".
وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ.
وَعَنْ مُعْتَمِرٍ، سَمِعْتُ أَبي، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا اِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ، قَدْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ".
стр. 8678
الثاني:
الفرقُ بين طرقه التي أوردها فيه: أن الأول بالتحديث، والثاني بالقول، والثالث بالتعليق عن غير شيخه.
(تقول)؛ أي: إما حقيقة بأن يخلق الله تعالى فيها القول، وإما مجازًا عن حالها.
(قَدَمه) من المتشابه، فمن تأوَّلَ قال: المراد به: المتقدم؛ أي: يضع الله تعالى فيها مَنْ قَدَّمَهُ لها من أهل العذاب، أو ثم مخلوقٌ يقال له: القدم، أو أريد بالقدم: الزجرُ عليها، والتسكين لها؛ كما تقول لشيء تريد محوَه، وإبطالَه: جعلتُ هذا تحت قدمي.
(قد) هو اسمٌ مرادف لقَطْ؛ أي: حَسْب، ورُوي بسكون الدال، وبكسرها.
(تفضُل) بضم الضاد؛ أي: عن الداخلين، ويروى: (بفضل)، بالموحدة والتنوين.
(ينشئ)؛ أي: يخلُق خلقًا، فيُسكنهم الموضعَ الذي فضل منها.
(فضل الجنة) في بعضها: (أفضل) بصيغة أفعل التفضيل، قيل: هو وهمٌ، وقيل: مثل: الناقص والأشجُّ أعدلا بني مروان، أي: عادلاهم، وكذا:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأَوْجَلُ
стр. 8679
وفيه: أن دخول الجنة ليس بالعمل، وسبق في (سورة ق)، والغرض من الباب: إثباتُ صفة العزة.
قال (خ): هي الغَلَبة؛ أي: المنيعُ الذي لا يصير مغلوبًا، وقد يكون بمعنى نفاسة القَدْر، وبمعنى القوة.
وقال المهلب: هي صفةُ ذاتٍ بمعنى: القدرة، وصفةُ فعلٍ بمعنى: القهر لمخلوقاته.
قال (ك): وهي -أيضًا- راجعةٌ إليها، وقيل: بمعنى المعزّ، فهو صفةٌ فعليةٌ، وقيل: هي العلم المحيط، والقدرةُ العامةُ، والإرادةُ، فهي صفةٌ مركبةٌ، لا بسيطةٌ.
* * *
٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
(باب: قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣])
أي: مُتَلَبِّسًا بالحق، لا بالباطلِ والعبث، وقيل: بحقِّ الخلقِ كما ينبغي، وقيل: أن يقول: كن فيكون.
٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ
стр. 8680
سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: "اللَّهُمَّ! لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَبقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ! لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ"، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا، وَقَالَ: "أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ".
الحديث الأول:
(من الليل)؛ أي: في الليل، ومن قيام الليل، وسبق في (التهجد)، ولفظُه هناك: (وإذا قامَ من الليل).
(رَبُّ) بمعنى: السيد، والمصلِح، والملِك.
(قَيِّمُ)؛ أي: مدبِّرُ، ومقوِّمُ.
(نُورُ) أي: المُنَوِّر؛ أي: خالقُه، وهي صفةٌ فعلية.
(وَوَعْدُك) عطفٌ على (قولُك) من عطف الخاصِّ على العامِّ.
(الحَقُّ)؛ أي: الثابتُ، أو الصدقُ.
(ولقاؤك)؛ أي: البعثُ.
(أَنَبْتُ)؛ أي: رجعتُ إلى عبادتك، أو فَوَّضْتُ إليك.
стр. 8681
(وبك)؛ أي: ببراهينك التي أعطيتني.
(خاصمتْ)؛ أي: جادلتُ الأعداءَ.
(حاكمتُ)؛ أي: مَنْ جحدَ الحقَّ، حاكمتُه إليك؛ أي: جعلتُك الحاكمَ بيني وبينه، لا غيرك مما يتحاكم إليه الجاهلية من صنمٍ ونحوِه.
(فاغفر لي) تعليمٌ للأُمة، وسبق فيه فوائدُ كثيرة هناك.
الثاني: تفاوت مع ما قبله في قوله: فأنتَ الحقَّ، قبل (وقولُك الحق)؛ أي: الثابتُ المتحقق الوجود على الإطلاق أزلًا وأبدًا.
* * *
٩ - باب قَولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
(باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤])
٧٣٨٥ / -م - وَقَالَ الأَعْمَشُ: عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾.
قوله: (وقال الأعمش) وصله أحمدُ في "مسنده"، وابن مندَهْ في "التوحيد".
стр. 8682
(وَسِعَ)؛ أي: أدرك؛ لأن السعةَ والضيقَ من صفات الأجسام، وهو منزَّهٌ عنها، وفيه: ردٌّ على المعتزلة في قولهم: سميعٌ بلا سمع، وعلى من قال: معنى السميع أيضًا: العالم بالمسموعات، وإثبات السمع له تعالى على معنى علمه بذلك؛ لأن السمع الذي هو وصولُ الهواء المتموِّجِ إلى العَصَب المفروش في مقعر الصماخ محالٌ عليه تعالى، على أن تعريفَه بذلك مردودٌ؛ لأنه إنما هو حالةٌ يخلقها الله تعالى في الحيِّ، وجرت عادتُه تعالى بأنه لا يخلُقها إلا بواسطة ما ذكر، وأما في العقل، فلا ملازمة بينهما، فلا يحتاج في سماع المخلوق إلى ما ذُكر؛ كما سبق نظيره في البصر: أنه يرى بدون مواجهة، ومقابلة، وخروجِ شعاعٍ ونحوِه مما جرت به العادةُ.
(فأنزل الله) كذا وقع ناقصًا، وتمامه في "مسند البزار" وغيره: قالت عائشة: الحمدُ لله الذي وسع سمعهُ الأصوات، جاءت خَوْلَةُ تشتكي زوجَها إلى النبيِّ ﷺ ، فخفيَ عليَّ أحيانًا بعضُ ما تقول؛ فأنزل الله ، وذكر الآية.
* * *
٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: "ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا"، ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا
стр. 8683
أقولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ! قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ"، أَوْ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ بِهِ".
الحديث الأول:
(ارْبَعُوا) بفتح الموحدة، وإهمال العين: ارفقوا، ولا تبالغوا في الجهر.
(أصم) في بعضها: (أصمًّا)، ولعله لمناسبة (غائبًا)، وإنما لم يقل: ولا أعمى؛ حتى يناسب (أصم)؛ لأن الغائب أعم؛ لأن الأعمى غائب عن الإحساس بالبصر، فنفى لازمه ليكون أبلغ وأعم.
(قريبًا) ذكره بعدَ سميع بصير؛ إذ رُبَّ سامع ومبصرٍ؛ لكن لبعدِه عن المحسوس لم يسمع ولم يبصر، فأثبت القربَ لوجود المقتضي وعدم المانع، ولم يرد بالقربِ قربَ المسافة؛ لأنه تعالى منزه عن الحلول في المكان؛ بل القربُ بمعنى العلم، أو هو مذكور على سبيل الاستعارة.
(كنز)؛ أي: كالكنز في نفاسته.
(أو) شكٌّ من الراوي. وسبق الحديث في (غزوة خيبر).
* * *
٧٣٨٧ - و ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ،
стр. 8684
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، سَمعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ! عَلِّمْنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ! إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
الثاني:
(مغفرة)؛ أي: عظيمة.
(من عندِك) للتعظيم -أيضًا-؛ لأن عظمةَ المعطي تستلزمُ عظمةَ العطاء. سبق في (الصلاة)، ووجهُ تعلقه بالترجمة: أن بعض الذنوب مسموعٌ، وبعضها مبصَرٌ، فلا يمكن مغفرتُه إلا بعد السماعِ والإبصار، وقيل: موضع الترجمة: عَلِّمْني دعاء؛ لأنه يقتضي اعتقادَ كونِه سميعًا لدعائه.
قال (ش): وما أحسن جمعَه في هذا بينَ قولِ عائشةَ وقولِ أبيها ﵄!
* * *
٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِي قَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ".
стр. 8685
الثالث:
(وما ردوا)؛ أي: جوابهم لك، وردهم الدِّين عليك، وعدم قبولهم الإسلام، وإنما ناداه بعد رجوعه من الطائف، ويأسه من أهله، ومقصودُ الباب: إثباتُ صفتي السمع والبصر، وهما من الصفات الذاتية من الصفات السبع الوجودية، وهما: صفة غير العلم، وعند حدوث المسموع والمبصَر يحصل التعلق.
* * *
١٠ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾
(باب: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥])
٧٣٩٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّلَمِيُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: "إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ،
следующие страницы →