(وبك)؛ أي: ببراهينك التي أعطيتني.
(خاصمتْ)؛ أي: جادلتُ الأعداءَ.
(حاكمتُ)؛ أي: مَنْ جحدَ الحقَّ، حاكمتُه إليك؛ أي: جعلتُك الحاكمَ بيني وبينه، لا غيرك مما يتحاكم إليه الجاهلية من صنمٍ ونحوِه.
(فاغفر لي) تعليمٌ للأُمة، وسبق فيه فوائدُ كثيرة هناك.
الثاني: تفاوت مع ما قبله في قوله: فأنتَ الحقَّ، قبل (وقولُك الحق)؛ أي: الثابتُ المتحقق الوجود على الإطلاق أزلًا وأبدًا.
* * *
٩ - باب قَولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
(باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤])
٧٣٨٥ / -م - وَقَالَ الأَعْمَشُ: عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾.
قوله: (وقال الأعمش) وصله أحمدُ في "مسنده"، وابن مندَهْ في "التوحيد".
стр. 8682
(وَسِعَ)؛ أي: أدرك؛ لأن السعةَ والضيقَ من صفات الأجسام، وهو منزَّهٌ عنها، وفيه: ردٌّ على المعتزلة في قولهم: سميعٌ بلا سمع، وعلى من قال: معنى السميع أيضًا: العالم بالمسموعات، وإثبات السمع له تعالى على معنى علمه بذلك؛ لأن السمع الذي هو وصولُ الهواء المتموِّجِ إلى العَصَب المفروش في مقعر الصماخ محالٌ عليه تعالى، على أن تعريفَه بذلك مردودٌ؛ لأنه إنما هو حالةٌ يخلقها الله تعالى في الحيِّ، وجرت عادتُه تعالى بأنه لا يخلُقها إلا بواسطة ما ذكر، وأما في العقل، فلا ملازمة بينهما، فلا يحتاج في سماع المخلوق إلى ما ذُكر؛ كما سبق نظيره في البصر: أنه يرى بدون مواجهة، ومقابلة، وخروجِ شعاعٍ ونحوِه مما جرت به العادةُ.
(فأنزل الله) كذا وقع ناقصًا، وتمامه في "مسند البزار" وغيره: قالت عائشة: الحمدُ لله الذي وسع سمعهُ الأصوات، جاءت خَوْلَةُ تشتكي زوجَها إلى النبيِّ ﷺ ، فخفيَ عليَّ أحيانًا بعضُ ما تقول؛ فأنزل الله ، وذكر الآية.
* * *
٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: "ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا"، ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا
стр. 8683
أقولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ! قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ"، أَوْ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ بِهِ".
الحديث الأول:
(ارْبَعُوا) بفتح الموحدة، وإهمال العين: ارفقوا، ولا تبالغوا في الجهر.
(أصم) في بعضها: (أصمًّا)، ولعله لمناسبة (غائبًا)، وإنما لم يقل: ولا أعمى؛ حتى يناسب (أصم)؛ لأن الغائب أعم؛ لأن الأعمى غائب عن الإحساس بالبصر، فنفى لازمه ليكون أبلغ وأعم.
(قريبًا) ذكره بعدَ سميع بصير؛ إذ رُبَّ سامع ومبصرٍ؛ لكن لبعدِه عن المحسوس لم يسمع ولم يبصر، فأثبت القربَ لوجود المقتضي وعدم المانع، ولم يرد بالقربِ قربَ المسافة؛ لأنه تعالى منزه عن الحلول في المكان؛ بل القربُ بمعنى العلم، أو هو مذكور على سبيل الاستعارة.
(كنز)؛ أي: كالكنز في نفاسته.
(أو) شكٌّ من الراوي. وسبق الحديث في (غزوة خيبر).
* * *
٧٣٨٧ - و ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ،
١١ - باب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾
(باب: مقلِّب القلوب)
٧٣٩١ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: "لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ".
(يحلف)؛ أي: به، فيقول: (ومقلِّب القلوب)؛ أي: مقلِّبِ الخواطر، وناقضِ العزائم؛ فإن قلوبَ العباد تحت قدرته، يقلِّبها كيف يشاء؛ فإن قيل: لِمَ لا يجعل على حقيقته؛ بأن يكون معناه: يا جاعلَ القلبِ قلبًا؟ قيل: لأن استعماله يَنْبُو عنه، وفيه: أن أغراضَ القلب؛ كالإرادة، ونحوها، بخلق الله تعالى، وهذا من الصفات الفعلية، ومرجعُه إلى القدرة، وقيل: سمي القلبُ به؛ لكثرة تقلُّبه من حال إلى حال:
وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِنَسيِهِ ... وَلَا القَلْبُ إِلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّب
* * *
стр. 8688
١٢ - باب إِنَّ للهِ مِائَةَ اسْمٍ إلَّا وَاحِدًا
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾: العَظَمَةِ، ﴿الْبَرُّ﴾: اللَّطِيفُ.
(باب: إن لله تعالى مئةَ اسمٍ إلا واحدًا)
في بعضها: (إلا واحدةً)، وكأنه باعتبار الكلمة، أو التاء للمبالغة في الوحدة؛ كرجل عَلَّامةٍ، وراويَةٍ.
* * *
٧٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: حَفِظْنَاهُ.
(تسعة وتسعين)؛ لأن الوترَ أفضلُ من الشفع "إن اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ"، ومنتهى الإفراد من غير تكرار تسعةٌ وتسعون؛ لأن مئة وواحدًا يتكرر فيه الواحد، وقوله: (مئة إلا واحدة) إما للتوكيد، ودفع التصحيف، أو الوصف بالعدد الكامل في أول الأمر، وقيل: الكمالُ من العدد في المئة؛ لأن الألوفَ ابتداءُ آحادٍ أُخرى، يدلُّ عليه عشرات الألوف ومئاتُها، وقد استأثر الله تعالى بواحدٍ من المئة، وهو الاسمُ
стр. 8689
الأعظم، لم يُطلع عليه عبادَه، كأنه قال: مئة اسم؛ لكن واحدٌ منها يكون عند الله، ويحتمل أن يقال: إن الله هو المستثنى -يعني: له مئة-، فبعد الاسمِ الأعظمِ الذي هو اللهُ له مئةٌ إلا واحدًا.
واعلمْ أن هذا العدد إن اعتبرتَ فيه الأسماء بالنسبة إلى الذات، والصفات الحقيقية، فلا تنتهي إلى ذلك، أو إلى غير ذلك، فلا حصرَ له؛ لكن المراد: أن هذه أسماءٌ معينةٌ رُتِّبَ عليها ثوابٌ معين؛ لا أنها كلُّ أسمائه الحسنى، أو يقال: إن معاني الكلِّ راجعة إليها.
(أحصاها)؛ أي: حفظَها، وعرفَها؛ لأن العارفَ بها لا يكون إلا مؤمنًا، والمؤمنُ يدخل الجنة لا محالةَ، أو عَدّدها معتقدًا، أو أطاقَ القيامَ بحقها، والعملَ بمقتضاها، والأُولى أَولى للرواية التي ذكرت في (كتاب الدعوات)، وهي: (مَنْ حَفِظَهَا).
(دخل الجنة) دخولُها، وإن كان عامًّا لكلِّ من قال: لا إله إلا الله، إلا أن المراد هنا: أن هذا عامةُ ما ينتهي إليه علمُ العلماء من معرفته تعالى؛ أي: فمن أحصاها بلغَ الغاية، فلم يبقَ في علمه مطلبٌ يحول بينه وبين الجنة؛ مر في (كتاب الشروط)، والغرضُ من الباب: إثباتُ الأسماء لله تعالى، وقد اختُلف في أن الاسمَ نفسُ المسمى، أو غيرُه؛ والأصحُّ: لا هو، ولا غيره.
* * *
стр. 8690
١٣ - باب السُّؤَالِ بأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَالاِسْتِعَاذَةِ بِهَا
(باب: السؤال بأسماء الله تعالى، والاستعاذة بها)
٧٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ، فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ، رَبِّ! وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ".
تَابَعَهُ يَحْيَى، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أبي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَزَادَ زُهَيْرٌ، وَأَبَو ضَمْرَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، والدَّرَاوَرْدِيُّ، وأُسامَةُ بنُ حَفْصٍ.
الحديث الأول:
(بِصَنِفَة) بفتح المهملة وكسر النون وبالفاء.
قال الجوهري: وهو جانبُه الذي لا هُدْبَ فيه؛ أي: ينفض فِراشَه قبل أن يدخُل فيه؛ حذرًا من دخول حيةٍ أو عقرب وهو لا يشعر، ويدُه مستورةٌ بحاشية الثوب؛ لئلا يحصُل في يده مكروه إن
стр. 8691
كان هناك شيء.
(إن أمسكت) إلى آخره، وجهُ تخصيص الرحمة بالإمساك: أنه كنايةٌ عن الموت، فالرحمةُ تناسبه، والحفظ بالإرسال: أنه كناية عن البقاء؛ فالحفظُ مناسبٌ له.
(تابعه يحيى) هذا، وما ذكره بعده، تقدَّمَ وصلُه في (الدعوات)، وحاصله: أن سعيدًا روى في الطريقة الأولى، والثالثة، والرابعة عن أبي هريرة بدون واسطة، وفي طريقة عن أبيه أبي كَيْسان بواسطة الأب.
* * *
٧٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: "اللَّهُمَّ! بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ"، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ".
٧٣٩٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: "بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا"، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإلَيْهِ النُّشُورُ".
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيَّ ﷺ : "لَا تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ".
التاسع:
(بآبائكم) سبقَ أنه لا يعارضه نحو: "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ"؛ لأنه ليس حلفًا، بل جرى على اللسان عَمودًا للكلام، وحكمةُ النهي عن الحلف بغير الله تعالى: أنه يقتضي تعظيمَ المحلوفِ به، وحقيقة العظمة مختصةٌ بالله تعالى، سبق في (باب اليمين).
قال (ط): غرضُه من هذا الباب: أن يُثبت أن الاسمَ هو المسمَّى، وموضعُ الدلالة عليه: أنه قال: باسمكَ وضعتُ، وبكَ أرفعُه، ذكر الاسمَ مرة، ولم يذكره أُخرى، فدلَّ أن معناهما واحد، وأيضًا: لو كان اسمه غيره، لكان معناه: بغيرك وضعتُ، وبغيركَ أحيا وأموتُ، وهلم جَرًّا؛ فإن قيل: فإذا كان اسم الله هو هو، فما معنى: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا"، ونحو ذلك، إذ لا تكون الذات تسعة وتسعين شيئًا؟ قلنا: المراد: التسمية.
قال (ك): الحقُّ أنه لا هو، ولا غيره، وقد تقدم.
* * *
١٤ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللهِ
وَقَالَ خُبَيْبٌ: وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ، فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى.
(اجتمعوا)؛ أي: إخوتُها لقتلِه قصاصًا.
(فاستعار) الفاء زائدة، فقد أجاز زيادتها بعضُ النحاة، أو تقديره: استعار، فاستعار، والمذكور مفسِّرٌ للمحذوف، وسبق بطوله في (الجهاد) في (باب هل يستأسر الرجل؟)، وهناك: (استعار) بلا فاء.
(ولَسْتُ أُبَالِي) في بعضها: (ما أُبالي)، وليسَ موزونًا إلا بإضافة شيء إليه؛ نحو: أنا.
(ذات الإله)؛ أي: في طاعة الله، وسبيل الله، قيل: وليس فيه دليل على الترجمة؛ إذ لم يُرد بالذات الحقيقة التي قصدَها البخاريُّ، بقرينة ضمِّ الصفة إليها، وقد يجاب: بأن غرضَه: جوازُ إطلاق الذات بالجملة.
* * *
١٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ , وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾
(باب: قول الله : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨])
٧٤٠٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ
стр. 8698
أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ".
الحديث الأول:
(أَغْيَر) غَيْرَةُ الله تعالى هي كراهيةُ الإتيانِ بالفواحش؛ أي: عدمُ رضاه به، لا عدمُ الإرادة، وقيل: الغضبُ لازمُ الغيرة؛ أي: غضبُه عليها، ثم لازمُ الغضبِ: إيصالُ العقوبة عليها.
(أحَبَّ) بالنصب.
(المدح) فاعل به، وهو مثل (١) مسألة الكحل، وفي بعضها: (أحَبُّ) بالرفع بمعنى: محبوب، لا بمعنى مُحِبّ. وسبق آخر (النكاح).
* * *
٧٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، هُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهْوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي".
الثاني:
(حمزة) بمهملة وزاي.
стр. 8699
(يكتب على نفسه)؛ أي: يثبته على نفسه، ويخبر عنه، والمكتوب هو: إن رحمتي تغلبُ غضبي، فقد تنازع الفعلان: كتبَ، ويكتب، في: (على نفسه).
(وَضْع) مصدَرٌ بمعنى: موضوع، وفي بعضها بتحريك الضاد، فعلًا ماضيًا.
(عنده)؛ أي: في علمه، ولا يصح حملُه على الحقيقة؛ لتنزهه تعالى عن صفات الأجسام.
(تغلب) معنى الغَلَبة: الكثرةُ، وساغ ذلك في الرحمة والغضب؛ لأنهما من صفات الأفعال، لا قديمتان؛ أي: تعلُّقُ إرادتي بإيصال الرحمة أكثرُ من تعلُّقها بإيصالِ العقوبة؛ وذلك لأن الرحمةَ من مقتضى صفته، والغضب باعتبار معصيةِ العبد. وسبق الحديثُ أولَ (كتاب بدء الخلق).
* * *
٧٤٠٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكرَنِي، فَإِنْ ذَكرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".
стр. 8700
الثالث:
(أنا عند ظَنِّ عبدي بي)؛ أي: إن ظَنَّ أني أعفو عنه، وأغفرُ له، فله ذلك، وإن ظنَّ العقوبةَ والمؤاخذةَ، فكذلك، وفيه: الإشارةُ إلى ترجيحِ جانبِ الرجاءِ على الخوف.
(معه)؛ أي: بالعلم؛ إذ هو تعالى منزهٌ عن المكان.
(ملأ) بالهمز بوزن جَبَلٍ؛ أي: جماعة، ولا عُلْقة فيه لتفضيل الملائكة على البشر؛ لاحتمال أن يراد بملأ: خيرُ الأنبياء، وأهلُ الفراديس.
(شبرًا) (١) في بعضها: (بشبر).
(هرولةً) (٢)؛ أي: إسراعًا، وإطلاقُ مثلِ هذه الأمور؛ مجازٌ؛ لاستحالة حقائقها؛ كما دلت عليه البراهينُ العقليةُ والشرعية، فالمرادُ: لوازمها؛ فمعناه: من تقرَّبَ إليّ بطاعة قليلةٍ، أُجازيه بثواب كثير، وكلما زاد في الطاعة، أزيدُ في الثواب، وإن كان كيفية إتيانه بالطاعة على التأنيّ، فإتياني بالثواب على السرعة، فالقصدُ: أن الثوابَ راجحٌ على العمل كَمًّا وكَيْفًا، وهذه الألفاظ مجازٌ على سبيل المشاكلة، وطريق الاستعارة، أو لوازمها؛ كما قررناه أولًا، وهذا من
стр. 8701
الأحاديث القدسية الدالة على كرم [أكرمِ] الأكرمين، فقصدُ البخاري: إطلاقُ النفس بمعنى الذات؛ نعم، الحديثُ الأولُ ليس فيه ذكرُ النفس، فلعله اعتبر استعمال لفظ أحدٍ مقامَ النفس، وهما متلازمان في صحة الاستعمال، لكلٍّ منهما مكان الآخر، والظاهر: أنه كان قبل الباب، فنقله الناسخ إلى هذا الباب؛ لأنه أنسبُ بذلك.
قال المهلَّب: أسماءُ الله تعالى ثلاثةُ أنواع: ما يرجع إلى الذات فقط؛ ككونه ذاتًا وموجودًا، وما يرجع إلى إثباب معنى هو صفةٌ قائمة به؛ كالحياة، وما يرجع إلى الفعل؛ كالخلق، والصفاتُ الذاتية بعضُها مع بعض، فهي لا هو، ولا غيره؛ بخلاف الفعلية؛ فإنها متغايرة؛ أي: كالرحمة والغضب.
* * *
١٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾
(باب: قول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨])
٧٤٠٦ - حَدَّثنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ"، فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ"، قَالَ:
стр. 8702
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَذَا أَيْسَرُ".
(بوجهك)؛ أي: بذاتك، أو بالوجه الذي لا كالوُجُوه، أو بوجودك، وقيل: الوجهُ زائدٌ، وبالجملة: البرهانُ قائمٌ على استحالةِ مثلِ ذلك فيه تعالى؛ فلا بدَّ من التأويل، أو التفويض.
(أيْسَر) هو رواية الأصيليِّ؛ أما ابنُ السكن، فرواه: (هذه أيْسر)، وعند غيره: (هذا أيْسر)، وهو الصحيح، وبه يستقيم الكلام.
* * *
١٧ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: تُغَذَّى، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾
(باب: قول الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩])
قوله: (تُغذى) مبني للمفعول بتاء الخطاب، وهو بإعجام الغين والذال تفسيرًا لتصنع، وأما العَيْن، فالمراد منها: المرأى، أو الحفظ؛ لاستحالة إرادة الحقيقة.
(بأعيننا) جُمع للتعظيم.
٧٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى
стр. 8703
عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ- وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ".
الحديث الأول:
(ليس بأعورَ) قيل: إشارة إلى نفي العَوَر، وإثباتِ العين؛ لكن لما كان ذلك مستحيلًا حقيقة، وجبَ التفويضُ أو التأويلُ.
(عين اليمين) من إضافة الموصوف إلى صفته.
(طافيه) شاخصة ناتئة، ضِدّ راسبة.
* * *
٧٤٠٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، أَخْبَرَنَا قتادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نبَيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ".
الثاني:
(الأعور الكذاب)؛ أي: الدجال، وكذبه ودعواه الباطلة، وإن كان معلومًا بدلائل لا حصر لها ظاهرة؛ لكن أُريد بالعور: الإشارةُ إلى أمرٍ محسوس يدركه العوامُّ، ومر مباحثُه في (كتاب الأنبياء).
* * *
الحديث الأول:
(كذلك)؛ أي: مثل الجمع الذي نحن عليه.
(لو) جوابها محذوف، أو هي للتمني.
(اشفَعْ) في أكثر النسخ: (تُشَفَّعْ)؛ من التشفيع، وهو قبول الشفاعة؛ لكنه لا يناسبُ المقام إلا أن يقال: هو تفعيلٌ للتكثير والمبالغة.
(من مكاننا)؛ أي: من الموقف؛ بأن يحاسَبوا ويخلصوا من حرِّ الشمسِ، والغمومِ، والكروبِ، وسائرِ الأهوال.
(لست هناكم)؛ أي: ليست لي هذه المرتبةُ والمنزلةُ.
(خطيئة) أكلُه من الشجرة.
(أول رسول) لا يؤخذ منه أن آدمَ ليس برسول؛ لأنه لم يكن للأرض أهلٌ وقتَ آدمَ، والخطيئةُ دعوتهُ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
(خطاياه)؛ أي: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣]، وقوله: (إنها أختي).
(وكلمتُه) لوجوده بمجرد قول: (كن).
(وروحُه) لنفخ الروحِ في مريمَ.
(محمد)؛ أي: يا محمد.
(تُسمع) بالخطاب، وبالغيبَة.
(تُشَفّع)؛ أي: تُقبل شفاعتُك.
стр. 8708
(فيحدّ لي)؛ أي: يعيِّنُ قومًا مخصوصين للتخليص، وذلك إما بتعيين ذواتهم، وإما ببيان صفاتهم.
(حبسَهُ القرآنُ)؛ أي: حكم في القرآن بخلوده، وهم الكفار؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ونحوه؛ فالإسنادُ فيه مجازيٌّ، وهذا يدلُّ على شفاعته للتخليص من النار، وأولُ الحديث يُشعر بأن الشفاعة في العَرَصات بخلاص جميعِ أهل الموقفِ من أهواله، والجوابُ: أن له شفاعاتٍ متعددةً. وسبق في (سورة بني إسرائيل).
(وقال النبي ﷺ ) هو داخلٌ في الإسناد السابق، لا تعليقٌ، ولا إرسالٌ، فقد أخرجه في (كتاب الإيمان) عن هشامٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ.
(من الخير)؛ أي: الإيمان.
(يزن)؛ أي: يَعْدِل.
(ذَرّة) بفتح الذال، وفيه: أنه لا بدَّ من التصديق بالقلب، والإقرار باللسانِ للنجاةِ من النار، وبيانُ أفضلية النبيِّ ﷺ على الكل؛ حيث أتى بما خاف منه غيره، وقُبلت شفاعتُه، وهذا هو الحكمة في الترتيب، وعدم الافتتاح بالاستشفاع عنده، وهي الشفاعة الكبرى العامة للخلائق كلهم، وهو المقام المحمود، وأما ما نُسب إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الخطايا؛ فإما قبل النبوة، أو هي صغائرُ صادرةٌ بالسهو، أو قالوها تواضُعًا، وإن حسناتِ الأبرارِ سيئاتُ المقربين، ونحو ذلك.
стр. 8709
قلت: لا معدل عن هذا الجواب؛ فإنهم معصومون مطلقًا، ولو صغيرة سهوًا، وفي الحديث ردٌّ على المعتزلة في نفيهم الشفاعةَ لأصحاب الكبائر.
* * *
٧٤١١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَدُ اللهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ".
الثاني:
(يد الله) فيه التفويضُ أو التأويلُ؛ إما بكونه كنايةً عن محل عطائه، أو بنحو ذلك.
(ملأى)؛ أي: هو غاية في الغِنى، وتحت قدرته ما لا نهاية له من الأرزاق.
(لا تغيضُها)؛ أي: لا ينقصُها، فوصفها بالامتلاء؛ لكثرة منافِعها، فهي كالعين التي لا يغيضُها الاستسقاءُ.
(سَحَّاء) بمهملتين والمد؛ من السح، وهو الصبُّ والسيلان؛ كأنها لامتلائها بالعطاء تسيلُ أبدًا في الليل والنهار، وفي بعضها:
стр. 8710
(سَحًّا) بلفظ المصدر، وعليه اقتصر (ش).
(الليلَ والنهارَ) بالنصب فيهما على الظرفية.
(ما أنفق)؛ أي: في زمان خلقِ السماوات والأرض حين كان عرشُه على الماء إلى يومنا، ولم ينقص من ذلك شيء، وفي بعضها: (وقال: عرشه على الماء).
(الميزان) قال (خ): هو هنا مَثَلٌ لقسمتِه بين الخلائق، يبسط الرزق لمن يشاء، ويقتر على من يشاء؛ كما يصنعه الوزان عند الوزن.
وسبق في (سورة هود).
* * *
٧٤١٢ - حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَرْضَ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ"، رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عُمَرُ ابْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
٧٤١٣ - وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ".
الثالث:
(مقدَّم) بفتح المهملة مشددة.
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
الرابع، والخامس:
(رجل) في بعضها: (حبر).
(نواجذه) بإعجام الذال: آخر الأضراس، فإما أن ضحكه ﷺ كذا في النادر، وإنما الغالب التبسُّم، فلا يضحكُ قهقهةً، أو المراد بالنواجذ: مطلَقُ الأضراس. وسبقَ الحديثُ والذي قبلَه في (سورة الزمر)، والقصد من الباب: بيانُ ما ورد في اليد مضافة إلى الله تعالى، ونحو هذا من العين والوجه وغيرهما من المتشابه، فيه طريقتا التفويض والتأويل، وهو بناء على الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، أو عدم الوقف، فتؤوّل بما يليق؛ لقيام البرهان على امتناع حقائقها، فتؤوّل اليدُ بالقدرة، يقال: هو في قبضتي؛ أي: في قدرتي، وأحملُ مثلَه بأصبعي: إذا استحقر المحمول جدًّا، وأمّا تثنية (بيدي)، مع أن القدرة واحدة، فمن التمثيل؛ إذ من اعتنى بشيء واهتمَّ بإكماله، باشره بيديه، وبه اندفعَ ما يُقال: إن إبليس -أيضًا- مخلوق بقدرة الله تعالى؛ إذ ليس فيه دلالةٌ على العناية بخلقه، فلآدمَ ﵊ اختصاصٌ ليس لغيره من المخلوقات.
* * *
فلهذا منعَ عن الشركة، وعن الفواحش، وأرادَ إيصالَ العقاب إلى مرتكبها.
قال الإسماعيلي: ليس فيما أورده إطلاقُ هذا اللفظ على الله تعالى، وهذا كما يقول في مدح امرأة: ما في الناس رجلٌ يُشبهها.
(أحبّ) بالرفع والنصب.
(العذرُ) بالرفع فاعل (أحبَّ)، من مسألة الكحل، والمراد بالعذر: الحجة؛ قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
(المِدْحَة)؛ أي: من غيره له.
(وعد)؛ أي: ليحمد ويمدح على إنعامه لهم بها. وسبق الحديث في (النكاح).
(وقال عُبيدُ الله بنُ عمرٍو) وصله الدارميُّ في "مسنده"، ففيه: إطلاقُ الشخص على الله تعالى، وهو بالحقيقة مستحيل.
قال (خ): الشخصُ لا يكون إلا جسمًا، ويسمى شخصًا ما كان له شُخوصٌ وارتفاعٌ، ومثلُه يُنفى عن الله تعالى. قال: فخليقٌ أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة، أو هي تصحيف من الراوي؛ لأن في غير هذه من الروايات: (لا شيء)، فهما متقاربان لفظًا، فمن لم يُنعم الاستماع، لم يأمن الوهم، وكثيرٌ منهم يحدِّث بالمعنى، وفي كلام آحادِ الرواةِ منهم خفاءٌ وتعجرُفٌ، وربما أرسل الكلام على بديهة الطبع من غير تأمّل، وتنزيل له على المعنى الأخصّ به، ثم إن عبيد الله
стр. 8715
منفرد به، لم يتابَعْ عليه.
قال (ك): لا حاجةَ إلى تخطئة الرواةِ الثقات؛ بل حكمُه حكمُ سائر المتشابهات، ففيه: التفويضُ أو التأويل، فيؤوَّلُ بلازمه، وهو العالي؛ لأن الشاخص عالٍ مرتفعٌ، أو هو من إطلاق الخاصِّ وإرادةِ العامِّ؛ كالشيء الذي هو في باقي الروايات، وقيل: معناه: لا ينبغي للشخص [أن يكون] أغير من الله تعالى.
* * *
٢١ - باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا، ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ شَيْئًا، وَهْوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ، وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾
(باب: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩])
وقوله: (وسمى النبي ﷺ القرآنَ شيئًا)؛ أي: في الحديث الآتي، والقرآن صفة الله تعالى.
(إلا وجهه)؛ أي: فالمستثنى المتصلُ داخلٌ تحتَ المستثنى منه، فلولا أنه يُطلق عليه، ما استثني منه، فالشيءُ يساوقُ الموجودَ لغةً وعرفًا، ومرَّ الحديثُ في (النكاح).
(المجيد)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥].
(حميد مجيد) غرضُه: أن مجيدًا فَعيلٌ بمعنى فاعِل، وحَميدًا فعيلٌ بمعنى مفعول؛ فلذا قال: إن مجيدًا من ماجد، وحميدًا من محمود، وفي بعض النسخ: (محمود من حميد)، وفي بعضها: (حميد من حمد)؛ أي: المبني للمفعول، أو الفاعل، وإنما قال: كأنه لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد، والمجيد بمعنى الممجَّد.
قال (ك): وبالجملة: ففي عبارة البخاري تعقيد.
* * *
٧٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى، يَا بَنِي تَمِيمٍ! " قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى، يَا أَهْلَ الْيَمَنِ! إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ"، قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: "كَانَ اللهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ"، ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ! أَدْرِكْ نَاقتكَ، فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونها، وَايْمُ اللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ.
стр. 8718
الحديث الأول:
(عن أبي حمزة) بمهملة وزاي.
(بشرتنا)؛ أي: بالجنة ونعيمها.
(فأعطِنا)؛ أي: شيئًا من الدنيا.
(إذ لم يقبلها بنو تميم)؛ أي: فإن قولهم: (بشرتنا) وإن أشعر بالقبول ظاهرًا؛ لكن لما طلبُوا الدنيا، ولم يهتموا بالسؤال عما بشرهم به، ولا عن المبدأ أو المعاد، ولم يعتنوا بضبطها وحفظها، دل على أنهم لم يقبلوا في الحقيقة.
(أول هذا الأمر)؛ أي: ابتداء خلق العالم.
(ما كان)، (ما) للاستفهام.
(وكان عرشه) عطف على (كان الله)، ولا يلزم منه المعية، ولا الترتيب.
(الذكر)؛ أي: اللوح المحفوظ.
(دونها)؛ أي: كانت الناقة من وراء الشراب. وسبق الحديث أول (بدء الخلق).
* * *
٧٤١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا
стр. 8719
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْفَيْضُ -أَوِ: - الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ".
الثاني:
(يمين الله) خص اليمين؛ لأنها في الأكثر مظنةُ العطاء على طريقة المجازِ والاتساعِ.
(سَحَّاء) سبق قريبًا.
(لم ينقص) في بعضها: (لم يغض).
(وعرشه على الماء) جملة حالية من الفاعل.
(الفيض) بالفاء: الإعطاء.
(أو القبض)؛ أي: بالقاف؛ أي: الإمساك؛ فالأولُ الخفضُ، والثاني: الرفعُ، و (أو) فيه للتنويع، لا للترديد، ويحتمل على بُعد أن يكون شَكًّا من الراوي. وسبق الحديثُ آنفًا.
* * *
٧٤٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: جَاءَ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقِ اللهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، قَالَتْ: عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ، قَالَ: فَكَانَتْ زينَبُ