وفيه استحبابُ حَجِّ الرَّجلِ بامرَأته، وتقدَّم سائرُ مباحثِه أولَ (الحَيضِ).
قال (ط): البابُ كلُّه في جوازِ تلاوةِ القُرآن للحائضِ والجُنُبِ، سواءٌ كانَ مذهبَ البخاريِّ، أو حكايةً لذلك، فمنع الأئمَّةُ الثلاثةُ غيرَ مالكٍ، واختُلِفَ في قَولِ مالكٍ فيها وفي الجُنُب.
وقال أبو حنيفة: لا يقرأُ الجُنُبُ إلا بعضَ آيةٍ، ومنَعَ الشَّافعِيُّ قليلَ القراءةِ وكثيرَها.
قهال المُهلَّبُ: الواجبُ تنزيهُهُ عمَّن لم يكنْ على أكمَلِ أحوالِ الطَّهارة؛ لقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣، ١٤].
* * *
٨ - بابُ الاِسْتِحاضَةِ
(باب الاستحاضة): سبَقَ تفسيرُها وتفسيرُ الحديث المَذكور هنا، ويُعلمُ منه أنَّ حُكمَ المُستحاضَةِ حُكمُ الطَّاهرة إلا في مواضعَ مبسوطةٍ في الفِقه.
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مالكٌ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أنها قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أفأَدعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ
стр. 947
فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهبَ قَدرُها فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي).
(قدرها)؛ أي: قدرُ الحَيضة، وذلك باعتبار كونِها مبتدأةً، أو معتادةً مميِّزةً، أو غيرها، وهو مبيَّنٌ في الفِقه أيضًا.
والحديثُ يُشعرُ بأنَّ السائلَةَ مميِّزةٌ.
وفي الحديثِ استفتاءُ مَن وقعت له مسألةٌ، وجوازُ استِفتاءِ المَرأة بنَفسها، ومُشافَهتِها الرِّجالَ بما يتعلَّق بالنساء، واستِماع صوتها عند الحاجَة.
* * *
٩ - بابُ غَسْلِ دَمِ المَحيضِ
(باب غسل دم المحيض): في بعضِها: (الحيض)، وفي بعضِها: (الحائض).
٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مالكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ: أَنَّها قَالَتْ: سَألتِ امرَأةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِحدَاناَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصنعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ، فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ).
стр. 948
الحديث الأول:
(أرأيت)؛ أي: أخبِرني، وفيه مَجازان.
(فلتقرصه) بالقاف وضمِّ الراء وصاد مهملة، أي: تقطَعه.
(ولتنضحه) بكسر الضاد، وفي بعضِها: بفتحها، وسبق بيان ذلك ومباحثُه.
* * *
٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَصبَغُ، قَالَ: أَخْبَرني ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحدَاناَ تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِها عِنْدَ طُهْرِها فتغْسِلُهُ، وَتنضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ.
الحديث الثاني:
(تقرص) في بعضِها: (تقترص)، لأنَّه إذا قُرِصَ كان أحرى أن يذهبَ أثرُه.
(فتغسله) فيه أنَّه لا بدَّ في إزالةِ النَّجاسة من الماء.
قال (ط): حديثُ عائشة بالغَسل تفسيرُ حديثِ أسماء في النَّضْح. قال: وأمَّا نَضْحُها على سائره؛ فهو رشٌّ لا غَسل، وإنَّما فعلت ذلك لتطيِّبَ نفسَها؛ لأنَّها لم تَنضَح على مكان فيه دم؛ لأنَّها كانت تَغسِل الدَّمَ، فلا يُمكنُ أنَّها تَغسِل بعضَه وتتركُ بعضَه.
* * *
стр. 949
١٠ - بابُ الاِعتكَاف لِلْمُسْتحَاضةِ
(باب اعتكاف المستحاضة)
٣٠٩ - حدَّثنا إسْحاقُ قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتكَفَ معه بعضُ نسائِهِ وهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فربَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحتَها مِنَ الدَّمِ، وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رأتْ مَاءَ العُصْفُرِ فَقَالَتْ: كَأنَّ هذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلَانة تَجدُهُ.
الحديث الأول:
(عن خالد) هو الحذَّاءُ، وأمَّا الأوَّل فهو الطَّحَّانُ.
(بعض نسائه) هذا ممَّا أنكره ابنُ الجَوزِيِّ وغيرُه على البخاريِّ؛ لأنَّ المُستحاضَة إنَّما هي أمُّ حبيبَة بنتُ جَحْشٍ أختُ زوجتِه زَينبَ، وليست بمُستحَاضَة، بل أختُها أمُّ حبيبة، وحمنَةُ.
وقيلَ: بعضُ أزواجِه إنَّما هي سَودَةُ بنتُ زَمعَةَ، وقيل: زينبُ بنتُ جَحشٍ، وقيل: أمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سُفيانَ.
(وهي) أنَّث ضَمير (بعض)، وهو مذكَّر؛ لأنَّ مدلولَه امرأةٌ من النِّساء، أو أنَّ المُضافَ اكتَسبَ تأنيثًا من المُضافِ إليه.
(مستحاضة) أَلحقَ التَّاء؛ والاستِحاضَةُ خاصَّة [بالنِّساء إِشعارًا بأنَّه بالفِعل لا بالقُوَّة، كما سبق تقريرُه، أو النِّساء لنَقلِ اللَّفظِ من الوَصفِية
стр. 950
للإسميَّة] (١)، وفِعلُه: (اُستُحِيضَت) بالبناء للمَفعول لزومًا كـ (جُنَّ)، ولا يجوزُ فيه: مُستَحيضَة.
(والطست) أصله: طَسٌّ، أُبدِلت إحدى السِّينَين استِثقالًا لاجتِماعهما، فإذا جُمِعَ أو صُغِّرَ رُدَّ للأصل، فيقال: طِسَاسٌ وطُسَيسٌ.
(من الدم) (مِن) إمَّا ابتدائية، أو سببيَّة، أي: لأَجله.
(وزعم) عبَّر به إمَّا لِمجيئه بمعنَى (قال)، وإمَّا لأنَّه ما ثبتَ صريحُ ذلك عن عِكْرِمَةَ؛ بل بقَرائنِ الأحوالِ، ثم ذلك يحتملُ أنَّه تعليقٌ من البخاري، أو من تتمَّة قَول خالدٍ الحذَّاء، فيكونُ مسنَدًا؛ إذ هو عَطفٌ في المعنَى على (عن عِكْرِمَةَ)؛ أي: قال خالدٌ: قال عِكْرِمَةُ، أو زَعَم عِكرِمَةُ.
(العصفر) بضَمِّ المهملة والفاء وسكونِ المهملة بينهما؛ معروفٌ.
(كأنَّ) بتشديد النُّون.
(فلانه) غيرُ مُنصرِفٍ، كنايةً عن عَلَمِ امرأةٍ كـ (فُلان) عن عَلَم رَجُلٍ.
قال في "المفصل": فإذا كنُّوا عن أعلامِ البَهائم قالوا: الفُلانُ والفُلانةُ، والمُرادُ بـ (فلانةَ) هنا قيل: زَينبُ بنتُ جَحشٍ، وهي أوَّلُ مَن مات من أَزواجه ﷺ .
стр. 951
قال ابنُ عبدِ البَر: هي وأختُها أمُّ حبيبةَ وحمنَةُ بناتُ جحشٍ كنَّ مُستحاضاتٍ.
(تجده)؛ أي: في زمانِ حَيضَتِها.
* * *
٣١٠ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اعتكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امرَأة مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطسْتُ تَحْتَها وَهْيَ تُصَلِّي.
الحديث الثاني:
(الدم والصفرة)؛ أي: الاستِحاضَة.
(والطست تحتها): جُملةٌ حاليَّة، وفي بعضِها: بلا واوٍ، ففي الحديث جوازُ مُكثِ المُستحاضَة في المسجد، وجوازُ اعتِكافِها وصلاتِها فيه بشَرطِ عَدمِ التَّلويث في الكلِّ.
* * *
٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ بَعْضَ أمُّهاتِ المُؤْمِنِينَ اعتَكَفَتْ وَهْيَ مُسْتَحَاضَة.
الحديث الثالث:
قال (ط): فيه دليلٌ على إباحةِ الاعتكافِ لِمَن به سَلَسُ البَول، أو
стр. 952
المَذْيُ، أو جُرحٌ يسيلُ قياسًا على المُستحاضَة.
* * *
١١ - بابٌ هلْ تُصَلِّي المرْأَةُ فِي ثوبٍ حَاضَتْ فِيهِ ؟
(باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه)
٣١٢ - حَدَّثَنَا أَبو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كَانَ لإحدَاناَ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقها فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِها.
(أبو نُعيم) الفَضل.
(ابن أبي نجيح) بفتح النُّون وكسرِ الجيم، اسْمُه: عبدُ الله.
(لإحدانا) المُرادُ العمومُ؛ لأنَّه نكرةٌ في نَفيٍ، فلو كان لواحدةٍ ثوبٌ لم يَصدق النَّفيُ.
(قالت بريقها) من التَّعبير بالقَول عن الفِعل؛ أي: وضَعَت الرِّيق عليه.
(فمصعته) بمهملتين، أي: حَكَّته، والمَصعُ: التَّحريكُ.
قال (خ): أصلُه في الضَّرب، وهو الشَّديدُ منه، والمرادُ هنا المبالغةُ في حَكِّه، ويُروى: (فقَصَعَتْه)، وهو الدَّلكُ بالظُّفُر، ومُعالَجَتُه به.
стр. 953
(بظفرها) بسكون الفاء وضمِّها، والجمعُ بين هذا الحديث وما سبق في (باب من سَمَّى النِّفاس حيضًا): (فأخذتُ ثيابَ حَيضَتِي)، وسيجيء أيضًا في (باب من اتخذ ثيابَ الحَيض سوى ثيابِ الطُّهر)، فإنَّه يدلُّ على تعدُّدِ الثَّوب؛ إمَّا لأنَّ هذا كان في بَدءِ الإسلام حالَ الشّدَّة، ثم فتَحَ الله الفُتوح، فاتَّخذَ النَّاس ثيابًا للحَيض سوى ثيابِ لباسِهنَّ، قاله (ط).
وقالَ في مناسبةِ الحديثِ للتَّرجَمة: مَن لم يكُن لَها إلا ثوبٌ واحدٌ تحيضُ فيه معلومٌ أنَّها تصلِّي فيه إذا طَهَّرته بعد الانقطاع، وليس هذا مُخالِفًا لِما تقدَّم، أي: حَملًا للمُطلَق على المُقيَّد، أو لأنَّ هذا الدَّمَ الذي مَصَعَتْه قليلٌ معفُوٌّ عنه لا يجبُ عليها غَسله، فلذلك لم تذكر أنَّها غَسَلته بالمَاء.
* * *
١٢ - بابُ الطيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلها مِنَ المحِيضِ
(باب الطيب للمرأة عند غسلها)
٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أيَّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ -قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى ميَّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَربَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ
стр. 954
وَلَا نتَطَيَّبَ وَلَا نلبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَد رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغتَسَلَتْ إِحدَاناَ مِنْ مَحِيضِها فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا ننهى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ.
قَالَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(كنا ننهى) مثلُه مَحمولٌ على الرَّفع؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ النبيَّ ﷺ اطَّلع عليه وقَرَّره.
(تُحِد)؛ أي: المَرأةُ، وفي بعضِها: (نُحِد) بالنون، وكذا في (تكتَحِل) وأخواتِه، ويقالُ فيه أيضًا: حَدَّت ثلاثيًّا، تحد -بضَمِّ العين وكسرها- حِدَادا، فهي حَادٌّ، ولم يَعرف الأصمعيُّ إلا أحَدَّت فهي مُحِدَّة؛ قاله الجَوهرِيُّ.
(زوجها) وهو مُوافِقٌ لرِواية (تُحِدُّ) بالغَيبة، وفي بعضِها: (زَوج)، وهو مُوافق لـ (نُحِدّ) بالنون.
(عشرًا) أي: عشرَ ليالي؛ إذ لو أُريدَ الأيام لقيلَ: (ثلاثة).
قال الزمخشرِيّ: في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، لو قيل في مثله: (عَشَرة) لخَرجَت من كلامِ العَرَب، لا تراهم قطُّ يَستعمِلونَ التَّذكيرَ فيه، وقيل: إنَّما يُميَّزُ بينَ المُذكَّر والمؤنَّث في العَددِ إذا ذُكِّر المُمَيِّزُ، فإن لم يذكَّر جازَت التَّاء وعدَمُها مُطلقًا.
(ولا تكتحل) بالرَّفع، وفي بعضِها بالنَّصب على أن (لا) زائدةٌ
стр. 955
وتأكيدٌ، وذلك لتقَدُّمِ معنَى النَّفي، وهو النَّهى.
(عصب) بفتح المُهمَلة وسكون المهملة وبالموحَّدة: بُرُودٌ باليَمَنِ يُصبَغُ غَزلُها ثمَّ يُنسَجُ.
(وقد رخص)؛ أي: التطيُّبُ.
(نبذة) بضَمِّ النون وفتحِها وسكونِ الموحَّدة والذال معجمةً؛ أي: مِن يَسيرِ من النَّبْذِ، وهو الطّرْحُ، أي: تَطرحُ ذلك في النَّار مرَّةً واحدةً، بمقدارِ ما يَقطَعُ عندَ الطُّهرِ الرَّائحةَ.
(كست) بضَمِّ الكاف وسكونِ المهملة، أي: (قُسْطٌ) بضَمِّ القاف من عقاقير البَحر.
قال (ط): القافُ قد تُبدل كافًا، والطَّاء تاءً.
(ظفار) موضعٌ بساحلِ البَحر، أو مدينةٌ باليمن: بفتح المُعجمَة، حُكمُه حُكمُ (حَضَارِ)، فإنَّه مبنيٌّ باتفاقِ الحجازِ وتَميمٍ، وعودٌ ظَفارِيٌّ، أي: العودُ الذي يُتبَخَّر به، وفي بعضِها: (أَظْفار) بفتح الهمزة وسكون الظاء، قيل: شيءٌ من الطيب أسودُ يحصل في الدُّخنَة لا واحدَ له.
قال (ط): كذا رُوي، وصَوابُه: (ظَفَار) ساحلٌ من عَدَن، فمُقتضاه أنَّ الأوَّل لم يُروَ.
(وإذا اغتسلت) بالواو، فهي من باب: أعجبَنِي زيدٌ وكرمُه.
(وروى هشام بن حسان)؛ أي: بالصَّرف وتَركِه، من الحُسْنِ أو الحَسَنِ، وهذا إمَّا تعليقٌ من البخاريّ أو من مقولِ حَمَّاد، فيكون مُسندًا.
стр. 956
قال (ط): فيه أنَّ الحائضَ ولو كانت مُحِدَّةَ تدرَأُ عندَ غُسلِها من المَحيض رائحةَ الدَّم بالبَخُور بالقُسْطِ، لأنَّها مستقبلة للصَّلاة مُجالسةٌ للملائكةِ لئلا تؤذيَهم برائحةِ الدَّم.
قال (ن): القَصدُ بالمِسكِ إمَّا تطييبُ المَحلِّ ورفعُ الرَّائحة الكَريهةِ، وإمَّا كونُه أسرعَ لعُلُوقِ الوَلد، فإن قلنا بالأوَّل يقومُ مُقامَه القُسطُ والأَظفارُ ونحوُه، وهو يدلُّ على أنَّ (أظفار) طِيبٌ لا مَوضعٌ.
* * *
١٣ - بابُ دَلْكِ المَرأَةِ نَفْسها إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المحِيضِ وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتأخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبعُ أثَرَ الدَّم ؟
(باب دلك المرأة نفسها ...) إلى آخره.
(فرصة) بكسر الفاء وبالصَّاد المُهملة، أي: قِطعةً، من فَرَصْتُ الشَّيء فَرصًا: قَطَعتُه.
قال الجوهري: هي قطعةُ قُطنٍ، أو خِرقةٌ تَمسَحُ بِها المَرأةُ من الحَيض.
وقيل في الحديث الآتي بقافٍ مفتوحةٍ، أي: شيئًا مَفتوحًا يسيرًا، مثل القَرصَةِ بطَرَف الأصبعَين، وقال ابنُ قتيبة: إنَّما هو بقافٍ وضادٍ
стр. 957
معجمة؛ أي: قِطعَةٌ.
(فتتبع) بلفظ الغائبَة، مُضارِعُ التَّفعُّل، وحذفِ إحدى التَّاءاتِ الثَّلاث.
* * *
٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امرَأة سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ، فَأَمَرها كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهَّرِي بِها)، قَالَتْ: كَيْفَ أتطَهَّرُ؟ قَالَ: (تَطَهَّرِي بِها)، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: (سُبْحَانَ اللهِ! تَطَهَّرِي)، فَاجْتبَذْتُها إلَيَّ فَقُلْتُ: تتبَّعِي بِها أثَرَ الدَّمِ.
(يحيى) في بعض النسخ: (ابنُ جَعفر البِيْكَنْدِيُّ)، أي: بفتحِ الكاف.
قال الغَسَّانِيّ في "تقييد المهمل": هو يحيَى بنُ موسى البَلخِيّ المعروفُ بِـ (خَتٍّ)، بفتح المُعجمة وتشديد المثنّاة فوقُ، ويعرف: بـ (الخَتِّيِّ)، وبـ (ابنِ خَتٍّ) أيضًا، يروي في (باب الحَيضِ) عن ابنِ عُيينةَ، وقال الكَلَابَاذِيُّ: إنَّ البِيْكَنْدِيَّ يَروي عن ابنِ عُيينَة.
(أن امرأةً) هي أسماءُ -بالمدِّ- بنتُ يزيدَ -من الزِّيادة- ابنِ السَّكَن بفتح الكاف، خطيبةُ النِّساء.
قلت: وقع في "مسلم": أنَّها (أسماءُ بنتُ شَكَل) بفتح الشين
стр. 958
المعجمة والكاف، فقال الدِّميَاطِيُّ: إنه تصحيفٌ، وإنَّما هو (سَكَن) نُسِبَت إلى جَدِّها، فإنَّها أسماءُ بنتُ يزيدَ بنِ السَّكَن، وكذا قال الخطيبُ، وابنُ الجَوزِيِّ في "التنقيح"، ورُدَّ ذلك باحتِمالَ أن يكونا امرأتَين.
ولا تُرَدُّ الأخبارُ الصحيحةُ بالتَّوهُّم بل في "مصنَّف ابنِ أبي شَيبة" كما في "مسلم"، فانتفى عنه الوَهمُ، وقد جَزَم بذلك ابنُ طاهرٍ، وأبو موسى المَدينيُّ، وأبو على الجَيَّانِيُّ.
(المحيض)؛ أي: الحَيض.
(قال خذي ...) إلى آخره، إنَّما كانَ هذا جَوابًا لسُؤالِها عن الاغتِسال؛ لأنَّه المَقصودُ منه؛ لأنَّ كونَ الاغتسال إيصالُ الماءِ للشَّعرِ والبَشَرةِ مَعلومٌ لكلِّ أحدٍ، وإنَّما يُسألُ عما يَختَصُّ بغُسلِ الحَيض.
قال (ك): وهو جُملةٌ حاليَّة لا بيانيَّة، أي: والتَّقديرُ: أمَرَها كيفَ تغتَسِلُ قائلًا: (خُذي فِرصَة).
(مسك) بكسرِ الميم مُعرَّبٌ، وكانت العَربُ تسمِّيه: المَشمُومُ، ورُوِي بفتح الميم، وهو الجِلدُ، أي: خُذي قِطعةً منه.
قال (ع): هي رواية الأكثرين.
وقال ابن قتيبة: لم يكن في وُسعِ العربِ استِعمالُ المِسكِ المَعروف، وإنَّما معناه في الحديث السَّابق الإمساكُ، فإنَّه سُمع في
стр. 959
أمسَكَ: مَسَكَ ثلاثيًّا، فيكونُ مصدَرُه (المَسْكُ)؛ أي: بالفَتح.
وقالَ (ط): لا يُفسَّر إلا بالمَشمومِ، ولا بالجِلد، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّه عزيزٌ عندَهم لا يَمتَهنونه، وأمَّا الجِلد وعليه الصُّوفُ فلا معنَى له، إنَّما المعنَى عندي: أَمسِكي، واحتَمِلي معكِ، أي: تَحمَّلي بِها، فهو كنايةٌ أحسنُ من الإفصاحِ، أي: تحمَّلي بِها بِمَسح القُبُل بِها، وقد حكاه (خ) أيضًا بنَحوِه.
قلت: والكلُّ تكليفٌ لا حاجةَ إليه.
قال (ك): وكلامُ البخاريِّ مُشعِرٌ بأنَّ الرواية عندَه بالفتح، لأنَّه جَعَل للطِّيب بابًا مُستَقلًا.
قلت: فيه نَظر!
(سبحان الله) قد سبق بأنَّها تُقالُ عند التَّعجب، ومعناه: لا يَخفَى مثلُ ذلك على المُخاطَب.
(فاجتذبتها) في بعضِها بتقديم الباءِ على الذَّال.
(تتبعي) أمر من (تتَبَّعَ)، والتَّتبُّعُ مُشعِرٌ بالدَّلك المُتَرجَم به في الباب؛ لأنَّه يستَلزِمُه.
وفي الحديث: أنَّ المرأةَ تسألُ عن أَمرِ حَيضِها، وما تتديَّنُ به، وأنَّ العالِمَ يُجيبُ بالتَّعريضِ في الأمور المَستورَة على أيِّ تفسيرٍ فَرَضَتْه، وتكريرُ الجوابِ لإفهامِ السَّائل، وأنَّ مَن في مَجلِس العَالم له أن يُفهِمَ السَّائل ما قال العالِمُ، وهو يَسمعُ ويكونُ بِمنزِلة قَوله.
стр. 960
قال (ط): حتى يقولَ فيه: حدَّثنِي، وأخبَرني.
قال (ن): الجُمهورُ أنَّ التَّتبُّعَ لأثَر الدَّم في الفرجِ، وزَعَم المَحامِلِيُّ في "المقنع": أنَّها تُطيِّب جَميعَ المواضعِ التي أصابَها الدَّم من بَدَنِها، وظاهرُ الحديث حُجَّةٌ عليه.
* * *
١٤ - بابُ غَسْلِ المَحيضِ
(باب: غسل المحيض ...) (١) إلى آخره.
يحتملُ أنَّه بفتح الغَين، والمَحيض: مكانُ الحَيضِ حتَّى يُطابقَها قولُه في الحديث، (وَضِّئي)؛ أي: نَظّفي بالمَكان، كما سيأتي.
ويحتملُ أنَّه بالضَّم، والمَحيضُ بمعنَى الحَيض، والإضافةُ بمعنَى اللام الاختصاصيَّة؛ لأنَّه ذَكَرَ لَها خاصِّيةَ هذا الغَسل.
٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امرَأةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيض؟ قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فتوَضَّئِي ثَلَاثًا)، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحيَا فَأَعرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: (تَوَضَّئِي بِها)، فَأَخَذْتُها
стр. 961
فَجَذَبْتُها فَأخْبَرتُها بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ .
(امرأة): سبق بيانُها.
(ممسكة): بضَمِّ الميم الأولى وفَتحِ الثَّانية، ثم مشددةٌ مفتوحةٌ، أي: قِطعةٌ من صوفٍ، أو قُطنٍ مطليَّة بالمِسك، ومنهم مَن كَسَر السِّين.
(وتوضئي)؛ أي: الوُضوءَ اللُّغوي؛ أي: تَنَظَّفي.
(ثلاثًا، وقال): ليس راجعًا لـ (توضَّئي) بل متعلقٌ بـ (قال)، أو بـ (قالت) كما سبق في الباب قبلَه من تعدُّد سؤالِها.
* * *
١٥ - بابُ امتِشَاطِ المَرأَةِ عِنْدَ غُسْلِها مِنَ المَحيضِ
(باب امتشاط المرأة)
٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَداعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ، وَلَم يَسُقِ الهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّها حَاضَتْ، وَلَم تَطْهُر حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! هذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كنْتُ تَمَتَّعتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 962
(انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامتَشِطِي، وَأَمسِكِي عَنْ عُمرتكِ)، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ فَأَعمَرني مِنَ التَّنْعِيم مَكَانَ عُمرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ.
(أهللت)؛ أي: أحرَمتُ، ورفعتُ صوتي بالتَّلبية.
(فمن تمتع) فاعلُه: ضميرُ (من)، فلذلك لم يقلْ: (تَمتَّعَتْ).
(الهدي) بفتحِ ثم سكونٍ والياءُ مخفَّفة، أو بكسرِ الدَّال وتَشديدِ الياء: ما يُهدَى لِمَكَّةَ من الأَنعامِ.
(ولم يسق): تأكيدٌ، فإنَّ المُتمتِّعَ لا يسوقُ هديًا.
(فزعمت) عبَّر (به) دونَ (قالت)؛ لأئها لم تصرّح بذلك، إذ هو مما تَستحي من التَّصريحِ به.
(بعمرة) تصريحٌ لِما تضَمَّنَه التَّمتُّع؛ لأنَّه إحرامٌ بعُمرَةٍ في أشهرِ الحجِّ ممن على مسافةِ القَصر من الحَرَم، ثم يَحُجُّ من سنَتِه، وفي الكلام مقدَّر؛ أي: وأنا حائِضٌ.
(انقضي) بضَمِّ القاف، وفي بعضِها بالفاءِ.
(رأسك)؛ أي: شعرَكِ.
(فلما قضيت) فيه حذفٌ قبلَه، أي: فأَحرَمتُ بالحجِّ.
(أمر)؛ أي: النبيّ ﷺ .
(عبد الرحمن)؛ أي: أخاها.
стр. 963
(الحصبة) بفتح الحاءِ وسكونِ الصَّاد المهملتين، والحَصباءُ بالمدِّ: الحَصَى، وهما والأَبطَحُ، والبَطحاءُ، والمُحَصَّبُ، وخِيفُ بنِي كِنَانة؛ يُرادُ بِها كلِّها واحدٌ: مَوضعٌ بينَ مكَّة ومِنَى، إذا نَفَروا مِن مِنَى ينزِلون به ويبيتون به، فليلَةُ الحَصبَةِ هي تلك اللَّيلةُ.
(فأعمرني)؛ أي: اعتَمر بِي.
(التنعيم) موضعٌ على فَرسخٍ من مَكَّةَ على طريقِ المَدينةِ، وفيه مسجدُ عائشةَ.
(نسكت)؛ أي: أحرمتُ بِها، وفي بعضِها: (سَكَتُّ) بلفظِ المتكلم من السُّكوتِ، أي: التي تركتُ أعمالَها وسكتُّ عنها، وفي بعضها: (شَكَتْ) بالمُعجَمَة وسُكونِ التَّاء، من الالتفاتِ من التَّكلُّمِ للغَيبة، أو كنَّتْ بالشِّكايَة عن اختِلالِها، وعدمِ بقاءِ استِقلالِها، على أنَّ الضَّميرَ في (نَسَكتُ) للعُمرة.
ووجهُ الاستِدلال بالحديث للتَّرجَمةِ: أنَّ الامتِشاطَ إذا كان لغُسلِ الإحرام؛ وهو سنَّةٌ، فلغُسلِ الحَيض أولى، لأنَّه فَرضٌ، وفيه إزالةُ أثرِ نَجاسةِ مغلَّظةِ، فقول الدَّاودِيِّ: ليس في الحديثِ ما يُترجِمُ له؛ مَمنوعٌ.
قال (ط): في الحديث نقضُ المَرأةِ شَعرها في الغُسل، ورُوي أنَّ ابنَ عمرَ كان يأمرُ به.
وقال طاوسٌ: تنقُضُ الحائِضُ لا الجُنُب.
стр. 964
وقال الجمهورُ: لا يجبُ النَّقضُ بل إيصالُ الماءِ لأصولِ الشَّعر، ففي حديث أمِّ سلَمَةَ: إنِّي امرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي، أفأنقُضُه للجَنابةِ؟ قال: (لا، إنَّما كان يكفيكِ أن تَحثِي عليه ثلاثَ حَثَيَاتٍ)، وحديثُ عائشةَ وإنْ كان أصحَّ إسنادًا، لكنَّ العملَ على حديث أمِّ سلمة، أي: لظُهورِ المعنَى، وكذا قال حَمَّادٌ: إنْ رَأت وصولَ الماء إلى أصولِ شَعرِها لم تنقُضْ، وإلا نَقَضَت.
قال (ن): صَحَّتِ الرِّواياتُ عن عائشةَ أنَّها قالتْ (لا نرى إلا الحجَّ) أو (لا نذكرُ إلا الحجَّ)، (وخَرَجنا مُهِلِّينَ بالحجِّ)، فكيفَ يُجمَعُ بينَه وبينَ قَولها: (تَمتَّعتُ بعُمرة)؟
وجوابه: إنَّها أحرَمت بالحجِّ، ثمَّ فَسخَته إلى عُمرَة حين أُمِرَ النَّاسُ بالفَسخ، فلمَّا حاضت وتعذَّرَ عليها إتمامُ العُمرة أمَرَها النَّبيُّ ﷺ بالإحرامِ بالحجِّ فأدخلَتهُ على العُمرَة، وكانت قارِنةً؛ لقوله لها: (يَسَعُك طَوافُكِ لِحَجِّكِ وعُمرَتك).
وقولُه لها: (دَعي أو أمسِكي عن عُمرَتك) ليسَ المرادُ الخروجَ منها، فإنَّ الحجَّ والعمرةَ لا يُخرَجُ منهما إلا بالتَّحلُّلِ؛ بل المرادُ: اُترُكي العَمَلَ في العُمرَةِ وإِتمامَها.
ولا يلزمُ من نَقضِ الرَّأس والامتِشاطِ إبطالُها، لجوازِهِما عندنا حالَ الإحرام حيث لا يلتَفُّ شَعر، نعم، الامتِشاطُ مكروةٌ إلا لعذْرٍ، وحَمَلوا فعلَها ذلك أنَّه كان برأسِها أذًى.
وقيل: المُرادُ بالامتِشاطِ هنا: تسريحُ الشَّعرِ بالأصابعِ لإيصالِ
стр. 965
ماءِ الغُسل، ويلزمُ منه نقضُ الشَّعرِ لا حقيقةُ الامتِشاطِ، وأمَّا أمرُها بالعمرةِ بعد الفراغِ، وهي كانت قارِنةً لقَصدها عُمرةً منفردةً، كما حَصَل لسائِرِ أمَّهاتِ المُؤمنين حيثُ اعتَمرنَ عُمرةً مفردةً عن حجِّهنَّ، فطيَّبَ خاطِرَهُنَّ بذلك، وذلك حرصٌ منها على كثرةِ العبادة.
قال (ك): وكانت عائشةُ مفرِدَةً، ثم مُتمَتِّعةً، ثم قارنةً. لكن قولَ (ن): لا يصحُّ الخروجُ منهما بعد الإحرام؛ منقوضٌ بتَركِها الحجَّ أوَّلًا بالكُلِّية إلى العُمرَةِ، وإذا جازَ فَسخُ الحجِّ إلى العُمرةِ؛ فَلِمَ لا يجوزُ العَكسُ؟
قلت: وهو عجيبٌ، فإنَّ الفَسخَ خارجٌ عن القياسِ، ومُختَصٌّ بتِلكَ الواقعة، فلا يُقاسُ عليه أيضًا، فقد نَقَل هو عن (ح): أنَّ أشبَه الأقوالِ ما ذَهبَ إليه أحمدُ: أنَّه فَسخَ عليها عُمرتَها، فلا حاجَةَ لقِياسِه.
* * *
١٦ - بابُ نَقْضِ المَرأَةِ شَعَرَها عِنْدَ غُسْلِ المَحيضِ
(باب نقض المرأة): بإسكانِ القاف.
٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي
стр. 966
لَوْلَا أنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمرَةٍ)، فَأَهلَّ بَعضُهم بِعمرَةٍ، وَأهلَّ بَعضُهُم بِحج، وَكُنْتُ أَناَ مِمَّنْ أَهلَّ بِعُمرَةٍ، فَأَدركنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَناَ حَائِضٌ، فَسَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (دَعِي عُمرتكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِحَجِّ)، فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحصبةِ أرسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيم، فَأهْلَلْتُ بِعُمرَةٍ مَكَانَ عُمرَتِي.
قَالَ: هِشَامٌ: وَلَم يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هدىٌ وَلَا صوْمٌ وَلَا صدَقَة.
(موافين)؛ أي: مُكمِّلين ذِي القَعدَةِ، مستَقبِلين هِلال ذي الحِجَّةِ.
وقال (ن)؛ أي: مُتقاربين لاستِهلالِه؛ لأنَّ خروجَهم كانَ لخَمسٍ بقينَ من ذي القَعدَةِ.
(فليهلل)؛ أي: فليُحرِم.
(فأهديت)؛ أي: سُقْتُ الهديَ، وإنَّما كان الهديُ عليه، لانتِفاءِ إِحرامِ العُمرةِ؛ لأنَّ صاحبَ الهديِ لا يجوزُ له التَّحلُّلُ حتى ينحَرَه، ولا ينحرُه إلا يومَ النَّحرِ، والمتَمَتِّعُ يتَحلَّلُ من عُمرَته قبلَه، فتَنَافَيا.
(ليلة) رَفعٌ أو نَصبٌ على أنَّ (كان) تامَّةٌ أو ناقِصةٌ.
ووَجهُ دلالةِ الحديث على التَّرجمةِ القياسُ على النَّقضِ في غُسلِ
стр. 967
الإحرام، أو الإضافةُ بأدنىَ مُلابسةٍ كما سبقَ بيانُه في البابِ قَبلَه، وبيانُ كثير من الحديثِ.
وليس في الحديثِ دلالةٌ على أنَّ التَّمتُّعَ أفضلُ من الإفرادِ؛ لأنَّه ﷺ إنَّما قال ذلك، لأجلِ فَسخِ الحجِّ [إلى العُمرةِ التي هي خاصٌّ بِهم في تلكَ السَّنة بِمخالَفَةِ تَحريمِ الجَاهليَّة في أشهرِ الحجّ] (١)، لا التَّمتُّعُ الذي فيه الخِلافُ، وقالَه تَطييبًا لقلوبِ أَصحابِه، وكانت نُفُوسُهم لا تَسمَحُ بفَسخِ الحَجِّ إليها لمُوافَقتِه ﷺ ، فقال: "إنَّما يَمنعُنِي من مُوافَقَتِكم الهديُ، ولولاه لوافَقتُكم".
(قال هشام)؛ أي: ابنُ عُروَةَ، وهو يَحتَمِلُ التَّعليقَ، وهو الظَّاهرُ، ويَحتَمِلُ الاتَّصالَ.
قال (ن): ونفيُ الثَّلاثةِ مُشكِلٌ، فإنَّ القَارِنَ عليه دَمٌ.
قال (ك): لفظُ الصَّدَقة يدلُّ على أنَّ المُرادَ أنَّها من ارتكابِ محظُورٍ من تَطييبٍ وإزالةِ شَعرٍ وسَترِ وَجهٍ؛ إذ في القِرانِ ليسَ إلا الهديُ أو الصَّومُ.
وقال (ع): في الحديثِ دليلٌ أنَّها كانت مُفرِدَةً؛ للإِجمَاعِ على وُجوبِ دَمٍ في القِرانِ والتَّمتُّعِ.
* * *
стр. 968
١٧ - بابُ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخلَّقَةٍ
(باب مخلقة وغير مخلقة): قَصدُه بهذه التَّرجَمةِ أنَّ الحامِلَ لا تحيضُ على ما قالَه الكوفيُّون.
٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الله وَكَّلَ بِالرَّحِم مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ! نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ! عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ! مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكرٌ أَم أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَم سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ).
قال علقمة: إذا وقَعت النُّطفَةُ في الرَّحِم، قال المَلَكُ: مُخَلَّقَةٌ، أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، فإن قال: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، مَجَّت الرَّحِمُ دَمًا، وإن قالَ: مُخَلَّقَةٌ، قال: ذَكرٌ أم أُنثى، والمُخَلَّقَةُ تامَّة الخَلقِ، المُسوَّاةُ بلا نَقصٍ ولا عَيبٍ، من خَلقْتُ السِّواكَ: سوَّيتُه وليَّنتُه.
(حماد)؛ أي: ابنُ زَيدٍ، والسَّنَد كلُّه بَصريُّون.
(يا رب)؛ أي: يا رَبِّي، فحَذَفَ ياءَ المُتكلِّم، ويجوزُ في مثلِه أيضًا: يا رَبَّا، ويا رَبَّاه -بالهاءِ وَقفًا-.
قلتُ: (ويا ربِّيَ)، بفتحِ ياءِ المُتكلِّم، ويا ربَّ، بفتحِ الباء، ويا رَبُّ، بالضَّم أيضًا، وقُرِئَ: (قالَ رَبُّ السِّجنُ أحبُّ إليَّ) [يوسف: ٣٣].
стр. 969
(نطفة) بالنَّصبِ، وهي رواية القَابِسِيِّ، أي: جَعَلتُ أنا المَنِيَّ نُطفةً في الرَّحمِ، أو صارَ نُطفة، أو خَلقتَ أنت نُطفةً، وبالرَّفع خبَرُ مبتَدأ مَحذوفٍ، أي: هو نطفَةٌ.
(علقة)؛ أي: قِطعَةُ دَمٍ جامدٍ.
(مضغة)؛ أي لَحمَةٌ صغيرَةٌ بقَدرِ ما يُمضَغُ، وليسَ المُرادُ أنَّ ذلك في وقتٍ واحدٍ بل في أوقاتٍ مرتَّبةٍ، وقولُ المَلَكِ ذلك لا مِن فَائِدَة الخبَر، ولا مِن لازمِ فائدَته؛ لأنَّ الله تعالَى عالِمٌ بالكُلّ، بل هو على خِلافِ مُقتَضَى الظَّاهِرِ، نحو: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، فالمُرادُ بقَولِ المَلَكِ ذلكَ التِماسُ إتمامِ خِلقَتِه، أو الدُّعاءُ بإفاضةِ الصُّورَةِ الكاملَةِ عليه، أو الاستعلامُ من ذلكَ، أو نحوُه.
(يقضى)؛ أي: يُتِمُّ، فقد جاءَ القضاءُ بمعنَى الفراغِ.
(أذكر)؛ أي: أَهوَ ذَكَرٌ؟ فـ (ذَكَر): خبَرُ مبتدأ مَحذُوفٍ، وجَزَمَ (ك): بأنَّه مبتدأٌ مسوَّغ الابتداءُ به معَ كونه نكرةً تخصيصُه بثبوتِ أحدِ الأَمرين، أي: بالاستِفهامِ، وفي بعضِها بالنَّصب، أي: أتُريدُ، أو أتَخلقُ، أو أَجُعِلَ، وكذا في الباقي.
(شقي)؛ أي: أَشَقِيٌّ، فحُذِفَت همزَةُ الاستفهامِ كما في:
بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بِثَمَانِ
لأنَّ (أم) المُتَّصلةَ لا بدَّ أن تكونَ في استِفهامٍ.
(الرزق): هو ما يُنتفَعُ به على الأصَحِّ في تعريفه.
стр. 970
(الأجل)؛ أي: وقتُ مَوتِه، أو مُدَّةُ حياتِه إلى مَوته، لأنَّه يُطلَق على غايةِ المُدَّة، وعلى المُدَّةِ.
(فيكتب)؛ أي: اللهُ، ويحتملُ وهو الظَّاهرُ: أن يكونَ المَلَكُ، وفي بعضِها: (يُكتَبُ لنا) بالبِناءِ للمَفعولِ، والكتَابَةُ حقيقة؛ لأنَّه مُمكِنٌ، والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، ويُمكِنُ أنَّ المرادَ التقديرُ؛ لأنَّه الحاصِلُ في بَطنِ أُمِّه، أو يكونُ مَجازًا عن اللُّزوم، ولا امتِناعَ في إرادةِ الجَميع.
والبَطنُ: ظَرفٌ، أو أنَّ الشَّخصَ مكتوبٌ عليه في ذلك الظَّرف، وقد رُوِي: أنَّها تُكتَبُ على الجَبهة، فتُكتَبُ الأُمورُ الأَربعةُ، فقد تضَمَّنَ الحديثُ جَميعَ الأحوالِ، المَبدأُ، وهو خَلقُه، والمَعادُ، وهو سعادَتُه وشَقاوتُه، وما بينَهما، وهو الأَجَلُ، وما يُصرَّف فيه، وهو الرِّزقُ، وقد جاء: "فَرَغَ الله من أَربع: مِنَ الخَلقِ -أي: بفتحِ الخاء- والخُلُق -بالضَّم؛ أي: السعادَةُ وضِدُّها- والأجَلُ والرِّزقُ".
قال (ط): اختُلِفَ فيما لم تتِمَّ خَلقُه من مُضغَةٍ أو عَلَقَةٍ، فقالَ: مالكٌ: تصيرُ الأَمَةُ بإلقائِه أمَّ ولدٍ، وقال الشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ: إنْ تبيَّنَ شيءٌ من أُصبع أو عَينٍ أو نحوِهما فأمُّ وَلدٍ.
قالَ: وفيهِ: أنَّ الله تعالى عَلِمَ سعادتَهم وشقاوتَهم، وهو على قولِ أهلِ السُّنة، أي: خِلافًا لمَن قالَ: يتَبَدَّلانِ.
* * *
(فلا يحل حتى يحل بنحر هديه) لكَونهِ أدخَلَ الحجَّ فيصيرُ قارِنًا، فلا يكونُ متَمَتِّعًا، فلا يَحِلُّ حتى يدخلَ يومُ النَّحرِ، وأمَّا توقُّفُ الحِلِّ على دخولِ يومِ النَّحرِ مع إمكانِ التَّحلُّلِ بعدَ نصف ليلتِه؛ فليس التَّحللَ الكلِّيَّ، إنَّما التحلُّلُ الكليُّ المُبيحُ للجِماعِ في يومِ النَّحرِ.
(ومن أهل بحجة)؛ أي: نَوى الإفرادَ، أي: سواءٌ ساقَ الهديَ أم لا.
(كان يوم) بالرَّفعِ؛ لأنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
(فأمرني) في بعضِها: (وأمرني).
(واترك العمرة) صَريحٌ في فَسخِ العُمرَةِ، لكنَّ تأويلَه كما سبق: تَركُ أعمالِها.
(حجتي) في بعضِها: (حَجِّي).
(من التنعيم) متعلِّق بـ (أَعتَمِر).
ومطابقةُ الحديث للتَّرجَمةِ بالكيفيَّة دلالةُ ما ذُكِرَ في الحديث على الكيفيَّة؛ لأنَّها حالتُها من صِحَّةٍ وفَسادٍ، وقد عَلِمَت الصِّحَّةُ، وهي أعمُّ من الصِّحَّةِ في الابتِداءِ، أو فِي الدَّوامِ، أو أنَّ البخارِيَّ قاسَ الإحرامَ بالعُمرَةِ على الإحرامِ بالحجِّ، أو به وبالعُمرَة على مَن قال: إنَّها صارَتْ قارِنةً.
قال (ط): ففي الحديثِ أنَّ الحائِضَ تُهلُّ بالحَجِّ والعُمرَة، وتفعلُ أعمالَه غيرَ الطَّوافِ، فإذا طَهُرَتْ اغتَسَلَتْ وطافَت، فأَمرُها بأن
стр. 973
تنقُضَ وتُمَشِّطَ ليس للوُجوبِ؛ بل لإهلالِها بالحجِّ؛ لأنَّ السُّنةَ أن تغتَسِل الحائضُ والنُّفساءُ للإحرامِ، كما أمَرَ أسماءَ بنتَ عُمَيسٍ -حينَ وَلَدَت مُحمَّدَ بنَ أبي بكرٍ- بالاغتِسالِ والإهلالِ، ومذهبُ ابنِ عمرَ أنَّها تغتَسِلُ لدُخولِ مكَّةَ وللوقوفِ بعَرَفَةَ.
* * *
١٩ - بابُ إِقْبَالِ المحِيضِ وَإدبَارِهِ
وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيها الكُرسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فتقُولُ: لَا تَعجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ: الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ، وَبَلَغَ ابْنَةَ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدعُونَ بِالمَصَابِيح مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصنَعنَ هذَا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ.
(باب إقبال المَحيض وإدباره)؛ أي: دَفعِه وزَوالِه بإقبالِ الطُّهر.
(كن نساء) يُرفعُ على أنَّ (كان) تامَّةٌ، وأُتِيَ بعلامةِ الجمع على لغة: (أكلوني البراغيثُ)، ويُنصب على أنَّها تامَّةٌ أيضًا، لكنْ على الاختِصاص، أي: أعنِي نساءً، ولا يضرُّ كونُه إضمارًا قبل الذِّكر؛ لأنَّ مثلَه يسمَّى بالمُبهم، فيجوزُ فيه ذلك إذا أَشعر بِما بعدَه، والفائدةُ فيه مع كوِنِهنَّ نساءً مِن قوله: (كنَّ) تعريفُ النَّوع، ولذلك نُوِّنَ للتَّنكير؛
стр. 974
لأنَّه لم يقع إلا من بعضِهِنَّ، ولا يضُرُّ في الاختصاص كونُه نكرةً، كما جاء في قَولِ الهُذَلي:
وَيأوِي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ ... شُعْثًا مَرَاضِيعُ مثلُ السَّعَالِي
(بالدرجة) بكسرِ الدَّال، وفَتح الرَّاء والجيم، جَمعُ (دُرجَة) بضمِّ الدَّال وسكونِ الرَّاء، وهو وِعاءٌ لنَحو المَغازِل، وفي بعضِها: (بالدُّرجة) بضمِّ الدَّال وبتاءٍ للفَرق كتَمرة وتَمر، وهذا هو الذي قدَّمه (ش)، وجَعل الأوَّل روايةً، وفَسَّر ذلك بأنَّه قُطنةٌ تُدخِلُها المرأةُ فَرجَها ثم تُخرِجُها لتنظرَ هل بقِيَ شيءٌ من أثَرِ الحَيض أم لا، وهو تفسيرُ أهلِ اللّغة، كما قال (ط).
(الكرسف) بضمِّ الكافِ والسين المهملة: القُطْنُ.
(فتقول)؛ أي: عائشةُ.
(القصة) بقافٍ مفتوحةٍ وصادٍ مُهملةٍ مُشدَّدة: ماءٌ أبيضُ يكونُ آخرَ الحيض، يُتَيقَّنُ به نقاءُ الرَّحِمِ تشبيهًا بالقَصَّة التي هي الجِصُّ، ومنه: قَصَّصَ دارَه؛ أي: جَصَّصَها، وهي لغة حِجازِيَّةٌ، وقال أبو عُبَيد الهرَويُّ: معناه أن تُخرِجَ ما تَحتَشي به الحائضُ نقيًّا لا يُخالطُه صُفرةٌ، فكأنَّه قَصَّة، كأنَّه ذَهبَ إلى النَّقاء والجُفُوف.
قال (ع): وبينَها وبينَ القَصَّة عند النِّساء وأهلِ المَعرفة فَرقٌ بيِّنٌ، وحاصِلُ فتواها إيَّاهن: أنَّه لا بُدَّ في طَهارتِهنَّ من رُؤية القُطنةِ شبيهةً
стр. 975
بالجَصَّة نقيَّةً صافيةً.
(بنت زيد) يحتملُ واحدةً من بناتِه، وهنَّ: أمُّ إسحاقَ، وحَسَنة، وعُمرَةُ، وأمُّ كلثومٍ امرأةُ سالم بن عبدِ الله بنِ عمرَ، ولهذه روَاية، قيلَ: والظَّاهرُ أنَّها هِي.
(يدعون) نونُه للنِّسوة، فوزنُه (يَفعُلْنَ) من الدُّعاء.
(إلى الطهر)؛ أي: إلى ما يدلُّ عليه منَ القُطنَة.
(النساء) اللامُ للعَهد عن نِساءِ الصَّحابة لا عن نساءِ المَذكور، وإنَّما عابَت عليهِنَّ ذلك؛ لأنَّ فعلَهنَّ وإن كان حِرْصًا على الطَّاعة، لكنْ فيهِ حَرَجٌ، وهو مذمومٌ، بل جَوفٌ اللَّيل إنَّما هو وقتُ استراحَةٍ.
* * *
٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَألتِ النَّبي ﷺ ، فَقَالَ: (ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وإِذَا أدبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي).
(أستحاض) بالضَّمِّ مبنيٌّ للمَفعول.
(عرق) بكسرِ العَين، ويسمَّى: العَاذِل.
(بالحيضة) يروى بكسرِ الحاء وفَتحِها، والفتحُ أظهرُ.
стр. 976
(فأغتسل) لا يُعارضُه ما سبق في (باب غَسلِ الدَّم) من أمرِها بغَسلِ الدَّم، ولم يأمرْ بالاغتِسالِ، لأَنَّ المُستَحاضَةَ لَها أحوالٌ، ففي بعضِها يجبُ الغُسل، وذلك عند احتِمال انقِطاعِ الحَيض، كما هوَ مبيَّنٌ في الفِقه، وهذا أحسنُ من الجوابِ بأنَّ عَدَم التَّعرُّضِ للغُسل ليس فيه تعرُّضٌ لعدَمِ الغُسل.
وليس في أمرِها بالاغتِسال تكرُّرٌ، بل يَكفي واحدٌ، إلا أن يكونَ للغُسلِ داعٍ من حيثُ احتمالُ انقِطاعٍ، كما أَشرنا إلَيه، وأمَّا اغتِسالُ أُمِّ حبيبةَ في استِحاضَتِها لكلِّ صلاةٍ، فإمَّا أنَّها مِمَّن يجبُ عليه ذلك لاحتِمالِ انقِطاعِ الدَّمِ عندَ كلِّ صلاةٍ، أو أنَّها مُتطوِّعةٌ به، فقالَ الشَّافعيُّ: إنَّما أمَرَها أن تغتسِلَ وتصليَ، وليس فيه أنَّه أمَرَها أن تغتسِلَ لكلِّ صَلاةٍ، ولا شكَّ -إن شاءَ الله- أنَّ غُسلَها كان تطوُّعًا غيرَ ما أُمِرت به، وذلكَ واسِعٌ، انتهى.
قال (ط): في الحديثِ أنَّ الصُّفرَةَ والكُدرَةَ في زَمَنِ الحيضِ حَيضٌ، حتَّى ترى الماءَ الأبيضَ الذي يدفَعُه الرَّحِمُ عند الانقِطاعِ.
* * *
٢٠ - بابٌ لَا تَقْضِي الحَائِضُ الصَلَاةَ
وَقَالَ جَابِرٌ وَأبو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : تَدَعُ الصَّلَاةَ.
стр. 977
(بابٌ: لا تقضي الحائض الصلاة)
(وقال جابر ...) إلى آخرِه التَّعليقُ عن جابرٍ، أخرجَ معناهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وذلك في حَيضِ عائِشَةَ الذي (١) في الحَجِّ، وفيه: (غيرَ أن لا تطوفي بالبَيت، ولا تُصلِّي)، وسيأتي الحديثُ في "البُخارِيِّ" في (الأحكام).
وأمَّا التَّعليقُ عن أبِي سعيدٍ فرَواه الشَّيخانِ في حديثِ خُطبةِ العيد بالمعنَى أيضًا، وهو قولُه: (أليسَ إذا حَاضَت لَم تُصَلِّ)، وقد سبق، ويأتِي.
ووَجهُ دخولِ هذا في ترجَمَة: (لا تقضِي)؛ وهو إنَّما يدلُّ على التَّركِ حالَ الحَيض: أنَّ المرادَ بالتَّرك مُطلقًا، أداءً وقضاءً، إذ التَّركُ حالةَ الحَيضِ من المَعلومِ من ضَرورَةِ الدِّين لكلِّ مسلمٍ.
* * *
٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا همَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ قَالَ: حَدَّثتنِي مُعَاذَةُ: أَنَّ امرَأةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أتجْزِي إِحدَاناَ صَلَاتَها إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أنت؟! كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأمُرُنا بِهِ، أَوْ قَالَتْ: فَلَا نفعَلُهُ.
(أن امرأة) هي مُعاذَةُ، كما في "مسلم".
стр. 978
(أتجزي) بفتحِ أوَّله بلا همزٍ، أي: تَقضِي، قال تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وروي: (أتَقضِي).
(صلاتَها) بالنَّصب مفعولُ (تَجزِي) أو (تَقضِي) لا مرفوعٌ على الفاعلية، فإنَّها لَم تُصلِّ بعدُ حتى تسأَلَ عن الاكتفاءِ بِها إنَّما سألت عن لُزومِ القَضَاءِ بعدَ الطُّهرِ، أمَّا ضمُّ التَّاء في (تُجزئُ) والهمزُ؛ على أنَّه من (أَجزَأَ) الرُّباعِيِّ فلا معنَى له هنا كما قررتُه في الذي قبلَه.
قال (ك): إنَّ الهمزَ رُوِيَ.
(أحرورية) بفتحِ المهمَلة وضمِّ الرَّاء الأولى المخفَّفة، نسبةً إلى (حَرُوراء) قريةٌ بقُربِ الكوفَة، أوَّلُ اجتِماعِ الخَوارِجِ بِها وتعاقدِهم، فالمعنَى هنا: أخَارِجِيَّةٌ أنتِ، لأنَّ طائفةً منَ الخوارجِ يوجِبون على الحائضِ قضاء الصَّلاةِ الفائتة في زَمنِ الحَيض، وهو خلافُ الإجماعِ، كما حَكَى ذلك الزُّهرِيُّ وغيرُه، فالاستفهامُ إنكارِيٌّ.
(أنت) مبتدأٌ، خبَرُه: (حَرُوريَّة)، قُدِّمَ عليه للحَصرِ، أي: أنتِ حَرورِيَّةٌ لا غير.
قلت: ويجوزُ أن يكونَ فاعلًا للوَصفِ، والوصفُ مبتدَأٌ أغنَى عن خَبِرِه على خلافٍ مَشهورٍ في المَسألة، وفي بعضِها بنَصبِ (حَرُوريَّة) بتقديرِ فِعلٍ، أي: كُنتِ أو صِرتِ، ويكونُ (أنتِ) تأكيدًا.
(مع) المرادُ بالمعيَّة هنا معيةُ وجودِه أو عهدِه، أي: فكانَ مُطَّلِعًا على حالِهنَّ في تركِهِنَّ الصَّلاةَ زَمَن الحَيض، ولم يأمرهُنَّ بالقَضاء،
стр. 979
فلو وَجَب لأمَرَهُنَّ، وهو معنَى قولها:
(فلا يأمرنا) أو فلا نفعلُه، أي: القَضَاء، لأنَّ التقرِيرَ على تركِ الواجبِ لا يَجوزُ.
(أو قالت) ظاهِرُه أنَّ الشَّكَّ من مُعاذَةَ.
قال (ن): الفَرقُ بين وجوبِ قضائِها الصَّوم وعدَمَه في الصَّلاة: تكرُّرها، فيشُقُّ قضاؤُها بخلافِ الصَّوم، فإنه في السنة مرَّةٌ، وخطابُها بقضائِه لا لكَونه خُوطِبت به أوَّلًا، بل بأمرٍ جديدٍ، وقيل: خُوطِبت به وأُمِرَت بتأخيره، كما يُخاطَبُ المُحدِثُ بالصَّلاة، وإن لم تصحَّ صلاتُه زمنَ الحَدَث، وهو باطلٌ لأنَّه مُحَرَّمٌ عليها، فكيف يجبُ؟ وأيضًا فالحَيضُ سببٌ لا قُدرةَ لَها على إزالتِه بخلافِ الحَدَث، واستُثنِي من نَفيِ قضاءِ الصَّلاة رَكعتَي الطَّواف.
* * *
٢١ - بابُ النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهْيَ فِي ثِيَابها
(باب النوم مع الحائض)
٣٢٢ - حَدَّثَنَا سَعدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زينَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثتهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَناَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ
стр. 980
مِنْها، فَأَخَذْتُ ثِيابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُها، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أنفِسْتِ؟)، قُلْتُ: نعم، فَدَعَانِي فَأَدخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَحَدَّثتنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُها وَهُوَ صائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَناَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِناَءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَة.
(شيبان)؛ أي: النَّحوِيُّ.
(يحيى)؛ أي: ابنُ أبي كثير.
وسبق شَرحُ الحديث أوَّلَ التَّرجَمة في (باب مَن سَمَّى النِّفاس حَيضًا) إلا أنَّ هناك بلفظِ: (الخَميصَة) بدلَ (الخَميلَة)، وهي أعمُّ.
واللامُ في (فأدخلني معه في الخميلة) للعَهد، أي: الخميلةُ التي انسلَّت منها؛ لأنَّ المَعرِفة إذا أُعيدت فهي غيرُ الأولَى، وأمَّا اللام في الأولى: فإمَّا للجِنسِ أو للعَهدِ الذِّهني، والفَرقُ بينهما أنَّ العَهدَ المرادُ منه حِصَّةٌ من الماهيَّة، والجنسَ نفسُ الماهيَّة.
(قالت)؛ أي: زينبُ، وظاهرُه التَّعليق، لكنَّ السِّياقَ مُشعِرٌ بأنَّه داخِلٌ تحتَ الإسنادِ المَذكورِ.
(وحدثتني) عطفٌ على مُقدَّر، وهو مقولُ القَول.
(وكنت) عطفٌ على: (أنَّ النبِيَّ ﷺ )، أي: وحدثَتنِي بقَولها: (وكنتُ) مع تَحديثها (أنَّ النبِيَّ ﷺ ).
(والنبي ﷺ ) نصبٌ مفعولًا معَه، أو رَفعٌ بالعَطف، والمُضارِعُ المَبدوءُ بالهمزةِ، وإنْ لَم يصحَّ أن يَعملَ في ظاهرٍ، لكنْ يُغتَفَرُ في التَّابعِ
стр. 981
ما لا يُغتَفَرُ في المَتبوع، أو هو عطفُ جُملَةٍ على جُملَةٍ، أي: واغتَسل النبيُّ ﷺ كمَا قُدِّر في: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]: ولْيسكُنْ زَوجُك، وفي بعضِها إسقاطُ لفظِ: (أنا)، فيتعيَّنَ النَّصبُ.
(من الجنابة) تعلَّقَ بِما تعلَّق به (من إناءٍ) لاختِلافِه؛ لأنَّ الابتداء الأوَّل من عَينٍ، والثَّانِيَ من معنًى، وإنَّما الممتَنِعُ أن يكونَ ابتداءً ومتعلَّقا من جنسٍ واحدٍ، كـ: راتبُه من شَهرٍ من سنَةٍ، أو: خَرجتُ من البَصرَة إلى الكُوفة.
* * *
٢٢ - بابُ مَن أخَذَ ثِيَابَ الحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ
(باب من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر)
٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زينَبَ ابنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَناَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجعَةً فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلتُ فَأَخَذتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ: (أنُفِسْتِ؟)، فَقُلْتُ: نعم، فَدَعَانِي فَاضْطَجَعتُ مَعَهُ فِي الخَميلَة.
(فضالة) بفتح الفاء.
(حضت): هو العاملُ في (بينَا).
стр. 982
(في الخميلة) اللامُ للعَهد كما في: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، وسبق الجَمعُ بين هذا وبينَ الحديثِ الذي في (بابِ هل تُصلِّي المَرأةُ في ثَوبٍ حاضَت فيه)، من قولها: (ما كانَ لإحدَانا إلا ثوبٌ واحدٌ)، أنه باعتِبارِ وَقتَينِ حالةَ الإقتارِ وحالةَ حُصولِ الفُتوحاتِ.
أو يُجابُ باعتِبارِ اللَّيلة؛ أي: ما كانت تَملكُ إلا ثَوبًا واحِدًا، لكنْ في دَفع السُّؤالِ بذلك بُعد.
* * *
٢٣ - بابُ شُهُودِ الحَائِضِ العِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، ويَعتَزِلْنَ المصلى
(باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين)؛ أي: كالاستِسقَاء.
(يعتزلن المصلى)؛ أي: مكانَ الصَّلاة، وهو المَسجدُ، وجَمَعَ الضَّميرَ مع عودِه لمُفردٍ؛ لإرادَة الجِنس، كما في: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧].
٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمدٌ -هُوَ ابْنُ سَلَامٍ- قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كنا نمنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امرأةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بني خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِها، وَكانَ زَوْجُ أُخْتها غزَا مَعَ النبِي ﷺ ثِنتي عَشَرَةَ، وَكانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ، قَالَتْ:
(الكلمى) جمع (كَليم)، فعيلٌ بمعنَى مَفعول، فهو على القياس.
(المرضى) هو بالحَمل على جَرحَى.
(أن لا نخرج)؛ أي: إلى مُصلَّى العيدِ.
(ولتلبسها) بسكونِ السِّين للجَزمِ، وفاعلُه: (صاحبتُها).
(جلبابها) بكسرِ الجيم وتكرير الموحَّدة: ثوبٌ أعرضُ وأقصَرُ من الخِمارِ، وقيل: ثَوبٌ واسِعٌ دونَ الرّداءِ تغطِّي به ظَهرَها وصَدرَها، وقيل: هو الإزارُ، والمعنَى: تُعيريها جِلبَابًا لا تَحتاجُ إليه لتَلبِسَه.
(الخير)؛ أي: مجالسَ الخَير، كسماعِ الحديثِ، وعيادَةِ المَرضى، ودعوةِ المُسلمينَ كالاجتِماعِ لصَلاة الاستِسقاء.
(قدمت)؛ أي: البَصرة.
(سألت)؛ أي: قالت حفصَةُ: سألتُ أمَّ عطِيَّةَ.
(أسمعت) مفعولُه مَحذوفٌ، أي: ذلك، أو المَذكور.
(بأبي)؛ أي: أَفدِي بابِي، ولبعضِهم (بأَبا) بإِبدالِ ياءِ المتكلم ألفًا، ولبَعضٍ: (بِيَبِي) و (بِيَبَا) بقَلب الهمزَةِ ياءً فيهما.
(لا تذكره)؛ أي: النبِي ﷺ ، أي: مُفدى بأبِي، ويحتملُ أنَّه قَسَمٌ، أي: أُقسِمُ بأبِي، لكنَّ الأوَّلَ أقربُ للسِّياقِ وأظهرُ.
(وسمعته) ليس من تتمَّة المُستثنَى، إذ الحَصرُ في قوله: (بأبي) فقط لقَرينةِ ما سبقَ.
(ذوات الخدور)؛ أي: البيوت، في بعضِها: (وذوات)، وفي
стр. 985
بعضِها: (العاتِقُ ذاتُ الخِدر) بالإفراد، والخِدرُ -بكسر الخاء-: السِّترُ في جانِبِ البَيت، أو هوَ نفسُ البَيت.
(والحيض) بتشديدِ الياء، جَمعُ (حائِض) عطفٌ على (العواتِقِ).
(يعتزل) في بعضِها: (يعتَزِلْنَ) على لغَةِ (أكلوني البراغيثُ).
(آالحيض): استفهامٌ تعجُّبِيٌّ من إِخبارها بشهودِ الحائضِ.
واعلم أن الأمرَ بالاعتِزالِ للوجوبِ، لأنَّ الشُّهودَ والخروجَ لما دلَّ من خارج أنه للنَّدب، وإنَّما عُطِفَ (لتَشهد) على (يخرجُ) وهو خبَرٌ؛ لأنَّ إخبارَ الشَّارعِ عن الحكم الشَّرعِيِّ كـ (هو) متضمِّنٌ للطَّلبِ، أي: ليَخرُج.
(أليس) اسمُها ضميرُ الشَّأنِ، وفي بعضِها: (ليس) بلا استِفهامٍ.
(عرفة)؛ أي: يومَ عرفة.
(كذا وكذا)؛ أي: نحوَ المُزدلفَة، وصلاةَ الاستِسقاء.
ففي الحديثِ: أنَّ الحائِضَ تذكرُ الله، وتشهدُ مجالِسَ الخَير والدُّعاءِ والتَّأمين رجاءَ بَرَكةِ المَشهد، لكنْ لا تقربُ المسجدَ، واستِعارةُ الثيابِ للخروجِ للطَّاعات، واشتمالُ المرأتينِ في ثَوبٍ واحدٍ لضرورةِ الخروجِ للطَّاعة، وغَزوُ النِّساء، ومداواةُ الجرحى وإن لم يكونوا مَحارِمَ، وقبولُ خبَرِ المرأة، وجوازُ نقلِها الأعمالَ في زمنِه ﷺ ، وإن لم يخبِر به هو، والنَّقلُ عن صحابِي لا يُعرفُ لاسيَّما إذا بُيِّنَ منزِلُه.
قال (ن): قال أصحابُنا: يستحَبُّ إخراجُ غيرِ ذواتِ الهيئات والمُستَحسَنات في العيد فقط، لأنَّ في زمانِه كانَ الأمنُ من فسادِهن،