← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18106

منحة الباري بشرح صحيح البخاري

زكريا الأنصاري

Полный текст (6 339 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

العشرة فما فوقها، قاله الجوهريُّ (١). (من قريش) صفة لركب، وقريش: ولد النضر، وقيل: ولد فهد بن مالك ابن النضر، سُمُّوا قريشًا من القرش وهو: الكسب، والجمع؛ لتكسبهم، أو لتجمعهم بعد التفرق، وقيل: سُمُّوا ذلك باسم دابة في البحر من أقوى دوابِّه، تأكلُ ولا تؤكل، وتعلو ولا يُعْلَى عليها، والتصغير فيه للتعظيم، وهو منصرف، على إرادة الحيِّ، و [قد] (٢) يمنع، على إرادة القبيلة. (تُجَّارًا) بالضم والتشديد بوزن كُفَّار، وبالكسر والتخفيف بوزن كِلَاب، جمع تاجر. (بالشام) بالهمز وبدونه، وبالهمزة مع المد، وهو متعلق بـ "تجارًا" أو بـ (كانوا)، أو صفة بعد صفة لـ (ركب). (مادَّ) بالتشديد، فعلٌ ماضٍ من المفاعلة، يقال: مادَّ الغريمان إذا اتفقا على أجل للدين، وضربا له زمانًا، وهو من المدة أي: القطعة من الزمان، وهذه المدة: هي مدة صلح الحديبية الذي جرى بين النبيِّ ﷺ وبين أبي سفيان حاكِي القصة، وكفارِ قريش سنة ستٍّ من الهجرة. (وكفار قريش) عطفه على (أبا سفيان) فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، وقيل: هو مفعولٌ معه، فالواو بمعنى مع (٣).

стр. 107

(فأتوه) الفاء فيه فصيحة (١)، وهي العاطفة على مقدر أي: أرسل إليه فجاء الرسولُ، فطلب أن يأتوه فأتوه، على حدِّ: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠] أي: فضرب فانفجر. (وهم) أي: هرقل وجماعته، وفي نسخة: "وهو" أي: هرقل، (بإيلياء) بالمد، بوزن: كبرياء، وفي نسخة: بالقصر، وفي أخرى: "إلياء"، بحذف الياء الأولى، بوزن: إعطاء، وحُكِيَ: إيليَّا بتشديد الياء الثانية والقصر ومعناه: بيت الله، والمراد: بيت المقدس. (في مجلسه) حال؛ أي: دعاهم حالة كونه في مجلسه؛ لأن دعا إنما يتعدى بإلى، نحو: ﴿يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] أي: دعاهم وهو في مجلس ملكه، لا في خلوته. (وحوله) نصب على الظرفية، ويقال فيه: حواليه، وحوليه، وحواله، وهو خبر لقوله: (عظماء الروم) والروم: اسم للجيل المعروف، قال الجوهريُّ: ولد الروم بن عيصو أي: فغلب عليهم اسم أبيهم (٢)، (ثم دعاهم) عطف على فدعاهم، وليس بتكرار؛ لأن معناه: أنه دعاهم أولًا، فلما حضروا بعيدًا منه وقعت مهلة بقرينة ثم دعاهم ثانيًا؛ ليقربوا منه. (تَرجُمانه) بفتح التاء، وضم الجيم، وقد تضم التاء اتباعًا، وقد

стр. 108

يفتحان، وقد يضم الأول ويفتح الثاني، وفي نسخة: "بترجمانه"، وفي أخرى: "بالترجمان"، وهو: المفسر لغة بلغة، والباء في الأخيرتين زائدة للتوكيد (١)، كما في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أو أصلية بتضمين دعا معنى استعان، وإلا فدعا متعد بنفسه. (فقال: أيكم أقرب) الفاء فصيحة، أي: فقال للترجمان قل: أيكم أقرب فقال الترجمان ذلك، وصلة أفعل التفضيل، والمفضل عليه: محذوفان، والتقدير: أيكم أقرب إليه من غيره، ووجه سؤال هرقل ذلك: أن الأقرب إلى النبيِّ أعلمُ بحاله، وأبعد من الكذب في نسبه؛ لئلا يكون قدحًا في نسب نفسه. (فقال) في نسخةٍ: "قال" (قلت) في نسخةٍ: "فقلتُ". (أقربهم نسبًا) في نسخةٍ: "أقربهم به نسبًا". (فقال) نسخة: "قال". (أدنوه) بهمزة قطع مفتوحة؛ أي: قربوه، وأصله: ادنيوا بكسر النون استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت الياءُ دون

стр. 109

الواو لأنها علامة الجمع ثم أبدلت كسرة النون ضمة؛ لمناسبتها الواو فصار أدنوه وإنما أمر بإدنائه؛ ليمعن في السؤال، ويشفي غليله عند ظهره؛ ليكون أهون عليهم في تكذيبه؛ لأن مقابلته بذلك في وجهه صعبة. (هذا الرجل) أي: النبيَّ ﷺ ، وأشار إليه إشارة القريب؛ لقرب العهد بذكره؛ أو لأنه معهود في أذهانهم. (كذبني) أي: نقل إليَّ الكذب، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول: كذبنيَ الحديثَ، كما في: صدق، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ [الفتح: ٢٧] بخلاف كذَّب، وصدَّق بالتشديد، فإنهما يتعديان إلى واحد، وهذا من الغرائب، أن يكون الفعلُ بالتخفيف متعدِّيًا لاثنين، وبالتشديد لواحدٍ (١). (يأثروا) بضم المثلثة وكسرها؛ أي: يرووا من أثرت الحديث بالقصر. آثره بالمد أي: رويته عليَّ، بمعنى: عنِّي، والمعنى لولا الحياء من أن رفقتي يروون عنِّي أني كذبت. وهو قبيح فأعاب به. (لكذبت عنه) أي: لأخبرت عنه بكذب لبغضي إياه، وفي نسخة: بدل عنه "عليه". (ثم كان أَوَّل ما سألني عنه أن قال) بنصب أَوَّل: خبرًا لكان، واسمها: أن قال، أو ضمير الشأن بجعل (أن قال) بدلًا من (سألني) ويجوز رفعه: اسمًا لكان، وخبرها: أن قال، واعترض إطلاق جواز النصب والرفع؛ بأن الصواب أن يقال: إن جعلت (ما) نكرة، تعين نصبه على الخبرية؛ لأن أن قال: مؤوَّل بمصدر مضاف إلى الضمير فهو معرفة، فيتعين أن يكون اسم كان، وأَوَّل: خبرها؛ لكونه نكرة، وإن

стр. 110

جعلت (ما) موصولة، جاز الأمران، لكن المختار جعل (أن قال) هو الاسم لكونه أعرف (ذو نسب) التنوين فيه للتعظيم، كقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. (قَطُّ) بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر، وبضمها مع التشديد ومع التخفيف، وبفتح القاف وتخفيف الطاء ساكنة، أو مضمومة، وهي هنا: ظرف ولا تستعمل إلا في ماضٍ منفيِّ، أو ما في معناه، كالاستفهام هنا فإنه في حكم النفي إذ المعنى: هل قال هذا القول منكم أحد، أولم يقله أحد قط قبله؟ في نسخة: "مثله"، فيكون بدلًا من هذا القول. (من ملك) بكسر الميم، حرف جر، وملك: بكسر اللام، صفة مشبهة، وفي نسخة: بفتح ميم "من" موصولة، أو بفتح أحرف "ملك"، فعل ماض، وفي أخرى: "ملك" بإسقاط من، وكسر لام ملك. (فأشراف النَّاسِ) أي: كِبارُهم، وأهلُ الأحسابِ. (يتَّبعونه) في نسخة: "اتَّبَعُوه". (بل ضعفاؤهم) فيه: تغليبٌ إذ تَبِعه بعضُ الأشرافِ مثلُ العُمرين ممِن أَسْلم قبل سؤالِ هِرَقل. (سخطةً لدينِه) بفتح السينِ أي: كراهةً، ونصبت مفعولًا له، أو حالًا أي: ساخطًا، ويُروى: سُخْطًا بضم السين، وفتحِها، وسكون الخاءِ، ويجوز فتحها مع فتح السين، وخرج بذلك من ارتد مكرها، أولًا لسخطةِ ديِنه، بل لرغبةٍ في غيره لحظ نَفْسانِي. (يغدِر) بدال مهملة مكسورة أي: ينقضِ العهدِ في مدِة صلح الحديبية، أو مدةِ غَيبةِ أبي سفيانَ، وانقطَاع أَخبار النبي ﷺ عنه. (قال) أي: أبي سفيانَ. (ولم تُمكنّي) بالفوقيةِ، أو التحتية، كلمةُ فيها ثلاثُ لغاتٍ مشهورة، وأطلقَها هنَا على الجملة أي: لم يمكني

стр. 111

جملةَ أُدْخِل فيها شيئًا أنتقصُه به (غير هذه الكلمة) أي: الجملة، وغيرَ: منصوبة صفة لـ (شيئًا)، ومرفوعة صفة لكلمةٍ، وإن كانت غيرَ مضافةٍ إلى معرفةٍ؛ لأنَّها لا تتعرف بالإضافةِ إلَّا عند توسُّطها بين المتغايرين، على ما قاله ابن السراج (١)، وهنا ليس كذلك. (فهل قاتلتموه) نَسبَ ابتداء القتال إليهم لا إليه لما اطَّلع عليه من أنَّ النبيَّ ﷺ لا يبدأ فرقةً بالقتالِ حتَّى يقاتِلُوه. (قتالكم إياه) هو أفصح من قتالكموه. (قلت) في نسخةِ "قال" (سِجالٌ) بكسر السين: جمع سجل: وهو: الدَّلو الكبيرُ، شبَّه الحربَ بالاستقاءِ؛ لأنَّ المتحاربين كالمستقين: يَستقي هذا دلوًا وهذا دلوًا، فالمرادُ بالسِجالِ: النَّوبُ، وسوِّغَ الإخبار به مع أنَّه جمعٌ عن مفردٍ، وهو الحربُ؛ لأنَّ لامَ الحربِ للجنسِ؛ أي: الحروبُ بيننا وبينه تُشبه السِجالِ: نوبةٌ لنا، ونوبةٌ له، كما فسَّره بقولهِ: (ينالُ منَّا وننالُ منه) أي: يصيبُ منا، ونصيبُ منه. (ماذا) في نسخةٍ: بماذا، وفي أخرى: "فماذا". (ولا تُشركوا) في نسخةٍ: "لا تشركوا"، وهلذه الجملةُ والتي قبلها، والتي بعدها متلازمة والقولُ: بأنَّ الثانيةَ أخصُّ من الأولى؛ لأنَّ

стр. 112

عدَم الإشراكِ أخصُّ من عبادَة الله وهمٌ؛ لأنَّ الأُولى مقيدةٌ بقولهِ وحدَه، وفي الجمل الثلاث مبالغةٌ؛ لأنَّها أشدُّ الأشياءِ على أبي سفيانَ، أو أنَّه فَهِمَ أنَّ هِرَقل من الذين قالوا بالإشراكِ من النصارى، وأرادَ تحريكه، وتنفيره عن دين الإسلِام (بالصلاة) أي: المعهودةُ المفتتحةُ بالتكبيرِ، المختتمةُ بالتسليم، وزاد في نسخةٍ: "والزكاةُ" والصدق: هو القولُ المطابقُ للواقع، وفي نسخةٍ: "والصدقةُ". (والعفافُ) بفتح العينِ، الكفِ عن المحارِم، وخوارم المُروَّة، والصلةُ أي: للأرحام، أو لكلِ قريبٍ، والأَولَى: عُمومُه في كلِ ما أمَر الله به أنْ يوصلَ بالصدقةِ، والبرِّ، والسِلامِ. وفي ذكر الأمرِ بالأربعةِ: تمامُ مكارِم الأخلاقِ؛ لأن الفضيلة إما قولية: وهي الصدق، أو فعلية متعلقةٌ بالله تعالى: وهي الصلاةُ، أو بنفسه: وهي العفة، أو بغيره: وهي الصلةُ. (وكذلك الرسل) أي: يكونون ذوي أنسابٍ شريفة؛ لأنَّ من شَرُف نَسَبُه كان أبعدَ من انتحِال الباطل، وأقربَ لانقيادِ الناسِ إليه. (فقلت) أي: في نفسي. (يَأتسي) بهمزة ساكنةٍ بعد التحتية، أي: يَقتدي، وفي نسخة: "يتأسَّى" بتحتيةٍ، ففوقيةٍ، فهمزةٍ مفتوحةٍ، فسينٍ مفتوحةٍ مشددةٍ. (قلت) في نسخةٍ: "فقلت" (فلو) في نسخةٍ: "لو" (لم يكن ليذر الكذب) لام ليذر الجحود (١)، وفائدتُها: تأكيدُ النفي نحو:

стр. 113

﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]. (وهم أتباعُ الرسل) أي: لأنَّ الأشرافَ يأنفون من تقدم مثلِهم عليهم بخلافِ الضعفاء، فإنَّهم يُسرعون إلى الانقيادِ واتباعِ الحقِّ، وهذا بحسب الغالبِ، كما مرَّ. (أيرتد أحدٌ؟) حكمة هذا السؤال: أنَّ مَن دخلَ على بصيرةٍ في أمرٍ محققٍ لا يرجع، بخلافِ مَن دخلَ في باطلٍ، لا يُقالُ: فقد ارتد بعض من آمن؛ لأنَّا نقولُ: وقوعُ ذلك لم يكن في أوائل الأمرِ، أو ليس لسخطةِ الدِّين، بل لمعنى آخرَ، كحبِّ الرياسةِ. (حين) في نسخةٍ: "حتى". (تخالطُ بشاشته القلوبَ) أي: تخالطُ بشاشةُ الإيمان القلوبَ، فالبشاشةُ: وهي انشراحُ الصدرِ للحق ووضوحُه: فاعلُ تخالط، والقلوب: مفعولٌ به، وفي نسخةٍ: "بشاشة القلوبِ" بنصب بشاشة وإضافته إلى القلوب، أيْ: يخالطُ الإيمانُ بشاشةَ القلوب، ففاعلُ يخالطُ ضميرٌ مستترٌ. (وكذلك الرُّسلُ لا تغدر) لطلبهم الآخرةَ، ومَن طلبها لا يرتكبُ غدرًا، ولا غيره من القبائح، بخلافِ طالبِ الدنيا لا يبالي بذلك. (بما يأمُرُكم) هو مِن القليلِ في إثباتِ ألفِ ما الاستفهاميةِ عِنَد دخول الجارِّ عليها (١). (ولا تُشركوا) أدخلَهُ في المأمورِ معَ أنَّه مَنهيٌ، بناءً على أنَّ الأمرَ

стр. 114

بالشيء نهيٌ عَنْ ضدِّهِ. (ويَنْهاكم عَن عبادةِ الأوثانِ). تعرَّض هِرَقلُ لذلك، وإنْ لمْ يقع في لفظِ أبي سفيانَ؛ لأنَّه لازم قوله: (وَحْدَهُ) إلخ، تركَ ذكرَ الصِّلةِ وهي موجودةٌ في كلامِ أبي سفيانَ لدخولها في العفافِ، وترك مِن إعادةِ الأسئلةِ: وهي أحدَ عشرَ إعادة اثنين: وهما: السؤالُ عن القتالِ، وعن كيفيته؛ لأن مقصوده بيان علامات النبوة، وأمرُ القتالِ لا دخل لهُ فيها إلَّا بالنظرِ للعاقبةِ، وهي إذ ذاك مغيبةٌ؛ أو لأنَّ الرَّاويَ اكتفى عن ذلك بما سيذكره في روايةِ أُخرى فذكرها البخاريُّ مع زيادة في الجهادِ، في بابِ: دعاء النبيِّ ﷺ (١) (كنتُ أعلمُ) إِلى آخرِه، مأخذه إمَّا من القرائن العقليةِ، أو الأحوالِ العادية، أو الكتب القديمة. (أخلص) أي: أَصِلُ (لتِجَشَّمْتُ) بجيمٍ وشينٍ معجمتينِ أي: تكلفت لِمَا فيه مِن المشقةِ، ورواه في التفسيرِ بلفظِ: (أحببت) (٢)، والمعنى: لو كنتُ أتيقنُ الوصولَ إليه لتكلفتُ ذلك، لكني أخافُ أنْ يَعوقَني عنه عائقٌ، فأكونُ قدْ تركتُ مُلكيَ، ولمْ أصلْ إلى خدمتهِ، ولا يحكم بإيمانه بذلك، ولا بما يأتي بعدُ؛ لقوله: (بعد قلت) مقالتي آنفًا، أختبر بها شدتكم على دينكم، ولا عذر له في قوله: لتجشمت؛ لأنه قد عرف صدق النبيِّ ﷺ ، وإنما سُجَّ بالملك، ورغب في الرياسة، فآثرها على الإسلام. وزعم ابن عبد البرِّ أنه آمن. (ثم دعا) أي: من وُكِّلَ ذلك إليه.

стр. 115

(بكتاب) هو مدعو به، ولذلك عُدِّيَ بالباءِ، والباءُ زائدة، أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، أو ضمَّن دعا معنى اشتغل، ونحوه. (بعث به) أي: أرسله، وفي معناه بعثه، وابتعثه مع، بفتح العين أفصح من سكونها. (دحية) بكسر الدال وفتحها: ابن خليفة بن فروة الكلبيُّ، وهو صحابيٌّ، ومعناه بلغة اليمن: رئيس الجند، وكان من أجمل الناس وجهًا، وهذا هو الحكمة في أن جبريل ﵇ كان يأتي في صورته، وفي نسخة: "بعث به دحية"، بحذف مع. (عظيم بُصْرَي): هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وبُصْرى: بضم الموحدة مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران، بفتح الحاء والراء المهملتين (١). (من محمد عبد الله) في نسخةٍ: "محمد بن عبد الله" وفي ذكر عبد الله تعريض ببطلان قول النصارى في المسيح: إنه ابن الله. (رسوله) فيه: الترقي من كونه عبد الله إلى كونه رسوله. (عظيم الروم) بالجرِّ بدل من هرقل، وقد يقطع بالرفع والنصب، ولم يقل: ملك الروم؛ لأن فيه تسليمًا لملكه، واتصافه بما لا يستحق، وهو بحق الدين معزول، مع أنه لم يخله من نوع الإكرام في المخاطبة؛ أخذًا بأمرِ الله في تليين القولِ لمن يُدْعَى إلى الحق، كما في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية. (سلامٌ على مَن اتبع الهُدى) لم يقل: عليكَ؛ لأن الكافرَ لا يُسَلَّمُ عليه. (أما بعدُ) مبني على الضمِّ بِنِية الإضافة (٢)، أي: بعد ما ذُكِرَ،

стр. 116

و (أما) (١) للاستئناف، كما في أوائلِ الكتبِ، لا لتفصيل ما أُجْمِلَ، حتى يحتاج إلى قسيم، كقولك: جاء القوم: أما زيد فأكرمته، وأما عمرو فأهنته. (بدعاية الإسلام) أي: بدعوته، وهي كلمة الشهادة، التي تُدعى بها الأمم، للدخول فيه، فهي شعاره، وهي من دعا يدعو دِعايةً، كشكا يَشْكُو شِكايةً، ويحتمل: أن يراد بالدعوة الإسلام، كشجر الأراك، فالإضافة للبيان، والباء بمعنى إلى، والمعنى: آمرك بكلمة التوحيد. (أَسْلِمْ) بكسر اللام. (تَسْلَمْ) بفتحها. (يُؤتِكَ) بالجزم: جوابًا ثانيًا للأمر، أو بدلًا من الجواب، أو بيانًا له. (مرتين) أي: مرة للإيمان بنبيهم، ومرة للإيمان بنبينا. (توليت) أي: أعرضتَ. (عليك إثم الأَرِيْسيِّين) رويَ بفتح الهمزة، وكسر الراء، وسكون المثناة تحت، ثم ياء مشددة للنسب، ثم علامة جمع السلامة في المذكور وهي: الياء والنون، وبذلك أيضًا، لكن بإبدال الهمزة ياءً، وبه أيضًا، لكن بدون ياء النسب في روايتي الهمزة والياء، وبكسر الهمزة والراءِ المشددة، وياء واحدة بعد السين ومعنى الكلِّ: المزارعون، المعبر عنهم في رواية: "بالأكَّارين"، ويقال: الفلاحون، ويقال: اليهود والنصارى، ويقال: المكاسون، ويعبر عنهم بالعشَّارين، ومعنى الجميع: أن عليك إثم أتباعك، وقدَّم عليك؛ لإفادة الحصر ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]؛ لأن المراد هنا: إثم إضلالِكَ لهم؛ ولأن إثم الوزْرِ لا يتحمله غيرُ الوازرِ، لكن المتسبب للمسببات يتحمل من جهتين: جهة فعله وجهة تسبُّبه.

стр. 117

(﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾) [آل عمران: ٦٥] عطف على باسم الله أي: وفيه: (﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾) (تعالوا) أصله: تعاليوا، قلبت الياء ألفًا، لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان، فحذفت الألف (١). ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾) الآية. تفسير للكلمة، قال النوويُّ: وفي الحديث فوائد: جواز مكاتبة الكفار، ودعائهم إلا الإسلام قبل المقاتلة، وهو واجب إذا لم تبلغهم دعوة الإسلام، وإلا فمستحب، ووجوب العمل بخبر الواحد (٢)، وإلا لما بعثه مع دحية وحده، واستحباب تصدير الكتب بالبسملة، ولو كان المبعوث إليه كافرًا، وجواز السفر بآية من القرآن ونحوها، إلى بلاد الكفر، والنهيُ عن ذلك يُحمل على النهي عن المسافرة بالقرآن كله أو كثير منه إذا خُشِيَ أن يقع في يد كافر، وجواز مسِّ الجنب والكافر ما فيه قرآن، وغيره، إذا كان غير القرآن أكثر، واستحباب بداءة الكاتب في الرسائلِ بنفسهِ، وأنَّ مَن تَسبب في ضلالٍ أَثِمَ. واستعمالُ (أمَّا بعدُ) في المكاتبةِ، والخطبِ. (فلمَّا قال) أي: هِرَقل. (ما قال) أي: مِن السؤالِ والجوابِ. (الصَّخَب) بفتح الصادِ المهملةِ، والخاء المعجمة: اختلاطُ الأصواتِ، ويقال له السَّخَب، ورُويَ: اللَّخَب، واللّغَط، وهما: بمعنى الصَّخَب. (وأُخْرِجنَا) بالبناءِ للمفعولِ أي: من مجلسهِ. (لقد أَمِرَ) جوابُ قسمٍ محذوفٌ، وأَمِر بفتح الهمزة، وكسر الميم، أي: عَظُمَ. (أَمْر) بسكون الميم أي: شأنُ (ابن أبي كبشةَ) يُريدُ أبو

стр. 118

سفيانَ به النبيَّ ﷺ ، شبَّههُ بأبي كبشةَ من حيث أن كلًّا منهما خالفَ العرب في عبادة الأوثان؛ لأنَّه ﷺ عَبَدَ الله تعالى، وأبو كبشةَ [عَبَد الشعرى فجعله ابنًا له تشيبهًا به، وأبو كبشة] (١) رجلٌ مِن خذاعةَ، وقيل: هو جَدُّ النبيِّ ﷺ لأُمِّه، وقيل: أبوه من الرَّضَاع، وقيل: جَدُّ جده عبدِ المطلبِ، واسمه: الحارثُ بن عبدِ العزى السَّعْدِي. (إنَّه يخافُه) بكسر الهمزةِ استئنافٌ بيانيٌّ، وبفتحها على أنَّه مفعولٌ له، أو بدلٌ مِن أمرٍ، وبيانٌ له. (بِنَي الأصْفر) همُ: الرومُ سمُّوا بذلك لأن جيشًا مِن الحبشةِ غَلَبَ على ناحيتهم في وقتٍ فوطئُوا نساءَهُم، فولدت أولالًا صفرًا، لسوادِ الحبشةِ، وبياضِ الرُّومِ، وقيل: نسبةً للأصفرِ مِن الرُّومِ ابن [عيصو] (٢) بن إسحاق ﵇. (ابن النَّاطُور) بطاءٍ مهملةٍ ومعجمة، حافظ الزرع. (صاحب إيلياء وهرقل أسقفًا) برفع صاحب صفة لابن الناطور، وبنصبه على الاختصاص، أو الحال، واسم كان: ابن الناطور، وخبرها أسقف بوزن أترج، [وفي نسخة: "سُقُفا" بضم السين والقاف وتشديد الفاء، وفي أخرى: "سقفًا" بوزن قفل] (٣)، وفي أخرى: "سُقفًا" بضم السين وتشديد القاف مكسورة ومعناه في الأخيرة: جعل رئيس النصارى وقاضيهم، وفي البقية رئيسهم وقاضيهم، وهرقل: مجرور بالفتحة؛ عطفًا على إيلياء، [فصاحب إيليا] (٤) بمعنى: حاكمها، وصاحب هرقل بمعنى: صديقه، ففي صاحب الجمع بين الحقيقة والمجاز، ويعبر عنه بعضهم بعموم المجاز. (نَصَارى الشامِ) سُمُّوا بذلك؛ لنصرةِ بعضِهمِ بعضًا؛ أو لأنهم

стр. 119

نزلوا نَصْرانَ [أو نصرةَ] (١) أو ناصرةَ: اسم موضع أو لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ [الصف: ١٤]. (يُحَدِّثُ) خبر بعد خبر لكان، وقيل: هو الخبر، وأسقفًا حال (حتى قدم إيلياء) أي: من حمص عند غلبةِ جنوده على جنود فارس وإخراجِهِم. (خبيث النفس) أي: مهمومًا غيرَ نَشِيْطٍ، ولا مُنْبَسِطٍ (بَطارقته) بفتح الباء: جمع بطريق: بكسرها، وهم: قُوَّادُ مُلْكِهِ وخواصُّ دولتِه. (استنكرنا هيئتك) أي: أنكرنَا حالتَكَ لمخالفَتِها لسائرِ الأيَّامِ. (حَزَّاءً) بفتح المهملة، وتشديد الزاى والمد أي: كهَّانا (ينظر في النجوم) تفسير له، ويجوز أن يكونَ نوعًا منه؛ لأن الكِهانةَ أنواع. (سَألُوْهُ) أي؛ عما استنكُرُوْه مِنْهُ. (ملك الختان) بضم الميم وسكون اللام، وبفتحها وكسر اللام، والختان: قطع جلدة فوق الحشفة، والمرادُ: أن هِرَقْل رأى بواسطة رؤيته في النجومِ طائفة أهل ختان [يملكون] (٢)، فاغتمَّ لذلك؛ لأن النصارى لا تختتن، فالملك ينتقل عنهم إلى أهل الختان. (قد ظهر) أي: بدا، أو غلب. (من هذه الأمَّة) أي: من أهل هذا العصر. (يُهِمُّنَّكَ) بضم أوَّلهِ أي: يُقْلِقُنَّكَ وَيُحْزنْنَّكَ، والمعنى: هو لا أحقر من أن يهتمَّ بهم، أو يبالي بهم. (مدائنُ) بالهمز أفصحُ من تركِهِ، فَهَمْزُهَا على أنها جمعٌ لمدينة بوزن فَعْيِلَة، وَتَرْكُهُ على أنَّها جَمْعٌ لَمْديَنَة بوزن مَفْعَلَة من دَانَ أي: ملك. (أتَيَ) مبنيٌّ للمفعول، وقع جوابًا لبينما، مجردًا من إذ، وإذا الفجائيتين، وهو العامل في بينما؛ لأنه جوابها. (مَلِكُ غَسَّان) هو

стр. 120

صاحب بُصْرى، وهو من ملوكِ اليمنِ، سكنوا الشام وغَسَّان: بفتح الغين المعجمة، ما نزلوا عنده. (اذهبوا به) أي: بالرجلِ، و (به): ساقط من نسخةٍ. (هذا ملك) بضم الميم وسكون اللام: مصدر، وبفتحها وكسر اللام: صفة مشبهة، وفي نسخة: "يملك" فعل مضارع. (قَدْ ظَهَرَ) جملةٌ مستأنفةٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ لهذا. (برومية) بتخفيف الياء، مدينة معروفة بالروم (١). (حمص) مدينة بالشام (٢)، ممنوعة الصرف؛ للعلمية والتأنيث، ومصروفة؛ بسكون الوسط، فهيَ كهِنْد في جواز الوجهين، لكن إن ثبت أنها أعجمية على ما قيل تعين المنع، كجور وماه، عَلَمَي بَلَدَيْنِ. (فلم يَرِمْ) بفتح الياء وكسر الراء، لم يبرح، ولا يكاد يُسْتَعْمَلُ في النفي، يقال: ما رام، ولا يريم، ولم يَرِمْ. (من صاحبه) أي: الذي برومية، واسمه: ضغاطر. (في دَسْكَرَةٍ) أي: في دخولها، وهو بفتح الدال، بناء كالقصر حوله بيوت للخدم والحشم. (ثُمَّ اطَّلَعَ) أي: عليهم؛ ليخاطبهم. (معشر) هم الجمع الذي شأنهم واحد، فالإنس: معشرٌ، والجنُّ: معشرٌ، والأنبياء: معشرٌ.

стр. 121

(الفلاح) الفوز والنجاة. (الرشد) بضمِّ أوَّله، وسكون ثانيه، وبفتحهما: خلاف الغِيّ، فهو إصابة الخير. (فتبايعوا) (١) بالجزم: جواب الاستفهام، وهو بمثناة فوقية، فموحدة من البيعة، وفي نسخةٍ: "بفوقيتين" من المتابعة، وفي أخرى: "فنبايع" بنون قبل الموحدة، وفي أخرى: بنونٍ ففوقيةٍ فموحدةٍ. (لهذا) في نسخة: "هذا" بحذف اللام. (فحاصوا) بمهملتين: نفروا. (وأيس) في نسخة: "وَيئِسَ" وهو الأصل، فقلب (٢)، ومعناه: انقطع طمعه. (آنفًا) بالمد وكسر النون، وقد تقصر أي: قريبًا، ونصبه على الحال. (أختبر شدتكم) أي: أمتحنُ رسوخكم. (آخر شأن هرقل) بنصب آخر: خبر كان، واسمها: ذلك، ويجوز العكس، والمعنى: كان ذلك آخر شأنه في أمر النبيِّ ﷺ فيما يتعلق بتلك القصة خاصة، وإلا فقد وقعت له قصص أخرى بعد ذلك، كتجهيزه الجيوش إلى تبوك، ومكاتبة النبيِّ ﷺ ، له ثانيًا، وإرساله إلا النبيّ ﷺ بذهبٍ قسمه على أصحابه. (قال محمدٌ) هو البخاريُّ (رواه صالح بن كَيسان ويونس ومعمر) أي: تابع هؤلاء الثلاثة شعيبًا في رواية هذا الحديث. (عن الزُّهْرِيّ) هو المتابع عليه وبذكره تُسَمَّى هذه متابعة مقيدة كما مرَّ، وقد وصل

стр. 122

البخارِيُّ روايةَ صالح من طريق إبراهيم بن سعد، ورواية يونس من طريق الليث في كتاب: الجهاد، ورواية معمر من طريق الليث أيضًا في التفسير (١).

стр. 123

٢ - كتاب الإيمان

стр. 124

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢ - كتاب الإيمان ١ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ " وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وَالحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ " وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: "إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُودًا، وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ

стр. 125

قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وَقَالَ مُعَاذُ: "اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً" وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ" وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشورى: ١٣]: أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] سَبِيلًا وَسُنَّةً. [فتح: ١/ ٤٥] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كرَّرَها في أكثرِ النسخِ، في كلِّ كتابٍ وإن أغنى ذكرها أوَّل الكتاب؛ لزيادة الاعتناء بالتمسك بالسنة، في الابتداء بها في كلِّ أمرٍ ذي بالٍ. (كتاب الإيمان) الكتابُ لغةً: الضم والجمع، يُقَالُ: كَتَبَ يَكْتُبُ كتَابًا وَكتَابَةً أي: جمع، وَعُرْفًا: اسمٌ لجملةِ مختصةٍ من العلمِ، مشتملةٍ غالبًا على أبواب وفصولٍ. والإيمانُ لغةً: التصديقُ، وشرعًا: تصديق النبيِّ ﷺ فيما جَاء به عن ربِّه، بشرط تلفظ القادر بالشهادتين، ولما كان ذكر كيف كان بدء الوحي، كالمقدمة لكتابه لم يذكره بالكتاب، بل بالباب. (وقولُ النبيِّ) بالرفع بالابتداءِ, أو بالجز عطفًا على الإيمان، وفي نسخةِ: "بابُ: قولِ النبيِّ" [وهو واضح] (١)، وفي أخرى: "باب: الإيمان وقولِ النبيِّ". (بُنِيَ الإسلامُ على خمسِ) تمامه كما يأتي: "شهادة أن لا إلله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان". وذكر بعض الحديث لغرض جائز، والإسلام لغة: الاستسلام

стр. 126

والانقياد، وشرعًا: تَلَفظُ القادر بالشهادتين، بشرط تصديق النبيِّ ﷺ فيما مرَّ. (وهو) أي: كلٌّ من الإيمان والإسلام عند البخاريِّ. (قول وفعل) أي: مع اعتقاد، ويمكن دخوله فيهما (١) وأما عِنْدَ غيرِ البخاريِّ، فهو ما قَدَّمْنَاه، وعليه فما هنا محمول على الإيمانِ الكاملِ، وفيه: ردُّ عَلَى المُرْجِئَةِ القائلين: بأنه قول بلا عمل، وفي نسخة: بدل (وفعل) "وعمل". (ويزيدُ وينقصُ) إمَّا باعتبار دخول القول والفعل فيه، أو باعتبار القوة والضعف، أو باعتبار الإجمال والتفصيل، أو باعتبار تعدد المؤمن به. (قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى آخر ما ذَكَرَهُ من الآياتِ، وغيرها، يَدَلُّ على زيادةِ الإيمانِ. ونقصانُ ثبوتِها يثبتُ النقصَ المقابل لَهَا؛ لأَنَّ كلَّ قابلٍ للزيادةِ قابلٌ للنقصِ ضرورةً، ولا يَخْفَى أَنَّ ذكْرَ ذلِكَ في بابِ: زيادةِ الإيمان ونقصانِه أنسبُ منْ ذكِره هُنَا. (والحبُّ في الله والبغضُ في الله مِن الإيمانِ) هو حديث رواه: البيهقيُّ بلفظ: "أوثقَ عُرى الإيمان: أن تحب في الله، وأن تبغض في الله" (٢)، وأبو داود بلفظ: "من أحبَّ لله، وأبغضَ لله، ومنع لله، أو أعطى لله] (٣)، فقد استكمل الإيمان" (٤) ووجه الدلالة منه: أن الحب والبغض

стр. 127

متفاوتان. و (في) في الحديث للسببية (١) أي: لسبب إطاعة الله ومعصيته، والجملة مع الجمل الآتية: عطف على جملة (قال الله تعالى). (عَدي بن عَدي) بفتح العين المهملة، أبو فروة الكندي تابعيٌّ، وقيل: صحابيٌّ. (فرائضَ) أي: أعمالًا مفروضة. (وشرائعَ) أي: عقائد دينية. (وحدودًا) أي: منهيات. (وسُنَنًا) أي: مندوبات. (فإن أعش فَسَأُبَيِّنُهَا) أي: أُوَضِّحُهَا؛ ليفهَمهَا كلُّ أحدٍ، وليس في ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة لعلمه أنهم علموا مقاصدهم؛ لإعلامه لهم بها؛ ولاشتغاله عن التفصيل والإيضاح بما هو أهمُّ من ذلك. (قال إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) لم يورد هذه الآية مع الآيات السابقة؛ إشعارًا بالتفاوت؛ لأن دلالة تلك على المراد بالتصريح، وهذه باللازم، ووجه الشاهد فيها: أنه إن انضم عين اليقين كان أقوى من انفراد العلم. (اجلس) همزته للوصل (٢). (نؤمن) جواب الأمر، ووجه الشاهد فيه: أنه كان مؤمنًا، فوجب حمله على الزيادة والتقوية للأدلة، والمقول له الأسودُ بن هلال.

стр. 128

(وقال ابن مسعود: اليقين: الإيمان كلُّه) هذا التعليق من طرفٍ من أثرٍ وصله الطبرانيُّ بسندٍ صحيح، وبقيته: "الصبر: نصف الإيمان" (١). ورواه البيهقي مرفوعًا (٢)، قال شيخنا حافظ العصر الشهاب بن حجر -وهو المراد بإطلاقي شيخنا فيما يأتى-: ولا يصح رفعه. ووجه الشاهد فيه: أن لفظ: نصف يقتضي الزيادة. (حقيقة التقوى) أي: الإيمان كما في رواية (٣)؛ لأن التقوى وقاية النفس عن الشرك، والتقوى أتت في القرآن لمعان للإيمان، كقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] وللتقوى، كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦] وللطاعة، كقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ولترك المعصية، كقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وللإخلاص كقوله: ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وللخشية كقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾. (حتى يَدَعَ) أي: يترك. (حاكَ) بتخفيف الكاف، أي: تردَّد وهذا

стр. 129

الأثر رواه مسلم مرفوعًا (١)، وفيه: دليل أن بعض المؤمنين بلغ حقيقة الإيمان، وبعضهم لم يبلغها، فهو يزيد وينقص. (وقال مجاهد) أي: ابن جبر المفسر. (وإيَّاهُ) أي: نوحًا والمعنى: أن ما تظاهرت عليه آيات الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصانه هو شرع الأنبياء كلهم؛ لقوله تعالى: (﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾) الآية. سبيلًا وسنة تفسير لقوله تعالى: (﴿شرعة ومنهاجًا﴾) ففيه: لفٌّ ونشرُ غيرُ مرتبٍ، وفي نسخةٍ: "سنةً وسبيلًا" فهو مرتبٌ، وآيةُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ دالة على اتحاد شِرعةِ الأنبياء، وذلك في أصولِ الدينِ، وآية ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ دالةٌ على تفريق شرائعهم وذلك في الفروع. ٢ - باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]: إِيمَانُكُمْ . كذا في أكثر النسخِ، وقال النوويُّ: هو غلطٌ فاحشٌ، وصَوابُهُ: ودعاؤكم إيمانُكمَ بحذف باب؛ لعدمِ مطابقةِ الحديثِ الآتي له؛ ولأنه ترجم قبله بقوله ﷺ : بُنيَ الإسلام على خمس، ولم يذكره فيه بل ذكره بعده وعليه فيكون (دعاؤكم إيمانكم) من قول ابن عباس تفسيرًا للدعاء بالإيمان، قوله تعالى: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] ووجه الاستشهاد فيه: أن الدعاء المفسر بالإيمان يقبل الزيادة والنقص. ٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". [٤٥١٤ - مسلم: ١٦ - فتح: ١/ ٤٩]

стр. 130

(عبيد الله بن موسى) هو ابن باذام بموحدة، وذالٍ معجمةٍ، العَبْسِيُّ بفتح المهملة، وسكون الموحدة، الكوفيُّ. (حنظلة بن أبي سفيان) هو قرشيٌّ، من ذرية صفوان بن أمية الجمحيُّ. (عكرمة بن خالد) هو سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزويُّ. (بُنيَ الإسلامُ) قال النوويُّ: أُدْخِلَ هذا الحديث في هذا الباب، يعني: باب قول النبيِّ ﷺ : (بُنيَ الإسلام على خمسٍ)؛ ليُبَيِّن أَنَّ الإسلام يُطْلَقُ عَلَى الأفعالِ، وأنَّ الإسلام والإيمانَ قد يكونانِ بمعنى واحدٍ. (عَلَى خَمْسٍ) أي: دَعَائم، أو قَوَائم، وفي نسخةٍ: "عَلَى خَمْسَةٍ" أَي: أَشْيَاءَ، أَوْ أَرْكَانَ، عَلَى أَنَّ دُخُولَ التَّاءِ في العَدَدِ للتَّذْكِيرِ، وَحَذْفَهَا مِنْهُ للتَّأنيثِ، محله: إذا ذُكِرَ المعدودُ، فإنْ حُذِفَ كما هنا جاز الأمرانِ. (شهادة) هو مع ما عطف عليه، مجرورٌ على البدل من خمس بدل كلٌّ من كلٍّ، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه بتقدير أَعْنِي. (أن لا إله إلا الله) أن: فيه مخففة من الثقيلة عطف عليها (وأنَّ محمدًا رسولُ الله) بتشديد أن. (وإقام الصلاة) أصله: إقوام الصلاة، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وحينئذٍ فيعوضُ عنها. التَّاء، فيقُالُ: إقامةٌ أَوْ ذِكْرُ المُضَافِ إلَيْهِ، فَيُقَالُ: إِقامُ الصَّلاةِ، كَما هُنا. (وإِيتَاءِ الزكاة) أَي: إِعْطَائِهَا مُسْتحِقَّهَا. (والَحجِّ) أي: والعُمْرَةِ إلى أن في الحديث التنبيهَ عَلَى جَميع مَا أُمِرَ بالإيمانِ بهِ، كالإِيْمان بُرسُلِ الله، وَمَلَائكَته، وكُتُبِه، والبَعْثِ، وَغَيْرِهِا، فاسْتُغْني بمفتتح الإيمانِ عَنْ ذَلك، كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ الحَمْدَ، والمراد إلى آخر السُّورةِ. (وصوم رمضان) فيه: دليلٌ لمن جوَّز إطلاقَ رمضانَ مِنْ غَيْر إضافةِ شَهْرٍ إلَيهِ، وَاعلَمْ أَنَّ الإسلامَ مُشَبَّهٌ بِشَيءٍ لَهُ دَعَائم

стр. 131

فذكرَ المُشَبَّه وأسْندَ إليهَ مَا هُو من خَواصِّ المشبه به، وهو البناءُ، ويسَمَّى ذَلِكَ استعارة بالكناية كأنبت الربيعُ البقلَ، ويجوز أنْ تكون الاستعارة تبعيةً، بأنْ شبه ثبات الإسلام على الأمور الخمسة ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثمَّ مرَّتْ الاستعارة منَ المصدرِ إلى الفعلِ، ووجهُ الحصرِ في الخمسة: أنَّ العبادةَ إما قولية وهي الشهادة، أو غير قولية، فإِما تركيٌّ وهو الصوم، أو فعليٌّ، فإما بدنيُّ، وهو الصلاة، أو ماليُّ، وهو الزكاة، أو مركبٌّ منهما وهو الحَجُّ. قال النَّوويُّ: وَحُكْمُ الإِسْلَام في الظَّاهِرِ ثَبُتَ بالشهادَتَيْنِ، وإنَّما أضيفَ إليهما الصلاةُ ونحوهَا، لِكونِها أظهَر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلاله انتهى. فالإسلام الحقيقي يحصل بالشهادتين (١) بشرطِ التصديقِ كما مرَّ، والكاملُ يحصلُ بالأمور الخمسة، فإن قيلَ: إذَا كانَ حصولُه بالخمسةِ فهُوَ عَيْنُهَا، والمبني يجب أنْ يكون غير المبنى عَلَيْهِ وأُجِيْبُ: بأنَّ الإسلامَ هو المجموع، والمجموعُ غيرُ كلٍّ منْ أركانهِ، فإنْ قيلَ فالأرَبعةُ لَا تَصِحُّ إلا بالأوَّل فهي المبنية، وهو المبنى عليه، فلا يجوز إدخالهما في سلكٍ واحدٍ، أجيبُ: بأنهُ لا امتناع أنْ يكونَ أمرًا مبنيًّا على أمرٍ، ثمَّ الأمرُ أنْ يكون مبينًا عليهُمَا شيء آخرُ، أو إِنَّ مَعْنَى بناءِ الأَرْبَعَةِ مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهِا، وذلك غير معنى بناءِ الإسلام على الخمسِ فإنْ قيلَ: لِمَ لمْ يذكر مع [الخمس] (٢) الجهادِ؟ أجيبُ بَأنَّهُ: لم يكنْ فرضًا، أو كانَ فرضه فرضَ كفايةٍ، بخلافِ الخمس، فإنَّهَا فرائضُ أعيانٍ.

стр. 132

٣ - باب أُمُورِ الإِيمَانِ . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] [وَقَوْلِهِ]: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآيَةَ [فتح: ١/ ٥٠]. (باب: أمور الإيمان) أي: الأمورُ التي هيَ الإيمانُ عنَدهُ فالإِضافةُ بَيَانيَّةٌ، والأمورُ التي للإيمانِ في تحقيقِ حقيقتهِ، فالإضافة بمعنى اللام. (وقول الله) أي: عند البخاريِّ، بالرفع والجرِّ نظير ما مرَّ، وكذا الكلام في قوله بعدُ، في نسخة: "وقوله". (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾) والشاهدُ في الآية الأُولى: قصر أصحاب الصفات المذكورة فيها على المتقين في قوله في آخرها: (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾). وفي الثانية: قصر المؤمنين على أصحاب الصفات المذكورة فيها (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾) في نسخة: "وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ " والفلاحُ: الفوز، وهو أربعةٌ: بقاءٌ بلا فناءِ، وغنى بلا فقرِ، وعِزٌّ بلا ذُلٍّ، وعِلْمٌ بلا جهلٍ، فلا كلمة أجمع منها. (الآية) بالنصب بمقدرِ كاقرأ، وبالرفع مبتدأ حُذِفَ خبره أي: تُقْرأُ بتمامها، وبالجرِّ على حذف مضاف أي: اقرأ إلى آخر الآية.

стр. 133

٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". [مسلم: ٣٥ - فتح: ١/ ٥١] (عبد الله ... إلخ) كنيته: أبو جعفر بن محمد بن عبد الله الجُعْفِيُّ المَسْنَديُّ؛ لأنه كان يرغب في الأحاديث المسندة، ويترك المراسيل. (أبو عامر العَقَدى) بالعين المهملة، والقاف المفتوحتين، واسمه: عبد الملك بن عَمْرو البَصْرِيُّ، والعقد: قومٌ منْ قيسِ، وهَمْ بَطْنٌ من الأزد. (سليمان بن بلال) كنيته: أبو محمَّدٍ، أو أبو أيوبَ القرشيُّ. (عبد الله بن دينار) كنيته: أبو عبد الرحمن القرشي. (عن أبي صالح) اسمه: ذكوان السمَّان. (عن أبي هريرة) اختلف في اسمه، واسم أبيه، على نحو ثلاثين قولًا، أصحُّها عند الأكثر: عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسِيُّ اليمنيُّ (١). (بضع) بكسر أوَّله أكثر من فتحه، وفي نسخة: "بضعة". ومعناهما: القطعةُ، ثمَّ استعملا في العدد لما بين الثلاثةِ والعشرةِ، وقيلَ: منْ ثلاثةٍ إلى تسعةٍ، وقيلَ: منِ واحدٍ إلى تسعةٍ، وقيلَ: منْ اثنينِ إلى عشرةٍ. (وسِتُّون) في مسلمٍ: "وسبعون" (٢)، وفي روايةٍ له أيضًا: "وستون أو سبعون" (٣)، على الشك.

стр. 134

(شعبة) بالضمِّ أي: قطعة، والمرادُ: الخصلة، والشعبة في الأصلِ: غصن الشجرة، فشبَّه الإيمان بشجرة ذات أغصانٍ وشعب، كما شبَّه الإسلام بخباءٍ ذي عمدٍ في خبر: "بُنِيَ الإسلام". والمرادُ مِنَ الحديثِ: شعبُ الإيمانِ الكاملِ، وهوَ التصديقُ والإقرارُ والعملُ، وبيانُ عددِ شعبهِ على رواية: "بضع وسبعون". أن التصديقَ يرجعُ إلى أعمالِ القلب، والإقرار إلى أعمالِ اللسانِ، والعمل إلى أعمالِ البدن. فالأوَّلُ: يتشعبُ إلى ثلاثين شعبةَ: الإيمانِ بالله تعالى، واعتقادِ حدوثِ ما سواهُ، والإيمانِ بملائكتهِ، والإيمان بكتبهِ، والإيمانِ برسله، والإيمان بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ، والإيمانِ باليوم الآخرِ، والوثوقِ بوعدِ الجنةِ والخلودِ فيها، واليقين بوعيدِ النارِ وعذابِها، ومحبةِ الله تعالى، والحبِّ والبغضِ في الله تعالى، ومحبةِ النبيِّ ﷺ ، والإخلاصِ، والتوبةِ، والخوفِ، والرجاءِ، وتركِ اليأسِ والقنوطِ، والشكرِ، والوفاء بالعهدِ، والصبرِ، والتواضعِ، والرحمةِ، والرضا بالقضاءِ، والتوكلِ، وتركِ العُجْبِ، وترك الحسدِ، وتركِ الحقدِ، وترك الغضبِ، وترك الغشِّ، وتركِ حبِ الدنيا. والثاني: يتشعبُ إلى سبع شعب: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلُّم العلمِ، وتعليمه، والدعاء والذكر، واجتناب اللغو. والثالثُ: يتشعبُ إلى أربعينَ شعبةَ، وهي على ثلاثة أنواع: الأولُ: ما يختصُّ بالأعيان، وهو ست عشرةَ شعبةً: التطهيرُ، وإقامةُ الصلاة، وأداءُ الزكاةِ، والصَّومُ، والحجُّ، والاعتكافُ، والفرارُ بالدينِ، والوفاء بالنذر، والتحري في الإيمانِ، وأداءُ الكفَّارةِ، وسترُ العورةِ، وذبحُ الضحايا، والجودُ، وفكُّ الرقابِ، والصدقُ في

стр. 135

المعاملاتِ، والشهادةُ بالحق. والثاني: ما يختصُّ بالأتباعِ، وهي ستُّ شُعبٍ: التعففُ بالنكاحِ، والقيامُ بحقوقِ العيال، وبرُّ الوالدينِ، وتربيةُ الأولادِ، وصلة الرحم، وطاعة الموالي. والثالثُ: ما يختصُ بالعامةِ، وهي ثماني عشرة شعبةً: القيامُ بالإمرة، ومتابعةُ الجماعةِ، وإطاعةِ أُولي الأمرِ، والإصلاحُ بين الناسِ، والمعاونةُ على البرِّ، والأمرُ بالمعروفِ، وإقامةُ الحدودِ، والجهادُ، وأداءُ الأمانةِ، والقرضُ مع وفائهِ، وإكرامُ الجارِ، وحُسنُ المعاملةِ، وإنفاقُ المالِ في حقِّه، وردُّ السلام، وتشميتُ العاطسِ، وكفُّ الضررِ عن النَّاسِ، واجتنابُ اللَّهو، وإماطةُ الأذى عن الطريق. فهذه سبعٌ وسبعون شعبةً، وإنْ دخلَ في بعضها زيادةٌ، كدخولِ الإيمان بصفاتِ الله تعالى في الإيمان به، وكدخولِ الصَّدقة في الزكاةِ، والعُمرةِ في الحجِ، والحياءِ في حسنِ المعاملة، وإلى الزيادةِ أَشار بقولهِ (والحياء) بالمدِّ: تغيرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يعابُ بِه، وربَّما عُرِّف بأنَّه خُلُقٌ يبعثُ على اجتناب القبيح. (شعبةٌ منَ الإيمانِ) صرَّحَ بذلكَ وإنْ دخلَ فيمَا مرَّ؛ لأنه يمنع صاحبه عن المعاصي، ولأنه كالداعي لسائر الشعب، واستشكل بأن المستحي قد يستحي أن يواجَهَ بالحقِّ، فيترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأجيبُ: بأن ذلك ليس حياءً بل عجزًا ومهابةً [وضعفًا] (١) وتسميته حياءً مجاز من مجاز المشابهة.

стр. 136

٤ - باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . لفظ (باب) يحتمل التنوين، والإضافة إلى الجملة والسكون، وهو ساقط من نسخة. ١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاويَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [٦٤٨٤ - مسلم: ٤٠ - فتح: ١/ ٥٣] (حدثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة والمثناة التحتية، وآدم كنيته: أبو الحسن، واسم أبي إياس: عبد الرحمن بن محمد. (شعبة) بضم الشين، كنيته: أبو بسطام بن الحجاج بن الورد الأزديُّ. (عبد الله بن أبي السفر) بفتح الفاء، واسمُ أبي السَّفرِ: سعيد بن يحمد، قال النوويُّ: هو بضم الياء وفتح الميم، والغسانيُّ: بضم الياء، وكسر الميم. (وإسماعيل) هو: ابن أبي خالد، واسم أبي خالد: هرمز، وقيل: سعيد، وقيل: كثير البجليُّ. (عن الشعبيِّ) بفتح الشين وسكون العين، أبو عمرو عامر بن شراحيل، نسبة إلى شعبٍ، بطن من همدان: بسكون الميم. (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وبالواو، وكتبت فيه؛ ليتميز بها عن عُمَرٍ في غيرِ النصب، أما في النصب: فتُميَّز بالألفِ، وهو: عمرو بن العاص بن وائل القرشي، وكنيته: عبد الله أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصر بضم النون.

стр. 137

(المسلم) أي: الكاملُ، وفيه: تغليبٌ (١) لتدخل المسلمة. (من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي: من أذاهما، وخُصَّا بالذكر مع أن غيرهما يصدر من الأذى؛ لأن الغالبَ وقوعه منهما، أو أطلق على الكلِّ عملَ اليد واللسان، فيقال في كلِّ عمل: هذا مما عملته اليدُ، واعلم أنَّ ما وقع بحق، كإقامة الحدود والتعازير ليس بإيذاءٍ في الحقيقة، بل استصلاح وطلب سلامة ولو في المآل. (والمهاجر) من الهجرة، وهو الترك. (من هَجَرَ) أي: ترك ما نهى الله عنه من المحرمات والمكروهات، قيل: إنه لما انقطعت الهجرة حزن على فواتها من لم يدركها، فأعلمهم النبيٌّ ﷺ : أن المهاجرَ في الحقيقة منْ هَجَرَ ما نهى الله ورسولهُ عنهُ، وقيل: بل أعلم المهاجرين لئلَّا يتكلوا على الهجرة. (قال أبو عبد الله) أي: البخاريُّ، وهذا ساقط من نسخة. (وقال أبو معاوية ... إلخ) ذكر فيه تعليقين: رجال الأول: أبو معاوية الضرير محمد بن خازم بمعجمتين الكوفيُّ، وداود بن أبي هند دينار، وعامر الشعبي، المتقدم آنفًا. وعبد الله بن عمرو بن العاص، ورجال الثاني: عبد الأعْلى بن عبد الأعلى الساميُّ بسين مهملة، من بني سامة، وداود، وعامر، وعبد الله، المذكورون آنفًا. وأورد البخاريُّ التعليقين للاستشهادِ والمتابعةِ، لا لأصلِ الاستدلالِ لحصولهِ بالروايةِ المتصلةِ، وأراد باولهما: التصريح بسماع الشعبي من عبد الله بن عمرو، وبثانيهما: التنبيه على أن عبد الله الذي أُبْهِمَ فيه هو عبد الله بن عمرو، والذي بُيِّن في الرواية

стр. 138

المتصلةِ، والتعليقُ: حذفُ أوَّلِ الإسناد، أو كلهُ كما وضحتهُ في: "شرحِ ألفية العراقي" (١).

стр. 139

٥ - باب أَيُّ الإِسْلام أَفْضَلُ ؟ (أي الإسلام أفضل) برفع (أفضل) (١) سواءٌ نَوَّنت باب أو سكَّنْتَهُ، أو أضفته إلى ما بعده. ١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ". [مسلم: ٤٢ - فتح: ١/ ٥٤] (حدثنا سعيدُ بنُ يحيى) كنيةُ سعيد: أبو عثمانَ، وكنية يحيى: أبو أيوب، وفي نسخةٍ: بعد يحيى "ابن سعيد" وهو أنصاري. (حدثنا أبي) هو: يحيى المذكور آنفًا. (أبو بردة) بضم الباء، واسمه: بُرَيْدُ، بالتصغير. (ابن أبي بردة) اسمه: عامر، أو الحارث بن أبي موسى. (قالوا) في رواية: قلتُ (٢)، ولا منافاة لاحتمال التعدد. (عن أبي موسى) اسمُه: عبُد الله بنُ قيسٍ الأشعريُّ اليمنيُّ. (أيُّ الإسلام) أي: أيُّ خصاله، أو أيُّ ذويه؛ لأن أيَّ لا تضافُ إلَّا إلى متعددٍ؛ ولأنَّ جوابه يدل على أنَّ السؤال عنْ خصلةٍ منه، أو عنْ من تلبس بسلامةِ المسلمين منه، لا عن الإسلامِ نفسه، لكن التقديرَ الأوَّلَ يُحوِّجُ إلى تقديرٍ آخر في الجواب؛ ليطابق السؤال، بأن يقال: خصلةُ من سلم، فالتقديرُ الثاني أَوْلَى لسلامتِه من ذلك. (أفضلُ) أيْ: من غيرِه منْ الخصالِ، أو منْ ذويِّ الإسلامِ؛ لكثرةِ ثوابِه.

стр. 140

٦ - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلامِ . في ضبط باب وسقوطه: ما مرَّ في البابِ السابقِ على ما قبلَهُ، وفي نسخةٍ: بدل من (الإسلام) "من الإيمان". ١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" [٢٨ - ٦٢٣٦ - مسلم: ٣٩ - فتح: ١/ ٥٥] (حَدَّثنَا عَمْرُو) كنيتهُ: أبو الحسن. (خالد) هو ابن فرُّخ بفتح الفاء وبتشديد الراء المضمومة وفي آخره خاء معجمة الحرانيُّ. (عن بريد) هو أبو رجاء (١) بن أبي حبيب. (عن أبي الخير) هو: مَرْثَد، بفتح الميم، والمثلثة بينهما راء ساكنة، ابن عبد الله اليزنيُّ، بفتح التحتية والزاي نسبة إلى يزن بطن من حمير وقيل: موضع (٢). (أنَّ رجلا) قيل هو أبو ذرٍّ. (سأل النبيَّ) في نسخةٍ: "سألَ رسولَ الله" (أي الإسلام) أي: أيُّ خصاله. (قال) في نسخة: "فقال" (تطعم) أي: الخلق. (الطعام) الشامل للمأكول والمشروب، والفعلُ مُؤَوَّلٌ بمصدر (٣)، أي: إطعامُه، وإن خلا عن حرفٍ مصدريٍّ على حدِّ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ وتسمع بالمُعَيْدِيِّ (٤) (وتقرأ) بفتح الفوقية

стр. 141

والراء، وبضمها وكسر الراء، أي: تُفشي. (على من عرفت ومن لم تعرف) من المسلمين، وفي هاتين الخصلتين الجمع بين المكارم المالية، والبدنية، ولا ينافي جعل الخير هنا الإطعام وإقراء السلام جعلَ الأفضل فيما مرَّ السلامة من اليد واللسان؛ لأن وقوعهما كان في وقتين، فكان الأفضل في كلٍّ منهما ما أجيبَ به، ولأن المراد بخيرته ما ذكر: التودد والتآلف، وبأفضلية السلامة مما ذكر كثرة الثواب كما مرَّ وإن استلزمت السلامة التودد والتآلف. ٧ - باب: مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ . (باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) في ضبط (باب) وسقوطه ما مرَّ. ١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". [مسلم: ٤٥ - فتح: ١/ ٥٦] (حدثنا مُسَدَّدٌ) بضم الميم، وفتح السين والدال المشددة المهملتين: ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل الأسديُّ البصريُّ.

стр. 142

(قال: حدثنا يحيى) هو: ابن سعيد بن فروخ القطان التيميُّ. (عن قتادة) هو: ابن دعامة، بكسر الدال ابن قتادة السدوسيُّ نسبة إلى سدوس جدِّه الأعلَى. (عن أنس) هو ابن مالك بن النضر، بالنون والضاد المعجمة، الأنصاريُّ. (وعن حسين) عطف على (عن شعبة)، وحسين هو: ابن ذكوان المعلم البصريُّ. (قال: حدثنا قتادة) حاصله: أن كلًّا من شعبة وحسين، حَدَّث عن قتادة، وليست طريق حسين معلقةً، بل موصولة، فقد رواها أبو نعيم من طريق إبراهيم الحربيَّ عن مسدد، عن يحيى القطان، عن حسين، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ . (عن أنس) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالك". (لا يؤمن أحدكم) في نسخةٍ: "أحدٌ"، وفي أخرى: "عبد" وفي أخرى: الاقتصار على "لا يؤمن"، أي: أحدكم، أي لا يؤمن إيمانًا كاملًا. (حَتَّى يُحِبَّ) بالنصب بأن مضمرة بعد حتَّى، وهي جارة لا عاطفة (١)، ولا ابتدائية. (لأخيه) أي: في الإيمان، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٥]. (مَا يُحِبُّ) أي: مثل ما يحب إذ عينه محال؛ لأنَّهُ لا يكون في محلينِ، والمرادُ: ما يُحِبُ من الخير، كما جاء ذلك صريحًا في رواية

стр. 143

النسائيُّ (١)، وذلك من الطاعات، والمباحات، والمحبةُ: إرادةُ ما يعتقدُه خيرًا، وقريب منه قول النوويِّ (٢): المحبةُ: الميلُ إلى ما يوافقُ المحبَّ، والميلُ: إلى ما يستلذُّهُ بحواسِهِ، كحسنِ الصورةِ، أو لما يستلذُّهُ بعقِلِه، كمحبةِ الفضلِ والجمالِ، أو لإحسانِ غيرهِ إليه، ودفعه المضارَّ عنه، قيلَ: كيف يحصلُ الإيمانُ الكاملُ بالمحبةِ المذكورة؟ معَ أنَّ لَهُ أركانًا أخَر، وأَجِيْبُ: بأنَّ ذكر المحبةِ مبالغةٌ؛ لأنَّهَا الركنُ الأعظمُ نحوَ: "الحجُّ عرفةٌ" (٣) أو هي مستلزمةٌ لهَا، والمرادُ بالميلِ هنَا الاختيارُ دوَن الطبيعيِّ والقَسْرِيُّ، ومن الإيمان أيضًا أن يبغضَ لأخيهِ ما يبغضُ لنفسهِ، ولمْ يذكرْهُ في الحديث، إمَّا لأنَّ حبَّ الشيء مستلزمٌ لبغضِ نقيضِهِ؛ أوْ لأَنَّ الشخصَ لا يبغضُ شَيئًا لنفسِهِ غَالبًا.

стр. 144

٨ - بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ . (باب: حبُّ النبي ﷺ من الإيمان) في ضبطَ (باب) ما مرَّ. وفي نسخةٍ: "حبُّ الرسولِ". ١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ". [فتح: ١/ ٥٨] (قال: حدثنا أبو الزناد) وفي نسخةٍ: "أخبرنا أبو الزناد" وهو بكسر الزاي، وبالنون: عبد الله بن ذكوان المدنيُّ القرشيُّ. (عن الأعرج) هو أبو داود، عبد الرحمن بن هرمز التابعيُّ القرشيُّ. (فوالذي) في نسخةٍ: "والذي". (نفسى بيده) أي: بقدرته، إذْ هوَ من المتشابهِ المفوضِ علمُه إلى الله، أو المؤوَّل بما يليقُ قولان: والأول: أسلم، والثاني: أحكم، كتأويل اليد بالقدرة (١) ويؤخذ من

стр. 145

الحديثِ: جواز القسم على الأمر المهم للتوكيد، وإن لم يكن ثَمَّ مستحلف، والمقسم عليه هنا قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: إيمانًا كاملًا. (حتى أكونَ أحبَّ إليه) أفعل التفضيل فيه منصوب خبر أكون، وهو بمعنى المفعول، ومع كثرته هو خلاف القياس، إذ القياس أن
следующие страницы →