← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18106

منحة الباري بشرح صحيح البخاري

زكريا الأنصاري

Полный текст (6 339 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والراء، وبضمها وكسر الراء، أي: تُفشي. (على من عرفت ومن لم تعرف) من المسلمين، وفي هاتين الخصلتين الجمع بين المكارم المالية، والبدنية، ولا ينافي جعل الخير هنا الإطعام وإقراء السلام جعلَ الأفضل فيما مرَّ السلامة من اليد واللسان؛ لأن وقوعهما كان في وقتين، فكان الأفضل في كلٍّ منهما ما أجيبَ به، ولأن المراد بخيرته ما ذكر: التودد والتآلف، وبأفضلية السلامة مما ذكر كثرة الثواب كما مرَّ وإن استلزمت السلامة التودد والتآلف. ٧ - باب: مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ . (باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) في ضبط (باب) وسقوطه ما مرَّ. ١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". [مسلم: ٤٥ - فتح: ١/ ٥٦] (حدثنا مُسَدَّدٌ) بضم الميم، وفتح السين والدال المشددة المهملتين: ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل الأسديُّ البصريُّ.

стр. 142

(قال: حدثنا يحيى) هو: ابن سعيد بن فروخ القطان التيميُّ. (عن قتادة) هو: ابن دعامة، بكسر الدال ابن قتادة السدوسيُّ نسبة إلى سدوس جدِّه الأعلَى. (عن أنس) هو ابن مالك بن النضر، بالنون والضاد المعجمة، الأنصاريُّ. (وعن حسين) عطف على (عن شعبة)، وحسين هو: ابن ذكوان المعلم البصريُّ. (قال: حدثنا قتادة) حاصله: أن كلًّا من شعبة وحسين، حَدَّث عن قتادة، وليست طريق حسين معلقةً، بل موصولة، فقد رواها أبو نعيم من طريق إبراهيم الحربيَّ عن مسدد، عن يحيى القطان، عن حسين، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ . (عن أنس) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالك". (لا يؤمن أحدكم) في نسخةٍ: "أحدٌ"، وفي أخرى: "عبد" وفي أخرى: الاقتصار على "لا يؤمن"، أي: أحدكم، أي لا يؤمن إيمانًا كاملًا. (حَتَّى يُحِبَّ) بالنصب بأن مضمرة بعد حتَّى، وهي جارة لا عاطفة (١)، ولا ابتدائية. (لأخيه) أي: في الإيمان، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٥]. (مَا يُحِبُّ) أي: مثل ما يحب إذ عينه محال؛ لأنَّهُ لا يكون في محلينِ، والمرادُ: ما يُحِبُ من الخير، كما جاء ذلك صريحًا في رواية

стр. 143

النسائيُّ (١)، وذلك من الطاعات، والمباحات، والمحبةُ: إرادةُ ما يعتقدُه خيرًا، وقريب منه قول النوويِّ (٢): المحبةُ: الميلُ إلى ما يوافقُ المحبَّ، والميلُ: إلى ما يستلذُّهُ بحواسِهِ، كحسنِ الصورةِ، أو لما يستلذُّهُ بعقِلِه، كمحبةِ الفضلِ والجمالِ، أو لإحسانِ غيرهِ إليه، ودفعه المضارَّ عنه، قيلَ: كيف يحصلُ الإيمانُ الكاملُ بالمحبةِ المذكورة؟ معَ أنَّ لَهُ أركانًا أخَر، وأَجِيْبُ: بأنَّ ذكر المحبةِ مبالغةٌ؛ لأنَّهَا الركنُ الأعظمُ نحوَ: "الحجُّ عرفةٌ" (٣) أو هي مستلزمةٌ لهَا، والمرادُ بالميلِ هنَا الاختيارُ دوَن الطبيعيِّ والقَسْرِيُّ، ومن الإيمان أيضًا أن يبغضَ لأخيهِ ما يبغضُ لنفسهِ، ولمْ يذكرْهُ في الحديث، إمَّا لأنَّ حبَّ الشيء مستلزمٌ لبغضِ نقيضِهِ؛ أوْ لأَنَّ الشخصَ لا يبغضُ شَيئًا لنفسِهِ غَالبًا.

стр. 144

٨ - بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ . (باب: حبُّ النبي ﷺ من الإيمان) في ضبطَ (باب) ما مرَّ. وفي نسخةٍ: "حبُّ الرسولِ". ١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ". [فتح: ١/ ٥٨] (قال: حدثنا أبو الزناد) وفي نسخةٍ: "أخبرنا أبو الزناد" وهو بكسر الزاي، وبالنون: عبد الله بن ذكوان المدنيُّ القرشيُّ. (عن الأعرج) هو أبو داود، عبد الرحمن بن هرمز التابعيُّ القرشيُّ. (فوالذي) في نسخةٍ: "والذي". (نفسى بيده) أي: بقدرته، إذْ هوَ من المتشابهِ المفوضِ علمُه إلى الله، أو المؤوَّل بما يليقُ قولان: والأول: أسلم، والثاني: أحكم، كتأويل اليد بالقدرة (١) ويؤخذ من

стр. 145

الحديثِ: جواز القسم على الأمر المهم للتوكيد، وإن لم يكن ثَمَّ مستحلف، والمقسم عليه هنا قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: إيمانًا كاملًا. (حتى أكونَ أحبَّ إليه) أفعل التفضيل فيه منصوب خبر أكون، وهو بمعنى المفعول، ومع كثرته هو خلاف القياس، إذ القياس أن

стр. 146

يكون بمعنى الفاعل، (من والدِهِ) شامل للأبِّ والأمِّ؛ لأن الوالدَ: من له ولد، أو مقصور على الأب، واكْتُفِيَ بذكرِه عن الأمِّ، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبردَ. (وولدِهِ) ذكرًا أو أنثى، ولم يذكر نفسه، بل اقتصر على الوالد والولد؛ لكونهما أعزَّ خلقِ الله على الإنسانِ غالبًا، وربما كانا أعزَّ على ذي اللبِّ من نفسه، وفهم من ذلك بالأَوْلَى أنه يجب أن يكون أحبَّ إليه من غيرهما من الخلق فذكرهما تنبيه وتمثيل، وقد جاء في الرواية الآتية: التعميم والمحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلالٍ: كمحبة الولد للوالدين، ومحبة شفقةٍ: كالعكس، ومحبة استحسان: كمحبتنا للنبيِّ ﷺ ، بل المعاني الثلاثة موجودةٌ في محبتنا للنبيِّ ﷺ ، والمراد بها: المحبة الإيمانية، وهي اتباع المحبوب، لا الطبيعية؛ لأنها لا تدخلُ تحت الاختيار، فلا نكلف بها، ومن ثمَّ لم يحكم بإيمان أبي طالب مع حبه للنبي ﷺ . ١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". [مسلم: ٤٤ - فتح ١/ ٥٨] (حدثنا) في نسخةٍ: "أخبرنا". (يعقوب) كنيته: أبو يوسف. (إبراهيم) وهو: ابن كثير الدورقي. (ابن عُلَيَّة) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية، نسبة إلى أمِّه، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن سهل البصري الأسدي، أسد خزاعة. (صُهَيْبٌ) بالتصغير، هو البناني بضم الموحدة؛ نسبة إلى بُنانة بطن من قريشٍ. (عن أنس) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالك". (عن النبيِّ) في نسخةٍ: "قال: قال النبيُّ" ولفظ متنِ هذا السندِ كما

стр. 147

رواه ابن خزيمةَ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من أهله وماله" (١). فقوله: (من أهله وماله) بدل قوله في الحديث السابق والآتي: (من والده وولده) وإن أوهم العطف في قوله (ح وحدثنا آدم) استواء السندين في المتن الآتي. (قال: قال النبيُّ) في نسخة: "قال: قال رسولُ الله". (من والدِه وولدِهِ والناس أجمعين) فيه: عُطِفَ العامُّ على الخاصِّ، والظاهرُ: دخول النفس في الناسِ، وسيأتي التصريح بذكرها في حديث عبد الله بن هشام (٢). ٩ - باب حَلاوَةِ الإِيمَانِ . (باب: حلاوة الإيمان) مراده: أنها من ثمراته، وسقط من نسخة: (باب). ١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". [٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١ - مسلم: ٤٣ - فتح: ١/ ٦٠] (حدثنا محمد بن المُثَنَّى) بالمثلثة: ابن عبيد العَنَزِيُّ بفتح العين والنون وبالزاي؛ نسبة إلى عنزة بن أسد، حيٌّ من ربيعة. (عبد الوهاب)

стр. 148

أي: ابن عبد المجيد بن الصلت. (الثقفيُّ) بالمثلثة، نسبة إلى ثقيف. (أيوب) أي: ابن أبي تميمة، واسمه: كيسان السَّختياني، بفتح المهملة؛ نسبة إلى بيع السَّختيان وهو: الجلد. (عن أبي قلابة) بكسر القاف، أي: عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (ثلاث) مبتدأ سوغ الابتداء به -مع أنه نكرة- التنوين (١)؛ لأنه للتعظيم، كما في: شرَّ أهرَّ ذا ناب (٢)؛ أو لأنه عوض عن المضاف إليه أي: ثلاث خصالٍ، وخبره قوله: (من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) أي: نال حسنه باستلذاذ الطاعات عند قوة النفس بالإيمان، وانشراح الصدر له. (أن يكون) بدل من ثلاث، أو خبر مبتدأ محذوف. (أحبَّ) لم يقل: أحبَّا؛ لأن أفعلَ التفضيل إذا استعمل بمن أُفرد دائمًا. (مما سواهما) عَبَّر بـ (ما) لا بـ (من) ليعمَّ العاقل وغيره (٣)، والمراد بهذا الحب، كما قال العلامة البيضاويُّ: العقليُّ وهو إيثار ما يقتضي العقل رُجْحَانَه ويستدعي اختيارَه وإن كانَ خلافَ هواه، ألا ترى أن المريض يعافُ الدواءَ وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختيارِه، ويهوى تناولَه

стр. 149

بمقتضى عقلِه؛ لما يعلمُ أن صلاحَه فيه، ولا يعارضُ تثنية الضمير هَنا قصةَ الخطيب، حيثُ قال: ومَنْ يَعْصِهِمَا فقد غوى، فقال ﷺ : "بئسَ الخطيبُ أنتَ" (١) فأمَرَهُ بالإفرادِ، لأنَّ المعتبر هنا المجموعُ المركبُ من المحبتين حتى لا تكفي إحداهما، وفي قصةِ الخطيبِ المعتبرُ كلٌّ منهما؛ إذ كل من العصيانين مستقلٌّ باستلزامِه الغوايةَ؛ ولأن القصد هنا ألا يجاوز، وثَمَّ الإيضاح ولهذا جاء في رواية أبي داود: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه" (٢)؛ لكونه في غير الخطبة. (المرءَ) مفعول يحب. (لا يُحبُّهُ إلا لله) حال من الفاعل، أو المفعول، أو منهما. (يعود في الكفر) أي: إليه، يجعل في بمعنى إلى أو بتضمين يعود معنى مستقر (٣). وذكر الحلاوة مع أنها من صفات الطعم على التشبيه، ووجه الشبه: الاستلذاذ، وميل القلب إليه، ففي إضافتها إلى الإيمان استعارة بالكناية، حيث شبه الإيمان بما له حلاوة، كالعسل فذكر المشبه وأضاف إليه ما هو من خواصِّ المشبه به، وفي الحديث: إشارة إلى التحلي بأنواع الفضائل من التعظيم لأمر الله، بكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ثم الشفقة عى خلق الله بإخلاص محبته، ثم التخلِّي عن الرذائل بكراهة الكفر وهذا لازم للأوَّلِ، وإن اختلفا مفهومًا.

стр. 150

١٠ - باب عَلامَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ . ١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ" [٣٧٨٤ - مسلم: ٧٤ - فتح: ١/ ٦٢] (باب: علامةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ) في ضبط باب: ما مرَّ. (حدثنا أبو الوليد) هو: هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ؛ نسبة إلى بيع الطيالسة. (ابن جبر) بفتح الجيم وإسكان الموحدة. (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك" ﵁. (آية الإيمان) أي: علامته. (حب الأنصار) جمع نصير، كشريف وأشراف، أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب، واللام للعهد أي: أنصار النبي ﷺ الذين ابتدوا بالبيعة على إعلاء توحيد الله وشريعته، وهم الأوس والخزرج، واستشكل جمع نصير، أو ناصر على أنصار بأنه جمع قلة بوزن أفعال، وهو لا يكون لما فوق العشرة مع أنهم أكثر منها بكثير، وأجيب: بأن القلة والكثرة، إنما يعتبران في نكرات المجموع دون معارفها. (وآية النفاق) هو: إظهار الإيمان، وإبطان الكفر. (بغض الأنصار) صرَّح بذلك تأكيدًا؛ لاقتضاءِ المقاِم ذلك، وقابل الإيمان بالنفاقِ لا بالكفرِ، الذي هو ضدُّه؛ لأَن الكلامَ في الذين ظاهرُهم الإيمانَ وباطنهم الكفَر، فميَّزهم عن ذويِ الإيمانِ الحقيقيِّ، ولا يقتضي الحديثُ أنَّ مَن لَمْ يُحِبَّهُمْ لا يكونَ مؤمنًا؛ لأنَّه لا يلزمُ من عدم العلامَة عدم ما هيَ لهم، نعم: يُقْتضى إنَّ من أبغَضَهُم يكَونُ منافقًا، وإنْ صَدَّق بقلبه؛ لأنَّ مَن أَبْغضهم لكْونهم أنصارَ رسولِ الله ﷺ يكونُ منافقًا.

стр. 151

١١ - باب (بابٌ) بالتنوين، والسكون، وهو ساقطٌ من نسخة. ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ -وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ" فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. [٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨ - مسلم: ١٧٠٩ - فتح ١/ ٦٤] (عائذ الله) بذالٍ معجمةٍ أي: عائذٌ بالله وهو صحابي (ابن عبد الله) أي: إبراهيمُ الخولاني (عُبَادة) بضم العين. (ابن الصَّامت) أي: ابن قيسٍ الأنصاري الخزرجي، شَهِد بدرًا، خُصت بالذكِر لفضلِها على غيرِها، وإلا فقد شهد غيَرها أيضًا: وهي اسمُ موضعِ بئرٍ حفرها رجلٌ مِن بني النجارِ، اسمه: بدرُ (النقباءِ) جمعُ نقيبٍ، وهو الناظرُ على القوم وعريفُهم، وكانوا اثْنَيْ عشر رجلًا، والمرادُ: نقباءُ الأنْصَارِ الذين تقدموا لبيعةِ النبيِّ ﷺ ليلةَ العقبة بمنى، والواو في (وكان) وفي (وهو) هي: الداخلةُ على الجملة الموصوف بها لتأكيدِ لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ (١)، وإفادةِ أنَّ اتصافَه بها أمرٌ ثابت، ولا ريبَ أنَّ شهودَ

стр. 152

عبادةَ بدرًا، وكونِه مِن النقباءِ صفتانِ من صفاتِه، وممن صرَّح بهذا المعنى الزمخشريُ في سورِة الحجر في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ (١) [الحجر: ٤] (وكان شهد ... إلخ) اعتراض بين أَنّ وخبرها المقدَّرِ وهو أخبر، وقائلُ ذلك يُحتمَل أنْ يكونَ البخُاري، وأنْ يكونَ غيَره من الرواة. (وحوله) بالنصب بالظرفية، ومحلُّه: رُفِعَ خبرًا لما بَعْدَه، ويقالُ فيه أيضًا: حَوْلَيْه وحَوَالَيْه، بفتحِ اللَّام، أي: يحيطونَ بِه. (عِصابة) بكسر العين: ما بين العشرة والأربعين، لا واحدَ لها من لفظهِا، جمعُها: عصائب، ومادتُها: العصب، وهو: الشدُّ؛ لأنَّهم يشدُّ بعضُهم بعضًا، أو العصبُ بمعنى: الإحاطةِ، يقالُ: عصبة، إذا أحاط به، وأشار الراويُّ بذكر ذلك إلى المبالغة في ضبطِ الحديثِ، وأنَّه عن تحقيق وإتقانِ، ولذا ذَكر أنَّ الرَّاوي شهِد بدرًا، وأنَّه أحدُ النقباءِ. (بايعوني) المبايعة: المعاقدةُ والمعاهدةُ، شُبِّهت بعقودِ المالِ؛ لأنَّ كلًّا مِن المتعاقدينِ يُعطي ما عِنْده ما عِند الآخرِ، فمن عند النبيِّ ﷺ الثواب والخيرُ الكثير، ومن عندهم التزامُ الطاعة، وقد تُعرفُ بأنَّها عقدُ الامامِ العهدَ بما يأمرُ الناسَ به. (على ألا تشركوا) أي: على التوحيد وقدَّمه؛ لأنَّه أصلُ الإيمانِ، وأساسُ الإسلام. (شيئًا) عمم به منع الإشراكِ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياقِ النهي، والنهيُ كالنفي. (ولا تقتلوا أولادكم) خصَّهُم بالذكرِ نظرًا للغالب مِن أنَّهم كانوا يَقْتُلون أولادَهُم خشيةَ الإملاقِ؛ ولأن قتلهم فيه قطيعةُ رحمٍ،

стр. 153

والحاصلُ: أنَّ لفظَ الأولادِ لا مفهومَ لهُ؛ لكونه جرى مُجرى الغالبِ، ولكونِه لَقبًا. (ولا تأتون) في نسخةِ: "ولا تأتُوا" (ببهتان) البهتانُ: هو الكذب الذي يُبهِتُ سامعَهُ أي: يدهشُه لفظاعتِه. (تفترونه) أي: تختلقونه. (بين أيديكم، وأرجلِكم) ذُكرتْ مَعَ أنَّها لا مدخَل لها في البهتِ؛ لأنَّ الجناياتِ تضافُ إليها غالبًا، ولأنه يُكنى بها عن الذاتِ، والمعنى: لا تأتوا ببهتانِ مِن قبل أنفسكم؛ ولأنَّ البهتانَ ناشئٌ عن القلب الذي هو بين الأيدي، والأرْجلِ، ثمَّ يبرزُهُ بلسانهِ (في معروفِ) هو ما يُحسن، وهو ما لم يَنْهَ الشارعُ عنه ويقالُ: هُوَ ما عُرِفَ مِن الشارع حسنه نهيًا وأمْرًا، وقُيِّدَ بالمعروفِ تطيبًا لقلوبهمِ، وإلَّا فهو ﷺ لا يأمرُ إلا به، وفيه: التنبيهُ على أنَّه لا يجوزُ طاعةُ مخلوقٍ في معصيةِ، وخص ما ذكر مِن المناهي بالذكرِ بالاهتمام به (فمن وَفى) بالتخفيف، وفي نسخةٍ: "وَفَّى" بالتشديد، ويقالُ فيه أيضًا: أَوفَى، والمعنى: فمَن ثبت منكم على ما بايع عليه. (فأجره على الله) فضلًا وَوَعْدًا بالجنةِ لا وجوبًا، فتعبيرهُ بعلى وبالأجر؛ للمبالغة في تحقق وتوهمِ (من ذلك شيئًا) أي: غير الشرك، و (مِن) للتبعيض (فعوقب) أي: لسبب ما أصاب، والحكمةُ في عطفِ جملةِ (عُوقِبَ في الدنيا) بالفاءَ وجملة (ستره الله) بثمَّ: التنفيرُ عن مواقعة المعصيةِ، فإنَّ السامع إذا عَلِم أن العقوبةَ مفاجئة لإصابةِ السيئةِ وأنَّ الستَر متراخِ، بعثَهُ ذلك على اجتنابِ المعصيةِ وتوقِّيها (١).

стр. 154

(فهو كفَّارةُ له) استُشكل بأنَّ قتل المرتدِّ على ارتدادِه لا يكون كفارةً، وأجيب: بأن الحديث مخصوصٌ بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦]، وحاصل ما ذهبَ إليه أكثرُ الفقهاءِ: أنَّ الحدودَ في غير الشركِ كفارات، وقال قومٌ بالوقفِ لخبر الحاكم: أنَّه ﷺ "قال: لا أدري الحدودُ كفارةٌ لأهلِها، أمْ لَا" (١) وأُجيبُ: بأن خبر الباب أصحُّ إسنادًا، وبأن خبر الحاكم ورد قبل أَنْ يُعلمَ ﷺ بذلك، ثم أعلَمهُ الله أخيرًا به. (فهو إلى الله) أي: مفوَّضٌ إليه. (إن شاء عفا عنه) بفضلهِ، (وإنْ شاء عاقبه) بعدلهِ، ثم أدخلَهُ الجنَّةَ، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلةِ في قولهم: إنَّ صاحبَ الكبيرة إذا ماتَ بغيرِ توبةٍ لا يعُفى عنه، وأنه إذا تاب يجب أنْ يُعفا عنه. ١٢ - باب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ . (باب) بالتنوينُ، والسكونُ، والإضافةُ، إِلى جملةِ (منَ الدينِ الفرارُ منَ الفتنِ) لمْ يقلْ منَ الإيمان مِراعاةً للفظِ الحديثِ، والمرادُ: أنَّ الفرار شعبةٌ منْ شعب الإيمان المعبَّرِ عنهُ بالدينِ إذْ الفرارُ ليسَ بدينٍ. ١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ" [٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨ - فتح ١/ ٦٩] (حدثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمِ واللامِ، ابن قعنب الحارثيُّ. (أبي صَعْصَعَةَ) اسمهُ: عمروُ بنُ زيدٍ بن عوفٍ بنِ مبذولٍ بن

стр. 155

عمروٍ الأنصاريُّ. (عن أبي سعيد) اسمه: سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنان الخزرجيُّ. (الخُدْريُّ) بضمِّ المعجمةِ وسكونِ المهملةِ، نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطن مِنَ الأنصار. (يوشك) (١) بضمِّ الياءِ، وكسرِ المعجمةِ، وحُكِيَ فتحُها في لغةٍ، أي: يقربُ. (خير مال المسلم غنمًا) برفع خير اسم يكون، ونصب غنمًا خبرًا لها، وفي نسخةٍ: بالعكسِ (٢)، وجوَّزَ ابن مالكٍ رفعَهما على الابتداء، والخبر، بجعل اسم يكون ضميرَ الشأنِ (٣). (يتبع) بتشديد الفوقية منِ اتَّبَعَ، ويجوزُ تخفيفُها مسكنةً من تَبع بكسرِ الموحدةِ. (شَعَفَ الجبالِ) بمعجمةٍ فمهملةٍ مفتوحتين جمع شعفة بالفتح، أي: رؤسها. (ومواقع القطر) أي: مواضعَ المطرِ، والمرادُ: بطونُ الأوديةِ والصحاري، وخصَّ المواضعَ المذكورة؛ لما فيهَا من الخلوةِ والسلامةِ من الكدرِ، وخصَّ الغنم؛ لما فيها السكينةِ والبركة، وقد رعاها الأنبياءُ. (يفرُّ بدينهِ) أي: يهربُ بسببه ومعهُ، وجملةُ: (يفرُّ) حالٌ منْ فاعل (يتبع)، أو مَن المسلمِ، في قولهِ: (مالُ المسلم) وجازَ من المضافِ إليه (٤)؛ لأنَّ المالَ لشدةِ ملابستِهِ لصاحبهِ، كأنه هو؛ أو جزء منه. (من

стр. 156

الفتن) أي: منْ أجلها، لا منْ أجلِ غرضِ دنيويٍّ فالعزلةُ عنَد الفتنةِ ممدوحةٌ، إلا لقادرِ على إزالتها، فتجب الخلطةُ عينًا، أو كفايةً بحسب الإِمكان، واختُلِفَ فيها عند عدمها، فمذهبُ الشافعي: تفضيلُ الخلطةِ؛ لتعلمهِ وتعليمهِ وعبادتهِ وأدبهِ وغير ذلك، فاختار آخرون العزلةَ للسلامةِ المحققةِ فبالخلطة والعزلةِ كمالُ المرءِ، نعم تجب العزلةُ على فقيهٍ لا يسلم دينُه بالخلطةِ، وتجبُ الخلطة على منْ عرفَ الحق فاتَّبَعَهُ والباطلَ فاجتنبهُ، وعلى من جهلَ الحقَّ ليتعَلمهُ. ١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ ". وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. باب: ساقطٌ من نسخةِ. (قول النبيِّ ﷺ ) بالجرِّ على ثبوت باب مضافًا، أو بالرفعِ على سقوطهِ، أو ثبوتهِ ساكنًا، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا (قولُ النبيِّ) أي: ذكر قوله. (أنا أعلمكم بالله) مقول القول، وفي نسخةِ: بدل (أعلمُكمُ) "أعرفكُم"، والفرقُ بينهما عند كثيرٍ أن العلم: هو الإدراكُ الكليُّ، والمعرفةَ: هي الإدراكُ الجزئيُّ. (وأَنَّ المعرفةَ) بفتح الهمزةِ، عُطِفَ على قولِ النبيِّ. (فعل القلب) فيهِ: أنَّ

стр. 157

محلَّ العلمِ الحادثِ القلبُ، وهو ما دلَّ عليه السمع، وإنْ جازَ عندَ أهلِ السنَّةِ أن يخلقَه الله تعالى في أيِّ جوهرٍ أراد. (﴿كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾) [البقرة: ٢٢٥] أي: عزمتْ عليه، ففيه: المؤاخذة بما يستقرُّ مِنْ فِعلِ القلبِ، بخلافِ ما لا يستقرُّ، وعليهِ حملَ خبر "إن الله تجاوزَ عنْ أمتي ما حدَّثتْ به أنفسُها ما لم تتكلَّمْ بهِ أو تعملْ". ٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا". [فتح: ١/ ٧٠] (حدثنا محمد بن سَلام) بالتخفبفِ أكثرُ منَ التشديدِ، ابن الفرجِ السلميُّ. (قال: أخبرنَا) في نسخةِ: "حدثنا". (عبدة) بسكونِ الباءِ، هو لقبه، واسمهُ: عبدُ الرحمنِ بنُ سليمانَ الكوفيُّ. (بما) في نسخةِ: "ما" (يطيقون) أي: الدوامَ عليهِ. (كهيئتك) أي: كحالتِكَ، وليسَ المرادُ نفيَ تشبيهِ ذواتِهِم ﷺ فلَا بدَّ من تأويل في أحدِ الطرفينِ أي: ليست ذواتنا كهيئتِكَ، أو لسنا كمثلِكَ، أَي: كذاتِكَ، وزيدَ لفظُ الهيئةِ للتأكيدِ، نحوَ: مثلُكَ لا يبخل. ومرادهُمْ بهذا الكلامِ: طلبُ الإذنِ في الزيادة من العبادةِ، والرغبةُ في الخيرِ، كأنهم يقولونَ: أنتَ مغفورٌ لكَ لا تحتاجُ إلى عملٍ، ومعَ ذلكَ أنتَ مواظبٌ على الأعمالِ، فكيفَ بنا وذنوبُنا كثيرةٌ، فردَّ عليهم وقالَ: أنا أولى بالعملِ لأنِّي أعلمُكُمْ وأخشاكُم لله، كما ذكرَهُ بعدُ (قد غفرَ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخرَ) قيلَ: معنى الغفرانِ له مع أنَّهُ معصومٌ غفرانُ الذنبِ الذي قبلَ النبوة، أو تركُ الأولى، أو نُسِبَ إليهِ

стр. 158

ذنبُ قومهِ، قالَ العلامةُ البرماويُّ (١): وكلها ضعيفة، والصواب: أن معنى الغفرانِ للأنبياءِ: الإحالةُ بينهم وبين الذنوبِ، فلا يصدرُ منهم ذنبٌ؛ لأن الغفرَ: السترُ، فالسترُ: إمَّا بيَن العبدِ والذنبِ، أو بينَ الذنبِ وعقوبتِه، فاللائقُ بالأنبياء الأوَّلُ، وبالأممِ الثاني. (فيغضبُ حتى يُعرفَ) بلفظِ المضارع فِيهما، حكاية عنِ الحالِ الواقعةِ واستحضار تلكَ الصورةِ الواقعةِ للحاضرينَ، وفي نسخةٍ: "فغضبَ حتى عُرِفَ"، بلفظِ الماضي فيهما، و (يعرف)؛ على الأوَّلِ منصوبٌ بأن مضمرةٍ بعد حتى، ويجوز رفعُهُ (٢) عطفًا على يغضب، ومعنى الغضبِ: السخطُ. (ثم يقولُ) يجوز رفعهُ ونصبُهُ أيضًا، إن عُطِفَ على يعرف، فإن عُطِفَ على يغضب تعيَّنَ رفعُهُ (٣). (إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) وأشارَ بالأوَّلِ: إلى كمالِهِ ﷺ في القوةِ العمليةِ، وبالثاني: إلى كمالِهِ ﷺ في القوةِ العلميةِ، والتقوى ثلاثُ مراتبَ: وقاية النفس عن الكفر وهو للعامةِ، وعن المعاصي: وهو للخاصةِ، وعمَّا سوى الله: وهو لخواصِّ الخاصةِ، والعلمُ بالله إما بصفاتهِ: وهو المسمَّى بأصولِ الدِّينِ، أو بأحكامهِ: وهو فروعُ الدينِ، أو بكلامهِ: وهو علم القرآنِ وما يتعلقُ بهِ، أو بأفعالِهِ: وهو العلم بحقائقِ أشياءِ العالمِ، ولمَّا جمع ﷺ أنواع التقوى، وأقسامَ

стр. 159

العلومِ، كان أتقى وأعلمَ على الإطلاقِ، والحديث دليلٌ على الشقِّ الأَولِ من الترجمةِ، والآية دليل على الشقّ الثاني منها، مع أنها لو لم تدلّ، فكثيرًا ما يذكر البخاريُّ ترجمةً، ولم يذكر حديثًا، أو يذكرُ حديثًا لا يطابقها؛ لما قيلَ: إنه ذكر تراجم ليذكر فيها أحاديثَ، فكانَ يذكرُ شيئًا فشيئًا، فماتَ قبلَ أنْ يذكرَ الكلَّ، أو أنَّهُ قصدَ بذلكَ بيان أنهُ لم يثبتْ عنَده حديثٌ يدلُّ عليهِ بشرطهِ. قالَ النوويُّ (١): وفي الحديثِ: أنَّ الأَوْلى في العبادةِ القصدُ وملازمةُ ما يمكنُ الدوامُ عليه، وأن الصالحَ لا ينبغي له أن يتركَ الاجتهاد؛ اعتمادًا على صلاحهِ، وأنَّهُ يذكرُ فضلَهُ إذا دعتِ الحاجةُ إلى ذكرِه، لكن ينبغي أن يحرصَ على كتمانها؛ خوفًا من إشاعتها وزوالها، وجوازُ الغضبِ عند ردِّ أمرِ الشارعِ، وأنَّ الصحابةَ كانوا على غايةٍ من الرغبةِ في طاعةِ الله تعالى، والازديادِ من أنواعِ الخير. ١٤ - بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ . (باب) ساقطٌ من نسخةٍ، (من كرِهَ أن يعودَ في الكفرِ كما يكره أن يلقى في النار) بالجرِّ: على ثبوت باب مضافًا، وبالرفعِ: على سقوطهِ، أو ثبوتهِ ساكنًا، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: "من الإيمان" كما في نسخةٍ. ٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إلا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ

стр. 160

أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ". [انظر: ١٦ - مسلم: ٤٣ - فتح: ١/ ٧٢] (حدثنا سليمان بن حرب) بفتحِ المهملةِ وسكونِ الراءِ وبموحدةٍ، ابن بجيلٍ: بفتحِ الموحدةِ وكسرِ الجيمِ، الأزديُّ. (عن أنسٍ) في نسخة: "عن أنسِ بنِ مالكٍ". (ثلاث) أي: ثلاثُ خصالٍ. (من كان) إلى آخرهِ، بدلٌ من ثلاث، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، لَا بُدَّ في الجملِ الثلاثِ من تقدير محذوفٍ، أي: محبةُ من كان ومحبةُ من أحبَّ وكراهةُ من كره، وقد مرَّ الحديثُ آنفًا، وإنِ اختلف بعضُ الفاظِه فيهما، لكن رواةَ السابقِ عن أنسٍ غيرُ رواةِ هذا عنه. ١٥ - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ . (باب) ساقطٌ من نسخةٍ. (تفاضلُ أهلِ الإيمانِ في الأعمالِ) في إعرابهِ ما مرَّ في سابقيهِ. ٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ"، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَو الحَيَاةِ -شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَويَةً" قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ". [٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩ - مسلم: ١٨٣ و ١٨٤ - فتح: ١/ ٧٢] (حدثنا إسماعيل) هو: ابن أبي أويس بنُ عبد الله الأصبحيُّ المدنيُّ. (عن عمرو بن يحيى) أي: ابن عمارة. (يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ) أي: فيها. (يقول الله تعالى) في نسخةٍ:

стр. 161

"يقولُ الله " أي: لملائكتهِ. (اخرجوا) بقطع الهمزة (١)، وفي نسخةٍ: "أخرجوا من النار". (مثقالُ حبَّةٍ) أي: مقدارها، زائدًا على أصلِ التوحيد، والحبَّةُ: بفتح الحاء واحدةُ الحبِّ من الحنطةِ ونحوها، ويجمعُ أيضًا على حبَّات وحبوب وحباب. (من خَرْدَلٍ) صفة لحبة: وهو نباتٌ معروفٌ، يشبَّهُ بهِ الشيءُ القليلُ البالغُ في القِلَّةِ، والمرادُ: القدرُ الذي لا يكونُ مؤمنًا بأقلِّ منهُ. (من إيمانٍ) صفةٌ لمثقالٍ، وتنوينهُ: للتقليل باعتبار الزيادة على ما يكفي، لا لأن الإيمانَ ببعضِ ما يجبُ الإيمانُ به كافٍ؛ وفي نسخةٍ: "من الإيمان" بالتعريفِ، والمرادُ من قولهِ منُ خَرْدَلٍ: التمثيلُ، فيكونُ عيارًا في المعرفة، لا في الوزنِ حقيقةً؛ لأن الإيمانَ ليس بجسمٍ، بل عرض، فلا يوزن، أو الحقيقة فيوزن الإيمانُ كما صرَّحَ به في خبرِ "وكانَ في قلبهِ من الخير ما يزنُ برة" (٢)، بناءً على أن الأعراض تجسم فتوزن. (قد اسْوَدُّوا) أي: صاروا سودًا من تأثيرِ النار. (فيلقون) بالبناءِ للمفعولِ. (الحيا) بالقصر: المطر. (أو الحياة) هو: النهر الذي من غمس فيه، حي (شكَّ مالكٌ) أي: في أيهما الرواية، وفي نسخةٍ: "يشكُّ"، وجملةُ شكَّ: اعتراض. (الحِبَّةُ) بكسر الحاءِ: بذر العشب، برفعٍ على حبَّ، كقِرْبةٍ وقرب. (في جانب السيلِ) قيلَ: إذا ألقوا فيهِ هَذه الحبة، وجرى عليها السيلُ، نبتْت في يومٍ وليلةٍ، بخلاف سائر الحبوب (صفراء) ذُكِرَ هذا اللونُ؛ لأنهُ يسرُّ

стр. 162

الناظرينَ؛ ولهذا كان سيِّدَ رياحين الجنةِ الحنَّاءُ، وهو أصفرُ. (ملتويةً) أي: منعطفةً؛ لأن ذلكَ أيضًا يزيد الريحانَ حسنًا، باهتزازه وتميلهِ، فمن في قلبهِ مثقالُ حبةِ من إيمانٍ يخرج نضرًا حسنًا منتشطًا، كخروجِ هذه الريحانةِ من جانبِ السيلِ، فوجهُ التشبيه: متعدد؛ لأنَّ التشبيهَ، وقعَ من حيثُ الإسراع وضعفِ النباتِ والطراوةِ والحسن، و (صفراءُ ملتويةٌ) حالان متداخلتان، أو مترادفتان. (قال وُهَيْبٌ) أي: ابن خالد عجلان الباهليُّ. (حدثنا عمرو) وهو: ابن يحيى المازنيُّ السابق. (الحياةِ) بالجرِّ: على الحكاية، أي: لم يشك، كما شكَّ مالكٌ. (وقال) أي: وهيب، بدل من إيمان. (من خير) وهذا التعليقُ وصلهُ البخاريُّ في الرقاق، فرواه عن موسى بن إسماعيل (١)، عن وهيب، عن عمرو، إلى آخر سنده هنا، وفي الحديث: الردُّ على المرجئةِ، في قولهم: لا يضر مع الإيمانِ معصية، وعلى المعتزلة، في قولهم: بتخليدِ أهلِ الكبائرِ في النارِ. ٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ". [٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩ - مسلم: ٢٣٩٠ - فتح ١/ ٧٣] (حدثنا محمد بن عبيد الله) أي: ابن محمدِ بن زيدٍ القرشيُّ الأمويُّ. (إبراهيمُ بنُ سعدٍ) أي: ابن إبراهيمَ بن عبدِ الرحمنِ. (عن

стр. 163

صالح) هو: ابن محمد بن كيسان الغفاريُّ. (عن ابن شهاب) هو: الزهريُّ. (عن أبي أمامة) هو: بضمِّ الهمزةِ، أسعد بن سهلٍ، وزادَ في نسخةٍ: "ابن حنيف". (رأيت) من الرؤيا الحلميةِ، ويحتملُ أنه من الرؤيةِ البصرية، أو العملية، فعلى الثاني: يكون (يعرضون عليَّ) أي: يظهرون لي حالًا، وعلى الآخرين: يكون مفعولًا ثانيًا. (قُمُصٌ) بضم القاف مع ضمِّ الميم وسكونها. (الثُّدِيَّ) بضم المثلثة وكسرها، مع كسر الدَّالِ فيهما، وتشديد الياء، جمع ثدي بفتح المثلثة وسكون الدالِ. (ما دون ذلك) أي: لم يبلغ إلى الثدي لقصره، (فما أولت ذلك) التأويل لغة: تفسير الشيءِ بما يأول إليه، والمراد هنا تعبير الرؤيا، وأما التأويل في اصطلاح الأصوليين: فهو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح لدليلٍ يصيرُ به راجحًا. (الدِّينَ) بالنصب، مفعولٌ ثانٍ لـ (أولت) مقدرًا (١)، ويجوز رفعه مشاكلةً للمبتدأ، ووجه تأويلِ القميص بالدينِ: أن القميص يسترُ العورةَ، والدينُ يستر من النَّارِ ومن كل مكروه، ولا يلزم من ذلك أفضلية عمر على أبي بكرٍ؛ لأنه لم يحصره في عمرٍ، ولو حصره فأحاديث أفضلية أبي بكر متواترة تواترًا معنويًّا، فلا يعارضها آحادٌ، وأيضًا فالإجماع على أفضلية أبي بكر، وهو قطعيٌّ فلا يعارضه ظنِّيٌّ. وفي الحديث -كما قال النوويُّ- فوائد: أن العمل من الإيمان، وأن الإيمان والدين بمعنى، وتفاضل أهل الإيمان وعظم فضل عمر، وتعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها، وثناء العالم على بعض أصحابه؛ حيث لا يخشى فتنة بإعجاب أو نحوه، بل ليعلم بمنزلته

стр. 164

فيعاملُ بمقتضاها ويقتضي به، ويتخلق بأخلاقه (١). ١٦ - باب الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ . (باب: الحياء من الإيمان) بإضافة باب، وتنوينه، وسكونه. ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ". [٦١١٨ - مسلم: ٣٦ - فتح: ١/ ٧٤] (أخبرنا) في نسخةِ: "حدثنا". (مالك) في نسخةٍ: "مالك بن أنس". (عن سالم بن عبد الله) إلى ابن عمر بن الخطاب. (يعظ أخاه) أي: في الدين، أو النسب، والوعظ: التذكير بالعواقب، والنصح، وقيل: التخويف والإنذار، وقيل: التذكير بالخير فيما يرقُّ به القلب. (في الحياءِ) أي: في شأنه، ومعناه أنَّه ينهاه عنه، ويخوفه منه. (فقال رسول الله ﷺ ) أي: للرجل زجرًا له. (دعه) أي: اتركه على حيائه، وهو أمرٌ قلَّ استعمالُ ماضيه (٢)، وعن القليل قراءة (ما وَدَعَكَ) بالتخفيف، وقول الشاعر: ليت شعري عن خليليَّ ما الذي ... عاله في الوعدِ حتى وَدَعَه (فإنَّ الحياءَ من الإيمان) إذ به يكف عن المناهي، وتقدم مع

стр. 165

تعريف الحياء أنه من الإيمان بلفظ، "والحياءُ شعبة من الإيمان"، لكن ذكر ثم بالتبعية، وهنا بالقصد. ١٧ - بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . (بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾) في بابٍ: ما مرَّ قبله. ٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". [مسلم: ٢٢ - فتح: ١/ ٧٥] (عبد الله بن محمد) زاد في نسخةٍ: "المسندي"، بفتح النون وتقدم. (أبو رَوْحٍ) بفتح الراءِ وسكون الواو. (الحَرَمِيُّ) اسم أبي روح، لا نسبة إلى الحَرم، كما تُوهم. (واقد بن محمد) بالقاف، وفي نسخةٍ: "يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمر". (أمرتُ) بالبناء للمفعول. (أن) أي: بأن (١). (أقاتل الناس) أي: المشركين لخبر النسائي "أمرت أن أقاتل المشركين" (٢) والمراد بهم: من لا أمان له، فالحديث من العام المخصوص.

стр. 166

(وأن محمدًا رسول الله) التصديق به يتضمن التصديق بكلِّ ما جاء به، حتى لو كذَّبه في شيء منه كفر وقوتل. (وتقيموا الصلاة) إقامتها: تعديلُ أركانها وإدامتها، (ويؤتوا الزكاة) لا تختص المقاتلة بترك الصلاة والزكاة، بل سائر الواجبات كذلك، فالاقتصار عليهما تعظيمًا لشأنهما؛ أو لأن العبادة إمَّا بدنية، أو مالية، فأشار إلى الأوَّلِ بالصلاة، وإلى الثاني بالزكاة، ولا ينافي ذلك كونَ العبادةِ قد تكون مركبةً من البدنيةِ والمالية، كالحج؛ لأن القضية مانعة خلو. (فإذا فعلوا ذلك) المراد بالفعل: ما يشملُ القول. (عصموا) أي: حفظوا، أي: حقنوا. (دماءهم) جمع دم، وأصله (١): دمو، كجمل وجمال. (إلَّا بحق الإسلام) استثناء مفرغ لتضمن عصم معنى النفي، أي: لا يهدر الله دماءهم وأموالهم بعد عصمتها بالإسلام بسبب من الأسباب، إلَّا بحق من حقوق الإسلام، كقتل نفسٍ وترك صلاةٍ، وإضافة حق إلى الإسلام بمعنى: اللام، أو في، أو من. (وحسابهم على الله) أي: يجب وقوعه، لا أنه يجب على الله؛ إذ لا يجب على الله شيءٌ، كما زعمه المعتزلة، والمراد: أنَّ سرائرهم على الله، وأما نحن فنحكم بالظواهر، أي: بمقتضى ظاهرِ أقوالهم، وأفعالهم. ١٨ - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ . لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ

стр. 167

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]: عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات: ٦١]. (باب: من قال: إن الإيمانَ هو العملُ) المراد بالعمل: ما يشمل القولَ، وعملَ القلب وغيره، فيطابقه ما أورده من الآيات والأحاديث بردِّ كلٍّ إلى ما يدلُّ عليه. (تعالى) في نسخةٍ: " ". (أُورثتموها) ليس المراد الإرث المعروف، وهو: انتقال الحق؛ بموت المورث لوارثه؛ لامتناع حقيقته على الله تعالى، بل إمَّا أن المورث هو الكافر، بمعنى أنه لولا كفره لكان له نصيب من الجنة، فانتقل منه بسبب كفره، الذي هو موت الأرواح إلى المؤمن، أو أنه الله تعالى، فالإرث مجاز عن الإعطاء مجانًا على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالميراث. (بما كنتم تعملون) قال المفسرون أي: تؤمنون، و (ما) مصدرية، أو موصولة، أي: بعملكم، أو بالذي كنتم تعملونه (١)، ولا تنافي الآية حديث "لن يدخلَ أحدكم الجنة بعمله" (٢)؛ لأن الباءَ في الآية للسبب العاديِّ، وفي الحديث: للسبب الحقيقيِّ؛ أو لأن المثبتَ في الآية دخولُ الجنةِ بالعملِ المقبولِ، والمنفيَّ في الحديث دخولُها بالعمل

стр. 168

المجردِ عن القبول، والقبول إنما هو برحمة الله تعالى، أو المراد بالمثبت في الآية: دخول درجات الجنة بالأعمال، وبالمنفي في الحديث: دخول نفسِ الجنة بها، وإنما هو بفضل الله. (عِدَّةٌ) بكسر العينِ، وتشديد الدَّالِ، أي: عدد قلَّ أو كثر. (تعالى) في نسخةٍ: " ". (عن قول لا إله إلا الله) في نسخةٍ: "من لا إله إلا الله"، وهو في كلٍّ منهما، تفسير لقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] فقصر عما كانوا يعملون على التوحيد، قال النوويُّ: الظاهر أنه لا يقصر عليه، بل يعمُّ كلَّ الأعمال التي يتعلق بها التكليف، ولا ينافي الآية قولهُ تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]؛ لأن ذلك إمَّا باعتبار محلين؛ لأن للقيامةِ مواقفَ وأزمنةً متعددة، أو لأن المعنى في الثاني: لا يسألون سؤالَ استخبارِ، بل سؤالَ توبيخٍ، أو لا يسألُ عن ذنبه غيره من الإِنسِ والجان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. (لمثلِ هذا) أي: [لنيل] (١) مثلِ هذا الفوز العظيم. (فليعمل العاملون) أي: فليؤمن الكافرون والمؤمنون، ومعناه في المؤمنين: طلب الدَّوام، أو الازدياد، ففي ذلك جمعٌ بين الحقيقةِ والمجازِ. ٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". [١٥١٩ - مسلم: ٨٣ - فتح: ١/ ٧٧]

стр. 169

(حدثنا أحمد بن يونس) [هو أحمد بن عبد الله بن يونس] (١) اليربوعيُّ، التميميُّ. (ابن المسيَّب) بفتح التحتيةِ أشهرُ من كسرِها، وكان يكره فتحها، ويقول: سيَّبَ الله من سيَّبني. (سُئل) أبهم السائل: وهو أبو ذرٍّ، كما ذكره في العتقِ (٢). (أيُّ الأعمالِ أفضلُ) أي: أكثر ثوابًا عند الله. (إيمان بالله) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: [هو، أو مبتدأ خبره محذوف، أي:] (٣) أفضلُ، ويأتي مثل ذلك في بقيةِ الأقسام. (الجهاد في سبيل الله) أي: القتال؛ لإعلاءِ كلمة الله. (مبرورٌ) أي: مقبولٌ، وعلامةُ القبولِ أن يكون حاله بعد الرجوعِ خيرًا مما قبله، وقيلَ: ما لا رياءَ فيه، وقيلَ: ما لا إثمَ فيه، وقيلَ: ما لا يعقبه معصيةٌ، وأصلُ البرِّ: الطاعة، يقالُ: برَّ حَجُّك وبرَّ الله حجَّك، لازم ومتعد، و (ال) في الجهاد: للجنس (٤) ليوافق تنكير قسيميه، أو للتعريف؛ لكونه يتكرر، بخلاف قسيميه، فناسبهما التنكير ووقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديثِ أبي ذرٍّ لم يذكرْ الحجَّ (٥)، بل العتق، وفي حديثِ

стр. 170

ابن مسعودٍ بدأ بالصلاةِ، ثم البرِّ، ثم الجهادِ، وفي الحديث السابق ذكر السلامةَ من اليدِ واللسان (١)، وكلها في الصحيح، ولا منافاة؛ إذ اختلاف الأجوبة في ذلك؛ إنما كان لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكرْ الصلاةَ والزكاةَ والصيامَ هنا، على أنه قد يقال: أفضلُ الأشياء كذا، أو لا يراد أنه أفضل من جميع الوجوه في جميع الأحوالِ والأشخاصِ، بل في حالٍ دون حالِ، وشخصٍ دون شخصٍ. وأمَّا تقديم الجهادِ على الحجِّ مع أنه فرضُ كفاية، والحجُّ فرض عين؛ فللاحتياج إليه أوَّلَ الإسلام، ولأنه لا يقع إلا فرضًا؛ أو لأن نفعه متعد مع بذل النفس فيه، بخلاف الحجِّ فيهما؛ ولأنه لا يعد في كونه أفضل من الحجّ، وقصارى أمره أن يكون كابتداءِ السلام مع جوابه، فإنه أفضلُ منه، وإن كان سنة وجوابه فرضًا، أو لأنَّ ثمَّ هنا للترتيب الذِّكْرى كما في: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]. ١٩ - بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلامُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَكَانَ عَلَى الاسْتِسْلامِ أَو الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] [آل عمران: ٨٥]

стр. 171

٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا" فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ" وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [١٤٧٨ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ١/ ٧٩] (باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل) (إذا) لمجردِ الوقت لا للاستقبالِ؛ ليوافق قلب المضارع ماضيًا في قولهِ: (لم يكن). و (الاستسلام) الانقيادُ ظاهرًا، وجوابُ (إذا) محذوف، وتقديره: لا ينتفع به في الآخرة. (تعالى) في نسخةٍ: " ". (الأعراب) أهل البدو، ولا واحد له من لفظه. (قل لم تؤمنوا) أي: الإيمان الشرعيُّ، لأنه التصديق بما جاء به النبي ﷺ مع التلفظ بالشهادتين ركنًا، كما عليه البخاريُّ، وشرطًا، كما عليه غيره. (ولكن قولوا أسلمنا) أي: دخلنا في السلم، وانقدنا، لا بالحقيقة؛ لكونهم كانوا كذلك، وكان نظم الكلام أن يقولوا: لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا، لكن عدل إلى ما قاله؛ ليفيد التصريح بتكذيب دعواهم أنهم آمنوا، وفي الآية حجة على الكرامية، ومن وافقهم من المرجئة، في قولهم: إن الإيمان إقرارٌ باللسان فقط، ويكفي

стр. 172

في الردِّ عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع إظهارهم الشهادتين. (فإذا كان) أي: الإسلام. (على الحقيقة فهو على) أي: واردٌ على [(قوله جل ذكره)] (١) إلى آخر الآيتين، فالمرادُ بالإسلام فيهما: الإسلام الحقيقيُّ المشتمل على التصديق والتلفظ بالشهادتين، لا الانقياد ظاهرًا، واحتجَّ البخاريُّ بهما، على أن الإسلام الحقيقي هو الدين، وأن الإسلام الحقيقي والإيمان: ما صدقهما واحدٌ؛ لأن الإيمان لو كان غير الإسلام لكان مقبولًا للآية الثانية، فتعين أن يكون صادقًا به، لأن الإيمان هو الدين، والدين هو الإسلام فينتج أن الإيمان هو الإسلام بمعنى: أنه صادق به. (أبي وقَّاص) بتشديد القاف، من الوقص: وهو الكسر، واسم أبي وقاص: مالك. (عن سعد) هو ابن أبي وقاص. (رهطًا) هو من الرجال ما دون العشرة، وقيل: ما دون الأربعين، وجمعه أرهط، وأرهاط. (رجلًا) اسمه: جميل، بالتصغير: ابن سراقة. (هو أعجبهم) أي: أفضلهم وأصلحهم. (إليَّ) أي: عندي. (ما لَكَ عن فلان) أي: أيُّ شيءٍ حصلَ لك حتَّى أعرضت به عنه، فلا تعطيه، وفلان: كناية عن اسم يسمى به المحدث عنه الخاصُّ، ويقال في غير الناسِ: الفلان، والفلانة، بالألف واللام. (لأَراه) بفتح الهمزة أي: أعلمه، وبضمها أي: أظنه، وإن عبر بالعلم في قوله: (ما أعلم منه) إذ العلم يأتي بمعنى الظنِّ، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] (أوْ مسلمًا) بإسكان

стр. 173

الواو، على الإضراب عن جزم سعد بأنه مؤمن؛ إذ الإيمان يتعلق بالباطن وهو القلب، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس فيه الحكم بأنه غير مؤمن، على ما زعمه بعضهم إذ ليس فيه إيجاب أنه مؤمن، بل النهي عن القطع بإيمانه لعدم مقتضى القطع، بل فيه إشارة إلى كونه مؤمنًا بقوله. (لأعطي الرجل، وغيره أحبُّ إليه منه) وعليه فمطابقة الحديث للترجمة: إنما هو بإطلاق لفظ الإسلام في مقابلة الحقيقيِّ، من غيرِ تعرض لحال الشخص، والإنكار على سعد إنما على جزمه كما مرَّ، فسقط ما قيل: إن الحديث ليس مطابقًا للترجمة، وإنَّ ردَّه ﷺ على سعد لا فائدة له. (فعدت لمقالتي) أي: رجعت لقولي. (وغيره أحب) جملة حالية. (خشية) مفعول له؛ لقوله أُعطي. (يَكُبَّه) بضم الكاف أي: يلقيه منكوسًا وهو من النوادر أن يكون الرباعي بهمزة لازمًا، والثلاثي بدونها متعديًا، والمعنى: أني أتألف قلب الرجل بالإعطاءِ؛ لضعف إيمانه مخافة كفره، إذا لم يعط، بخلاف من قَويَ إيمانه، وهذا كناية؛ لأن الكبَّ في النار للكفر لازمٌ للكفر مساو له، لا مجاز من إطلاق اللازم على الملزوم لأن المشروط فيه امتناع اجتماع معنى الحقيقة والمجاز بخلاف الكناية، وهنا ليس كذلك؛ إذ لا امتناع في اجتماع الكفرِ والكبِّ كما علم. وفي الحديث -كما قال النوويُّ (١) -: جواز الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومرادة الشفيع إذا لم يؤدِّ إلا مفسدة، والأمر التثبت، وترك القطع بما لم يعلم القطع به، وأن الإمام يصرف الأمور في مصالحِ المسلمين، الأهمَ فالأهمَ، وأنَّ المشفوعَ إليه لا عتب عليه إذا ردَّ

стр. 174

الشفاعةَ بالمصلحةِ، وأنَّه ينبغي له أنْ يعتذرَ للشافعِ، ويبين له العذرَ في ردِّ شفاعتِه، وأنَّه لا يقطع بالجنةِ لأحدٍ على التعيينِ إلَّا من ثبتتْ فيه كالعشرِة، وأنَّ الإقرارَ باللِّسانِ لا ينفع إلَّا باعتقادِ القلبِ. (ورواه) في نسخةٍ: "رواه"، والمعنى: أنَّ هؤلاء الأربعةُ تابعوا شعيبًا في رواية الحديث. (عن الزهريِّ) ولقول البخاريِّ مثل هذا، كما قال النوويُّ ثلاث فوائدٍ: بيان كثرةِ طرقِه، ومعرفةِ رواتهِ يتبع روايتَه مَنْ يريدُ جمعَ الطرقِ، ونحو ذلك، ودفعُ توهمِ أنَّه لم يروهِ غيرُ المذكورِ في الإسنادِ، (وابن أخي الزهريِّ) اسمه: محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مسلمِ. ٢٠ - باب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ . وقَالَ عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. (باب: إفشاءُ السلام من الإسلام) لفظ: (إفشاءِ) ساقطٌ مِن نسخةٍ، وعليها فالسَّلام مرفوعٌ بالابتداءِ، وإفشاءُ السَّلامِ: إذاعتهُ ونشرهُ، (وقال عمَّارُ) كنيته: أبو اليقظان بن ياسرٍ بنِ عامرٍ أحدُ السابقين. (ثلاث) أي: ثلاثُ خصالٍ، أو خصال ثلاث. (فقد جمع الإيمانَ) أي: جاز كمالُه، ولفظ: (فقد) ساقط مِن نسخةِ. (الإنصاف) أي: العدْلُ. (من نفسِك) بألَّا تترك عليك حقًّا إلَّا أديتَهُ، ولا شيئًا مما نهيتَ عنْهُ إلَّا اجتنبتهُ. (بذل السَّلام) أي: الابتداءُ به، كما تقولَ سلامٌ عليكم، والسَّلامُ: مِنْ السلامةِ، كأنَّ المسلمَ يقولُ أنت سالمٌ مِنِّي، وأنا سالمٌ منك، وأمَّا السلامُ اسمًا لله تعالى فمعناهُ: ذوُ السَّلامةِ مما يلحقُ الخلق مِنْ نقص، والسلامُ في قوله عليه

стр. 175

الصلاةُ والسلامُ: بمعنى: التسليم، وسميتِ الجنةُ دارَ السَّلامِ؛ لسلامةِ مَنْ بها مِن الآفاتِ. (للعالم) بفتح اللَّامِ أي: لكلِّ مؤمنٍ عرفتَهُ أو لمْ تعرفْهُ. (والإنفاق مِن الإقتارِ) بكسرِ الهمزةِ أي: في حالةِ الفقر وجَمَعَ عمارُ في كلماته الثلاثِ الخير كلَّه؛ لأنَّك بالأولى: تبلغُ الغايةَ بينك وبين خالقِك، وبينك وبين النَّاسِ، وبالثانيةِ: تحصل مكارمَ الأخلاقِ، واستئلافِ النفوسِ، وبالثالثةِ تحصل غايةَ الكرمِ. قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، ولأنَّ خصالَ الخيرِ المتضمنِ للإيمانِ إمَّا ماليةٌ، وهي المشارُ إليها بالثالثةِ، أوْ بدنيةٌ: وهي إمَّا مع الله تعظيمًا لأمره، وهي المشارُ إليها بالأولى، أو مع الناسِ، وهي المشارُ إليها بالثانيةِ، والإنفاقُ شامل لِمَا على العيالِ والأضيافِ وكلِّ نفقةٍ في طاعةِ الله تعالى. ٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ". [انظر ١٢ - مسلم: ٣١ - فتح: ١/ ٨٢] (حدثنا قتيبةُ) تصغير قتبة بكسر القاف وسكونِ التاء، وكنيتُه: أبو رجاءِ بنُ سعيدِ بنِ جميلٍ البغلاني، بفتح الموحَّدِة وسكونِ المعجمةِ نسبة إلى قريةٍ من قرى بلخ. (عن أبي الخيرِ) اسمه: مَرْثَد، بفتح الميم والمثلثة. (أن رجلًا) هو أبو ذر. (أيُّ الإسلامِ) أي: أيُّ خِصالِه. (تُطْعم) أي: أن تُطْعم، وسبق الحديثُ وما فيه وإنما أعاده، كعادته باعتبار ما اشتمل عليه، فإنْ قلتَ لِمَ لَمْ يكتفِ ببابٍ واحدٍ، وأنْ يقولَ ثَمَّ، أو هنا بابُ الإطعامِ،

стр. 176

والسلامُ من الإسلامِ؟ قلت: لعلَّ عمرو بنَ خالدٍ الراويَّ ثَمَّ ذكره في معرضِ بيانِ أنَّ الإطعامَ مِن الإسلام، وقتيبةُ ذكره هنا في معرض أنَّ السلامَ منْهُ فميزهُما البخاريُّ بذكْرهما في موضعين بترجمتين. ٢١ - باب كُفْرَانِ العَشِيرِ وكُفْرِ بَعْدَ كُفْرٍ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [٣٠٤] (باب: كفرانِ العشيرةِ، وكفرٍ بعدَ كفر) بإضافةِ بابٍ وجرِّ كفرٍ عطفًا على كفرانِ، أو رفعِه، كما في نسخةٍ عطفًا على باب. وفي نسخةٍ: "وكفرًا دون كفرِ"، أشار بذلك إلى تفاوت الكفر، بمعنى أنَّ كفرًا أدون من كفرٍ، والكفرُ المطلقُ هو الكفرُ بالله، وما بعْدَه أدون منه، كما أنَّ نحو أَخْذ أموالِ الناسِ بالباطلِ أدون من قتل النفسَ بغيرِ حقٍّ. (والكفرانُ) من الكفر بالفتح: وهو الستر ومن ثمَّ سُمي ضد الإيمانِ كفرًا؛ لأنَّه يستُر الحقَّ، وقيل للزارعِ: كافرٌ لأنَّه يستُر البذرَ، وقد يطلقُ الكفرُ على البراءةِ، كقوله تعالى حكايةً على إبليس: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: برئتُ منه، والكفرُ بالله، كما قال الأزهريُّ -أربعةُ أنواعٍ: كفرُ إنكارٍ: بأن يكفر بقلبه ولسانه، وكفرُ جحودٍ: بأنْ يعترفَ بقلبهِ ولا يقر بلسانهِ، ككفر إبليسِ وبلعام، وكفرُ عناد: بأنْ يعترف بقلبه ويقرُ بلسانهِ ولا يتلفظ بالتوحيد، ككفرِ أبي طالب، وكفرُ نفاقٍ: بأنْ يكفرَ بقلبهِ ويقر بلسانهِ ككفر المنافقِ (١). و (العشيرُ) الزوج، سمي عشيرًا بمعنى معاشرٍ، والمعاشرةُ:

стр. 177

المخالطةُ، وقيل الملازمةُ. (فيه) أي: في البابِ. (عن أبي سعيد) في نسخةٍ: "فيه: أبو سعيد"، والمرادُ: أنَّ في الباب روايةَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، كما رواه البخاريُّ في الحيضِ، وغيره (١) كثيرًا ساقطٌ من نسخةٍ، وفائدة إثباته: بيان تعدد رواية أبي سعيد بذلك. ٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ" قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". [٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ١/ ٨٣] (زيدُ بن أَسْلَم) كنيته: أبو أسامةَ مولى عمرَ بنِ الخطَّاب. (قال: قال النبيُّ) في نسخةٍ: "عن النبيِّ". (أُريتُ) بالبناءِ للمفعولِ من الرؤية البصرية. (فإذا أكثرُ أهلها النساءُ) في نسخة: "فرأيتُ أكثر"، وفي أخرى: "ورأيتُ أكثر فأكثر" والنساء على النسخةِ الأولى: مرفوعان على الابتداءِ والخبرِ، وعلى الأخيرتين: منصوبان على أنهما مفعولان لرأيتُ. (يكفرنَ) جملة استئنافية أي: هنَّ يكفرنَ، وهي في الحقيقة جوابُ امرأةٍ قالت: يا رسولَ الله لِمَ كنَّا أكثرَ أهل النارِ (٢)، وفي نسخةٍ: "بكفرهن" بباء السببيةِ متعلقةٌ بأكثرَ. (العشيرُ) أي: الزوج كما مرَّ، وخص كفْره من بين سائرِ الذنوب لخبر: "لو أمرتُ أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ

стр. 178

لزوجها"، فَقَرَنَ حقَّ الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرتْ المرأةُ حقَّ زوجها وقدْ بلَغ حقُّه عليها هذه الغايةَ كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله، فلذلك أطلق عليه الكفرُ، لكنه كفرٌ لا يخرج عن الملةِ، وعُدِّيَ الكفرُ بالله بالباء ولم يُعد كفْرُ العشير بها؛ لأنَّ كفرَ العشير لا يتضمنُ معنى الاعترافِ قاله الكرمانيُّ وغيره (١). (ويكفرن الإحسان) أي: ولو مع غير العشير، فهذه الجملة أعمُّ مما قبلها، وقيل: ليس كفرانُ العشير لذاته بل لإحسانِه، فالجملةُ كالبيان لِمَا قبلها. (لو أحسنتَ) في نسخةٍ: "إنْ أحسنتَ" فـ (لو) بمعنى: إن في مجرد الشرطية فقط لا بمعناها الأصلي مِنْ أنَّها حرفُ امتناع لامتناع، أو هي من قبيل: "نعم العبدُ صهيبُ لو لم يخفِ الله، لمَ يعصه" (٢) حتى يكونَ الحكمُ ثابتًا على النقيضين، والطرفُ المسكوتُ عنه أولى من المذكور، والخطابُ في (أحسنتَ) عامٌّ لكلِّ مَنْ يَتَأتَّى أَنْ يكون مخاطبًا فهو مجازٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. (الدهرَ) نصب على الظرفية، ومعناه: الأبد، والمراد هنا: دهر الرجل أي: عُمرُه، أو الدهرُ مطلقًا على سبيلِ الفرضِ، مبالغةَ في كفرهنَّ. (شيئًا) تنوينه للتحقيرِ، أو للتقليلِ، أَوْلهما. (قط) بفتح القافِ، وتشديد الطاءِ مضمومةً على الأشهرِ: ظرفُ زمانٍ لاستغراق ما مضى (٣).

стр. 179

وفي الحديث: وعظ الرئيس والمرءوسَ، وتحريضُه على الطاعةِ، ومراجعةِ المتعلِّم العالمَ فيما قاله إذا لمْ يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفرِ على كفرِ النعمة وجحد الحقِّ، وأنَّه كبيرةٌ عند مَنْ يعرفها بما تُوُعِّدَ عليه، وأنَّ المعاصي تنقص الإيمانَ، ولا تخرج إلى الكفرِ الموجب للخلودِ في النارِ، وأنَّ النارَ مخلوقةٌ الآن، وأنَّ الإيمانَ يزيد بشكرِ نعمةِ العشير فثبت أنَّ الأعمالَ مِن الإيمانِ، ووجه مناسبة هذا الحديثِ للأبواب قبلَه المتعلقُة بالإيمان: أنَّ الكفَر ضدُّ الإيمانِ فالمناسبة بينهما من جهةِ التضادِ. ٢٢ - باب المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إلا بِالشِّرْكِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ" وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. (باب) ساقطٌ من نسخةٍ. (المعاصي من أمرِ الجاهلية) مبتدأٌ وخبرٌ، والمعاصي: جمعُ معصيةٍ، وهي ترك واجب، أو فعلُ حرامٍ كبيرةً كانت أو صغيرة، والجاهلية: زمانُ الفترةِ قبلَ الإسلامِ، وسُمي بها لكثرةِ الجهالةِ فيه. (ولا يكفر) بفتح التحتية، وسكون الكافِ، وبضمها وفتح الكاف وتشديد الفاءِ المفتوحة (صاحبها بارتكابها) أي: خلافًا لقولِ الخوارجِ: إنَّه بالكبيرة يكفر، ولقولِ المعتزلةِ: إنَّه بين هاتين منزلتين لا مؤمنٍ ولا كافر، والمرادُ بارتكابها: فعلُها لا اعتقادُ حلِّها، إذ اعتقادُ ما هو معلومٌ مِن الدين بالضرورة كفرٌ، وجملةُ: (ولا يكفر) عطفٌ على الجملةِ قبلها فهي داخلَةٌ في الترجمةِ.

стр. 180

(جاهلية) أي: شيءٌ من أخلاقِ الجاهلية (وقول الله تعالى) في نسخةٍ: "وقال الله" وفي أخرى بدل تعالى: " " في استدلاله بالحديث والآيةِ على شِقَّي الترجمةِ: لفٌّ ونشرٌ مرتبٌ. ووجه الاستدلال بنفي الغفران على الكفرِ: كونُه يستلزمه عندنا. ٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ". [٢٥٤٥، ٦٠٥٠ - مسلم: ١٦٦١ - فتح: ١/ ٨٤] (عن واصل الأحدب) هو ابن حيان، بفتح المهملة وتشديد التحتية، وفي نسخة: "عن واصل" بدون ذكر الأحدب، وفي أخرى: "عن واصل هو الأحدب". (عن المعرور) بعين وراءين مهملات، وفي نسخة: "عن المعرور بن سويد". (أبا ذر) اسمه: جندب بضم الجيم والدال المهملة، وحكي فتح الدال ابن جنادة بضم الجيم الغفاري. (الربذة) بفتح الموحدة، والذال المعجمة: منزل لحاج العراق على ثلاث مراحل من المدينة. (حُلَّة) بضم المهملة: إزار ورداء ولا يسمَّى حلة حتى يكون ثوبين وسميا بذلك؛ لأنَّ كلًّا منهما يحلُّ على الآخر، فسألته عن ذلك، أي: عن سبب تساويهما في لبس الحلة، وسبب السؤال؛ أن العادة جارية بأن تكون ثيابُ الغلام دون ثياب سيِّدهِ. (ساببت) بموحدتين أي: شاتمتُ، أو شتمتُ. (رجلًا) هو بلال بن حمامة المؤذن. (فعيرته بأمه) أي: نسبته إلى العار بها، وفي رواية:
следующие страницы →