تقديمٌ لحديث: (إذا التَقَى الخِتانان) -لأنَّه بالمنطوقِ- على (إنَّما الماءُ من الماءِ) -لأنَّه بالمَفهومِ-.
وفي حجِّيته خلافٌ، وعلى تسليمِه؛ فالمَنطوق مُقدَّمٌ على المفهومِ، ولا يقالُ: حديثُ الالتقاءِ مُطلَق، وحديثُ الماء مُقيَّد، فيُحمَل المُطلق على المقيَّد؛ لأنَّا لا نُسلِّم أنه مُطلَق؛ بل عامٌّ، لأنَّ الالتقاءَ وَصفٌ ترتَّب الحكمُ عليه، كما وُجِدَ وُجِدَ الحُكمُ، وكلَّما انتَفى انتفى، والآخَر خاصٌّ لا مُقيَّد، وكأنَّه قال: بالالتقاء يجبُ الغُسل، ثمَّ قال: بالالتقاءِ مع الإنزال، فيكونُ من ذِكر بعضِ أفرادِ العُموم مثل: (أيُّما إهابٍ دُبغَ)، مع قوله: (دِباغُها طُهورُها).
ولا يقالُ أيضًا: الجَهْدُ يُحمَلُ على الإنزال، لأنَّه غايةُ الأمر، لأنَّ الرِّواياتِ الأُخرى مبيِّنةٌ له، ولأنَّ لفظَ (الجَهدِ) مُشعِرٌ بالاختيار، والإنزالُ لا اختيارَ فيه انتهى ملخصًا بمعناه.
(تابعه عمرو)؛ أي: ابنُ مَرزوقٍ، والضَّمير يُحتملُ عَوده إلى (هشامٍ) وإلى (الحَسَن)، لأنَّ شُعبةَ قد سمع من قتادةَ، ومن الحَسَن.
(وقال موسى)؛ أي: التَّبُوذَكِيُّ.
(أبان) بفتح الهمزة، مَصروفٌ ومَمنوعٌ، ولَمَّا رَوى قتادةُ أوَّلًا بِـ (عن) وهو مُدَلسٌ؛ ذَكَر هنا أنَّه صَرَّح بالسَّماع؛ إذ قال: (أخبَرَنا الحَسَنُ)، وإنَّما قال هنا: (قال)، وهناك (تابَعَه)؛ لأنَّ المُتابعة أقوى؛ لأنَّ القَول أعمُّ من نَقلِه روايةً، أو على سبيلِ المُذاكَرة.
стр. 912
واعلم أنَّه يحتمِلُ سماعَ البخاريِّ من عَمرٍو وموسى، فلا يُجزَمُ بأنَّها تعليقٌ.
قال صاحب "تغليق التَّعليق" من أصحابنا: مُتابعَةُ عَمرٍو رويناها في جزءٍ من حديث أبي عَمرِو بنِ السَّمَّاكِ بنِ عثمانَ بنِ عمرَ الضَّبِّيِّ: ثنا عمرُو بنُ مَرزوقٍ، ومتابعةُ أبانَ زعمَ الشيخُ مُغُلْطَاي أنَّ البَيهقِيَّ وصَلَها من طريقِ عثمانَ عن موسى، وهو وَهمٌ، فإنَّما رواها البَيهَقِيُّ عن عفَّانَ عن أبانَ نفسِه، وليس لعفَّانَ عن موسى روايةٌ بوَجهٍ من الوجوه.
* * *
٢٩ - بابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فرجِ المرأةِ
(باب غسل ما يصيب من فرج المرأة)
٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو معمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ يَحيَى: وَأَخْبَرني أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ سأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امرَأتهُ فَلمْ يُمنِ؟ قالَ عثمانُ: يتوضأُ كمَا يتَوَضَّأُ للصَّلاةِ ويَغْسِلُ ذَكَرَهُ، قالَ عُثمانَ: سَمِعتُه من رسولِ اللِه ﷺ ، فسألْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَأُبَيَّ بْنَ
стр. 913
كعبٍ ﵃، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
قَالَ يَحيَى: وَأَخْبَرَني أَبو سَلَمَةَ: أَنَّ عروَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الحديث الأول (م):
(أبو معمر)؛ أي: المُقْعَدُ.
(الحسين)؛ أي: ابنُ ذَكوان.
(يحيى)؛ أي: ابنُ أبي كَثيرٍ.
(وأخبرني) إنَّما ذَكَره بواوٍ للإِشعار بأنَّه حدَّثه غيرَ ذلك أيضًا، وأنَّ هذا من جُملتِه، فالعَطف على مُقدَّر.
(فسألت) هو من قَول ابنِ زَيدٍ، استفتَى هؤلاءِ عن ذلك، أي: إنَّ هذا الحديث استَمَرَّ العملُ به كما أَفتاني عثمانُ أوَّلًا، وسبقَ أكثرُ مباحثِ الحديث في (باب مَن لَم يَرَ الوُضوء إلا من المَخرجَين).
(بذلك)؛ أي: بالوُضوء وبِغَسْلِ الذَّكَر فقط من غير غُسل.
(وأخبرني أبو سلمة) هو أيضًا من مَقولِ يحيَى، وفي بعضِها (قال يحيى: وأخبرني).
* * *
٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عروَة، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أخبَرَبي أْبَو أيوبَ، قَالَ: أَخْبَرَني أُبَيُّ بْنُ كعبٍ أَنَّهُ
стр. 914
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المرأةَ فَلَم يُنْزِل؟ قَالَ: (يَغْسِلُ مَا مَسَّ المرأةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتوَضَّأُ وَيُصَلِّي).
قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: الغَسْلُ أَحوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وإنَّمَا بيَنَّا لاِخْتِلَافِهم.
الحديث الثاني (م):
(أخبرني أُبي بن كعب) سبَقَ في طريقِ رِواية أبي أيُّوبَ للحديث عن النبيِّ ﷺ بلا واسِطَة، وذلك لاختِلافِ الحديثيَن لفظًا ومعنى، وإنْ توافقا في بعضٍ، فيكونُ سَمِعَه من النبي ﷺ مرَّة ومن أُبيٍّ أُخرى، فذكَرَه للتَّقوية، ولأغراضٍ أُخرى.
(مس) فيه ضميرٌ يعودُ على (ما)، والمُرادُ بِمسِّها إصابةُ رُطوبةِ فَرجها، فيُطابِقُ بذلك التَّرجَمة، وهو من إطلاق اللازِم وإرادة المَلزومِ، فهو كنايةٌ، ويحتملُ أن يُضمَر فيه: يَغسِلُ عُضوًا مَسَّ فَرجَ المَرأة.
(ثم يتوضأ) صريحٌ في تأخيره عن غَسلِ ما يصيبُه من المَرأة.
(قال أبو عبد الله)، أي: البخاريّ.
(الغسل) بضَمِّ الغَين، أي: الاغتسالُ من الإيلاجِ، وإن لَم يُنزِلْ.
(أحوط)؛ أي: من الاكتفاءِ بغَسلِ الفَرج والتَّوضُّؤ، كما في الحديث السابق، وفَتوى المذكورين.
(وذلك الآخر)؛ أي: الحديثُ الذي يدلُّ على عَدَمِ الغُسل إنَّما
стр. 915
ذَكَره لأجلِ اختلافِ الصَّحابة في الوُجوبِ وعَدَمِه، ولاختلافِ المُحدِّثين في صِحَّته.
قال (ط): قال الأَثْرَمُ: سألتُ أحمدَ عن حديث زيدِ بنِ خالد، وقوله: (سألتُ خَمسة من الصَّحابة) فقال: فيه عِلَّةٌ، ونعم، ما يُروَى بخلافِه عنهم، وقال ابنُ المَديني: إنَّه حديثٌ شاذٌّ، وقد رُوِيَ عن عثمانَ، وعلي، وأُبَيٍّ: أنَّهم أفتَوا بخلافِه، وقال يعقوبُ: هو مَنسوخ، كانت هذه الفُتْيا في أوَّل الإسلام، ثم جاءت السُّنة بوجوبِ الغُسل، ثم أجمَعوا عليه بعدَ ذلك.
قال الطحاوي: ولأنَّه مُفسِدٌ للصَّومِ ومُوجِبٌ للحدِّ والمَهرِ، وإنْ لم يُنزِلْ، فكذا الغُسلُ، وفي بعضِ النُّسَخ بعدَ حديث: (إذا جَلَسَ بينَ شُعَبِها)، وذلكَ أَولى، وفي بعضِها: (والماءُ أنقَى)، وفي هذا -أي: الغُسلُ- آكَدُ وأجودُ.
قال (ش) بعد حكايةِ لفظِ البخاريِّ على صورةِ (الآخِر)، أي: بلا ياء بكَسرِ الخاء: أي: مِن فِعلِه ﷺ ، فيكونُ ناسِخًا لما قَبلَه، وقال السَّفاقِسِيُّ، روينَاه بفتحِ الخاء، وقيلَ: إنَّه الوَجه.
وقال في قوله: (إنما بيناه لاختلافهم) إنَّه ميلٌ لمَذهَبِ داودَ، والجُمهورِ على أنَّها منسوخةٌ.
قلت: إنَّما يكونُ مَيلًا لمَذهب داودَ إذا فُتِحَت الخَاء من (آخر)،
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦ - كتاب الحيض
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ إلَى قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(كتاب الحيض): هو لغَةً: السَّيَلانُ، وشَرعًا: دمٌ يَخرُجُ من المَرأة من رَحِمِها في وقتٍ مَخصوصٍ على وَجهٍ مَخصوصِ، وهو من قَعرِ الرَّحِمِ، بخلافِ الاستِحاضَةِ، فإنَّها من عرقٍ فَمُه بأدنىَ الرَّحِمِ يسمَّى: العاذِل -بالذَّال المُعجمة- وسبق تحقيقُه في (باب غَسلِ الدَّم).
(وقول الله) في جرِّه ورفعِه ما سبقَ أوَّل الكتاب.
(عن المحيض)؛ أي: الحيضِ، أي: عن حُكمِه.
(في المحيض) الأصَحُّ أنَّ المرادَ به: الدَّم، أي: حالَ سيَلانِه.
وقيل: الفَرجُ، وقيل: زَمَنُ الحَيض.
١ - باب كيْفَ كَانَ بدءُ الحَيْضِ
وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (هَذَا شَيْءٌ كتبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ)، وَقَالَ
стр. 919
بَعضُهم: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيْض عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أكثر.
(باب كيف كان بدء الحيض): فيه ما سَبق في (باب كيفَ كانَ بَدءُ الوَحي).
(وقول النبي ﷺ ) تعليقٌ من البخاريِّ هنا وَصَله في (باب: تقضِي الحائضُ المَناسِكَ كلَّها)، وإمَّا أنَّه مَروِيٌّ أيضًا.
قلت: كذا قال بعضُ العَصريين، وليس في الباب المذكور شيءٌ، بل هو الحديثُ الذي أَوردَه البخاريُّ في هذا الباب، فلا حاجةَ لادعاء وَصلِه بمواضِعَ أُخَر؛ نعم، لفظُه هنا (أمرٌ) بدل (شيءٌ)، فـ (شيءٌ) إمَّا روايةٌ بالمعنَى، وإمَّا أنَّه مَروِيٌّ أيضًا.
الحديث (م س ق):
(بنات آدم)؛ أي: أصلُه الصُلبيَّة، ولكنْ عَمَّمَه العُرفُ في وَلَدِ الوَلَد أيضًا.
(وقال بعضهم) هو ابنُ مَسعودٍ، رواه ابنُ أبي شَيبَة.
(أول) هو اسم (كانَ) وخبَرها: (علي بني إسرائيل) وعبَّر بِـ (بنِي) والأصلُ (بنات)؛ لأنَّ المُرادَ: (أولادُ) كما يُرادُ في (بنِي آدم)، أو المُرادُ: القبيلةُ.
(أكثر)؛ أي: أشمَلُ لتَنَاولِه بنِي إسرائيلَ وغيرِهِنَّ، وفي بعضها: (أكبَرُ) بالمُوحَّدة، وقال الدَّاودِيُّ: لا تَخَالُفَ بينَ القَولَين، فإنَّ نِساءَ بنِي إسرائيلَ من بناتِ آدم.
стр. 920
قال (ط): وكتبَه علي بناتِ آدمَ، لأنَّه من أصلِ خِلقَتِهِنَّ الذي فيه صلاحُهُنَّ كما قال تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وفسَّره بعضُهم بأنَّه ردَّ إليها حَيضَها، فإنَّها إذا ارتفَعَ حيضُها لا تَحمِلُ في العادةِ التي لا تنخَرِم، ولهذا قال في إبراهيمَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، أي: فحاضَت، وهو دليلٌ على أنَّ الحَيضَ كان قبلَ بنِي إسرائيلَ.
* * *
١ / -م - باب الأَمرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ
(باب الأمرُ بالنُّفَساء إذا نَفِسْنَ): توجَدُ هذه التَّرجَمة في بعض النُّسخِ، والمُرادُ بالنُّفَساءِ: الحائِضُ -كما سيأتي- إنْ نَفِسَتْ؛ يعنِي: حاضت، والباء فيه زائدة، أي: أمرُ النُّفَساءِ، لأنَّها مأمورَةٌ لا لا مأمورٌ بِها.
و (نفسن): قال (ك): بضَمِّ النُّون. وفيه نظر! فإنَّه إذا كان المُرادُ الحيضَ، فإنَّ الأكثَرَ فتحُها كما سيأتي، وقال: وذَكَّره؛ فالضَّميرُ راجِعٌ إلى النُّفَساءِ باعتبار الشَّخصِ، أو لعَدَم الالتِباس؛ لاختِصاصِ الحَيض بالنِّساء، كما قالوا: حائِضٌ وحامِلٌ وطالِقٌ.
* * *
стр. 921
٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمعتُ عَبْدَ الرَّحمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمعتُ الْقَاسِمَ يَقُولُ: سَمعتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَناَ أَبْكِي قَالَ: (مَا لَكِ أنُفِسْتِ)، قُلْتُ: نعم، قَالَ: (إِنَّ هَذَا أمرٌ كتبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفي بِالبَيْتِ)، قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالبقَر.
(سفيان)؛ أي: ابن عُيينَةَ.
(لا نرى)؛ أي: لا نقصِدُ إلا الحجَّ، لأنَّهم كانوا يتَنَزَّهونَ عن العُمرةِ زمَنَ الحجِّ.
(سرف) بفتحِ المهمَلة والفاء، غيرُ مُنصَرِفٍ، موضِعٌ قربَ مكَّة، وقد يُصرَفُ باعتِبارِ إرادَةِ المَكانِ.
(أنفست)، قال (ن) في "التهذيب": ضمُّ النُّونِ في الوِلادة أكثرُ من فَتحها، وفي الحيضِ بالعكس.
وفي "شرح مسلم" نحوَه؛ نعم، قال الهَرَوِيُّ: إنَّه في الوِلادة بالفَتح لا غير، وأصلُ ذلك كلِّه منَ (النَّفْس) وهو الدَّم.
(الحاج)؛ أي: جِنسُ الحُجَّاجِ، مثلُ قوله تعالى ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧].
(غير) بالنَّصب.
стр. 922
(أن لا تطوفي)؛ أي: أن تطوفي، فـ (لا) زائدة، وإلا فغيرُ عَدم الطَّوافِ هو نفسُ الطَّوافِ، و (أنْ) هذه مخفَّفة من الثَّقيلة، وفيها ضميرُ الشَّأنِ، و (تطوفي) مجزوم (لا)، أي: لا تطوفي ما دُمتِ حائِضًا.
(بالبقر) في بعضِها: بـ (بالبقرة)، لأنه كتمرةٍ وتَمْرٍ.
وفي الحديثِ جواز البُكاءِ والتَّحزُّنِ عندَ حصولِ مانعِ العبادَةِ، بل يُندَبُ، واشتراطُ الطَّهارة في الطَّوافِ، وإجزاءُ البقَرةِ الواحدةِ عن النِّساء على روايته بالتَّاء، وتضحِيةُ الزَّوج لامرأتِه، أي: بإذنٍ، فهو مَحمول على أنَّ النبيَّ ﷺ استأذَنهنَّ.
وقال التَّيمِيّ: يتعلَّق بالحيضِ أحكامٌ، فذَكَرَها، وهي معروفةٌ.
* * *
٢ - بابُ غَسْلِ الحَائِضِ رأسَ زوجِهَا وَترْجِيلِهِ
(باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله): بالجيم.
٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُروَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأناَ حَائِضٌ.
الحديث الأول:
(أُرجل رأس)؛ أي: أُسَرِّحُ شعرَ رأسِ، من مَجازِ الحَذفِ، أو
(كل ذلك)؛ أي: الخدمة والدنو.
(هين)؛ أي: سَهلٌ، يُشدَّدُ ويُخَفَّفُ، كمَيِّتٍ ومَيْتٍ.
(وكل ذلك تخدمني)؛ أي: الحائضُ والجُنُب، وجازت الإشارَةُ بذلك إلى اثنَين كما في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، و (كل) هنا إمَّا رفعٌ بالابتِداء، أو نَصب على الظَّرفيَّة، أو مَفعولٌ بِـ (تخدمُنِي).
(على أحد)، أي: أنا وغيري، فعَمَّم للمُبالغة، ولم يقُلْ: (عَلَيَّ).
(حائض) لم يقل: (حائِضَة) لاختِصاصِ الحَيضِ بالنِّساء، فلا حاجَةَ إلى التَّفرِقَةِ بالتَّاء إلا حيثُ التبسَ كحامِلَةٍ ومُرضِعَةٍ، فمَن كان ذلك فيها بالفِعلِ يُؤتَى بالتَّاء، أو بالقُوَّة فتُترَكُ، كما قالَ الزَّمخشرِيُّ في: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]: أنَّ المُرضِعة هي التي في حالِ الإرضاعِ تُلقِمُ ثَديَها، والمُرضِعُ التي من شأنِها ذلك، وإن لم تكنْ حينَ إِرضَاعٍ.
(حينئذ)؛ أي: حينَ التَّرجيلِ.
(مجاور)؛ أي: مُعتَكِفٌ.
(يُدني)؛ أي: يُقرِّبُ.
(حُجرتها) بضَمِّ المُهمَلة، أي: بيتِها.
ووَجهُ دلالةِ الحديث على ما في التَّرجَمة من دنُوِّ الجُنُب؛ القياسُ على الحائضِ بجامعِ الحدَث الأكبر، بل قياسٌ جَلِيٌّ لأَولَوِيَّة الفَرعِ
стр. 925
بالحُكمِ، لأنَّ الاستِقذارَ من الحائِضِ أكثرُ.
وفي الحديثِ: أنَّ إخراجَ المُعتكِفِ بعضَه كيدِه ورِجلِه ورَأسِه لا يُبطِلُ اعتكافَه، وأنَّ إدخالَ الحالِفِ أنْ لا يدخُلَ دارًا فَدَخل بعضُه لا يَحنَثُ، واستِخدامُه الزَّوجَةِ في غُسلٍ ونحوِه برِضاها، إنَّما عليها تَمكينُه من نَفسِها، وملازمَةُ بَيتِها.
قال (ط): وأنَّ الحائِضَ طاهرٌ، وتَجوزُ مُباشرتُها، ويكونُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، المُرادُ الجِماعُ، أو ما دونَه من اللَّذَّةِ لا المَسُّ، وفيه ترجيلُ الشَّعرِ للرَّجُل ونحوِه من الزينةِ، وأنَّ الحائضَ لا تدخُلُ المَسجِدَ.
قال: وأنَّ المُباشَرَةَ الخفيفَة لا تنقُضُ الوضوءَ خلافًا للشَّافعي.
قال (ك): ليسَ حُجَّةً على الشَّافعيِّ؛ لأنَّه لا يقولُ بأنَّ مسَّ الشَّعر ينقُضُ الوُضوءَ.
* * *
٣ - بابُ قِرَاءةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امرَأَتِهِ وَهْي حَائضٌ
وَكَانَ أبو وَائِلٍ يرسِلُ خَادِمَهُ وَهْيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ، فتَأْتِيهِ بِالمُصحَفِ فتمسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ.
(باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض): الحَجرُ: بفتحِ
стр. 926
الحاء وكَسرها، والجيمُ ساكنةٌ، وجَمعُه: حُجورٌ.
(أبو وائل) شَقيقٌ.
(إلى أبي رزين) بفتح الراء وكسر الزَّاي، هو مسعودُ بنُ مالكٍ، مولى أبي وائلٍ.
(خادمه) يصدُق على الذَّكر والأُنثى، فلذلك قال: (وهي) بالتَّأنيث.
(بعلاقته) بكسرِ العَين.
* * *
٢٩٧ - حَدَّثَنَا أبو نعيم الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، سَمعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُور بْنِ صَفيَّةَ: أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثتهُ: أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثتهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يتكِئُ فِي حَجْرِي وَأَناَ حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرأُ القُرآن.
(منصور بن صفية) نُسِبَ لأمِّه، لأنَّه يَروي عَنها واشتُهِرَ بِها، وإنَّما هو منصورُ بنُ عبدِ الرَّحمن الجُمَحِيِّ.
(أن أمه)؛ أي: صفيَّةُ بنتُ شَيبَةَ.
(يتكئ) بالهَمزِ بوزن: يَفْتَعِلُ.
(وأنا حائض): جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل (يتَّكِئُ)، أو من الياءِ المُضافِ إليها، وجاز ذلك إذا لم يكن المضافُ كجُزءٍ من المُضافِ إليه لِشِدَّة اتِّصاله به، نحو: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥].
стр. 927
(في حجري)؛ أي: عليَّ، كما في ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وذلك لإرادة التَّمكُّن، لأنَّ المَظروف متمَكِّنٌ في الظَّرف.
قال (ط): غرضُ البخاريِّ الاستدلالُ على جوازِ حَمل الحائضِ المصحفَ وقراءتِها القرآنَ، لأنَّ المُؤمنَ الحافظَ له أكبرُ أوعيتِه، وها هو ﷺ أفضلُ المؤمنين في حَجْرِ الحائِضِ تاليًا للقُرآنِ.
واختُلفَ في حَمل الحائضِ والجُنُب للمُصحف بعَلَّاقَتِه، فقيل: يجوزُ كحَملِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ فيها ذِكرُ الله تعالى، ولحديثِ: "إنَّ المؤمنَ لا ينجُسُ"، ولكتابِه ﷺ إلى هِرَقلَ وفيهِ من القُرآنِ، مع عِلمِه بأنَّهم يَمَسُّونه وهم أنجاسٌ، فدلَّ الدَّليلُ على أنه لا فرقَ بين القُرآن وغيرِه من ذكرِ الله ، ومنَعَه الجُمهور لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، ولكتابِه ﷺ إلى عَمرِو بنِ حَزْمٍ -بفتح المهملة وسكون الزاي-: "لا يَمَسَّ المُصحفَ إلا طاهِرٌ".
قال (ك): إنَّما قصدَ البخاريُّ بذلك جوازَ القراءةِ بقُربِ مَوضع النَّجاسة، وكونُ المُؤمنِ يقرأُ وهو في حَجْرِ الحائض لا يدلُّ على جوازِ الحمل، ولذلك جازَ الحملُ في أمتِعَةٍ في صندوقٍ ونحوِه لفَقدِ المَعنَى في تحريمِ الحَمل.
وأيضًا فالمنهيُّ الحَملُ والمَسُّ والاتِّكاءُ، لا حَملٌ ولا مَسٌّ، ولا يقاسُ على الدَّراهم والدَّنانير، لأنَّه لم يُكتَب فيهما بقَصد القراءة والدِّراسة، ولذلك لا يجري فيه أحكامُ القرآن، ولا يُقاسُ أيضًا على
стр. 928
الذِّكر، لأنَّ القرآنَ قديمٌ صفةٌ للباري تعالى، فلا يساويه الذِّكرُ.
وأمَّا مكتوبُ هِرَقْلَ فلم يُكتَب أيضًا للقراءَة، فهو كقَصيدةٍ فارسيَّةٍ فيها كلمةٌ عربيَّةٌ، لا يقال للكلِّ عربيٌّ؛ لأنَّ الاعتبارَ بالغالِبِ، ثمَّ ذلك كلُّه لا يُقابِل دليلَ الجُمهورِ من الآية والحديث.
وحَملُهم (المُطهَّرون) على النَّزاهةِ من الشِّركِ لا ينافي الحَملَ على الأعمِّ؛ إذ القَصدُ الكمالُ، فيُحملُ على الطَّهارة من الأنجاسِ والأخباثِ، لا سيما وفي لفظِه المبالغةُ.
* * *
٤ - بابُ مَنْ سَمَّى الَنِّفَاسَ حَيْضًا
(باب من سمى النفاس حيضًا): سيأتي أواخرَ الكلام في الحديثِ ما في التَّرجَمةِ من الإشكالِ.
٢٩٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هشَام، عَنْ يحيَى ابْنِ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَن زينَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثتهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثتهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَناَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجعَةً فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي قَالَ: (أنُفِسْتِ؟)، قُلْتُ: نعم، فَدَعَانِي فَاضْطَجعتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ.
(مضطجعة) ورُوِيَ برفعه ونَصبه، والطَّاءُ بدلٌ من تاءِ الافتِعال.
стр. 929
(خميصة) كِساءٌ مربَّعٌ أسودُ له عَلَمانِ.
(فانسللت)؛ أي: ذهبتُ بخُفيَةٍ، وفعلُها ذلك إمَّا تُقذِّرُ نفسَها أن تُضاجِعَه وهي كذلك، أو خشيةَ أن يُصيبَه من دَمِها، أو أن يَطلبَ منها استِمتاعًا.
(حيضتي) بفتح الحاء وكسرها، أي: المرَّة أو الهَيئَة، لكنْ قال (ن): الكَسرُ هو الصَّحيحُ المَشهورُ؛ إذ المُرادُ: حالةَ الحيض، انتهى.
وفي بعضِها: (حيضي)، بلا تاء، ولعلَّها خصَّت بعضَ ثِيابِها بزمانِ الحَيض.
(أنفست)، بفتح النُّون كما سبق أنَّه الأكثرُ في الحَيض، والضَّم في الوِلادة أكثرُ.
قال (خ): ترجَمةُ البخاريِّ وَهْمٌ، لأنَّ الكلِمةَ مأخوذةٌ من النَّفْسِ، وهو الدَّم، وإن فرَّقوا بين بناء الفِعل من الحَيض ومن النِّفاس.
قال (ش): بَناه على أنَّه لا يقال: (نُفِستِ) بضَمِّ أوله في الحيض، والبخاريُّ بَنَى كلامَه على أنَّه لا يُقال فيهما مَعًا، واللُّغةُ تُساعِدُه.
قال: وعلى هذا فقيل: كانَ حقُّ التَّرجمة (مَن سَمَّى الحَيض نِفاسًا) إلا أنَّه لَمَّا لَم يَجِد حديثًا في النِّفاس؛ وقد سَمَّى النبيُّ ﷺ الحيضَ نِفاسًا؛ فَهِمَ منه أنَّ حُكمَهما واحدٌ لاشتراكِهما في التَّسمية، أي: فتحرُمُ الصَّلاةُ، وسائرِ أحكامِ الحَيض.
(الخملية) ثَوبٌ من صُوفٍ له خَمْلٌ.
стр. 930
وقال النووي: الخَميلةُ والخَميلُ -بحذفِ الهاء- هي: القَطيفَةُ، وهي كلُّ ثَوبٍ له خَمْلٌ، أي نوعُ كَمالٍ، وقيلَ: هي الأسوَدُ من الثِّيابِ.
قلت: أمَّا كلامُ الخَطَّابيِّ، والجوابُ عنه (١)، لم يتحصَّل في منه شيء، وأمَّا الاعتراضُ الآخَر فقاله (ط)، ونقلَه عنه (ك).
وقال: إنه ليس الذي ظنَّه (خ) وَهْمًا؛ لأنَّه إذا ثبتَ هذا الفرقُ، والرِّوايةُ التي هي بالضمِّ صحيحةٌ؛ صحَّ أن يقالَ حينئذٍ: سَمَّى النِّفاسَ حَيضًا.
قال: وأيضًا يحتملُ أنَّ الفَرقَ لم يثبُت عندَه لغةً، بل وُضِعَت (نفست) مفتوحَ النُّون ومضمومَها عنده للنِّفاس بمعنى الوِلادة، كما قال بعضُهم بعدَمِ الفَرقِ، بأنَّ اللَّفظَين للحَيضِ والوِلادة كِلَيهما.
قال صاحب "شرح تراجم الأبواب" في جواب السُّؤال: إنَّ تقديرَه بقرينةِ ذكرِ الحديثِ بعدَه: مَن سَمَّى حَيضًا بالنِّفاس، بتقديرِ حرف الجَر وتقدُّمِه، أو: مَن سَمَّى حيضًا النِّفاسَ، بتقدير تقدُّمِه فقط.
قال: والفائدةُ في التَّسميَة أنَّ حكمَهما واحدٌ.
قال (ك): ولكن لا يدلُّ على أنَّ حكمَ النفاس حكمُ الحيض، بل على العكسِ، أي: كما قاله صاحبُ التَّراجم.
* * *
الأولى همزةُ المُتكلِّم، وهي في الفِعل الخماسيِّ وَصلٌ، والثانية فَاءُ (أفتَعِلُ) أُبدِلت ألِفًا لوُقوعِها بعدَ همزةٍ مفتوحةٍ.
وخَطَّأَ الزَّمَخشَرِيُّ في "المفصَّل" أيضًا مَنْ قالَ: (اتَّزرُ) بالإدغامِ.
وأمَّا ابنُ مالكٍ فحاولَ تخريجَه على وجهٍ يصحُّ، وقال: إنَّه مقصورٌ على السَّماع كـ (اتَّكلَ)، ومنه قراءةُ ابنِ مُحَيصِن: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، بألفِ وَصلٍ وتاءٍ مشدَّدةٍ.
قال (ك): هو من الرُّواةِ عن عائشة، فإنْ صحَّ عنها كان حُجَّةً في الجواز؛ لأنَّها من فُصَحاءِ العَرب، فلا خطأَ.
(فيباشرني)؛ أي: بمُلاقاة البَشَرةِ البَشَرةَ بلا جِماعٍ؛ لأنَّ الجِماعَ حرامٌ.
قال (ن): إجماعًا، ومن اعتَقَد حِلَّه كَفَر، ومن ارتكَبَه عالِمًا عامِدًا مُختارًا فقد ارتَكَب كبيرةَ، نصَّ عليه الشَّافعيُّ.
واختُلف في وجوبِ الكفَّارة عليه، أمَّا النَّاسي أو الجاهلُ بالحَيض أو بالتَّحريم أو مُكرَهٌ؛ فلا إثمَ عليه ولا كفارةَ، والكفَّارةُ في القِسم الأوَّل فيها قولانِ للشَّافعيِّ، أصحُّهما وبه قالَ الأئمَّة الثَّلاثة: لا تجبُ، والثاني: تجبُ، فقيل: عِتقُ رقَبة، وقيل: التَّصدُّقُ بدينارِ أو نصفِ دينارٍ، على الاختِلاف في أنَّ الدينارَ في أوَّل الدَّم، والنصفَ في آخِره، أو الدينارُ في الدَّم، والنصفُ بعد انقِطاعه.
وأمَّا المُباشرة فيما فوقَ السُّرَّة وتحتَ الرُّكبة بالذَّكَر أو باللَّمسِ أو
стр. 933
بغيره؛ فحلالٌ اتِّفاقًا.
وأمَّا فيما بينَ السُّرَّة والرُّكبة في غيرِ القُبُلِ والدُّبُر؛ فأصحُّ الأوجُه: حرامٌ، وثانيها: مَكروهٌ، فمن وقع حولَ الحِمى يوشِكُ أن يقعَ فيه. قال: وهذا أقوَى دليلًا، وهو المُختارُ، وثالثُها: إنْ كانَ يضبِطُ نفسَه عن الفَرجِ ويثِقُ باجتِنابها لضَعفِ شَهوةٍ أو شِدَّة وَرعٍ؛ جاز، وإلا فلا.
ثمَّ اختَلَفوا بعدَ الانقِطاعِ، فمَنَعَ الجُمهورُ الوَطْءَ، حتى تغتَسِلَ لآية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال أبو حنيفةَ: إذا انقَطعَ الدَّمُ لأكثرِ الحَيضِ حلَّ الوطءُ في الحال.
* * *
٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ معتكِفٌ، فَأغْسِلُهُ وَأَناَ حَائِضٌ.
(معتكف) الاعتكافُ: لُبْثٌ في المَسجدِ بنِيَّة، وأصلُه من الحَبْسِ.
وفي الحديث: طهارةُ عَرَقِ الحائض، وجوازُ خِدمتِها، وأنَّ الزَّوجَ تَخدِمُ زَوجَها برِضاها، وأنَّ إخراجَ الرَّأسِ من المَسجد لا يُبطِلُ الاعتكافَ، وسبقَ ذلك.
* * *
٣٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أبو إسْحَاقَ -هُوَ الشَّيْبَانِيُّ-، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ
стр. 934
الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحدَاناَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأيُّكم يملِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يملِكُ إِربَهُ؟
تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِي.
الحديث الثاني:
(أبو إسحاق)؛ أي: سُلَيمانُ بنُ فَيرُوزَ.
(هو الشيباني) بفتح المعجمة، وإنَّما قال (هو) للتَّنبيه على أنّه من قولِه لا من قولِ الرَّاوي عن أبي إسحاقَ.
(كانت إحدانا) وقَع في "مسلم": (كان إحدانا)، وتخريجُه على حكاية سيبويهِ عن بعضِ العربِ: قالَ فلانةُ.
(تتزر)؛ أي: تشُدُّ إزارًا لسَترِ سَوأَتِها، وفي "الصَّحيح": (تأتَزِرُ) بلا إدغام.
(فور) بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء، أي: قُوَّة وشِدَّة، ومنه: فارَ القدرُ فَورًا: جاشَت، والمُرادُ عند ابتداءِ الحَيض وكَثرَته، ورواه أبو داود في "سننه": (فَوح)، بالحاء المهمَلة.
(لإربه) بكسرِ الهمزة وسكونِ الرَّاء في رواية الجُمهور، ورواه أبو ذَرٍّ بفتح الهمزة والرَّاء، وصوَّبَه النَّحاسُ، والخَطَّابِيُّ، وهو على معنَى الحاجَة.
والأوَّلُ قال (ك): أي: العُضْوُ الذي يُستَمتَعُ به، أي: الفَرْجُ.
стр. 935
قلت: فيكونُ واحدَ (الآَراب)، كما في حديثِ: "أُمرتُ أن أَسجُدَ على سبعةِ آرابِ"، يُعبَّر به عن إِربٍ خاصٍّ، وهو الذَّكَر.
قال ابنُ الأثير: أو يكونُ لغة في الأَرَبِ بالفتح، وهو الحاجَةُ، فإنَّه يقالُ فيها: إِرْبَةٌ ومَأرَبةٌ. قال: ولكنَّ أكثرَ المُحدِّثين يروُونَه بفتحِ الهمزة والرَّاء.
قال (ن): إنَّ الخطَّابِيَّ اختارَ الفتحَ وأنكَرَ الكَسرَ وعابَه على المُحدِّثين.
وذكرَ (ك) كلامَ (خ) في "الأعلام" و"المَعالِم"، وليسَ فيه إلا حكايةُ الوَجهَين فقط، كأنه يُريدُ بذلك نقلَ (ن).
قلت: لكنْ من حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يَحفَظ.
قال (ط): في الحديثِ بيانُ أنَّ قولَ الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ [البقرة: ٢٢٢]، مَعناه الجِماعُ لا المُؤَاكلَةُ والاضطِّجاعُ، وذلك بعدَ قوله ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إذ فيه معنًى لطيفٌ كما أشار إلى تقريرِه (خ) بأنَّ كونَ دمِ الحَيض أذًى لا يخفَى على أحدٍ، وإنَّما أُريدَ أنَّ الاعتزالَ إنَّما هو عن مَوضعِ الأذى فقط، ولا يتَعدَّى إلى غيرِه من سائر بدنِها، ولا يَخرُجْنَ من البيوتِ كفِعلِ المَجوسِ واليَهود.
قال الطحاوي: الجماعُ في الفَرْجِ يوجِبُ الحَدَّ، والمَهرَ، والغُسلَ، وغيرُه لا يوجِبُ ذلك، فالجِماعُ فيما دونَ الفَرجِ تحتِ الإزارِ أشبَهُ بالجماع فوقَه منه بالجِماعِ في الفَرْجِ، فثَبَت أنَّ ما دونَ الفَرجِ مُباحٌ.
стр. 936
قال (ك): أمرُه ﷺ بشد الإزار يدلُّ على خِلافِ ذلك؛ لأنَّه لا يَخافُ تعرُّضَ الفَرج؛ لمِلكِه لإرْبِه، فدَلَّ على أنَّه لامتِناعه مِمَّا قَارَبَه.
(تابعه خالد) (١) هو ابنُ عبدِ الله الطَّحانُ، والضَّمير لعليِّ بنِ مُسْهِرٍ، وقد وصَلَها أبو القاسمِ التَّنُوخِيُّ في "فوائده"، ووصَلَها الطَّبَرانِيُّ بسَنَدِ آخرَ.
(وجرير) بالجيم والرَّاء المكررة، أي: ابنُ عبدِ الحَميدِ، ووَصَل متابعتَه أبو يَعلَى في "مسنده"، والإسماعيلِيُّ عنه.
(عن الشيباني)؛ أي: أبي إسحاقَ المَذكور، أي: عن عبدِ الرَّحمنِ ... إلى آخره.
* * *
٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبو النُّعمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمعتُ مَيْمُونة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امرَأةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهْيَ حَائِضٌ.
стр. 937
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
الحديث الثالث:
(أبو النعمان)؛ أي: المعروفُ بعَارِمٍ.
(وهي حائض) جملةٌ حاليَّةٌ من مَفعول (يُباشِرُ) على الظَّاهر، أو من مفعول (أمَرَ)، أو من فاعل (اتَّزَر).
قال (ك): ويحتملُ أنَّه حالٌ من الثلاثةِ جَميعًا.
(رواه سفيان)؛ أي: الثَّوريُّ، أو ابنُ عُيينَةَ، فلا يضرُّ إبهامُه؛ لأنَّهما على شَرطِه، لكنَّ الأوَّلَ أولى، فقَد وصَلَ هذه المتابَعةَ أحمدُ في "مسنده" عن الثَّورِيّ.
قال (ك): وإنما عبَّر بِـ (رواه)، ولم يَقل: (تابَعَه)؛ لأن الرِّوايةَ أعمُّ من المُتابعة، فلعلَّه لم يَروِها متابعةً.
* * *
٦ - بابُ تَركِ الحَائِضِ الصَّوْم
(باب ترك الحائض الصوم)
٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مريَمَ قَالَ: أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ جعفَرٍ،
(المصلى)؛ أي: مكانُ الصَّلاة، وفي العُرفِ مكانُ صلاةِ العيدِ.
(أُريتكن) بضَمِّ الهمزة، أي: أُخبِرتُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى ثلاثة.
(بم)؛ أي: (بِمَا) فَحُذِفت الألفُ تَخفِيفًا.
(اللَّعن)؛ أي: الدُّعاءُ به، وهو: الإبعادُ من الله.
(وتكفرن) من الكُفْرِ، وهو: السَّتْرُ، وكُفْرُ النِّعمَةِ سَتْرُها.
(العشير)؛ أي: المُعاشِر، وهو المُخالِط، والمرادُ: يَجحَدْنَ نِعمةَ الزَّوجِ، والخِطابُ عامٌّ غُلِّبَتْ فيه الحاضِراتُ على الغُيَّب، وقد اتَّفقَ العُلماءُ على تَحريم اللَّعن؛ لأنَّه لا يُدعى بالبُعدِ من رحمة الله على من لا يُعرَفُ خاتِمَةُ أمره بالقَطع؛ إلا بنصِّ الشَّارع على مَوتِه كافرًا كأبِي جَهلٍ وإبليسَ، أمَّا لَعنُ ذي وَصفٍ بلا تعيين كالظَّالمين والفاسقين والكافرين فجائزٌ.
(من ناقصات): صفةٌ لمَحذوف، أي: أَحَدًا.
(عقل) هو عند الأَشعَرِيِّ: العِلمُ ببَعضِ الضَّروريَّات الذي هو مَنَاطُ التَّكليفِ.
وربَّما قيلَ: هو العِلمُ بوجوبِ الواجباتِ، ومَجاري العاداتِ، أو بِما يُعرَف به حُسْنُ الحَسَنِ، وقُبْحُ القَبيحِ.
وقيلَ: غَريزَةٌ يتبَعُها العِلمُ بالضَّروريَّات عندَ سلامة الآلات،
стр. 940
وليس هذا مَوضعُ تَحقيقِه.
(أذهب) من (الإِذهابِ) على قَول سيبويهِ: يجوزُ بناءُ (أفعل) التَّفضيلِ من مَزيدِ الثُّلاثيِّ.
(للب) بضَمِّ اللام وتشديد الموحَّدة: العقلُ الخالصُ من الشَّوائبِ، وسُمِّي بذلك؛ لأنَّه خالصُ ما في الإنسان من قُواه، فكلُّ لُبٍّ عقلٌ ولا العكسُ.
(الحازم) من الحَزْمِ، وهو ضَبْطُ الشَّخصِ أمرَه.
(ديننا وعقلنا) في بعضها: (دينها وعقلها)، وقيلَ: المراد بالعَقْلِ: الدِّيَةُ؛ لأنَّها نصفُ دِيَةِ الرَّجُل، وهو بعيد، أي: لأنَّ في الحديث ما يدفَعُه.
(فذلك) -بكسرِ الكاف- خِطابٌ عامٌّ، وإلا لقال: (فذلِكُنَّ).
قال (ن): فيه جُمَلٌ من العُلومِ: الحثُّ على الصَّدَقة والمَبَرَّات، وأنَّ الحَسناتِ يُذهِبْنَ السيئاتِ، وأنَّ كُفرانَ العَشيرِ من الكبائرِ، يدلُّ عليه التَّوعُّدُ بالنَّار، وكذا إكثارُ اللَّعنِ، وجوازُ إطلاقِ الكُفرِ على غَير الكُفْرِيَّات، والمُراجَعة فيما لا يظهرُ معناه، وكَونُ شهادةِ امرَأَتين بشَهادَةِ رجُلٍ واحِدٍ، واستحبابُ تذكيرِهِنَّ الآَخرةَ، وحضورُهن مَجَامعَ الرجال، لكنْ بِمَعزِلٍ عنهنَّ خوفَ الفِتنَة، وخروجُ الإمامِ للمُصلَّى في العيد، وأنَّ نَقصَ الدِّين قد يكونُ مع عدم الإثمِ كتاركِ الجُمُعة لعُذرٍ،
стр. 941
مع الأمر بالتَّرك كتَرك الحائِضِ الصَّلاةَ والصَّومَ، وليست كالمريضِ الذي يُثابُ ويُكْتَبُ له في مَرَضه نوافلُ الصَّلاة التي كان يفعلُها في صِحَّته، لأنَّ ظاهرَ الحديث أنَّها لا تُثابُ، والفَرقُ أنَّه أهلٌ أن ينوِيَ أنه يفعلُ لو كان سالمًا، وهي ليست بأهلٍ، ولا يُمكنُ أن تنويَ لأنَّها حرامٌ عليها.
قال (خ): وأنَّ مِلاكَ الشَّهادة العَقلُ.
قال (ط): وأنَّ الحائضَ يسقُط عنها فرضُ الصَّوم والصَّلاة، وفيه الشَّفاعةُ للمساكينِ وغيرِهم، والسُّؤالُ لغَيره خلافًا لمَن كَرِهَهُ، وأنَّ للخطيبِ في العيد أن يُفرِدَ النِّساءَ باللِّقاءِ والمَوعِظَة، وأنَّ الصَدقة تُكَفِّرُ الذُّنوبَ التي بين المَخلوقين، والوعظُ بكلمةٍ فيها شِدةٌ، لكنْ لا لواحدٍ معيَّنٍ؛ فالمُصيبَةٌ إذا عَمَّت هانَت، وفيه تركُ العَيب للرَّجل إن تغلَّبَ مَحبَّةُ أهله عليه.
قال الطِّيبِيُّ: الجوابُ من أُسلوب الحكيم، لأنَّ (ما رأيتُ ...) إلى آخره زيادَةٌ، فإنَّ قولَه: (يُكثِرْنَ اللَّعنَ، ويَكفُرنَ العَشير) جوابٌ تامٌّ، فكأنَّه من بابِ الاستِتْباعِ، إذ الذَّمُّ بالنُّقصانِ استَتْبَعَ الذَّمَ بأمرٍ آخرَ غريبٍ، وهو كونُ الرَّجلِ الكاملِ مُنقادًا للنَّاقِصاتِ دِينًا وعَقلًا.
* * *
(أني) بفتح الهمزة.
(لم أحج)؛ أي: لم أقصِد الحجَّ هذه السَّنة؛ لأنَّ قولَها ذلك كان قبلَ فعلِ شيءٍ من الحجِّ.
(لعل) توقُّعٌ لمَرجُوٍّ أو مَحذوفٍ، وقال الجَوهرِيُّ في موضعٍ آخرَ: إنَّها كلمةُ شَكٍّ.
(نفست)؛ أي: حِضْتِ، فهو بفتح النُّون على الأشهر أو ضمِّها كما سبق.
(على بنات آدم)؛ أي: ليس خاصًّا بك، بل شيءٌ امتَحَنَ الله به بنات آدم، وتعبَّدَهُنَّ بالصَّبرِ عليه، ففيه تَسلِيَةٌ وتَخفيفٌ لِهمِّها.
(حتى تطهري) تعلَّقَ بِهذه الغايةِ مَن اكتَفى فِي صِحَّةِ الطَّوافِ بالانقطاع، وإنْ لم تَغتَسِل، وجوابُه: وجودُ دليلٍ آخرَ على مَنعِ الطَّواف بلا طهارةٍ، كحديث: (الطَّوافُ بالبيتِ صَلاة) ونحوِه، فلا يلزَمُ من ذِكرِ غايةِ الاكتِفاءِ بِها كما في: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] إذ المُرادُ: يُطلِّقُها وتنقَضي عِدَّتُها منه، أو أنَّ المرادَ: تطهَّري طهارةً كاملَةً، فإنْ صحَّت رواية: (تطهَّري) -بالتَّشديد- فهو واضحٌ في وجوبِ الغُسلِ.
وفي الحديث منعُها من المسجدِ، وصحَّةُ أفعالِ الحجِّ من الحائِضِ، والنُّفساءِ، والجُنُب، والمُحدِثِ؛ سوى الطَّوافِ، فقيلَ: عِلَّته منعُ الطَّوافِ بلا طهارة، وقيل: الطَّوافُ صحيح، والمنعُ لأجلِ اللُّبثِ.
стр. 946
وفيه استحبابُ حَجِّ الرَّجلِ بامرَأته، وتقدَّم سائرُ مباحثِه أولَ (الحَيضِ).
قال (ط): البابُ كلُّه في جوازِ تلاوةِ القُرآن للحائضِ والجُنُبِ، سواءٌ كانَ مذهبَ البخاريِّ، أو حكايةً لذلك، فمنع الأئمَّةُ الثلاثةُ غيرَ مالكٍ، واختُلِفَ في قَولِ مالكٍ فيها وفي الجُنُب.
وقال أبو حنيفة: لا يقرأُ الجُنُبُ إلا بعضَ آيةٍ، ومنَعَ الشَّافعِيُّ قليلَ القراءةِ وكثيرَها.
قهال المُهلَّبُ: الواجبُ تنزيهُهُ عمَّن لم يكنْ على أكمَلِ أحوالِ الطَّهارة؛ لقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣، ١٤].
* * *
٨ - بابُ الاِسْتِحاضَةِ
(باب الاستحاضة): سبَقَ تفسيرُها وتفسيرُ الحديث المَذكور هنا، ويُعلمُ منه أنَّ حُكمَ المُستحاضَةِ حُكمُ الطَّاهرة إلا في مواضعَ مبسوطةٍ في الفِقه.
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مالكٌ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أنها قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أفأَدعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ
стр. 947
فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهبَ قَدرُها فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي).
(قدرها)؛ أي: قدرُ الحَيضة، وذلك باعتبار كونِها مبتدأةً، أو معتادةً مميِّزةً، أو غيرها، وهو مبيَّنٌ في الفِقه أيضًا.
والحديثُ يُشعرُ بأنَّ السائلَةَ مميِّزةٌ.
وفي الحديثِ استفتاءُ مَن وقعت له مسألةٌ، وجوازُ استِفتاءِ المَرأة بنَفسها، ومُشافَهتِها الرِّجالَ بما يتعلَّق بالنساء، واستِماع صوتها عند الحاجَة.
* * *
٩ - بابُ غَسْلِ دَمِ المَحيضِ
(باب غسل دم المحيض): في بعضِها: (الحيض)، وفي بعضِها: (الحائض).
٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مالكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ: أَنَّها قَالَتْ: سَألتِ امرَأةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِحدَاناَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصنعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ، فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ).
стр. 948
الحديث الأول:
(أرأيت)؛ أي: أخبِرني، وفيه مَجازان.
(فلتقرصه) بالقاف وضمِّ الراء وصاد مهملة، أي: تقطَعه.
(ولتنضحه) بكسر الضاد، وفي بعضِها: بفتحها، وسبق بيان ذلك ومباحثُه.
* * *
٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَصبَغُ، قَالَ: أَخْبَرني ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحدَاناَ تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِها عِنْدَ طُهْرِها فتغْسِلُهُ، وَتنضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ.
الحديث الثاني:
(تقرص) في بعضِها: (تقترص)، لأنَّه إذا قُرِصَ كان أحرى أن يذهبَ أثرُه.
(فتغسله) فيه أنَّه لا بدَّ في إزالةِ النَّجاسة من الماء.
قال (ط): حديثُ عائشة بالغَسل تفسيرُ حديثِ أسماء في النَّضْح. قال: وأمَّا نَضْحُها على سائره؛ فهو رشٌّ لا غَسل، وإنَّما فعلت ذلك لتطيِّبَ نفسَها؛ لأنَّها لم تَنضَح على مكان فيه دم؛ لأنَّها كانت تَغسِل الدَّمَ، فلا يُمكنُ أنَّها تَغسِل بعضَه وتتركُ بعضَه.
* * *
стр. 949
١٠ - بابُ الاِعتكَاف لِلْمُسْتحَاضةِ
(باب اعتكاف المستحاضة)
٣٠٩ - حدَّثنا إسْحاقُ قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتكَفَ معه بعضُ نسائِهِ وهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فربَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحتَها مِنَ الدَّمِ، وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رأتْ مَاءَ العُصْفُرِ فَقَالَتْ: كَأنَّ هذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلَانة تَجدُهُ.
الحديث الأول:
(عن خالد) هو الحذَّاءُ، وأمَّا الأوَّل فهو الطَّحَّانُ.
(بعض نسائه) هذا ممَّا أنكره ابنُ الجَوزِيِّ وغيرُه على البخاريِّ؛ لأنَّ المُستحاضَة إنَّما هي أمُّ حبيبَة بنتُ جَحْشٍ أختُ زوجتِه زَينبَ، وليست بمُستحَاضَة، بل أختُها أمُّ حبيبة، وحمنَةُ.
وقيلَ: بعضُ أزواجِه إنَّما هي سَودَةُ بنتُ زَمعَةَ، وقيل: زينبُ بنتُ جَحشٍ، وقيل: أمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سُفيانَ.
(وهي) أنَّث ضَمير (بعض)، وهو مذكَّر؛ لأنَّ مدلولَه امرأةٌ من النِّساء، أو أنَّ المُضافَ اكتَسبَ تأنيثًا من المُضافِ إليه.
(مستحاضة) أَلحقَ التَّاء؛ والاستِحاضَةُ خاصَّة [بالنِّساء إِشعارًا بأنَّه بالفِعل لا بالقُوَّة، كما سبق تقريرُه، أو النِّساء لنَقلِ اللَّفظِ من الوَصفِية
стр. 950
للإسميَّة] (١)، وفِعلُه: (اُستُحِيضَت) بالبناء للمَفعول لزومًا كـ (جُنَّ)، ولا يجوزُ فيه: مُستَحيضَة.
(والطست) أصله: طَسٌّ، أُبدِلت إحدى السِّينَين استِثقالًا لاجتِماعهما، فإذا جُمِعَ أو صُغِّرَ رُدَّ للأصل، فيقال: طِسَاسٌ وطُسَيسٌ.
(من الدم) (مِن) إمَّا ابتدائية، أو سببيَّة، أي: لأَجله.
(وزعم) عبَّر به إمَّا لِمجيئه بمعنَى (قال)، وإمَّا لأنَّه ما ثبتَ صريحُ ذلك عن عِكْرِمَةَ؛ بل بقَرائنِ الأحوالِ، ثم ذلك يحتملُ أنَّه تعليقٌ من البخاري، أو من تتمَّة قَول خالدٍ الحذَّاء، فيكونُ مسنَدًا؛ إذ هو عَطفٌ في المعنَى على (عن عِكْرِمَةَ)؛ أي: قال خالدٌ: قال عِكْرِمَةُ، أو زَعَم عِكرِمَةُ.
(العصفر) بضَمِّ المهملة والفاء وسكونِ المهملة بينهما؛ معروفٌ.
(كأنَّ) بتشديد النُّون.
(فلانه) غيرُ مُنصرِفٍ، كنايةً عن عَلَمِ امرأةٍ كـ (فُلان) عن عَلَم رَجُلٍ.
قال في "المفصل": فإذا كنُّوا عن أعلامِ البَهائم قالوا: الفُلانُ والفُلانةُ، والمُرادُ بـ (فلانةَ) هنا قيل: زَينبُ بنتُ جَحشٍ، وهي أوَّلُ مَن مات من أَزواجه ﷺ .