دنيا ... إلخ)، وإنما قال: إلى الله ورسوله، ولم يقل: إليهما. وإن كان الأصل الربطَ بالضمير لكونه أخصر، إما لأن الظاهر استلذاذًا بذكره صريحًا ولذلك لم يأت مثله في الجملة بعده إعراضًا عن تكرار لفظ الدنيا، وإما لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير، بل يفردان، كما في حديث: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (١) واعلم أن الجملة الأولى من هذا الحديث تضمنت المدح وهو ظاهرٌ والثانية منه الذم؛ لأن مضمونها خرج في صورة الطالب لفضل الهجرة وباطنه خلاف ظاهره، وأن نية المؤمن خير من عمله، لخبر ورد فيه بذلك؛ ولأن نية الحسنة يثاب عليها بخلاف عملها بلا نية، ولأن النية لكونها بالقلب لا يدخلها رياء، بخلاف الأعمال الظاهرة؛ ولأن القلب أشرف من غيره فكذا فعله؛ وأن هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث (٢): الأعمال بالنيات، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه (٣)، ولا يكون المؤمن
стр. 72
مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه (١)، والحلال بين والحرام بين (٢). وسيأتي في باب: من استبرأ لدينه ماله بهذا تعلق.
٢ - باب
٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
[٣٢١٥ - مسلم: ٢٣٣٣ - فتح: ١/ ١٨]
(حدثنا عبد الله بن يوسف) وهو تنِسيُّ المنزل، دمشقي الأصل، و (يوسف) مثلث السين مع الهمز وبتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه. و (أخبرنا مالك) أي: ابن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة. (عن هشام بن عروة) أي: ابن الزبير بن العوام القرشيُّ التابعيُّ. (عن أبيه) هو أبو عبد الله عروة المدنيُّ أحد الفقهاء السبعة. (عن عائشة) بالهمز، وعوام المحدثين يبدلونها ياء. (أم المؤمنين) قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: في الاحترام، وتحريم نكاحهن، لا في غيرهما كجواز الخلوة، والمسافرة، والنظر وتحريم
стр. 73
نكاح بناتهن، وإنما قيل لهنَّ: أمهات المؤمنين للتغليب وإلا فلا مانع من أن يقال لهن: أمهات المؤمنات على الراجح (أن الحارث) قد يكتب بدون ألف تخفيفًا. (سأل رسول الله ﷺ ) يحتمل: أن تكون عائشة حضرت ذلك وهو المشهور، فيكون من مسندها وأن يكون الحارث أخبرها بذلك فيكون من مرسل الصحابة وهو محكوم / ٤ / بوصله عند الجمهور.
(كيف يأتيك الوحي؟) أي: صفته، أو صفة حامله، أو حامله، أو ما هو أعمُّ من ذلك، وبكل تقدير فإسناد الإيمان إلى الوحي مجاز، لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله، (فقال) في نسخةٍ: "قال" بلا فاءٍ (أحيانًا) أي: أوقاتًا، ونصبه على الظرفية وعامله يأتي في قوله: (يأتيني مثل صلصلة الجرس) أي: صوته، والصوت المشبه بذلك قيل: صوت الملَكِ، وقيل صوت حفيف أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه: أن يُقْرعَ سَمْعَ النَّبِيِّ الوَحْيُ، فلا يبقى فيه مُتَّسَعٌ لغيره.
ولا ينافي تشبيهُ صوتِ الملكِ هُنَا لصلصلةِ الجرسِ تشبيهَهُ بِدَويِّ النحلِ المرويِّ في أبي داود، بلفظ: كنا نسمعُ عنده مثلَ دويِّ النحل (١). لأن ذاك بالنسبة إلى الصحابة لبعدهم وهذا بالنسبة إلى النبيِّ ﷺ لقربه.
стр. 74
و (مثل) منصوب نعتًا لمصدر محذوف أي: إتيانًا مثل، أو حال أي: مشابهًا صوته صلصلة الجرس وهو بفتح الراء: الجلجل الذي يُعلَّق في الدواب، قيل: إنما كان ينزل كذلك فيما هو وعيد أو تهديد لا يقال: صوت الجرس مذموم؛ لصحة النهي عنه؛ ولأن الملائكة تنفر عنه، فكيف يشبه به ما يفعله الملك به؛ لأنَّا نقول لا يلزم من تشبيه الشيء بآخر تساويهما في الصفات كلها، بل اشتراكهما في صفةٍ ما، والمقصود به هنا: بيان الجنس، فذكر ما أَلِفَ السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم، والحاصل: أن للصوت جهتين: جهة قوة، وجهة طنين، فمن حيث القوة: وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين: وقع التنفير عنه، (وهو) أي: الوحي بصفته المذكورة (أَشَدُّ) أي: أَشَدُّ إتيانه عليَّ. فائدة هذه الشدة المستلزمة للمشقة ما يترتب عليها من زيادة الزُّلْفَى ورفع الدرجات، والجملة حال (١).
(فَيُفْصَم) بفتح الياء أي: الوحي أو المَلَك، من الفَصم وهو: القطع بلا إبانة، بخلاف القصم بالقاف فإنه: قطع بإبانة. وذكر هنا بالفاء؛ إشارةً إلى أن الوحيَ، أو الملك يعود فكأنه قال: لا انفصال له. ويُروى بضم الياء، بالبناء للفاعل وبالبناء للمفعول، والمراد: قطع الشدة أي: ينجلي ما يغشاني من الكرب والشدة.
(وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: فهمت، أو حفظت، أو جمعت، وأصله: الوعاء، ومنه: أذن واعية، فاسم الفاعل منه واعٍ، ويقال في المال والمتاع: أوعيت، فاسم الفاعل منه موعٍ (٢) (يتَمَثَّل) أي: يتصور
стр. 75
لي أي: لأجلي. (المَلَكُ) أي جبريل. (رجلًا) بالنصب على التمييز من النسبة أو على المصدرية أي: مثل رجلٍ، كدِحية، أو على الحالية أي: هيئة رجل، ولا يرد على الأول أن تمييز النسبة لا بد أن يكون محولًا عن الفاعل أو عن المفعول، وذلك غير متأت هنا؛ لأن ذلك أَكْثَرِيٌّ لَا كُلَّيٌّ، بدليل امتلاء الإناءِ ماءً، والملك: واحد الملائكة، والملائك بحذف التاء ولا ينافيه قول الزمخشري (١): إن الملائك جمع ملأك على الأصل، كالشمائل جمع شمأل؛ لأن مراده بالأصل، الأصل الثاني: وهو تأخير الهمز عن اللام، والأول: بنى على الأول وهو تقديمه عليها، وأصل ملك: مألك حذفت همزته؛ لكثرة الاستعمال.
وتمثله رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه بما يعهد من البشر والملائكة، كما قال المتكلمون: أجسام علوية لطيفة تتشكل بأيّ شكل شاءت.
(فَأَعِي) أتى بالفعل هنا مضارعًا، وفيما مرَّ ماضيًا؛ لأن الوعْيَ فيما مرَّ: حصل قبل الفصم ولا يُتصور بعده، وهنا حال المكالمة لا يتصور قبلها، أو أنه فيما مرَّ عند غلبة التلبس بالصفات الملكية، فلما
стр. 76
عاد للحال المعهودة أخبر عن الماضى، وأما هنا فهو على حالته. وحاصل جوابه ﷺ كيفيتان: إحداهما: وهي أشده عليه أن يأتيه الملك في صورته؛ لاشتمالها على ما يخالف طبع البشرية؛ فيحصل له من الشدة والمشقة وغشيان الكرب لثقل ما يلقى إليه أمر عظيم قال تعالى: / ٥ / ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وثانيهما: وهي أيسر من الأولى أن يأتيه الملك في صورة بَشَرِ يأنس به، ويكلمه على المعتاد، ووجه الاقتصار عليهما: أن سنة الله تعالى لمَّا جرت أنه لا بد من مناسبة بين القائل والسامع حتى يقع التعليم والتعلم فتلك المناسبة إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية عليه، وهو النوع الأول، أو باتصاف القائل بوصف السامع، وهو النوع الثاني.
والكلام في الوحي من جبريل في اليقظة، وإلا فمنه الرؤيا الصادقة، وسماع الكلام القديم كسماع موسى وسماع نبينا ﵉ كلامه تعالى منه ووحي تلقِ بالقلب.
والوحي من إسرافيل أول البعثة ثلاث سنين، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة (١)، ثم وحي جبريل، وكان يأتي النبي ﷺ في صورة رجلٍ (٢)، وفي صورة دحية (٣)، وفي صورته التي خُلق عليها
стр. 77
مرتين (١)، وفي صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر (٢).
(قالت عائشة) أي: وبالإسناد السابق فحذف حرف العطف فيكون مقولها مسندًا، ويحتمل أن يكون من تعاليق البخاري، وتكون النكتة فيه اختلاف التحمل؛ لأنها في الأول: أخبرت عن مسألة الحارث على ما مرَّ، وفي الثاني: عمَّا شاهدته تأييدًا للخبر الأول.
(وَلَقدَ) الواو للقسم أي: والله لقد. (ينزل) بالبناء للفاعل ويروى يُنَزَّل بالبناء للمفعول (في اليوم الشديد البرد) الشديد: صفة جرت على غير من هي له؛ لأنه صفة البرد لا اليوم فالإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف. (فيفصم) بفتح الياء وضمها نظير ما مرَّ.
(وإن جبينه) هو طرف الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة. (لَيَتَفَصَّدُ) بالفاء والصاد المهملة المشددة أي: يسيل، كما يسيل دم الفصد: وهو قطع العرق؛ لإسالته وفي التعبير بيتفصد مبالغة في كثرة العرق. (عَرَقًا) هو الرطوبة التي ترشح من مسام البدن، ونصبه بالتمييز، والمراد: شدة الكرب من ثقل الوحي كما مرَّ ولهذا أكدت عائشة ذلك بقولها: في اليوم الشديد البرد.
- ﷺ "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ". قَالَ نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ.
[٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢ - مسلم: ١٦٠ - فتح: ١/ ٢٢]
٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥] فَحَمِىَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ". تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ "بَوَادِرُهُ".
[٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤ - مسلم: ١٦١ - فتح: ١/ ٢٧]
(يحيي) قرشيٌّ مخزوميٌّ مصريٌّ. (ابن بُكَيْر) تصغير بكر، وبكير: جد يحيى نسبه البخاريُّ إليه لشهرته، وإلَّا فاسم أبيه: عبد الله. (الليث) بمثلثة وهو ابن سعد بن عبد الرحمن الفهميُّ عالم أهل مصر، وكان حنفيَّ المذهب فيما قاله ابن خلكان، لكن المشهور أنه مجتهد وعن الشافعي أنه قال: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وفي رواية عنه: "ضيعه قومه" وقال يحيى بن بكير: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك (١).
(عن عُقَيْل) وهو بالتصغير: ابن خالد بن عقيل مكبر، أو هو قرشيٌّ أمويٌّ. (عن ابن شهاب) هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريُّ المدنيُّ وهو تابعيٌّ، ونسبه البخاريُّ،
стр. 80
كغيره إلى جده الأصليِّ؛ لشهرته به. (ابن الزبير) بالتصغير.
(أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة) رواه في التفسير: "الصادقة" (١)، والمراد منهما: الرؤيا التي لا ضغث فيها، ومِنْ (٢): للتبعيض، ولبيان الجنس، والرؤيا: مصدر كرجعى، وتختص بالمنام عند كثير، كاختصاص الرائي بالقلب، والرؤية بالعين.
وفيه: أن رؤيا النبيِّ ﷺ وحيٌّ، فوصفها بالصالحة للإيضاح؛ لأن غيرها يُسمَّى حلمًا، كما ورد: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" (٣) وإن قيل: الرؤبا أعم من الوحي فيكون الوصف للتخصيص أي: لا السيئة، أو لا الكاذبة، المسمى ذلك بأضغاث أحلام. وصلاحها إما باعتبار صورتها، أو تعبيرها وذلك بأن يُلقِي الله تعالى في قلب النائم الأشياء، كما يخلقها في قلب اليقظان، فتكون في اليقظة، كما في المنام، وتكون علامة على أمور أخرى، كالغيم علامة للمطر، وكانت مدة الرؤيا سنة. انتهى.
стр. 81
وخرج بقوله: (من الوحى) ما زاد من دلائل نبوته من غير وَحْي كتسليم الحجر عليه وما سمعه من بحير الراهب في النوم؛ ذكر لزيادة الإيضاح، أو لدفع تَوَهُّمِ أن المراد بالرؤيا: رؤية العين، رؤيا بلا تنوين، كحُبْلَى.
(مثل فلق الصبح) منصوب نعتًا لمصدر محذوف أي: مجيئًا مثل، أو حالًا أي: مشبهة ضياء الصبح. (وفلق الصبح) وكذا فرقة الصبح بفتح أولهما، وثانيهما بمعنى ضيائه.
وحكي تسكين اللام، وإنما يقال ذلك لما كان واضحًا بَيّنًا قبل. والفلق: مصدر كالانفلاق والصحيح: أنه معنى مفلوق، وهو اسم للصبح، فأضيف أحدهما للآخرة لاختلاف اللفظين فالإضافة فيه للبيان، وقد جاء الفلق منفردًا عن الصبح، كما في ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وقيل: لما كان الفلق اسمًا للصبح ويستعمل في غيره أضيف للصبح للتخصيص من إضافة العام للخاص، كما يقال: عين الشيء ونفسه.
إنما ابتدئ ﷺ بالرؤيا؛ لئلا يفجأه الملك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تتحملها القوى البشرية، فبُدئ بأوائل خصال النبوة (حبب إليه الخلاء) ببناء (حبب) للمفعول، والخلاء بالمد والقصر، وبالتذكير والتأنيث، وبالصرف وعدمه: الخلوة، بأن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه، وإنما حببت إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق؛ ليجد الوحيُ منه مكانًا سهلًا لا حزنًا. وفيه: تنبيهٌ على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا وتفرغه لله تعالى؛ فيتفجر منه ينابيع الحكمة.
(بغار) وهو نقب في الجبل، وجمعه غيران وهو قريب من معنى
стр. 82
الكهف. (حراء) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد وحكي فتحها، والقصر وهو مصروف إن أريد المكان، وغير مصروف إن أريد البقعة، كنظائره من أعلام الأمكنة: وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منًى (١).
(فيتحنث) بحاء مهملة وبمثلثة أي: يتجنب الحنث أي: الإثم، بأن يتعبد، كما يأتي وهو معنى يتحنَّف بالفاء، كما روي كذلك أي: يتبع دين الحنيفة أي: دين إبراهيم ﵇، والفاء تبدل ثاء. (فيه) أي: في غار حراء، وخصَّ حراء بالتعبد فيه لمزيد فضله على غيره؛ لأنه منزوٍ مجموع للتحنث وينظر منه الكعبة المعظمة، والنظر إليها عبادة، فكان له ﷺ فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتحنث، والنظر إلى الكعبة (وهو) أي: التحنث: التعبد، فسر الزهريُّ بهذه الجملة التحنث مُدْرِجًا لها في الحديث (٢).
стр. 83
(الليالي) ظرف ليتحنث، وأراد بالليالي ما يشمل الأيام، وغلبها على الأيام؛ لأنها أنسب للخلوة.
(ذوات العدد) صفة لليالي منصوب بالكسرة، وأبهم العدد؛ لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيؤه إلى أهله، وأقل الخلوة ثلاثة أيام، ثم سبعة أيام، ثم شهر، والتعبد المذكور يحتمل أن يكون بشرع الأنبياء قبله على القول بأنه قبل النبوة كان متعبدًا بشرعٍ، إما بشرع إبراهيم، أو نوح، أو موسى، أو عيسى، أو ما ثبت أنه شرع على الخلاف المشهور فيه (قبل) تنازع فيه يخلو ويتحنث.
(ينزع) بفتح الياء، وكسر الزاي أي: قبل أن يحنَّ ويشتاق إلى أهله فيرجع إليهم يقال: نزع إلى أهله إذا حنَّ واشتاق إليهم.
(ويتزود) بالرفع عطفًا على يتحنث أي: يتخذ الزاد (لذلك) أي: للخلوة وللتعبد.
(إلى خديجة) أي: أم المؤمنين. (لمثلها) أي: لمثل الليالي، وتخصيص خديجة بالذكر بعد تعبيره بالأهل؛ للتفسير عن الإبهام، أو للتنبيه على اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها. (حتى) غاية لمحذوف أي: واستمر ما ذكره إلى أن (جاءه الحق) أي: الوحي، وعبر في كتاب: تعبير الرؤيا (١) بقوله: "حتى فجئه" بكسر الجيم من
стр. 84
الفجأة، والمراد: أنه جاء بغتة؛ لأنه لم يكن متوقعًا مجيء الوحي. (فجاءه الملك) أي: جبريل يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وهو ابن أربعين سنة، والفاء هنا تفسيرية وتفصيلية لما في مدخولها من تفسير وبيان ما قبلها من الإجمال، كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
(اقرأ) الأمر به لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقى إليه، أو للطلب على بابه فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال.
(ما أنا بقارئ) ما: نافية، أو استفهامية، وما قيل: إنها ليست استفهامية لدخول الباء في خبرها وهي لا تدخل على ما الاستفهامية. رُدَّ بأنها تدخل عليها عند الأخفش (١)، وبورود الخبر بصيغة: كيف أقرأ؟ وبصيغة ماذا أقرأ؟ (فغطني) بمعجمه ثم مهملة أي: ضمني وعصرني، ويروى: "فغتني" بالتاء بدل الطاء أي: حبس نفسي.
(الجهد) هو بالنصب والرفع مع فتح الجيم وضمها: المشقة، فهو على الأول: مفعول أي: بلغ الغطُّ منَّى الجهْدَ، وعلى الثاني: فاعل أي: بلغ منِّي الجهدُ مبلغَه. (أرسلني) أي: أطلقني. (فغطني الثالثة) الحكمة في غطه: أن يفرغ قلبه عن النظر إلى أمر الدنيا، ويقبل بكليته إلى ما يلقى إليه، وفي تكريره ذلك زيادة في ذلك، ففيه: أن المعلِّم ينبغي أن يحتاط للمتعلم في تنبيهه وإحضار مجامع قلبه وأن لا يضرب متعلِّمًا أكثر من ثلاث ضربات.
(فقال اقرأ باسم ربك) أي مفتتحًا به، ولا دلالة في ترك البسملة
стр. 85
هنا على أنها ليست من أوائل السور؛ لأنها وإن لم تنزل حينئذ فنزلت بعد ذلك، كبقية القرآن (١). (خلق الإنسان من علق) خصه بالذكر؛ لأنه أشرف المخلوقات، والعلق جمع علقة: وهي الدم المنعقد، وفيما ذكر دليل للجمهور على أن سورة اقرأ باسم ربك أول ما نزل وقول من قال: إن أول ما نزل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ عملًا بالرواية الآتية في الباب فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ محمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي.
فرجع بها أي بالآيات المقروءة. (يرجف) بضم الجيم: حال من رسول الله أي: يخفق ويضطرب: (فؤاده) أي: قلبه، وقيل: باطنه. (زملوني زملوني) من التزميل وهو التلفيف والتدثير؛ وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفف، والجمع في زملوني للتعظيم، أو لخديجة ومن حضرها، وإلا فالقياس أن يقال: زمليني، لأنه إنما دخل عليها.
(الروع) بفتح الراء: الفزع، وهو المراد هنا، وبضمها: النفس وموضع الفزع من القلب. (الخبر) أي ما جرى من مجيء الملك والغظ وغيرهما.
(لقد خشيت على نفسي) أي: الموت من شدة الرعب، أو أن لا أطيق حمل أعباء الوحي؛ لما لقيته أولًا عند لقاء الملك وليس معناه الشك في أن ما أتى به من عند الله؛ إذ لا شك عنده إنه من الله، وأكد خشيته باللام، و (قد) (٢) تنبيهًا على تمكنها من قلبه، وخوفه على نفسه.
стр. 86
(كلَّا) (١) نفي ورَدْعٌ عن هذه الخشية أي: لا تقل ذلك، أو لا خوف عليك. (ما يخزيك) بضم الياء، وبالمعجمة، وبزايٍ مكسورة، وبياء من الخزي وهو الفضيحة، والهوان، وفي نسخة: "يحزنك" بفتح الياء،
стр. 87
وبالمهملة، وبزايٍ مضمومة، أو بضم الياء، وبزايٍ مكسورة وبنون فيهما من الحزن, يقال: حزنه، وأحزنه.
(أبدًا) نصب على الظرف. (إنك) بكسر الهمزة (١) لوقوعها في الابتداء على جملة وقعت جوابًا عن سؤالٍ وهو: هل سبب ذلك الاتصاف بمكارم الأخلاق، أو غيره؟ (لتصل الرحم) أي: لتحسن للأرقارب بالمال، أو بالزيارة، أو بالخدمة، أو بغير ذلك. (تحمل الكلَّ) هو بفتح الكاف وتشديد اللام: من لا يستقل بأمره، أو الثقْل بكسر المثلثة وسكون القاف وفتحها: وهو كل ما يتكلف له أي: إنك لتعين الضعيف وترفع ما عليه من الثقل.
(وتكسب المعدوم) بفتح الفوقية أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك وكسب يتعدى بنفسه إلى واحد نحو: كسبت المال،
стр. 88
وإلى اثنين نحو: كسَّبت غيري المال، وما هنا منه، وفي نسخة: "تكسب" بضم الفوقية وصوبه الخطابي وغيره مع ضم الميم وحذف الواو من المعدوم أي: تعطى العائل وترفده (١).
(وتقري الضيف) بفتح أوَّله. يقال: قريت الضيف قرى بكسر القاف والقصر وقراء بفتحها والمد، وروي: "تقري" بضم أوَّله، والمعنى: تهيء له طعامه ونزله. (نوائب الحق) أي حوادثه، وخرج بالحق نوائب الباطل إذ النوائب تكون في الحق والباطل، قال لبيد:
نوائب من خير وشر كلاهما ... فلا الخير ممدود ولا الشر لازبُ
أي: لازم، وبالجملة فمعنى كلام خديجة: أنك لا يصيبك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وجميل الصفات، وذكرت أمورًا هي [سبب] (٢) للسلامة من السوء والمكاره، ففيه: مدح الإنسان في وجهه لمصلحة، وأما حديث "احثوا في وجوه المداحين التراب" (٣) فذاك في المدح بالباطل، أو المؤدي إلى باطل، وفيه: التأنيس لمن حصل لهم مخافة شيءٍ وذكر أسباب السلامة له، وذلك أبلغ دليل على كمال خديجة وجزالة رأيها، وعظيم فقهها؛ إذ جمعت فيما ذكرته أنواع أصول المكارم؛ لأن الإحسان إما للأقارب، وإما للأجانب، أو
стр. 89
بالبدن، أو بالمال، أو على من لا يستقلُّ بأمره، أو على غيره.
(فانطلقت به) أي: مضت به، وعَدَّاه بالباء؛ لأنها انطلقت مصاحبةً له، بخلاف ما لو عُدِّيَ بالهمزة، نحو: أذهبت، فإنه لا يلزم ذلك. (ورقة) بفتحات. (نوفل) بفتح النون والفاء. (العُزى) بضم العين تأنيث أعز: وهي صنم. (ابن عم خديجة) بنصب (ابن) بدلًا من ورقة، أو صفة له، ولا يجوز جره؛ لأنه يصير صفة لعبد العُزى، وليس كذلك ويكتب بالألف لا بدونها؛ لأنه لم يقع بين علمين، وتجتمع معه خديجة في أسد؛ لأنها بنت خويلد بن أسد. (تنصر) بنون أي: صار نصرانيًّا، وترك عبادة الأوثان، وقيل: إنما هو تبصر بموحدة، من البصيرة لكونه في زمن الجاهلية كان متبصرًا.
(في الجاهلية) هي ما قبل نبوة محمد ﷺ ، لما كانوا عليه من الجهل، وقيل: هي زمن الفترة مطلقًا. (الكتاب العبراني) في مسلم كالبخاريِّ في تعبير الرؤيا (الكتاب العربي) (١) وصححه الزركشي، لاتفاقهما عليه. (من الإنجيل) هو إفعيل من النجل؛ لأن الأحكام منجولة منه أي: مستخرجة منه، ومنه أنجل فلان ولدًا. (بالعبرانية) متعلق بيكتب أي: يكتب باللغة العبرانية، وهي على الرواية الأولى، وأما على الثانية، "فبالعربية" كما في نسخة، وهي كالعبراني بكسر العين نسبة إلى العبْر بكسرها، وإسكان الموحدة، زيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس، قيل: سميت بذلك؛ لأن الخليل عليه
стр. 90
الصلاة والسلام تكلم بها لما عبر الفرات فارًّا من نمرود والحاصل كما قال النوويُّ: أنه تمكن في دين النصارى وكتابهم، وتصرف حتَّى صار يكتب الإنجيل إن شاء بالعربية، وإن شاء بالعبرانية (١)، على الروايتين، قيل: فهم من الحديث أن الإنجيل عبراني، ورُد بأنه ليس كذلك، وإنما هو سرياني، والعبراني إنما هو التوراة. (يا ابن عم) هو ابن عمها حقيقة، ورواه مسلم "أيْ عمِّ" (٢) وهو مجاز جعلته عمًّا تعظيمًا وتوقيرًا لعادة العرب في خطاب الصغير للكبير.
(ابن أخيك) تعني النبيَّ ﷺ ، والمعنى: ابن [أخي] (٣) جدك ففيه: مجاز الحذف، أو مجاز التشبيه؛ لأن جد ورقة الثالث أخو جدِّ النبي ﷺ الرابع، وإنما عبرت بذلك تعظيمًا له، واستعطافًا له، (الناموس) هو جبريل، وأصله: صاحب سر الخير ضد الجاسوس، يقال: نمست بفتح الميم، أنمس بكسرها أي: كتمت، ونامسته: ساررته. (على موسى) لم يقل على عيسى، مع أن ورقة تنصر تحقيقًا للرسالة؛ لأن نبوة موسى متفقٌ عليها عند أهل الكتابين، بخلاف نبوة عيسى فإن كثيرًا من اليهود ينكرونها؛ ولأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام، وكذا كتاب نبينا ﷺ ، بخلاف كتاب عيسى فإنه أمثال ومواعظ على أن الزبير بن بكار رواه عيسى. (يا ليتني) يا للتنبيه (٤) كألا في نحو:
стр. 91
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
أو للنداء والمنادى محذوف أي: يا محمدٌ. (فيها) أي: في مدة النبوة والدعوة. (جذعًا) بفتح الذال المعجمة، وبالنصب: خبر مقدرة (١) يؤيده قوله بَعْدُ: يا ليتني أكون حيًّا، أو على الحال من ضمير فيها، وخبر ليت: فيها، أو على أن ليت بمعنى أتمنى فتنصب الجزأين (٢) نحو: يا ليت أيَّامَ الصبا رواجعًا (٣)، أو بفعل محذوف أي: جعلت فيها جزعًا، وفي نسخة: "جذع" بالرفع خبر ليت، وفي أخرى: "جذع" بالسكون، والجذع: الصغير من البهائم، واستعير للإنسان أي: يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوتك حَتَّى أَقْوى على المبالغة في نصرتك، وإنما
стр. 92
تمنَّى مستحيلًا وهو عود الشباب؛ لأن المستحيل يسوغ تمنيه إذا كان في فعل خير، أو لأن التمني ليس مقصودًا، بل المراد به: التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به، أو قاله تحسرًا لتحققه عدم عود الشباب (١).
(ليتني أكون) في نسخة: "يا ليتني أكون". (إذ يخرجك) إذ بمعنى إذا (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] عكس إذا كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ ونكتة الأول تنزيل المستقبل المقطوع بمرفوعه منزل الماضى الواقع أو استحضاره في مشاهدة السامع تعجبًا، أو تعجيبًا، فلذلك قال: "أَوَمُخْرِجِيَّ هم" وهو تعجبا، واستبعادًا، أو مخرجيَّ بتشديد الياء المفتوحة؛ لأن أصله: مخرجوني: فحذفت النون للإضافة فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياءً، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة قبل الواو كسرة.
و (هم) مبتدأ خبره مخرجيَّ ولا يجوز العكس؛ لأنه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة، والهمزة للاستفهام الإنكاريّ، والواو بعدها مفتوحة للعطف على مقدر أي: أمعاديَّ ومخرجيَّ هم، فالهمزة
стр. 93
واقعة في محلها الأصليِّ من تصديرها الجملة، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ وخُصَّت بذلك؛ لأنها أصل الاستفهام (١)؛ ولأنها حرف واحد، فسقط ما قبل الأصل. أن يجاء بالهمزة بعد العاطف؛ لكونها للاستفهام نظير نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ (٢)، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ مع أن التمثيل بكيف تكفرون غير صحيح، إذ لم يتقدمه عاطف، فإنما يصح التمثيل بنحو: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾.
(إِلا عُوْدِيَ) أي: لأن الإخراج عن المألوف موجب لذلك (يومُك) أي: يوم انتشار نبوتك، أو يوم يخرجك قومك. (مؤزرًا) أي: قويًّا بليغًا، من الأزر وهو القوة والعون. (ينشب) بفتح المعجمة أي: يلبث. (ورقة) بالرفع فاعل ينشب. (أن تُوفِّي) بفتح الهمزة بدل اشتمال من ورقة أي: لم تلبث وفاته.
(فَتَرَ الوَحْي) أي: احتبس بعد تتابعه في النزول سنتين، وقال ابن إسحاق: ثلاثًا، وقال ورقة في ذلك:
فإن يك حقًّا يا خديجة فاعملي ... حديثكِ إيانا فأحمد مرسل
وجبرئيل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
قيل: علم بهذا أن ورقة آمن لتصديقه رسالة نبينا ﷺ ، ويدل لإيمانه كذلك ما في السير: أنه قال له: أبشر فأنا أشهد أنك الذي بَشَّرَ به ابن مريم، وأنك على مثل ناموسِ موسى، وأنك نبيٌّ مرسل، وأنك
стр. 94
ستأمر بالجهاد وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك، وفي "مستدرك الحاكم": "لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين" (١).
(قال ابن شهاب) هو الزهري وصورة هذا تعليق، لكنه متصل، كما ستعلمه، وقاعدة البخاري في مثله: أنه إن كان صحيحًا عنده أتى فيه بصيغة الجزم، كقال أو ضعيفًا أتى فيه بصيغة المبني للمفعول، كقيل ورُويَ، فإن لم تقم قرينة على البناء على سند متقدم فهو مما حذف البخاريُّ سنده فيه لغرض، ككونه معروفًا عن الثقات ونحو ذلك، وربما وصله البخاريُّ في موضعٍ آخر وإن قامت قرينة على ذلك، كما هنا، فهو من المتصل صريحًا، فإن التقدير في قوله: (وأخبرني أبو سلمة) حدثنا يَحيى بن بُكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو سلمة، فيكون الأوَّلُ: مما حدَّث به ابن شهاب عن عروة والثاني: مما حدث عن أبي سلمة، قالوا: وفي وأخبرني عاطفة له على ما رواه، أولًا عن عروة، كأنه قال أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا (وهو يُحَدّثُ) حال أي: قال جابر في حال تحديثه.
(عن فترة الوَحْي) أي: عن احتباسه عن النزول. (بينا) أصله: بين فأشبعت الفتحة ألفًا، وقد تزاد عليها ما فتصير بينما وهي ظرف زمان لازم الإضافة إلى الجملة الاسمية، كما هنا، وهي تتضمن معنى الشرط، ولذلك احتاجت إلى الجواب، فإن لم يكن في جوابها مفاجاة فهو العامل فيها، وإن كان فيه ذلك كما هنا، وهو الأفصح، فالعامل
стр. 95
معنى المفأجاة، وتحتاج إلى جواب ليتمَّ به المعنى، كما ستعلمه. (إذ) للمفاجأة (١) وهل هي ظرف زمان، أو مكان، أو حرف للفاجأة، أو حرف زائد مؤكد، أقوال (٢). وعلى الظرفية قال ابن جني (٣): عاملها الفعل الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة، وعامل بينا محذوف يفسره الفعل المذكور، وقال الشلوبين: إذ مضافة للجملة ولا يعمل فيها الفعل بعدها؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا في بينا؛ لأن المضاف إليه، لا يعمل فيما قبل المضاف، بل عاملها محذوف يدل عليه الكلام والمعنى أن في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع.
(جالس) بالرفع خبر المبتدأ، وهو الملك، ورواه مسلم (٤) بالنصب حالًا من الملك، والخبر محذوف أي: شاهدٌ أو حاضرٌ. (على كرسيٍّ) بضم الكاف وقد تكسر. (فَرُعِبْتُ) بضم الراء وكسر العين، وفي رواية: بفتح الراء وضم العين أي: فزعتُ.
(زَمِّلُوني زملوني) بالتكرار في أكثر النسخ، وفي بعضها مرة،
стр. 96
ورواية مسلم (دثروني) وهو أنسب بقوله فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] أي: يا أيها المتدثر بثيابه، وعن عكرمة: المدثر بالنبوة وأعبائها.
(فأنذر) أي حذِّر بالعذاب من لم يؤمن بك، واقتصر على الإنذار؛ لأن التبشير إنما يكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه.
(إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] في نسخة: "الآية"، وفسر الرجز هنا بالأوثان؛ لأن الرجز لغةً: العذاب فعبادتها سبب العذاب، وقيل: الرجز: الشرك، وقيل: الذنب، وقيل: الظلم. (فحَمِى الوَحْيُ) أي: كَثُرَ نزوله وازداد، كَحَمِيَتِ الشمس: كَثُرَتْ حرارتها. (وتتابع) في نسخة: "وتواتر" ولم يكتف عن ذلك بحمى؛ لأنه لا يستلزم الاستمرار والدوام والتواتر.
(تابعه) أي: يحيى بن بكير. (عبد الله بن يوسف) أي: التِّنِيسيُّ، وكلاهما شيخ البخاريَّ، وكثيرًا ما يذكر البخاريُّ في هذا "الجامع" المتابعات، وهذا أوَّل موضعٍ منها، وتسُمَّى هذه المتابعة تامة؛ لأنه من أول الإسناد إلخ، فإن وقعت لا من الأول سميت ناقصة، كما يأتي في متابعة هلال، ثم النوعان ربما يترك المتابع عليه، كما هنا، وربما يذكر، كما يأتي آخر الباب وتسمى متابعة مقيدة.
(أبو صالح) هو عبد الله كاتب الليث، أو هو عبد الغفار بن داود البكريُّ الحرانيُّ أي: وتابع أبو صالح يحيى بن بكير عن الليث (وتابعه) أي: عقيل بن خالد شيخ الليث بقرينة قوله عن الزهريَّ. (هلال بن ردَّاد).
(عن الزهري) هو محمد بن مسلم بن شهاب (وقال يونس)
стр. 97
هو ابن يزيد بن مشكان الأَيليّ بفتح الهمزة.
(ومَعْمَر) بفتح الميمين وسكون العين: أبو عروة بن أبي عمرو بن راشد الأزديُّ الحرانيُّ (بَوَادِرُه) جمع بادرة: وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان أي: وقال يونس ومعمر في الحديث بدل (يرجف فؤاده) (ترجف بوادره). وفائدة المتابعة: التقوية؛ ولهذا تقع برواية من لا يحتج بحديثه منفردًا.
٤ - باب
٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ, وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨] قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ.
[٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤ - مسلم: ٤٤٨ - فتح: ١/ ٢٩]
(حدثنا) في نسخة: "أخبرنا" (موسى بن إسماعيل) هو أبو سلمة المنقريُّ بكسر الميم وفتح القاف نسبة إلى مِنْقَر أبي عبيد. (أبو عوانة) هو الوضاح بن عبد الله اليَشْكُري بفتح التحتية وضم الكاف. (موسى بن
стр. 98
أبي عائشة) هو أبو الحسن الكوفيُّ الهمدانيُّ بإسكان الميم. (سعيد بن جُبَيْر) بضم الجيم وفتح الموحدة، ابن هشام الكوفيُّ الأسديُّ.
(يعالج) أي: لعظم ما يلقاه من القول الثقيل. (شدة) مفعول به ليعالج أو مفعول مطلق أي: معالجة شديدة. (وكان مما يحرك شفتيه) أي: وكان العلاج ناشئًا من تحريك النبيّ ﷺ شفتيه، فمن متعلقة بخبر كان محذوفًا وما مصدرية أو المعنى: وكان النبيُّ مما يحرك شفتيه بجعل الضمير في كان للنبيِّ ﷺ ، و (ما) بمعنى: من، وكان في مثل ذلك تفيد التكرر والاستمرار. (فأنا أحركها) تقديم أنا على الفعل يشعر بتقوية الفعل، ووقوعه لا محال. (لك) في نسخة: "لكم".
(كما كان رسول الله ﷺ يحركها) لم يقل فيه، كما قال في الذي بعده (كما رأيت عباس)؛ لأن ابن عباس لم يدرك ذلك، بل صح عنده أنه ﷺ فعل ذلك؛ لأنه لم يكن وُلِدَ أَوَّلَ البعثة.
وقوله: (يحركهما) لا ينافي مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ من أنه كان يحرك لسانه لا شفتيه لتلازم التحريكين غالبًا؛ أو لأنه كان يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين، فيصدق على التحريكين وهذا الحديث يسمى بالمسلسل بتحريك الشفتين، لكن في طبقة الصحابة والتابعين لا في من بعدهم، وفيه: أنه يُسَنُّ للمُعَلِّمِ أَنْ يُرِيَ المُتَعَلِّمَ صورةَ الفعل إذا كان فيه زيادة بيان على ذكره بالقول. (فأنزل الله) عطف على كان يعالج فقوله: قال ابن عباس إلى آخره اعتراض بالفاء، كما في قول الشاعر:
واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ... أنْ سَوْفَ يَأتى كُلَّمَا قدرَا
(وقرآنه) أي: قراءته. (قال) أي: ابن عباس في تفسيره لجَمْعُه الواقع في الآية أن المَعْنَى به: (جَمْعُهُ لك في صدرك) بسكون الميم
стр. 99
وضم العين مصدرًا أي: إنَّ علينا أن نجمعه لك، وفي نسخة: "جَمَعَهُ لك صدرك" ﷺ بحذف (في) فصدرك فاعل و (جَمَعَهُ) وفي أخرى: "جَمَعَهُ" بفتح الميم والعين فعل، وإسناد الجمع للصدر في هاتين الروايتين مجاز بملابسة الظرفية؛ إذ الصدر ظرف الجمع فيكون مثل أنبت الربيعُ البقل.
(وَتَقرَأَهُ) عطف على جمعه، أي: أن نجمعه لك، أو أن يجمعه لك صدرك، وأن تقرأ، والمعنى: أنه ﷺ كان يحرك شفتيه بما يسمعه من جبريل قبل إتمامه؛ استعجالًا لحفظه واعتناءً بتلقيه، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ في صدرك، وفي معناه قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) أي: فإذا فرغ جبريل من قرآته ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال أي: ابن عباس: معناه (فاستمع له) وسقط من نسخةٍ قال. (وأَنْصِتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحة من أَنْصَتَ وقد تكسر من نَصَتَ وتحذف في الدرج، ومفاده مفاد استمع فعطفه عليه عطف تفسير.
والاستماع افتعال يقتضي تعرفًا؛ لأنه إصغاء بقصد السماع، فهو أبلغ من السماع نحو: كسب واكتسب، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ بلفظ: الاكتساب في الشر، إذ لا بد فيه من السعي، بخلاف الخير ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾) معناه عند ابن عباس: (ثمَّ إنَّ علينا أنْ تقرأَهُ)، وعنَد غيرِه: بيانُ ما أشكلَ عليكَ منْ معاِنيْه. وفي تَصْدِيرِ ذلكَ بثمَّ المفيدة للتراخي (١) دليلٌ على جوازِ تأخير البيان عنْ وقت الخطابِ وهوَ الراجحُ. (قرأَهُ النبيُّ) أيْ: قَرَأَ القُرْآنَ،
стр. 100
وفي نسخةٍ: "قرأَ النبيُّ" بحذفِ الضميرِ.
(كَمَا قرأَهُ) أيْ: قرأَ جبريلُ القرآنَ، وفي نسخةٍ: "كمَا قرأَ" بحذفِ الضميرِ، وفي أُخْرى: "كمَا كانَ قرأَ" بزيادةِ كانَ (١) وحذفِ الضميرِ. وَمُنَاسَبَةُ هذا الحَدِيثِ لِلْتَرْجَمةِ ما فيه مِنْ بَيَانِ حَالِهِ في ابْتدَاءِ الوَحْيِ.
٥ - باب
٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ" [١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧ - مسلم: ٢٣٠٨ - فتح: ١/ ٣٠]
(حَدَّثنَا عَبْدانُ) هوَ بفتحِ المهملةِ، وسكونِ الموحدةِ، لَقَبُ عبدِ الله بنِ عثمانَ بن جبلةَ العنكيِّ المروزيِّ. (عبدُ اللهِ) هوَ: ابن المباركِ بنِ واضحِ الحنظليُّ التميميُّ. (ح) مأخوذة من التحويل؛ لأن البخاريَّ تحولَ من مسندٍ إلى آخر وقيل من الحائل بين الشيئين؛ لأنها حالت بين السندين؛ لئلا يظن أنهما واحد، وفي نسخة: بدل (ح) "قال" أي: البخاريُّ: (بشر بن محمد) هو المروزيُّ السختيانيُّ (عن الزهريّ نحوه) في نسخة: "نحوه عن الزهري". (أخبرني) في نسخةٍ: "أخبرنا". (عبيد
стр. 101
الله بن عبد الله) وهو ابن عتبة بن مسعود التابعيُّ.
(أجودَ الناسِ) بالنصب خبر كان، مشتق من الجود وهو الكرم والسخاء، أي: كان أسخاهم على الإطلاق.
(وكان أجود ما يكون في رمضان) برفع أجود على أنه مبتدأ مضاف إلى ما بعده، بجعل ما مصدرية أي: أجود أكوانه، وفي رمضان: خبره أي: حاصل له، والجملة: خبر كان، واسمها: ضمير النبيّ ﷺ ، أو ضمير الشان، أو على أنه اسم كان والخبر محذوف وجوبًا إذ هو، نحو: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وفي رمضان: حال سدَّ مسدَّ الخبرِ، أي: حاصلًا فيه، وبنصبه على أنه: خبر كان، واسمها: ضمير النبيّ ﷺ ، وما: ظرفية مصدرية أي: كان أجود مدة كونه في رمضان أي: أجود مما هو في غيره؛ لشرفه لأنه موسم الخير.
(حين يلقاه جبريل) حال، فإن جعل ما قبله حالًا فهو من تداخل الحالين؛ لأن الثانية حال من ضمير في الأولى، فهي حال من ذي حال، وإنما كان أجود حين يلقاه؛ لأن في ملاقاته زيادة ترقية له في المقامات، وزيادة اطلاع له على علوم.
(فيدارسه القرآن) بالنصب مفعول ثانٍ ليدارسه، كجاذبته الثوب، والفاء عاطفة على يلقاه، والمعنى: أنهما يتناوبان قراءة القرآن، ويحتمل: أنهما يقرآن معًا، والدرس: القراءة بسرعة فائدة ذلك: تعليم جبريل للرسول تجويد اللفظ، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وتعليمها للأمة، كيف يُقرءون تلامذتهم، ورسوخه عنده أتمَّ رسوخ، فلا يتناسَّاه، فيكون ذلك إنجاز وعده تعالى له، حيث قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦].
(فلرسول الله) بفتح اللام الأولى؛ لأنها لام الابتداء تزاد
стр. 102
للتوكيد، أو جواب لقسم مقدر، والفاء للسببية. (المرسلة) بفتح السين، أي: المطلقة، أشار به إلى أنه ﷺ في الإسراع بالجود، أسرعُ من الريح المرسلة، وإلى عموم النفع بجوده ﷺ ، كما تعمُّ الريحُ المرسلةُ جميعَ ما تهبُّ عليهِ.
وفي الحديث: جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس؛ ليقرب لفهم سامعه، وتخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي جحما فَضَّلَ أولًا: جودَه مطلقًا على جود الناس كلهم، ثم فَضَّلَ ثانيًا: جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم فَضَّلَ ثالثًا: جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جودِهِ في رمضانَ مطلقًا، ثم شبَّهَ جودَه بالريح المرسلةِ.
ولما فرغ من بدء الوحي شرع يذكر جملة من أوصاف الموحى إليه الواقعة في بدء الوحي فقال.
٦ - باب:
٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي (١)، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا
مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ.
ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.
رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ [٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ١/ ٣١] (حدثنا أبو اليمان الحكم) بفتح المهملة، والكاف، وفي نسخة: "حدثنا الحكم"، (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة، بمهملة، وزاي، القرشيُّ. (عن الزهريِّ) أتي فيه أوَّلًا: بحدثنا، وثانيًا: بأخبرنا، وثالثًا: بعن، ورابعًا: بأخبرني؟ إما للفرق بينها، أو لحكاية الواقع؛ أو لأن الكل جائز، إذا قلنا لا فرق، وهو الأصح. (أبا سفيان) بتثليث السين، يُكْنَى أيضًا: بأبي حنظلة، واسمه: صخر بن حرب، وهو بمهملة وراء، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، جد النبيِّ ﷺ . (هِرَقْلُ) بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية، وحُكِيَ فيه "هِرْقِلُ" [بكسر الهاء] (١) بسكون الراء، وكسر القاف، ولقبه: قيصر. (في رَكْبِ) جمع راكب، كتجرٍ وتاجر، وقال سيبويه: إنه اسم جمع، كقوم، ودود، والركبُ: أصحابُ الإبلِ
стр. 106
العشرة فما فوقها، قاله الجوهريُّ (١).
(من قريش) صفة لركب، وقريش: ولد النضر، وقيل: ولد فهد بن مالك ابن النضر، سُمُّوا قريشًا من القرش وهو: الكسب، والجمع؛ لتكسبهم، أو لتجمعهم بعد التفرق، وقيل: سُمُّوا ذلك باسم دابة في البحر من أقوى دوابِّه، تأكلُ ولا تؤكل، وتعلو ولا يُعْلَى عليها، والتصغير فيه للتعظيم، وهو منصرف، على إرادة الحيِّ، و [قد] (٢) يمنع، على إرادة القبيلة.
(تُجَّارًا) بالضم والتشديد بوزن كُفَّار، وبالكسر والتخفيف بوزن كِلَاب، جمع تاجر. (بالشام) بالهمز وبدونه، وبالهمزة مع المد، وهو متعلق بـ "تجارًا" أو بـ (كانوا)، أو صفة بعد صفة لـ (ركب). (مادَّ) بالتشديد، فعلٌ ماضٍ من المفاعلة، يقال: مادَّ الغريمان إذا اتفقا على أجل للدين، وضربا له زمانًا، وهو من المدة أي: القطعة من الزمان، وهذه المدة: هي مدة صلح الحديبية الذي جرى بين النبيِّ ﷺ وبين أبي سفيان حاكِي القصة، وكفارِ قريش سنة ستٍّ من الهجرة. (وكفار قريش) عطفه على (أبا سفيان) فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، وقيل: هو مفعولٌ معه، فالواو بمعنى مع (٣).
стр. 107
(فأتوه) الفاء فيه فصيحة (١)، وهي العاطفة على مقدر أي: أرسل إليه فجاء الرسولُ، فطلب أن يأتوه فأتوه، على حدِّ: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠] أي: فضرب فانفجر.
(وهم) أي: هرقل وجماعته، وفي نسخة: "وهو" أي: هرقل، (بإيلياء) بالمد، بوزن: كبرياء، وفي نسخة: بالقصر، وفي أخرى: "إلياء"، بحذف الياء الأولى، بوزن: إعطاء، وحُكِيَ: إيليَّا بتشديد الياء الثانية والقصر ومعناه: بيت الله، والمراد: بيت المقدس.
(في مجلسه) حال؛ أي: دعاهم حالة كونه في مجلسه؛ لأن دعا إنما يتعدى بإلى، نحو: ﴿يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] أي: دعاهم وهو في مجلس ملكه، لا في خلوته. (وحوله) نصب على الظرفية، ويقال فيه: حواليه، وحوليه، وحواله، وهو خبر لقوله: (عظماء الروم) والروم: اسم للجيل المعروف، قال الجوهريُّ: ولد الروم بن عيصو أي: فغلب عليهم اسم أبيهم (٢)، (ثم دعاهم) عطف على فدعاهم، وليس بتكرار؛ لأن معناه: أنه دعاهم أولًا، فلما حضروا بعيدًا منه وقعت مهلة بقرينة ثم دعاهم ثانيًا؛ ليقربوا منه.
(تَرجُمانه) بفتح التاء، وضم الجيم، وقد تضم التاء اتباعًا، وقد
стр. 108
يفتحان، وقد يضم الأول ويفتح الثاني، وفي نسخة: "بترجمانه"، وفي أخرى: "بالترجمان"، وهو: المفسر لغة بلغة، والباء في الأخيرتين زائدة للتوكيد (١)، كما في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أو أصلية بتضمين دعا معنى استعان، وإلا فدعا متعد بنفسه.
(فقال: أيكم أقرب) الفاء فصيحة، أي: فقال للترجمان قل: أيكم أقرب فقال الترجمان ذلك، وصلة أفعل التفضيل، والمفضل عليه: محذوفان، والتقدير: أيكم أقرب إليه من غيره، ووجه سؤال هرقل ذلك: أن الأقرب إلى النبيِّ أعلمُ بحاله، وأبعد من الكذب في نسبه؛ لئلا يكون قدحًا في نسب نفسه.
(فقال) في نسخةٍ: "قال" (قلت) في نسخةٍ: "فقلتُ". (أقربهم نسبًا) في نسخةٍ: "أقربهم به نسبًا". (فقال) نسخة: "قال". (أدنوه) بهمزة قطع مفتوحة؛ أي: قربوه، وأصله: ادنيوا بكسر النون استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت الياءُ دون
стр. 109
الواو لأنها علامة الجمع ثم أبدلت كسرة النون ضمة؛ لمناسبتها الواو فصار أدنوه وإنما أمر بإدنائه؛ ليمعن في السؤال، ويشفي غليله عند ظهره؛ ليكون أهون عليهم في تكذيبه؛ لأن مقابلته بذلك في وجهه صعبة. (هذا الرجل) أي: النبيَّ ﷺ ، وأشار إليه إشارة القريب؛ لقرب العهد بذكره؛ أو لأنه معهود في أذهانهم.
(كذبني) أي: نقل إليَّ الكذب، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول: كذبنيَ الحديثَ، كما في: صدق، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ [الفتح: ٢٧] بخلاف كذَّب، وصدَّق بالتشديد، فإنهما يتعديان إلى واحد، وهذا من الغرائب، أن يكون الفعلُ بالتخفيف متعدِّيًا لاثنين، وبالتشديد لواحدٍ (١).
(يأثروا) بضم المثلثة وكسرها؛ أي: يرووا من أثرت الحديث بالقصر. آثره بالمد أي: رويته عليَّ، بمعنى: عنِّي، والمعنى لولا الحياء من أن رفقتي يروون عنِّي أني كذبت. وهو قبيح فأعاب به. (لكذبت عنه) أي: لأخبرت عنه بكذب لبغضي إياه، وفي نسخة: بدل عنه "عليه".
(ثم كان أَوَّل ما سألني عنه أن قال) بنصب أَوَّل: خبرًا لكان، واسمها: أن قال، أو ضمير الشأن بجعل (أن قال) بدلًا من (سألني) ويجوز رفعه: اسمًا لكان، وخبرها: أن قال، واعترض إطلاق جواز النصب والرفع؛ بأن الصواب أن يقال: إن جعلت (ما) نكرة، تعين نصبه على الخبرية؛ لأن أن قال: مؤوَّل بمصدر مضاف إلى الضمير فهو معرفة، فيتعين أن يكون اسم كان، وأَوَّل: خبرها؛ لكونه نكرة، وإن
стр. 110
جعلت (ما) موصولة، جاز الأمران، لكن المختار جعل (أن قال) هو الاسم لكونه أعرف (ذو نسب) التنوين فيه للتعظيم، كقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
(قَطُّ) بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر، وبضمها مع التشديد ومع التخفيف، وبفتح القاف وتخفيف الطاء ساكنة، أو مضمومة، وهي هنا: ظرف ولا تستعمل إلا في ماضٍ منفيِّ، أو ما في معناه، كالاستفهام هنا فإنه في حكم النفي إذ المعنى: هل قال هذا القول منكم أحد، أولم يقله أحد قط قبله؟ في نسخة: "مثله"، فيكون بدلًا من هذا القول.
(من ملك) بكسر الميم، حرف جر، وملك: بكسر اللام، صفة مشبهة، وفي نسخة: بفتح ميم "من" موصولة، أو بفتح أحرف "ملك"، فعل ماض، وفي أخرى: "ملك" بإسقاط من، وكسر لام ملك.
(فأشراف النَّاسِ) أي: كِبارُهم، وأهلُ الأحسابِ. (يتَّبعونه) في نسخة: "اتَّبَعُوه". (بل ضعفاؤهم) فيه: تغليبٌ إذ تَبِعه بعضُ الأشرافِ مثلُ العُمرين ممِن أَسْلم قبل سؤالِ هِرَقل. (سخطةً لدينِه) بفتح السينِ أي: كراهةً، ونصبت مفعولًا له، أو حالًا أي: ساخطًا، ويُروى: سُخْطًا بضم السين، وفتحِها، وسكون الخاءِ، ويجوز فتحها مع فتح السين، وخرج بذلك من ارتد مكرها، أولًا لسخطةِ ديِنه، بل لرغبةٍ في غيره لحظ نَفْسانِي.
(يغدِر) بدال مهملة مكسورة أي: ينقضِ العهدِ في مدِة صلح الحديبية، أو مدةِ غَيبةِ أبي سفيانَ، وانقطَاع أَخبار النبي ﷺ عنه.
(قال) أي: أبي سفيانَ. (ولم تُمكنّي) بالفوقيةِ، أو التحتية، كلمةُ فيها ثلاثُ لغاتٍ مشهورة، وأطلقَها هنَا على الجملة أي: لم يمكني