(المجيد)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥].
(حميد مجيد) غرضُه: أن مجيدًا فَعيلٌ بمعنى فاعِل، وحَميدًا فعيلٌ بمعنى مفعول؛ فلذا قال: إن مجيدًا من ماجد، وحميدًا من محمود، وفي بعض النسخ: (محمود من حميد)، وفي بعضها: (حميد من حمد)؛ أي: المبني للمفعول، أو الفاعل، وإنما قال: كأنه لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد، والمجيد بمعنى الممجَّد.
قال (ك): وبالجملة: ففي عبارة البخاري تعقيد.
* * *
٧٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى، يَا بَنِي تَمِيمٍ! " قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى، يَا أَهْلَ الْيَمَنِ! إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ"، قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: "كَانَ اللهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ"، ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ! أَدْرِكْ نَاقتكَ، فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونها، وَايْمُ اللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ.
стр. 8718
الحديث الأول:
(عن أبي حمزة) بمهملة وزاي.
(بشرتنا)؛ أي: بالجنة ونعيمها.
(فأعطِنا)؛ أي: شيئًا من الدنيا.
(إذ لم يقبلها بنو تميم)؛ أي: فإن قولهم: (بشرتنا) وإن أشعر بالقبول ظاهرًا؛ لكن لما طلبُوا الدنيا، ولم يهتموا بالسؤال عما بشرهم به، ولا عن المبدأ أو المعاد، ولم يعتنوا بضبطها وحفظها، دل على أنهم لم يقبلوا في الحقيقة.
(أول هذا الأمر)؛ أي: ابتداء خلق العالم.
(ما كان)، (ما) للاستفهام.
(وكان عرشه) عطف على (كان الله)، ولا يلزم منه المعية، ولا الترتيب.
(الذكر)؛ أي: اللوح المحفوظ.
(دونها)؛ أي: كانت الناقة من وراء الشراب. وسبق الحديث أول (بدء الخلق).
* * *
٧٤١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا
стр. 8719
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْفَيْضُ -أَوِ: - الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ".
الثاني:
(يمين الله) خص اليمين؛ لأنها في الأكثر مظنةُ العطاء على طريقة المجازِ والاتساعِ.
(سَحَّاء) سبق قريبًا.
(لم ينقص) في بعضها: (لم يغض).
(وعرشه على الماء) جملة حالية من الفاعل.
(الفيض) بالفاء: الإعطاء.
(أو القبض)؛ أي: بالقاف؛ أي: الإمساك؛ فالأولُ الخفضُ، والثاني: الرفعُ، و (أو) فيه للتنويع، لا للترديد، ويحتمل على بُعد أن يكون شَكًّا من الراوي. وسبق الحديثُ آنفًا.
* * *
٧٤٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: جَاءَ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقِ اللهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، قَالَتْ: عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ، قَالَ: فَكَانَتْ زينَبُ
الليل والنهار، ووقتُ رفعِ الأعمال واجتماعهم؛ ليكون تمام اللطف بالمؤمنين؛ ليكون لهم الشهداء، والسؤالُ لطلبِ اعترافِ الملائكة بذلك، وأما التخصيصُ بالذين باتوا، وترك الذين ظَلُّوا؛ فاكتفاء بذكر إحداهما عن الأُخرى، أو لأن الليل مظنةُ المعصية، ومظنةُ الاستراحة، فلما لم يعصوا، أو اشتغلوا بالطاعة، فالنهار أولى بذلك، وإما لأن حكم طرفَي النهار يُعلم منه حكمُ طرفَي الليل، فذكره كالتكرار.
(قال خالد) تقدم وصلُه في (الزكاة)؛ لكن ليس فيه: يصعد، إنما هو بلفظ: (لا يقبل)؛ نعم، هو بعينه في "مسلم".
(بعِدل) بالكسر: هو نصفُ الحِمل.
قال (خ): عدلُ التمرة: ما يعادِلُها قيمةً، يقال: عدل الشيء: مثلُه في القيامة، وعدلُه: مثله في المنظر.
(يمينه) في حسن القبول؛ فإن العادة جارية بأن تُصان اليمين عن الأشياء الدنية الدَّنِسة، وليس فيما يضاف له تعالى يد شمال؛ لأنها محلُّ النقص والضَّعْف، وقد روي: (كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ)، وليس معنى اليدِ الجارحة، إنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنُطلقها ولا نُكَيِّفُها، وننتهي حيث ينتهي التوقيف.
(فَلُوّه) بفتح الفاء وضمها وشدة الواو: الجحشُ والمُهْرُ إذا فُطما.
стр. 8729
٧٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نبَيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ".
الثاني:
(يدعو) سماه دعاءً، وهو ذكرٌ وتهليل؛ باعتبار أنه مقدمةُ الدعاء، وأن الدعاء ذكرٌ، لكنه خاصٌّ، فأطلقَه، وأراد العامَّ.
وهذا الحديثُ، والحديثان بعدَه لا تعلُّقَ لهن بالترجمة، والأليقُ أن يكنَّ في الباب قبلَه، فَلَعَلَّ الناسخَ نقلها عن محلها؛ بل الباب كلُّه كأنه من تتمة الباب قبلَه؛ لأنهما متقاربان؛ بل متحدان، ويحتمل أن يقال: أراد بهذا وبالثالث: بيان العرج، وبالثاني: لازم لا يجاوز حناجرهم؛ أي: لا يصعد إلى الله تعالى.
* * *
٧٤٣٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ -أَوْ: أَبِي نُعْمٍ- شَكَّ قَبِيصَةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ.
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ،
كعبَ بنَ زهير اتهمه بأخذِ فرسِه، وسماه النبي ﷺ : زيد الخير، وهو ابن مُهَلْهِل -بالضم-.
(نَبْهَان) بفتح النون وسكون الموحدة وبنون.
(صناديد)، أي: رؤساء، والأربعة من نجدٍ ساداتُ قومهم.
(رجل) هو عبد الله ذو الخُوَيْصِرة التميمي.
(غائر العينين)؛ أي: عيناه داخلتان في رأسه، لاصقتانِ بقعرِ الحدقة.
(ناتئ) بالمثناة، أي: مرتفع.
(مشرف الوجنتين)؛ أي: عاليهما.
(فيأمنني)؛ أي: يجعلني أمينًا؛ من أمِنَهُ -بكسر الميم- بمعنى: أمّنه -بالتشديد-.
(أُراهُ) بالضم؛ أي: أظنه خالدًا، وسبق في (استتابة المرتدين) أنه عُمر، ولا تنافيَ؛ لاحتمال وقوع ذلك من كلٍّ منهما.
(ولَّى)، أي: أدبرَ.
(ضِئْضِئ) بكسر المعجمتين وسكون الهمزة الأولى: الأصلُ، والنسلُ.
(قومًا) في بعضها: (قومٌ)، بإضمار الشأن في (إن)، أو كتب على المنصوب بلا ألف على لغة ربيعةَ في الوقف.
(حناجرهم) الحنجرةُ: الحلقوم؛ أي: لا يرتفع في جملة الأعمال الصالحة.
стр. 8732
(قتل عاد) وسبق في (المغازي) رواية: (قتل ثمود)، والمراد: الاستئصال بالكلية؛ فإن عادًا استؤصِلَتْ بالريح الصرصر، وثمود أُهلكوا بالطاغية، فذلك، وإن لم يكن فيه قتل؛ لكن المرادَ لازمُه، وهو الهلاك، ويحتمل أن تكون الإضافةُ إلى الفاعل، والمراد: القتل الشديد؛ لأنهم كانوا مشهورين بالشدة والقوة.
* * *
٧٤٣٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ".
الخامس:
سبق معناه، والقصدُ من الباب: ذكرُ الظواهر المشعِرة بأن الله تعالى في جهة العلوّ؛ لكن حقيقة ذلك محالٌ؛ لتنزُّهه تعالى عن الجهة والمكان؛ ففيه طريقتا التفويض والتأويل؛ لأنه من المتشابه، فتأويلُه بأن المراد: علوُّ ذاته وصفاته، لا الجهةُ والمكان.
стр. 8733
٢٤ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
(باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣])
مقصودُ الباب: ذكرُ الظواهر المشعِرة بأن العبد يرى ربه يوم القيامة، وسبق أنه لا يُشترط في الرؤية عقلًا مواجهةٌ، ولا مقابلةٌ، وخروجُ شعاعٍ من الحدقةِ إليه، وانطباعُ صورة المرئيِّ في حدقة الرائي؛ لأن ذلك أمرٌ عاديٌّ، ومثلُه محالٌ في رؤية الله ؛ فالرؤية حالةٌ يخلقها الله تعالى في الحي بدون ذلك كلِّه.
٧٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قَالَ: "إِنَّكمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَمْسِ، فَافْعَلُوا".
الحديث الأول:
(تضامون) بخفة الميم: من الضيم، وهو الذلُّ والتعبُ والظلمُ؛ أي: لا يضيم بعضُكم بعضًا في الرؤية؛ بأن يدفعه عنه، ونحوه، وبفتح المثناة وضمها وشدة الميم: من الضَّمِّ؛ أي: لا يتزاحمون،
стр. 8734
ولا يتنازعون فيها، ولا يختلفون عندها.
(تغْلَبوا) بالبناء للمفعول، وتعقيبُ هذه الجملة بالفاء يدلُّ على رجاء الرؤية بالمحافظة على صلاتي الصبح والعصر؛ أي: لتعاقب الملائكة فيهما، أو لأن وقتَ الصبح وقتُ لذة النوم، وصلاة العصر وقتُ الفراغ من الصناعات، وإتمام الوظائف، فهما أشقُّ على النفس، فالمحافظةُ تكون على غيرهما من باب أولى.
* * *
٧٤٣٥ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا".
الثاني:
(عيانًا) نصب على المصدر.
* * *
٧٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْن الْجُعْفِي، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ".
رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: "ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ"، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ.
الرابع:
(تضارون) بضم المثناة وتشديد الراء: هل تضارون غيركم في حال الرؤية بزحمةٍ أو مخالفة؟ وبتخفيفها؛ أي: هل يلحقُكم في رؤيته ضَيْرٌ، وهو الضرر.
(كذلك)؛ أي: واضحًا جليًّا بلا شَكٍّ، ومشقةٍ واختلافٍ.
(الطواغيت) جمع طاغوت، وهو الشيطان، أو الصنم.
(مُنافِقوها) بَقُوا في زمرة المؤمنين يستترون بهم كما كانوا مستترين بهم في الدنيا؛ حتى ضُرب بينهم بسور له باب.
(فيأتيهم)، وهو مجازٌ عن التجلِّي لهم، وقيل: عن رؤيتهم إياه؛ لأن الإتيانَ إلى الشخص مستلزمٌ لرؤيته له.
قال (خ): هذه الرؤيةُ غيرُ التي تكون في الجنة ثوابًا للأولياء؛ لأن هذه امتحانٌ للتمييز بين مَنْ عبدَ الله ومَنْ عبدَ غيره، ولا بُعْد أن يكون الامتحانُ باقيًا حتى يُفرغ من الحساب، ويُشبه أن يكون حجبُهم عن تحقيق الرؤية في الكَرَّة الأولى من أجل أن معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية.
وقال (ع): أي: يأتيهم بعضُ ملائكته، وهو آخرُ امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم المَلَكُ مثلًا: أنا ربكم، رأوا عليه من علامات
стр. 8739
الحدوث ما يعلمون أنه ليس ربهم؛ فإن قيل: كيف يقولُ الملكُ: أنا ربكم، وهو كذب؟ قيل: قال (ك): لا نسلِّم أنه معصومٌ من الصغيرة.
قلت: وليس هذا الجوابُ بسديدٍ.
(في صورته)؛ أي: صفته؛ أي: يتجلى لهم على الصفة التي عرفوه بها.
(فيتبعونه)؛ أي: يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة، أو ملائكته التي تذهب بهم إليها.
(ظهري) هو مقحَم للتأكيد.
(الصراط) جسرٌ ممدودٌ على مَتْن جهنَّم، أَحَدُّ من السيف، وأَرَقُّ من الشَّعَرِ، يمرّ عليه الناسُ كلُّهم.
(وعشرةُ أمثاله) وجهُ الجمع بينه وبينَ ما سبق: أن الله تعالى أعلمَ أولًا بما في حديث أبي هريرة، ثم تكرَّمَ فزادَ بما في رواية أبي سعيدٍ، ولم يسمعه أبو هريرةَ. وفيه مباحثُ تقدَّمت في (الصلاة) في (باب فضل السجود).
* * *
٧٤٣٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زيدٍ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ
فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ"، قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهَ الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ , قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نبَيُّكُمْ ﷺ .
الخامس:
(إلا كما تضارون) وأنتم لا تضارون في ذلك، فلا تضارون أصلًا.
(أصحاب الصليب)؛ أي: النصارى.
(وغُبَّرات) بالضم وتشديد الموحدة: جمع الغابر التفاتًا؛ أي: الموجودين من اليهود والنصارى، وهو بالرفع والجر.
(السراب) هو الذي يتراءى للناس في القاع المستوي وسطَ النهار في الحرِّ الشديد لامعًا، يحسبه الظمآن ماء.
(كذبتم)؛ أي: في جعلِ عُزَيْرٍ ابنَ الله، وإلا، فهم صادقون في عبادتهم له، فالتكذيبُ، وإن لم يكن في نفس إخبارهم بعبادته، فهو فيما تضمَّنَه من نسبة النبوة، أو أنهم ادعوا عبادةً مقيدة، فكذبوا بنفيها بقيدِ أنها مقيدة.
(فارقناهم)، أي: الناسَ في الدنيا، وكنا في ذلك الوقت أحوجَ إليهم منا في هذا اليوم، فكلُّ واحد هو المفضل، والمفضل عليه؛ لكن باعتبار زمانين؛ أي: نحن فارقنا أقاربنا وأصحابنا ممن كانوا يحتاج إليهم في المعاش؛ لزومًا لطاعتك، ومقاطعةً لأعداء الدِّين،
стр. 8745
وغرضُهم: التضرعُ إلى الله تعالى في كشف هذه الشدة؛ خوفًا من المصاحبة معهم في النار؛ أي: كما لم نكن مصاحبين لهم في الدنيا، لا نكون مصاحبين لهم في الآخرة.
(صورة)؛ أي: صفة، وإطلاقُ الصور للمشاكلة.
(الساق) فُسِّر بالشِّدَّة؛ أي: يكشف عن شدةِ ذلك اليوم، وعن الأمرِ المهولِ فيه، وهو مثلٌ تضربُه العربُ لشدة الأمر؛ كما يقال: قامتِ الحربُ على ساق، وقيل: المرادُ به: النور العظيم، وقيل: جمع من الملائكة؛ كما يقال: ساقٌ من الناس، ورِجْل من جَراد، وقيل: ساقٌ يخلقها الله تعالى خارجة عن السوق المعتادة، وقيل: الساقُ بمعنى النفس؛ أي: تتجلى لهم ذاته.
(فيكشف) بالبناء للفاعل، والبناء للمفعول.
(رياء)، أي: ليراه الناس.
(طبقًا)، أي: يصير فَقارُ الظهر فقارةً واحدة كالصفيحة، فلا يقدر على السجود، وقيل: الطبق: عَظْمٌ رقيق يفصل بين كل فَقارين، واستدلَّ بعضُهم بالحديث على أن المنافقين يرون الله، ولا دليلَ فيه، لأن الكُلَّ يرون الصورة، ثم بعد ذلك يراه المؤمنون دونهم، أو أن بعدَ تمييزهم منهم يراه المؤمنون فقط.
(مَدْحَضة) محلُّ ميل الشخص.
(مَزلَّة) بكسر الزاي وفتحها: المزلقة؛ أي: تزلق فيه الأقدام،
стр. 8746
وهما معًا بفتح الميم، ومعناهما متقارب؛ كالخطاطيف والكلاليب.
(وحَسَك) بفتح المهملتين: شوك صلبٌ من حديد، أو كالحديد.
(مُفَلْطَحَة)؛ أي: عريضة؛ من فلطح -بالفاء ومهملتين-: إذا عرض، وقال الأصمعي: واسعةُ الأعلى، دقيقةُ الأسفل، وفي بعضها: (مطلفحة)، من طلفحه: إذا أرقه، والطلافح: العراض.
(عقيقة) بمهملة وبقاف قبل الفاء؛ أي: معوجة.
(المؤمنُ عليها)؛ أي: يمر عليها.
(كالطِّرْف) بالكسر: الكريم من الخيل، وبالفتح: البصر، بمعنى: كلمحِ البصر، وهذا أولى؛ لئلا يلزم التكرار.
(وكأجاويد) جمع أجواد، وهو جمع جواد، وهو فرس بَيّنُ الجودِ رائعٌ.
(والركاب): الإبل، واحدُها راحلة.
(سَلَّم) بفتح اللام المشددة.
(مخدوش)؛ أي: مخموش ممزَّق.
(ومكدوس) بمهملتين؛ أي: مصروع، وفي بعضها بإعجام الشين؛ أي: مدفوعٌ مطرودٌ، وفي بعض الروايات: (مُكَرْدَس) بمهملات؛ من تكردسَتِ الدوابُّ: ركب بعضُها بعضًا؛ أي: إنهم ثلاثة أقسام: قسمٌ مسلَّمٌ لا يناله شيء أصلًا، وقسمٌ يُخدش، ثم يخلص، وقسمٌ يسقط في جهنم.
стр. 8747
(مناشدة)؛ أي: مطالبة.
(قد تبين) جملة حالية.
(من المؤمن) صلةُ (أشدّ).
(للجبار) متعلِّق بـ (مناشدة)؛ وكذا: (في إخوانهم)؛ أي: متعلق بـ (مناشدة) -أيضًا- مقدَّرَة؛ أي: ليس طلبكم مني في الدنيا في شأن حق يكون ظاهرًا لكم أشدَّ من طلب المؤمنين من الله تعالى في الآخرة في شأن نجاة إخوانهم من النار، والغرضُ: شدة اعتناء المؤمنين بالشفاعة لإخوانهم.
(كانوا) جمع الضمير، وهو عائدٌ للمؤمن المفرد باعتبار إرادة الجنس، والسياق يقتضي أن يقال: إذا رأوا -بلا واو-؛ لكن: (في إخوانهم) مقدَّم عليه حكمًا، وقوله: (إذا رأوا): هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وذلك إذا رأوا نجاة أنفسهم، و (يقولون) استئنافٌ.
قال (ك): هذا غاية الجهد في تحليل هذا التركيب.
(نصف دينار) فيه إشارةٌ إلى أن الإيمان يزيد وينقص.
(نَهر) بسكون الهاء وفتحها.
(بأفواه) جمعُ فُوَّهَة -بالضم وشدة الواو المفتوحة على غير قياس-، وأفواهُ الأزقةِ والأنهارِ: أوائلُها، والمراد: يفتتح مسالك قصور الجنة.
(حافَتَيْه) الحافةَ -بتخفيف الفاء-: الجانب.
стр. 8748
(الحِبَّة) بكسر الحاء.
(الخواتيم) المراد: أشياءُ من الذَّهب تعلَّق في أعناقهم كالخواتيم، علامة يعرفون بها.
(كأنهم اللؤلؤ)؛ أي: في صفائهم.
(بغير عمل)؛ أي: بمجرد الإيمان دونَ أمرٍ زائدٍ عليه من الأعمال والخيرات، وعُلم منه: أن شفاعة الملائكة، والنبيين، والمؤمنين، فيمن كانت له طاعة غير الإيمان الذي لا يطلع عليه إلا الله.
(وقال حجاج) لم يقل فيه: حدثني، ونحوه؛ إما لأنه سمعه منه مذاكرةً لا تحميلًا، وإما أنه كان عَرْضًا ومُناولَةً، كذا قاله (ك)، وهو ظاهر، وجعله بعضُهم تعليقًا، وقال: وصله الإسماعيلي، وأبو نُعيم في "المستخرج".
(يَهِموا) من الوَهْم، وفي بعضِها من الهَمِّ؛ بمعنى: القصد، والحزن -بالبناء للفاعل أو المفعول-، وفي "مسلم": (يهتموا)؛ أي: يعتنون بسؤال الشفاعة، وإزالةِ الكربِ عنهم.
(لو) جوابها محذوفٌ، أو هي للتمني.
(يُريحنا) من الإراحة -بالراء-.
(لست هناكم)؛ أي: لست أهلًا لذلكَ، ولا في هذه المنزلة.
(أصاب)؛ أي: أصابها.
стр. 8749
(أكلَه) منصوب: بدلٌ، أو بيانٌ للخطيئة، أو بفعلٍ مقدرٍ؛ نحو: يعني، وفي بعضها: (ويذكر أكلَه)، بحذف لفظ الخطيئة التي أصاب.
(أول نبي) لا يؤخذ منه أن آدمَ ليس نبيًّا، بل كان نبيًّا؛ لكنه لم يكن للأرض أهلٌ يُبعث إليهم، وله أجوبة أُخرى تقدمت.
(سؤاله)؛ أي: دعاؤه بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، والتي لإبراهيم هي: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، و ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وهذه أُختي.
قال (ع): هذا يقولونه تواضُعًا وتعظيمًا لما يسألونه، وإشارةً إلى أن المقام لغيرهم، ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمدٌ ﷺ ، ويكون إحالة كُلٍّ على الآخر للوصول بالتدريج إلى محمد ﷺ ؛ لأنهم إذا سُئلوا، فامتنعوا واحدٌ بعد واحد، حصل غرضُهم من بيان مرتبته ﷺ ، وأن هذا الأمر العظيم ليس لأحدٍ إلا له، وهي الشفاعة العظمى. انتهى.
وهذه الخطايا للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إما لكونها سهوًا، أو قبلَ نبوتهم، وإمّا تَرْكُ الأولى؛ لوجوب عصمتهم بعد النبوة عن الصغائر العمديّة، وعن الكبائر مطلقًا.
قلت: كذا قال (ك)، وتركَ أحسنَ الأجوبة، وهو أنه نزولٌ من مرتبته لمرتبةٍ أخرى أن ذلك سيئة، وإن لم يكن ثَمَّ معصية أصلًا.
(وأشفع لهم) فيه اختصار؛ أي: فيشفِّعني، ويفصلُ بينهم، وهذا هو المقامُ المحمودُ، والشفاعةُ العظمى العامةُ، ثم بعدَها شفاعاتٌ خاصة لأُمته، لا تعلُّق لها بما لجأ الناسُ إليه فيه، ولا بدَّ من الحمل
стр. 8750
عليه؛ ليتم صدرُ الحديث وعَجُزُه.
(حبسه القرآن)؛ أي: نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، وفيه: أن المؤمن لا يخلد في النار، وأن الشفاعة تنفعُ أصحابَ الكبائر.
(وهذا) الإشارةُ للشفاعة الأولى التي لم يصرح بها في الحديث؛ لكن السياق وسائرَ الروايات تدلُّ عليه، وسبق مرات.
* * *
٧٤٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَمِّي، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، وَقَالَ لَهُمُ: "اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ".
السادس:
(حتى تَلْقَوُا الله) هو المقصودُ من إيراد الحديث في الباب.
(على الحوض) راجعٌ على المعطوف، على حدّ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]؛ لأن الله تعالى منزهٌ عن المكان، فلا يكون على الحوض، أو (على الحوض) ظرفٌ للفاعل، لا للمفعول، وفي أكثر النسخ؛ بل في كلها: (فإني على الحوض)، فسقط السؤال بالكلية.
"الأسنى في الأسماء الحسنى": يجوز وصفُ العبد بالقَيّم، ولا يجوزُ بالقَيُّوم، وقال الغزالي في "المقصد الأسنى": القيوم هو: القائمُ بذاته، المقيمُ لغيره، وليس ذلك إلا لله .
قال (ك): وعلى هذا التفسير هو صفة مركبة من صفةِ ذاتٍ، وصفةِ فعلٍ. وسبق الحديث في (التهجد).
* * *
٧٤٤٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَان، وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ".
الثامن:
(منكم) الخطابُ للمؤمنين، وقيل: عامٌّ.
(تُرْجُمَان) فيه لغات: ضم التاء المثناة والجيم، وفتحُهما، وفتحُ الأولى وضم الثانية.
* * *
٧٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ
стр. 8753
مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".
التاسع:
(جنتان)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]، فهو تفسير له، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هما جنتان.
(من فضة) هو خبر.
(آنيتُهما) ويحتمل أن يكون فاعل فضة كما قال ابنُ مالك في: مررتُ بِوَادٍ أثل كله: أن (كلُّه) فاعل (الأثل) -بالمثلثة-؛ أي: جنتان مفضضٌ آنيتُهما.
(على وجهه) من المتشابه، ففيه التفويضُ أو التأويل، فيؤوّل الوجهُ بالذات، والرداءُ بشيء كالرداء من صفاته اللازمة لذاته المقدسةِ عما يُشبه المخلوقاتِ.
(وجنة عدن) ظرفٌ للقوم، وليس هذا مخالفًا للترجمة؛ لإشعاره بأن رؤية الله تعالى غيرُ واقعة؛ لأنا نقول: غرضه حاصل؛ لأن المعنى: ما بين القوم وبين النظر إلا هذا، فمفهومُه: بيانُ قربِ النظر، أو: رداءُ الكبرياء لا يكون مانعًا من الرؤية؛ قيل: كان النبي ﷺ يخاطبُ العرب بما يفهمونه، فيستعمل الاستعاراتِ ليقرب تناولها، فعبر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة الرداء، مرّ في (سورة الرحمن).
* * *