والسلامُ من الإسلامِ؟ قلت: لعلَّ عمرو بنَ خالدٍ الراويَّ ثَمَّ ذكره في معرضِ بيانِ أنَّ الإطعامَ مِن الإسلام، وقتيبةُ ذكره هنا في معرض أنَّ السلامَ منْهُ فميزهُما البخاريُّ بذكْرهما في موضعين بترجمتين.
٢١ - باب كُفْرَانِ العَشِيرِ وكُفْرِ بَعْدَ كُفْرٍ
فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[٣٠٤]
(باب: كفرانِ العشيرةِ، وكفرٍ بعدَ كفر) بإضافةِ بابٍ وجرِّ كفرٍ عطفًا على كفرانِ، أو رفعِه، كما في نسخةٍ عطفًا على باب.
وفي نسخةٍ: "وكفرًا دون كفرِ"، أشار بذلك إلى تفاوت الكفر، بمعنى أنَّ كفرًا أدون من كفرٍ، والكفرُ المطلقُ هو الكفرُ بالله، وما بعْدَه أدون منه، كما أنَّ نحو أَخْذ أموالِ الناسِ بالباطلِ أدون من قتل النفسَ بغيرِ حقٍّ.
(والكفرانُ) من الكفر بالفتح: وهو الستر ومن ثمَّ سُمي ضد الإيمانِ كفرًا؛ لأنَّه يستُر الحقَّ، وقيل للزارعِ: كافرٌ لأنَّه يستُر البذرَ، وقد يطلقُ الكفرُ على البراءةِ، كقوله تعالى حكايةً على إبليس: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: برئتُ منه، والكفرُ بالله، كما قال الأزهريُّ -أربعةُ أنواعٍ: كفرُ إنكارٍ: بأن يكفر بقلبه ولسانه، وكفرُ جحودٍ: بأنْ يعترفَ بقلبهِ ولا يقر بلسانهِ، ككفر إبليسِ وبلعام، وكفرُ عناد: بأنْ يعترف بقلبه ويقرُ بلسانهِ ولا يتلفظ بالتوحيد، ككفرِ أبي طالب، وكفرُ نفاقٍ: بأنْ يكفرَ بقلبهِ ويقر بلسانهِ ككفر المنافقِ (١).
و (العشيرُ) الزوج، سمي عشيرًا بمعنى معاشرٍ، والمعاشرةُ:
стр. 177
المخالطةُ، وقيل الملازمةُ. (فيه) أي: في البابِ. (عن أبي سعيد) في نسخةٍ: "فيه: أبو سعيد"، والمرادُ: أنَّ في الباب روايةَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، كما رواه البخاريُّ في الحيضِ، وغيره (١) كثيرًا ساقطٌ من نسخةٍ، وفائدة إثباته: بيان تعدد رواية أبي سعيد بذلك.
٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ" قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".
[٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ١/ ٨٣]
(زيدُ بن أَسْلَم) كنيته: أبو أسامةَ مولى عمرَ بنِ الخطَّاب. (قال: قال النبيُّ) في نسخةٍ: "عن النبيِّ". (أُريتُ) بالبناءِ للمفعولِ من الرؤية البصرية. (فإذا أكثرُ أهلها النساءُ) في نسخة: "فرأيتُ أكثر"، وفي أخرى: "ورأيتُ أكثر فأكثر" والنساء على النسخةِ الأولى: مرفوعان على الابتداءِ والخبرِ، وعلى الأخيرتين: منصوبان على أنهما مفعولان لرأيتُ. (يكفرنَ) جملة استئنافية أي: هنَّ يكفرنَ، وهي في الحقيقة جوابُ امرأةٍ قالت: يا رسولَ الله لِمَ كنَّا أكثرَ أهل النارِ (٢)، وفي نسخةٍ: "بكفرهن" بباء السببيةِ متعلقةٌ بأكثرَ.
(العشيرُ) أي: الزوج كما مرَّ، وخص كفْره من بين سائرِ الذنوب لخبر: "لو أمرتُ أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ
стр. 178
لزوجها"، فَقَرَنَ حقَّ الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرتْ المرأةُ حقَّ زوجها وقدْ بلَغ حقُّه عليها هذه الغايةَ كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله، فلذلك أطلق عليه الكفرُ، لكنه كفرٌ لا يخرج عن الملةِ، وعُدِّيَ الكفرُ بالله بالباء ولم يُعد كفْرُ العشير بها؛ لأنَّ كفرَ العشير لا يتضمنُ معنى الاعترافِ قاله الكرمانيُّ وغيره (١).
(ويكفرن الإحسان) أي: ولو مع غير العشير، فهذه الجملة أعمُّ مما قبلها، وقيل: ليس كفرانُ العشير لذاته بل لإحسانِه، فالجملةُ كالبيان لِمَا قبلها. (لو أحسنتَ) في نسخةٍ: "إنْ أحسنتَ" فـ (لو) بمعنى: إن في مجرد الشرطية فقط لا بمعناها الأصلي مِنْ أنَّها حرفُ امتناع لامتناع، أو هي من قبيل: "نعم العبدُ صهيبُ لو لم يخفِ الله، لمَ يعصه" (٢) حتى يكونَ الحكمُ ثابتًا على النقيضين، والطرفُ المسكوتُ عنه أولى من المذكور، والخطابُ في (أحسنتَ) عامٌّ لكلِّ مَنْ يَتَأتَّى أَنْ يكون مخاطبًا فهو مجازٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. (الدهرَ) نصب على الظرفية، ومعناه: الأبد، والمراد هنا: دهر الرجل أي: عُمرُه، أو الدهرُ مطلقًا على سبيلِ الفرضِ، مبالغةَ في كفرهنَّ. (شيئًا) تنوينه للتحقيرِ، أو للتقليلِ، أَوْلهما.
(قط) بفتح القافِ، وتشديد الطاءِ مضمومةً على الأشهرِ: ظرفُ زمانٍ لاستغراق ما مضى (٣).
стр. 179
وفي الحديث: وعظ الرئيس والمرءوسَ، وتحريضُه على الطاعةِ، ومراجعةِ المتعلِّم العالمَ فيما قاله إذا لمْ يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفرِ على كفرِ النعمة وجحد الحقِّ، وأنَّه كبيرةٌ عند مَنْ يعرفها بما تُوُعِّدَ عليه، وأنَّ المعاصي تنقص الإيمانَ، ولا تخرج إلى الكفرِ الموجب للخلودِ في النارِ، وأنَّ النارَ مخلوقةٌ الآن، وأنَّ الإيمانَ يزيد بشكرِ نعمةِ العشير فثبت أنَّ الأعمالَ مِن الإيمانِ، ووجه مناسبة هذا الحديثِ للأبواب قبلَه المتعلقُة بالإيمان: أنَّ الكفَر ضدُّ الإيمانِ فالمناسبة بينهما من جهةِ التضادِ.
٢٢ - باب المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ
وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إلا بِالشِّرْكِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ" وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
(باب) ساقطٌ من نسخةٍ.
(المعاصي من أمرِ الجاهلية) مبتدأٌ وخبرٌ، والمعاصي: جمعُ معصيةٍ، وهي ترك واجب، أو فعلُ حرامٍ كبيرةً كانت أو صغيرة، والجاهلية: زمانُ الفترةِ قبلَ الإسلامِ، وسُمي بها لكثرةِ الجهالةِ فيه. (ولا يكفر) بفتح التحتية، وسكون الكافِ، وبضمها وفتح الكاف وتشديد الفاءِ المفتوحة (صاحبها بارتكابها) أي: خلافًا لقولِ الخوارجِ: إنَّه بالكبيرة يكفر، ولقولِ المعتزلةِ: إنَّه بين هاتين منزلتين لا مؤمنٍ ولا كافر، والمرادُ بارتكابها: فعلُها لا اعتقادُ حلِّها، إذ اعتقادُ ما هو معلومٌ مِن الدين بالضرورة كفرٌ، وجملةُ: (ولا يكفر) عطفٌ على الجملةِ قبلها فهي داخلَةٌ في الترجمةِ.
стр. 180
(جاهلية) أي: شيءٌ من أخلاقِ الجاهلية (وقول الله تعالى) في نسخةٍ: "وقال الله" وفي أخرى بدل تعالى: " " في استدلاله بالحديث والآيةِ على شِقَّي الترجمةِ: لفٌّ ونشرٌ مرتبٌ. ووجه الاستدلال بنفي الغفران على الكفرِ: كونُه يستلزمه عندنا.
٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ".
[٢٥٤٥، ٦٠٥٠ - مسلم: ١٦٦١ - فتح: ١/ ٨٤]
(عن واصل الأحدب) هو ابن حيان، بفتح المهملة وتشديد التحتية، وفي نسخة: "عن واصل" بدون ذكر الأحدب، وفي أخرى: "عن واصل هو الأحدب". (عن المعرور) بعين وراءين مهملات، وفي نسخة: "عن المعرور بن سويد". (أبا ذر) اسمه: جندب بضم الجيم والدال المهملة، وحكي فتح الدال ابن جنادة بضم الجيم الغفاري.
(الربذة) بفتح الموحدة، والذال المعجمة: منزل لحاج العراق على ثلاث مراحل من المدينة.
(حُلَّة) بضم المهملة: إزار ورداء ولا يسمَّى حلة حتى يكون ثوبين وسميا بذلك؛ لأنَّ كلًّا منهما يحلُّ على الآخر، فسألته عن ذلك، أي: عن سبب تساويهما في لبس الحلة، وسبب السؤال؛ أن العادة جارية بأن تكون ثيابُ الغلام دون ثياب سيِّدهِ.
(ساببت) بموحدتين أي: شاتمتُ، أو شتمتُ. (رجلًا) هو بلال بن حمامة المؤذن. (فعيرته بأمه) أي: نسبته إلى العار بها، وفي رواية:
стр. 181
فقلت له يا ابن السوداء، وكلٌّ منهما بمعنى: ساببته، فهو تفسير له؛ ولهذا عطف عليه بالفاء التفسيرية، كقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وفي رواية: أنه لما شكاه بلالٌ إلى النبيِّ ﷺ قال له: "شتمت بلالًا وعيرته بسواد أصلًا قال: نعم، قال: "أحسب أنَّهُ بقيَ فيك شيءٌ من كبر الجاهلية" فألقى أبو ذر خدَّه على التراب ثم قال: لا أرفع خدِّي حتى يطأَ عليه بلالٌ بقدمه (١).
(أعيرته بأمه) الهمزة فيه: للإنكار التوبيخي (إخوانكم) أي: في الإسلام، أو من جهة أولاد آدم. (خولكم) بفتح المعجمة والواو: جمع خايل، وقد يطلق الخولُ على الواحد، ومعنى الخول: الحشم (٢)، من التخويل وهو التمليك، وقيل الخول: الخدم، وسمي به؛ لأنهم يتخولون الأمور، أي: يصلحونها، وإخوانكم خوالكم: برفعهما، الأول بأنه خبر مبتدإ محذوف بدليل رواية: هم إخوانكم (٣)، والثاني بأنه نعت لإخوانكم أو خبر مبتدإٍ محذوف، وبنصبهما، الأول بمحذوف أي: احفظوا إخوانكم، والثاني: بأنه نعت له، قيل القصد: الإخبار عن الخول بالأخوة، لا العكس، وأجيب: بأنه عكس للاهتمام بشأن
стр. 182
الإخوان، أو لحصر الخول في الإخوان؛ لأن تقديم الخبر يفيد الحصر أي: ليس إلا إخوانًا.
(جعلهم الله تحت أيديكم) مجاز عن القدرة، أو الملك. أي: وأنتم مالكون لهم، وقادرون عليهم. (فليطعمه) بضم التحتية. (مما يأكل) لم يقل: مما يطعم؛ لدفع توهم أن المراد بالطعم الذوق، وليس مرادًا قطعًا. (وليلبسهم) بضم التحتية. (مما يلبس) بفتحها، والأمر فيه وفيما قبله للاستحباب عند الأكثر. (ولا تكلفوهم) نهي تحريم. (ما يغلبهم) أي: ما تعجز قدرتهم عنه لعظمه، أو صعوبته. (فإن كلفتموهم) أي: ما يغلبهم. (فأعينوهم) أي: بغيرهم.
وفي الحديث: النهيُ عن سبِّ العبيد، ومن في معناهم، وتعييرهم بأصولهم، والحث على الإحسان إليهم، والرفق بهم، وبمن في معناهم: من أجير، وخادم، ودابة. وجواز إطلاق الأخ على الرقيق، والمحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بَابُ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ.
(باب): ساقط من نسخةٍ. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] جمع في اقتتلوا رعاية لآحاد الطائفتين، وثنَّى في بينهما رعاية للفظ الطائفة. (فسماهم مؤمنين) أي: لم يخرج صاحب الكبيرة عن كونه مؤمنًا.
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ
стр. 183
اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ"، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ" [٦٨٧٥، ٧٠٨٣ - مسلم: ٢٨٨٨ - فتح: ١/ ٨٤]
(عبد الرحمن بن المبارك) أي: ابن عبد الله العيشيُّ، بفتح المهملة، وسكون التحتية، وبالشين المعجمة. (حماد بن زيد) أي: ابن درهم الأزديُّ. (ويونس) أي: ابن عبيد بن دينار. (هذا الرجل) هو عليُّ بن أبي طالب، وقيل: عثمان ﵁.
(أبو بكرة) هو نُفَيْعٌ بالتصغير ابن الحارث، (قلت) في نسخةٍ: "فقلت". (أنصر) أي: أريدُ مكانَا أنصرُ فيه هذا الرجلُ. (فالقاتل والمقتول في النار) أي: يستحقانها، فلا يستلزم خلودهما فيها على ما زعمه المعتزلة، بل ولا دخولها لجواز العفو، ثم هذا حيث لا تأويل سائغ فإن كان كما في اجتهاد الصحابة، فلا يستحقانها، إذ القاتل والمقتول منهما إنما ارتكب ذلك عن اجتهاد، المصيبُ له أجران، والمخطئ له أجر.
(فقلت) في نسخة: "قلت". (هذا القاتلُ) أي: هذا حال القاتل في أنه يستحق النار. (فما بال المقتول؟) أي: كيف يستحقها وهو مظلوم؟ (كان حريصًا على قتل صاحبه) فيه: دليل على أنَّ من عزم على معصية بقلبه، ووطَّن نفسه عليها كان آتيًا بمعصيةٍ، فإن فعل ما عزم عليه كانت معصية ثانية، فلا ينافي ذلك خبر: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم" (١) وخبر: "إذا همَّ عبدي بسيئة
стр. 184
فلا تكتبوها عليه" (١)؛ لأن المراد بهما: ما مرَّ بفكره ولم يجزم به.
٢٣ - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ .
(باب: ظلم دون ظلم) دون بمعنى: أدنى أي: بعض الظلم أدنى من بعضٍ منه، أو بمعنى: غير، أي: هو أنواع.
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
[٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧ - مسلم: ١٢٤ - فتح: ١/ ٨٧]
(قال: وحدثني) في نسخة: "قال: ح وحدثني" بزيادة حاء. قال شيخنا حافظ عصره: فإن كانت من المصنف فهي مهملة مأخوذة من التحويل على المختار، وإن كانت من بعض الرواة، فيحتمل أن تكون مهملةً كذلك، وأن تكون معجمة مأخوذة من البخاريِّ لأنها رمزه (٢) أي: قال البخاريُّ: حدثني. (بشر) في نسخة: "بشر بن خالد" أبو محمد العسكريُّ. (محمد) في نسخة: "محمد بن جعفر". (عن سليمان) هو ابن
стр. 185
مهران الأعمش. (عن إبراهيم) هو ابن يزيد بن قيس النخعيُّ. (علقمة) هو: ابن قيس بن عبد الله النخعيُّ.
(لما نزلت) في نسخة: "قال: لما نزلت". (ولم يلبسوا) بكسر الموحدة، ماضيها: لبس، بفتحها، عكس لبس الثوب يلبسه، والمصدر من الأول: لَبس بفتح اللام، ومن الثاني: لُبس بضمها، والمعنى هنا: لم يخلطوا، والمرادُ: لم يرتدوا، أولم ينافقوا بقرينة قوله: (بظلم) بجعل تنوينه للتعظيم وفهمت الصحابة من وقوع النكرة في سياق النفي، أن المراد: الظلم بمعنى: مجاوزة الحد، مما أشار إليه بقوله: (قال أصحاب رسول الله ﷺ : أَيُّنَا لم يظلم) وفي نسخةٍ: "لم يظلم نفسه"، وفي أخرى: "النبيُّ" بدل (رسول الله).
ولما فهمت الصحابة ذلك وشقَّ عليهم بيَّن الله تعالى أن المراد به خاص، وهو الشرك حيث قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وأفاد قوله تعالى في الآية: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] إن من لبس إيمانه بظلم لا يكون آمنًا ولا مهتديًا، وهو ما فهمه الصحابة، لا يقال: إن العاصي قد يعذب فكيف يكون آمنًا مهتديًا؛ لأنَّا نقول: إنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة.
وفي الحديث: أن المعاصى لا تسمَّى شركًا، وأن درجات الظلم تتفاوت، كما ترجم له، وأنَّ العامَّ يطلقُ ويراد بهِ: الخاصَّ، وأنَّ المفسرَّ يقضي على المجمَل، وأنَّ النكرةَ في سياق النفي تعمُّ.
٢٤ - باب عَلامَةِ المُنَافِقِ .
(باب) ساقط من نسخةٍ: (علامة المنافق) في نسخة: "علامات المنافق" بالجمع، والنفاق لغة: مخالفة الظاهر للباطن، فإن كان في
стр. 186
اعتقادِ الإيمان، فهو نفاق الكفر، وإلا فنفاق العمل، وتتفاوت مراتبه، ولفظ: (المنافق) من باب المفاعلة، وأصلها: أن تكون بين اثنين، لكنها من باب خادع، وسافر.
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
[٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥ - مسلم: ٥٩ - فتح: ١/ ٨٩]
(سليمان أبو الربيع) هو ابن داود الزهرانيُّ. (إسماعيل بن جعفر) أي: ابن أبي كثير. (عن أبيه) هو مالك جدُّ إمام الأئمة مالك.
(آية المنافق) أي: علامته، ولذلك قيلَ لآية القرآن: آية؛ لأنها علامة انقطاع كلامٍ عن كلامٍ، وأخبر عن آية بثلاث، وإن لم يتطابقا إفرادًا وجمعًا؛ باعتبار إرادة الجنس أي: أن كلَّ واحدة منها آية، وأن مجموع الثلاثة هو الآية.
(إذا حدَّث ...) إلى آخرِ الخصالِ الثلاثة (١)، كلٌّ منها خبر بعد خبرٍ، أو بدل من ثلاث، والثانية منها أخصُّ من الأولى، ونبَّه بذكر الثلاث على ما عداها؛ لأن الدين منحصرٌ في ثلاث: القول، والنية، والفعل، فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد النية بالخلف، إذ الخلف إنما يقدح إذا كان عازمًا عليه، وعلى فساد الفعل بالخيانة، فلا ينافي في ذلك الحديث الآتي بلفظ: "أربعٌ من كن فيه" حيث ذكر فيه: "وإذا عاهد غدر" وأبدل قوله: "إذا وعد أخلف" بإذا خاصم فَجَرَ، إذ
стр. 187
الغدر خيانة، والفجور لازم لها، ثم هذه الخصال قد توجد في مسلم، فتسمية مرتكبها منافقًا، تشبيه له به، أو المراد بالنفاق فيه: نفاق العمل لا الكفر، أو المراد بالنفاق: من غلبت هذه الخصال عليه، واستخف بها، إذ من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا.
٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.
[٢٤٥٩، ٣١٧٨ - مسلم: ٥٨ - فتح: ١/ ٨٩]
(قبيصة) بفتح القاف، وكسر الموحدة. (ابن عقبة) بضم العين وسكون القاف، وفتح الموحدة: هو ابن محمد أبو عامر.
(سفيان) هو ابن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوريُّ. (عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الرَّاء، الهْمدانيُّ بسكون الميم. (مسروق) هو ابن الأجدع، بالجيم والمهملتين، ابن مالك الهمداني.
(خالصًا) أي: في هذه الخصال فقط، لا في غيرها، أو شديد الشبه بالمنافقين. (خصلة) أي: خلّة، بفتح أولهما. (عاهد) أي: حالف ووافق. (غدر) أي: ترك الوفاء بالعهد. (فجر) أي: مالَ عن الحقِّ، وقال الباطل.
(تابعه) أي: سفيان، والمتابعة هنا مقيدة، حيث قال عن الأعمش وناقصة حيث ذكرها من وسط الإسناد لا مِنْ أولهِ ولما ذكر البخاريُّ كتابَ الإيمان المشتمل على أبواب عقَّبَ ذلك بذكر علاماته فقال:
стр. 188
٢٥ - باب قِيَامُ لَيلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ .
(باب) ساقطٌ في نسخةٍ. (قيام ليلة القدر من الإيمان) مبتدأٌ وخبرُه، سميت ليلةُ القدر، لِما تكتب فيها الملائكةُ مِن الأقدارِ والأرزاقِ والآجال في تلك السنةِ، وقيلِ؛ لعظم قدرِها، أو لأنَّ مَنْ أتى فيها بالطاعةِ قدرًا، ولأنَّ للطاعةِ فيها قدرًا زائدًا على غيرها، قال النوويُّ: واختلف في وقتها، فقيل: تنتقلُ في السنةِ، وبذلك يجمعُ بين الأحاديث الدالةِ على اختلافِ أوقاتِها (١)، وقيل: إنما تنتقلُ في العشرِ الأخير مْنِ رمضانَ، وقيل: في كلِّهِ، وقيل: معينةٌ لا تنتقلُ في السنةِ كلها، وقيل: في رمضانَ، وقيل: في العشر الأوسط والآخر، وقيل: في الآخرِ فقط، وقيل: في أوتارِه، وقيل: في أشفاعِه، وقيل غيرُ ذلك، ومال الشافعيُّ إلى أنها ليلةُ الحاديِّ أو الثالثِ والعشرين، وشذَّ قومٌ فقالوا: رُفعت؛ لقولهِ ﷺ حين تلاحا رجلانِ فيها: "رُفعت". هذا غلط؛ لأنَّه عقَّبه بقوله: "التمسوها في السبع، أو التسع" (٢)، فالمراد برفعها: رفع العلم بها. وأجمعَ من يعتدُّ به على وجودهِا، ودوامِها إلى آخرِ الدهرِ، يراها ويتحققها مَن شاءَه الله تعالى في رمضانَ كلَّ سنةٍ.
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - مسلم: ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩١]
стр. 189
(مَنْ يُقِمْ ليلةَ القدرِ) أي: يطع الله تعالى فيها، قيل: ويكفي في ذلك ما يُسمى قيامًا، حتى أنَّ مَنْ أدَّ العشاءَ فقد قام، لكن الظاهرَ من الحديثِ عُرفًا كما قال الكرمانيُّ: أنَّه لا يقال: قام الليةَ إلَّا إذا قام جميعَها، أو أكثرها (١). ونصب (ليلةَ القدرِ) بأنَّه مفعولُ به، لا فيه، إذ المعنى: مَنْ يُحيي ليلةَ القدرِ، ويجوزُ نصبُه بأنَّه مفعولُ فيه بمعنى: مَنْ يطعِ الله فيها، وإنمَّا عبَّر بالمضارعِ في الشرطِ في قيامِها، وبالماضي في قيام رمضانَ وصيامِه في البابين الآتيين؛ لأنَّ قيام رمضانَ وصيامه متحققانِ، بخلاف قيام ليلة القدر.
(إيمانًا) أي: تصديقًا بأنَّه حقٌّ وطاعةٌ. (واحتسابًا) أي: لوجهه تعالى، لا رياءً، ونصبهما على المفعول له، أو التمييزِ، أو الحالِ بتأويل المصدر باسم المفعولِ. وعليه فهما: حالانِ متداخلانِ، أو مترادفانِ.
(غُفر له ما تقدَّم من ذنبهِ) أي: مِنْ صغائرِ ذنوبِه، كما في نظائِره مِنْ غفرانِ الذنوبِ بقرينة التقييدِ في بعضِ الأحاديثِ بما اجتنبت الكبائرُ، والنكتةُ في وقوعِ الجزاءِ ماضيًا مع أنَّه في المستقبل: أنَّه متيقنُ الوقوعِ فضلًا من الله على عباده.
وفي الحديث: دلالةٌ على جَعْلِ الأعمالِ إيمانًا؛ لأنَّه جعلَ القيامَ مِنْ الإيمانِ. (ومن ذنبهِ) بيانٌ لمِا تقدَّم.
٢٦ - باب الجهَادُ مِنَ الإِيمَانِ .
(باب) ساقطٌ منْ نسخةٍ. (الجَهاد من الإيمان) مبتدأٌ وخبرُ.
стр. 190
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إلا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" [٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٩٢]
(حَرَميُّ بنُ حفص) هو ابن عمرِ العتكي، بفتح المهملة والفوقيةِ، نسبةً إلى العتيك بنِ الأسْدِ. (عبد الواحدِ) هو ابن زياد العبدي، نسبةً إلى عبد القيس المصريِّ. (عمارة) بضمِ المهملةِ ابن القعقاعِ بن شُبْرمةَ الضبيُّ نسبةً إلى بني ضبة. (أبو زرعةَ بن عمرو) أي: ابن جرير البجليُّ، واسمُ أبي زرعةَ: هرمٌ، أو عبدُ الرحمنِ، أو عمرُ، أو عبدُ الله.
(انْتَدَبَ) بنونٍ ساكنةٍ، وفوقيةٍ مفتوحةٍ، ودالٍ مهملةٍ، أي: أجاب لمَّا نُدِبَ، أي: طلب منه. (الله) في نسخةٍ: "الله " (في سبيله) أي: سبيلِ الله، قيل: أو سبيل مَن خَرَجَ. (إلَّا إيمانٌ بي) في نسخةٍ: "إلَّا الإيمانُ بي" وفي (بي) إلتفاتٌ مِنَ الغيبةِ إلى المتكلم. (أو تصديق) في نسخةٍ: "وتصديقٌ" فأو بمعنى: الواو (١)، إذ لا بدَّ من الإيمان بالله، والتصديق برسلِه.
стр. 191
(أن أُرجعَهُ) بفتح الهمزةِ أي: بأن (١)، وأُرجعَه مِن الرجعِ، لا من الرجوعِ، إذ الفعلُ منْ الرجعِ متعدِّ، كما هنا، ومِنَ الرجوع لازمٌ. (نال) أي: أصاب وجاء بلفظِ الماضي، لتحقق وعدِ الله تعالى. (مِنْ أجر) أي: فقط إنْ لم يغنموا. (أو غنيمة) أي: إنْ غنموُا، لا ينافي ذلك اجتماعَ الأمرين بجعلِ القضية مانعة خلو. على أنَّ أبا داودَ عطف على ذلك بالواو، لا بـ (أو).
(أو أدخله الجنة) عُطف على أُرجعه أي: إنَّ المجاهدَ ينال خيرَا بكل حالٍ، لأنَّه إمَّا أنْ يرجعَ سالمًا بأجرٍ، أو بغنيمةٍ، أو بهما، أو يستشهدَ فيدخل الجنة، والمعنى في وعده بدخول الشهيد لها مع أن كل مِن المؤمنين يدخلها: إنَّ دخولَهُ إمَّا عند موته، كما قال تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، أو أنَّ المرادَ: دخولهم مع السابقين والمقرَّبين بلا حساب، ولا مؤاخذةٍ بذنوبٍ، بلْ تكفرها الشهادةُ.
(ولولا) هي الامتناعية (٢) أي: امتنع عدم القعود لوجودِ المشقةِ، وسببُ المشقةِ؛ صعوبةُ تخلفهم بعْدَهم، ولا قدرةَ لهم على المسيرِ معه؛ لضيق حالهم. (خَلْفَ سَرِيَّةٍ) بالنصبِ على الظرفيةِ أي: ما قعدت بعد سرية: وهي القطعة من الجيش أي: لا أتخلَّفُ عنها، بلْ أخرجُ معها بنفسي؛ لعظم أجرها. (ولوددتُ) عطف على ما قعدتُ، فكلٌّ
стр. 192
منهما جوابُ لولا. واللام داخلة على الثاني محذوفة من الأول، وكلٌّ من ذكرها وعدمه جائزٌ، لكن الأكثر ذكرها (١)، أو هي لام قسم محذوف أي: أحببت. (أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ... إلخ) بضم الهمزة في كل ما ذكر من (أقتل وأحيا) في نسخةٍ: "أن أقتل" وفي أخرى: "فاقتل" وختم بالقتل مع أن القرار الحياة؛ لأن المراد: الشهادة، فختم بالحال عليها؛ أو لأن الإحياء للجزاء معلوم، فلا حاجة إلى ودادته، و (ثم): للتراخي في الرتبة أحسن من جعلها على تراخي الزمان؛ لأن المتمني حصول مرتبة بعد مرتبة إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى.
وفي الحديث -كما قال النوويُّ-: فضل الجهاد والشهادة، والحث على حسن النية، وشدة شفقته ﷺ على أمته، واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول الإنسان في الخير: لوددتُ، وتقديم أهم المصلحتين وأن الجهاد فرض كفاية، وتمنِّي الشهادة، وتمنِّي ما لم يمكن في العادة من الخيرات، والسعي في إزالة المكروه، والشفقة على المسلمين (٢).
стр. 193
٢٧ - باب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ .
(باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان) في نسخةٍ: "تطوع شهر رمضان".
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
[انظر: ٣٥ - مسلم: ٧٥٩ و ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩٢]
(إسماعيل) هو ابن أبي أويس الأصبحي. (عن حميد بن عبد الرحمن) أي: ابن عوف.
(من قام) أي: بالطاعة. (رمضان) أي: في لياليه. (من ذنبه) أي: من صغائر ذنوبه، كما مرَّ نظيره.
٢٨ - بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ .
(باب) ساقط من نسخةٍ. (صوم رمضان احتسابًا من الإيمان) مبتدأ وخبرٌ.
٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
[انظر: ٣٥ - مسلم: ٧٥٩ و ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩٢]
(ابن سلام) في نسخةٍ: "محمد بن سلام". (قال: أخبرنا) في نسخةٍ: "قال حدثنا". (محمد بن فضيل) أي: ابن غزوان الضبِّيُّ. (من صام رمضان) أي: فيه بأن صامه كله، أو بعضه عند عجزه، ونيته الصوم لولا العجز. (إيمانًا واحتسابًا ... إلخ) تقدم بيانه.
стр. 194
٢٩ - باب الدِّينُ يُسْرٌ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ".
(باب: الدين يسرٌ) المراد بالدين: دين الإسلام؛ لأنه المتبادر، بـ (يُسْر) ذو يسر ليصح حمله على الدين، أو سمِّي الدين يسرًا مبالغة، كقول بعضهم في النبيِّ ﷺ : إنه الرحمة، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(وقول النبيِّ) بالجر عطف على الجملة قبله، بتقدير إضافة بابٍ إليها، وبالرفع عطفٌ عليها بدون هذا التقدير، أو على بابٍ، وخبره على الرفع محذوفٌ، أي: وارد وثابت.
(أحب الدين) أي: أحب خصاله، وأحبُّ بمعنى محبوب، لا بمعنى محب. (الحنيفية) أي: الملة المائلة عن الباطلِ إلى الحق.
(السمحة) أي: السهلة، والمراد: أنه لا حرج فيها ولا تضييق، بخلاف سائر الأديان، فالمراد بالدين: ملة الإسلام، كما مرت الإشارة إليه، ويحتمل: أن تكون اللام للعهد؛ إشارة إلى ملة إبراهيم، إذ الحنيف عند العرب من كان على ملة إبراهيم؛ لأنه مال عن عبادة الأوثان، وإنما أخبر عن الدين وهو مذكَّرٌ بالحنيفية السمحة وهما مؤنثان لغلبة الاسمية عليهما حتى صارا علمين، أو لأنَّ أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه، ويجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له، فإن قلت أفعل التفضيل يقتضي المشاركة، فيلزم أن يكون كل دينٍ محبوبًا لله تعالى، وليس كذلك.
قلت: المراد بالدين: الطاعة، أو دين الإسلام لكن بتقدير أَحَبُّ
стр. 195
خصال الدين، كما مرَّ.
وخصاله كلها محبوبة لله تعالى، لكن ما كان منها سمحًا سهلًا، فهو أحبُّ إلى الله تعالى.
والتعليق المذكور أسنده ابن أبي شيبة، والبخاريُّ في: "الأدب المفرد" (١)، وإنما علقه هنا؛ لأنه ليس على شرطه.
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ".
[٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥ - مسلم: ٢٨١٦ - فتح: ١/ ٩٣]
(عبد السلام بن مُطَهَّر) هو بضم الميم وفتح الهاء المشددة. ابن حسام الأزديُّ. (عمر بن علي) أي: ابن عطاء، وعمر وإن كان مدلسًا لكن لروايته شواهد تعضدها. (معن بن محمد) بفتح الميم وسكون العين المهملة، واسم جده: معن أيضًا. (عن سعيد بن أبي سعيد) اسم أبي سعيد: كيسان المقبريُّ، بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة بالمدينة، وكان مجاورًا بها.
(يسر) أي: ذو يسر كما مرَّ. (ولن يشاد الدين) أيُّ: "أحد" كما في نسخةٍ أي: يغالب، بمعنى: أن الدين يغلب من غالبه أي لا يتعمق فيه أحد ويترك الرفق إلَّا غلبه، وعجز وانقطع عن عمله كله، أو بعضه. (فسددوا) بالمهملة من السداد: وهو التوسط في العمل. (وقاربوا) أي:
стр. 196
في العبادة، والمعنى: إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل، فاعملوا بما يقرب منه.
(وأبشروا) بقطع الهمزة، وكسر الشين من الإبشار، ويجوز لغة وصل الهمزة وضمُّ الشين من البشر، بمعنى الإبشار أي: أبشروا بالثواب على العمل، وإن قل وترك المبشر به للتنبيه على تعظيمه وتفخيمه. (بالغدوة) بضم الغين، وقيل: بفتحها: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. (والروحة) بفتح الراء: ما بين الزوال وغروب الشمس، وقد يقال لما قبل الزوال أيضًا. (الدُّلْجة) بضم الدال المهملة، وسكون اللام: سير آخر الليل، أو الليل كلّه، أما الدَّلجة بالفتح فسير أول الليل.
واستعار في الحديث الأوقات الثلاثة، لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة؛ لأنها أطيب أوقات المسافر، فكأنه ﷺ خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع. وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنه المداومة من غير مشقة.
٣٠ - باب الصَّلاةُ مِنَ الإِيمَانِ .
وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ.
(باب) ساقط من نسخة. (الصلاة من الإيمان) مبتدأ وخبر. (وقول الله) بالجرِّ والرفع نظير ما مرَّ في الباب قبله. (تعالى) في نسخةٍ: " ". (يعني صلاتكم) بمكة (عند البيت) أي: الحرام، متوجهين إلى بيت المقدس.
стр. 197
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحق، عَنِ البَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الَمدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجدَادِهِ -أَوْ قَالَ: أَخوَالِهِ- مِنَ الأنصَارِ، وَأنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيتِ الَمقدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهرًا -أَوْ سَبعَةَ عَشَرَ شَهرًا- وَكَانَ يُعجِبُهُ أَن تَكونَ قِبلَتُهُ قِبَلَ البَيتِ، وَأنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةِ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ ممَّن صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهلِ مَسجِدٍ وَهُم رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بالله لَقَدْ صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قِبَلَ مَكُّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيتِ، وَكانَتِ اليَهُودُ قَد أَعجبَتهم اِذ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الَمقْدِسِ، وَأَهلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيتِ أَنكَرُوا ذَلِكَ.
قَالَ زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحق، عَنِ الَبرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هذا أنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبلَةِ قَبلَ أَن تُحَوَّلَ رِجَال وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدرِ مَا نَقُولُ فِيهِم، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
[٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢ - مسلم: ٥٢٥ - فتح: ١/ ٩٥]
(زهير) هو ابن معاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدَّال المهملتين الجعفي. (أبو أسحاق) اسمه: عمرو بن عبد الله بن علي الهمداني. (عن البراء) في نسخة: "عن البراء بن عازب".
(أوَّلَ) نصب على الظرفية، لا خبر كان؛ إذ خبرها (نزل) الآتي.
(ما قدم) ما مصدرية. (المدنية) من مدن بالمكان إذا قام به، فجمعها مدائن بالهمز أو من دان أي: أطاع، أو من دين أي: ملك، فجمعها مداين بلا همز، ولها أسماء آخر يثرب، وطيبة، وطابة، والدَّار وطيبة؛ لخلوصها من الشرك؛ أو لطيبها لساكنها.
(أو قال) الشك من أبي إسحق، وكل من الأمرين صحيح، إذ الجدودة هنا من جهة الأم كالخؤلة، وإطلاق الجدّ والخالِ هنا مجاز؛ لأن هاشمًا جدَّ أبي النَّبيِّ ﷺ تزوج من الأنصار. (وأنه صلى)
стр. 198
عطف على أن النبيَّ.
(قبل بيت المقدس) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: جهته، والمقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال مصدر، كالمرجع، أو مكان المقدس وهو الطهر أي: المكان الذي يطهر العابد فيه من الذنوب، أو يطهر العبادة فيه من الأصنام، ويقال: أيضًا بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة ويقال: البيت المقدس على الصفة، والأشهر: بيت المقدس بالإضافة البيانية، كمسجد الجامع.
(أو سبعة عشر شهرًا) الشكُّ منَ البرَّاءِ، وجزَم مسلمٌ وغيرُه بالأوَّلِ (١)، بعد زمني القدوم والتحويل من الشهرين شهرًا، وجزم الطبرانيُّ وغيره بالثاني (٢)، بعد الزمنين شهرين وسمِّي زمن الشهر شهر الشهرية عند النَّاس لمحلِّ الحاجةِ إليه.
(يعجبه) أي: يحبه. (وأنه أوَّل صلاة) عطف على (أن النبيَّ) أيضًا، وفي نسخة: "وأنَّه صلَّى أوَّلَ صلاةٍ" بذكرِ صلَّى، وهو مقدَّرٌ في الأولى، فصلى المذكور، أو المقدر خبر أنَّ، وأوَّل: مفعوله. (صلاة العصر) بالنصب بدلٌ من أول، ومن رفعهما على الابتداء والخبر، كأنه جعل ضمير أنه للشأن والجملة مفسرةٌ له.
(فخرج رجلٌ) هو عباد بفتح العين، هو ابن نهيك بفتح النون وكسر الهاء، وهذا غير عَباد بن بشر الذي أخبر أهل قباء في صلاة
стр. 199
الصبح، كما سيأتي بيانه (على أهل مسجد) هم من بني حارثة، ويعرف المسجد الآن بمسجد القبلتين. (وهم راكعون) أي: في الركوع حقيقة، أو في الصلاة مجازًا، من إطلاق الجزءِ على الكل.
(أشهد بالله) أي: أحلفُ به. (لقد صليت) مقولُ القولِ، فجملة أشهد بالله: اعتراضٌ بين القول ومقوله. (مع رسول الله) في نسخة: "مع النَّبيِّ". (قبل مكّة) أي: قبل البيت الذي بها.
(كما هم) أي: عليه، فما موصولةٌ، وصلتها: جملة هُمْ عليه (١).
(قبل البيت) أي: الحرام. (اليهود) هم قوم مُوسَى ﵊ واشتقاقه: من هاد أي: مال؛ لأنهم مالوا عن دين موسى إلى عبادة العجل، أو من هاد: إذا رجع من خير إلى شرِّ وعكسه؛ لكثرة انتقالاتهم.
(أعجبهم إذ كان يصلِّي) فاعل أعجب يحتمل أن يكون ضمير النَّبيِّ ﷺ وإذ بدل اشتمال منه، وأن يكون إذ يجعلها لمطلق الزمان، أي: زمان كان يصلي لبيت المقدس؛ لأنه كان قبلَتهم، فيعجبهم موافقتها. (وأهل الكتاب) بالرفع عطف على اليهود، وهو من عطف العام على الخاص، فإن أريد بهم النصارى لم يكن العطف من ذلك، وإعجابهم ذلك، ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التبعية لليهود. (أنكروا ذلك) قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢].
(قال زهير) أي: ابن معاوية (أبو إسحق) أي: السبيعيُّ (مات على القبلة) أي: المنسوخة: وهيَ بيت المقدس. (رجال) أي: عشرة، منهم: البراء بن معرور، وأسعد بن زرارة، وعبد الله بن شهاب الزهريُّ.
стр. 200
(وقتلوا) فائدة ذكر قتلهم: بيان كيفية موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، لكن في القتل نظرة لأن تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، حتَّى قال شيخنا (١): ولم أرَ في شيءٍ من الأخبار أن أحدًا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد، ولم يضبط اسمه؛ لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك.
(تعالى) في نسخة: " " (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾) [البقرة: ١٤٣] أبلغ وفيما يضيع لما فيه من نفي إمكان الإضاعة كما أشار إليه الزمخشريُّ (٢).
وفي الحديث كما قال النوويُّ: ندبُ إكرام القادم أقاربه، بالنزول عندهم، والانتقال من حال طاعة إلى أكمل والنُّسخ وأنه لا يثبت في حق أحدٍ حتَّى يبلغه، وجواز الصلاة إلى جهتين كل منهما بدليل حتى لو صلَّى أربعَ ركعات لأربع جهات بالاجتهاد صحَّ (٣).
٣١ - باب حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ .
(باب) ساقط من نسخة. (حسن إسلام المرء) بالجرِّ على إثبات (باب) مضافًا، وبالرفع على إسقاطه مبتدأ خبره محذوف أي: يكفر الله به عنه كلَّ سيئة كان زلفها، أخذًا من حديث الباب.
٤١ - قَالَ مَالِكُ: أَخَبرَني زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخبرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخَبرَهُ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ
стр. 201
يُكَفرُ الله عَنْهُ كُل سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا اِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إلا أَنْ يَتَجَاوَزَ الله عَنْهَا".
[فتح: ١/ ٩٨]
(قال مالك) في نسخةٍ: "وقال مالك" وفي أخرى: "قال: وقال مالك" وبكل تقدير هو تعليق بالجزم فله حكم الصحة على الصحيح.
(يقول) أَتَى به مضارعًا، مع المناسب: أن يأتيَ به ماضيًا موافقة لـ (سمع)؛ لغرض الاستحضار، فهو لحكاية حال ماضيه (فحَسُنَ) عطف على أسلم.
(يكفر) بالرفع جواب (إذا)، قيل: ويجوز جزمه فتكسر الراء حينئذٍ لالتقاء الساكنين. ويردُّ بأن جزم جواب (إذا) إنما يجوز في الضرورة كما صرَّح به ابن هشام. يقول الشاعر:
وَإِذَا تُصْبِكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ ... اسْتَعْنِ مَا أغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى
فقول شيخنا (١): إن (إذا) لا تجزم أي: في النثر (٢).
(زلفها) بالتخفيف والتشديد أي: "أسلفها" كما عبَّر به في نسخةٍ، وفي نسخةٍ: "أزلفها". (وكان بعد ذلك) أي: بعد حسن إسلامه. (القصاص) بالرفع: اسم كان، على أنها ناقصة، أو فاعل على أنها تامة (٣)، وأتى بها ماضيًا، مع أن السياق يقتضي أن يأتيَ بها مضارعًا؛ لتحقق الوقوع، كما في ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] والمعنى: كان بعد
стр. 202
ذلك المجازاة في الدنيا وفي الآخرة.
(الحسنة بعشر أمثالها) جملة مستأنفة. (إلى سبعمائة ضعف) متعلق بمقدر أي: منتهيًا إلى ذلك، فهو حال والضعف: المثل، وظاهر الحديث: أنَّ التضعيف ينتهي إلى سبعمائة وبه أخذ بعضهم، والأوجه: خلافه؛ لنحو ما رواه البخاريُّ في: الرقاق بلفظ: "كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة" (١) وأما قوله تعالى في آية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] فهو وإن احتمل أنه يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء بأن يجعلها سبعمائة، يحتمل أن يضاعف السبعمائة إلى أن يزيد ففضله واسع.
(والسيئة بمثلها) أي: بلا زيادة، وذلك فضل من الله تعالى ومن سعة رحمته، كما قال تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] والجملة: معطوفة على الجملة قبلها. "إلا أن يتجاوز الله عنها" أي: يعفو عنها. وفيه: ردٌّ على من يقطع لأهل الكبائرِ بالنّار [كالمعتزلة] (٢).
٤٢ - حَدَّثَنَا إسحق بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذا أَحْسَنَ أَحَدُكمْ إِسْلامَهُ فَكُل حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا".
[مسلم: ١٢٩ - فتح: ١/ ١٠٠]
(حدَّثنا) في نسخةٍ: "حدثني". (إسحق بن منصور) أي: ابن بهرام بكسر الموحدة على ما قال النوويُّ، والمشهور كما قال الكرمانيُّ
стр. 203
وغيره: فتحها. (قال: حدَّثنا) في نسخةٍ: "أخبرنا". (عبد الرازق) هو ابن همام بن نافع الصنعاني. (عن همَّام) بتشديد الميم وفي نسخةٍ: "همَّام بن منبه".
(أحدكم) الخطاب للحاضرين، والحكم عامٌّ لهم ولغيرهم باتفاق، ويدخل فيه العبيد والنساء، لكن النزاع في كيفية تناولهن، أهي حقيقة عرفية، أو شرعية، أو مجاز؟ (يعملها) تقييد للإطلاق السابق إذ لا بد من العمل في العشر والإضعاف، بخلاف الهمِّ بالحسنة، وأمَّا الهمِّ بالسيئة فلا بد من الجزم أو العمل.
٣٢ - باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى الله أَدْوَمُهُ .
(باب: أحبُّ الدين إلى الله أدومه) في نسخةٍ: "أحبُّ الدين إلى الله -عز جل- أدومه".
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخبرَنِي أَبي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيهَا وَعِندَهَا امرأةٌ قَالَ: "مَنْ هذه؟ ". قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذكُرُ مِن صَلَاتِهَا. قَالَ: "مَهْ، عَلَيكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَل الله حَتَّى تَمَلُّوا". وَكَانَ أَحبَّ الدِّين إلَيهِ مَا دامَ عَلَيهِ صَاحِبُه.
[١١٥١ - مسلم: ٧٨٥ - فتح: ١/ ١٠١]
(عن هشام) هو: ابن عروة. (قال) جواب ما يقالُ فماذا قال وفي نسخةٍ: "فقال".
(فلانةُ) لا ينصرف للتأنيث والعملية؛ لأنه كناية عن كلِّ علمٍ عاقلٍ أنثى (تذكر) بالفوقية، وبالبناء للفاعل، وهو عائشة، وفي نسخةٍ: "يُذكر" بالياء التحتية والبناء للمفعول وهو (من صلاتها) أي: يُذكر كثيرُ من صلاتها فالمدْحُ لها على النسخةِ الأولى: كانِ مِنْ عائشةَ بحضرتِها،
стр. 204
ولعلهَّا أَمَنَتْ عليها الفتنة، فمدحتها في وجهها، وعلى الثانيةِ: من غيرها، وعائشةُ حاكيةٌ له هذا، ولكن رُويَ كانت عندي امرأة، فلما قامتْ، قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ هذه يا عائشةُ؟ " قالتْ: يا رسول الله هذه فلانةُ، وهي: أعبدُ أهلِ المدينةِ، وظاهرُه: أنَّ مدحها كان في غيبتها (مَهْ) بفتحِ الميم، وسكونِ الهاءِ: للزَّجْرِ بمعنى: اكْفُفِ. نهاها لله ﵊ عن مدحِ المرأةِ بما ذُكرت، أو عَنْ تكلفِ عملِ ما لا يُطاق. (عليكم) اسم فعل بمعنى: الزمُوا، عمَّ [الرجال و] (١) المؤنثِ؛ تغليبًا لعمومِ الحكمِ في الأمةِ، وإلَّا فالخطابُ للنساءِ. (من الأعمال) أي: من دوامهِا. إلا يملُّ الله حتى تملوا) بفتح الميم فيها من الملالةِ: وهي السَّامةُ والضجرُ، أو تركُ الشيءِ؛ استثقالًا وكراهةً له بعدَ حرصٍ ومحبةٍ فيه، وهي بالمعنيين محالٌ على الله فيحتاجُ في حقهِ تعالى إلى تأويل. وهو كما قال المحققون: مجازٌ؛ لأنَّه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل ملالًا، عبر عن ذلك بالملال على سبيل المشاكلة، وهو في الحقيقة تسمية للشيء باسم سببه.
(أحب الدين) أي: أحب الطاعة، أو أحب أعمال الدين (إليه) أي: إلى النَّبيِّ ﷺ ، أو إلى الله تعالى كما في رواية (٢)، ولا تنافي بينهما لتلازم حكميهما.
وفي الحديث -كما قال النوويُّ-: تسمية الأعمال دينًا، واستعمال المجاز في إطلاق الملل على الله تعالى، وجواز الحلف بلا
стр. 205
استحلاف تفخيمًا للأمر، أو الحث على الطاعة، أو التغير من محذور وقصد المداومة حيث لا مشقة فيه؛ لما فيه من النشاط، فإن مع المشقة قد يترك الكلُّ، أو البعض.
٣٣ - باب زِيادةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ .
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
(باب: زيادة الإيمان ونقصانه) بإضافة باب. (وقول الله) مع اللذين بعده عطف على زيادة الإيمان. (تعالى) في نسخةٍ: " ".
والهدى: دلالة موصلة للبغية، وقيلَ: الدلالة مطلقة، وقوله: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) [المائدة: ٣] دليل على نقص الإيمان؛ لأن ما قبل أحد الضدين قبل الضد الآخر، وإنما لم يقل فيه وقوله، كما في الآية الأولى الدالة على السيادة لصراحة تلك في الزيادة وهذه ليست صريحة في النقصان، ثم النقصان فيهما إنما هو بالنسبة إلى ما تجدد من الحج ونحوه، حتَّى أن من مات قبل نزوله فإيمانه ناقص بالنسبة إليه، وإلا فإيمانه، كغيره كامل في نفسه، فسقط ما قيل: إن الآية تقتضي أن الدين كان ناقصًا قبلُ، وإن من مات من الصحابة كان ناقص الإيمان.
٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادةُ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وزنُ شَعِيرَةٍ مِن خَيرٍ، وَيَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لَا إلله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وَزنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيرٍ، ويخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لَا إله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وزنُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ". قَالَ أَبُو عَبدِ الله: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادةُ، حَدَّثَنَا أَنَس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "من
стр. 206
إِيمَانِ". مَكانَ: "مِنْ خَيرِ".
[٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١/ ١٠٣]
(مسلم بن إبراهيم) كنيته: أبو عمرو البصريُّ الأزديُّ. (هشام) هو ابن عبد الله سندر الربعيُّ، نسبةً إلا ربيعةَ.
(يخرج) بالبناء للفاعل من الخروج، وفي نسخة: "يخرج" بالبناء للمفعول من الإخراج. (من قال) أي: بقلبه ولسانه. (لا إله إلا الله) أي: مع قوله: محمد رسول الله بجعل الجزء الأول علمًا على المجموع كـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] علم على السورة كلها، أو كان هذا قبل مشروعية ضم الثاني إليه.
(من خير) أي: إيمان، كما في الرواية الأخرى، والمراد بهما: الإيمان بجميع ما جاء به النبيُّ ﷺ ، والتنكير فيهما للتقليل المرغب في تحصيله؛ لأنه إذا حصل الخروج بأقلِّ ما ينطلق عليه اسم الإيمان، فالبكثير منه أحرى، وفي ذلك استعارة بالكناية، حيث شبه الإيمان وهو معنى بالجسم، ثم أضيف إليه ما هو من لوازم الجسم وهو الوزن. (برة) بضم الباء وتشديد الراء أي: قمحة.
(ذرة) بفتح المعجمة وتشديد الراء: أصغر النمل، أو الهباء، الذي يظهر في عين الشمس كرءوس الإبر، أو الساقط من الكفِّ بعد وضعها في التراب ونفضها، وقدَّم الشعيرَ على البُرَّةِ؛ لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأخَّر الذرةَ لصغرِها، فهو من باب الترقي في الحكم، وإن كان من باب التنزل في الصورة.
وفي الحديثِ: الدلالةُ على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وأن الكبيرة لا يكفر مرتكبها ولا يخلد في النار، وفي نسخة: بدل (ذَرَّة) "ذُرَةٌ" بضم المعجمة وتخفيف
стр. 207
الراء.
(قال أبو عبد الله) هو البخاريُّ، وهذا ساقط من نسخة. (قال أبان) في نسخةٍ: "وقال أبان" وهو بفتح الهمزة، وتخفيف الموحدة، بالصرف على أن الهمزة أصلية، فوزنه: فَعَال، وبالمنع على أنها زائدة، فوزنه: أفعل، وأبوه: يزيد العطار البصريُّ، وهذا من تعليقات البخاريّ، نبه به على تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس؛ لأن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته، إلا إذا ثبت سماعه للذي عنعن فيه، وعلي تفسير المتن بقوله: (من إيمان) بدل قوله: (من خير).
٤٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» [٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨ - مسلم: ٣٠١٧ - فتح: ١/ ١٠٥]
(الحسن بن الصَّبَّاح) في نسخةٍ: "الحسن بن البزار" بزايٍ ثم راءٍ، وجدُّ الحسن: محمد الواسطيّ. (جعفر بن عون) أي: ابن جعفر المخزوميَّ. (أبو العميس) بالتصغير: الهذليُّ. (قيس بن مسلم) كنيته: أبو عمرو الكوفي [العابد] (١). (عن طارق بن شهاب) كنيته: أبو عبد الله بن شهاب بن عبد شمس البجيليُّ الصحابيُّ.
(أنَّ رجلًا) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم. (آية) مبتدأ سوغ
стр. 208
الابتداء به وصفُه ما بعده، أو بالتعظيم المستفاد من التنوين: أي: آية عظيمة، والخبر: (لو علينا) أي: لو نزلت علينا، أو محذوف مقدم على المبتدأ؛ أي: في كتابكم آية، وعليه: (لو علينا) صفة ثالثة لـ (آية).
(معشر اليهود) بالنصب على الاختصاص، بأعني، أو نحوه، والمعشر: الجماعة شأنهم واحد. (لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا) أي: لعظمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من كمال الدين. (أي آيةٍ) أي: هي، فالخبر محذوف، ولم يقل: ما تلك الآية؟ لأن السؤال بأي عن تعيين المشارك، والمطلوب تعيين تلك الآية، وما: يسأل بها عن الحقيقة وليس مرادةً هنا. (قال) أي: الرجل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: بالنصر والإظهار على الأديان، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرائع. ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] أي: بالهداية، والتوفيق، أو بإكمال الدين، أو بفتح مكّة، وهدم منار الجاهلية.
(قال عمر) في نسخةٍ: "فقال" (نزلت فيه) في نسخةٍ: "أنزلتْ فيه". (على النَّبيِّ) في نسخةٍ: "على رسول الله". (بعرفة) بمنع الصرف للعلمية والتأنيث. (يوم جمعة) في نسخةٍ: "يوم الجمعة".
٣٤ - بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
(باب: الزكاة من الإسلام) في باب: ما مرَّ في نظائره (وقوله) بالجرّ والرفعِ، وفي نسخةٍ: "وقوله "وفي أخرى: "وقوله سبحانه"، وكل ذلك ساقط من نسخة. (ويقيموا) إلخ عطف على (يعبدوا) من
стр. 209
عطف الخاصِّ على العام. (القيمة) أي: المستقيمة. وفي نسخةٍ: "وقوله تعالى". ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ [البينة: ٥] الآية.
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَويُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ".
[١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦ - مسلم: ١١ - فتح: ٦/ ١٠١]
(إسماعيل) أي: ابن أبي أويس الأصبحي. (قال: حدثني) في نسخةٍ: "قال: حدثنا". (أبي سهيل) اسمه: نافع المدني. (عن أبيه) هو مالك بن أبي عامرٍ. (طلحة بن عبيد الله) أي: ابن عثمان القرشي.
(جاء رجلٌ) هو ضِمَام بن ثعلبة، أو غيره. (من أهل نجد) هو بفتح النون وسكون الجيم: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق. (ثائرا الرأس) بالمثلثة أي: متفرق شعر رأسه؛ من عدم الرفاهية وهو بالرفع: صفة لرجل، أو بالنصب: حال ولا تضرُّ إضافته؛ لأنها لفظيةٌ، وإسناده للرأس لإطلاقه على الشعر؛ لأنه أصله، كإطلاق السماءِ على المطر، أو للمبالغة بجعل الرأس كأنها المتفرقة، أو على حذف مضاف؛ أي: شعر الرأس.
(نسمع) بفتح نونه، ونون (نفقه) ويروى: بضم التحتية فيهما بالبناءِ للمفعول. (دويُّ صوته) بفتح الدال، وكسر الواو، وشدة الياء،
стр. 210
وحكي: ضم الدال وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه أي: شديد، لا يفهم منه شيءٌ، كدويِّ النحل.
(حتى دنا) أي: لم نفقه قوله إلى أن قَرُبَ منا، ففقهناه أي: فهمناه. (عن الإسلام) أي: عن فرائضه بعد التوحيد وتصديق النَّبيِّ ﷺ ، ولذلك لم يذكر له الشهادتين؛ لعلمه ﷺ أنه لا يسأل عنهما، ويحتمل: أنه ذكرهما ولم يسمع طلحة، أو لم يقل ذلك لشهرته.
(إلا أن تطَّوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله: تتطوع بتاءين فأدغمت إحداهما بعد قلبها طاءً في الطاءِ، ويجوز تخفيف الطاء على حذفِ إحدى التاءين. والاستثناء منقطع أي: لكن التطوع خير لك، ولا يجب إتمامه بالشروع فيه، صومًا كان، أو غيره، أمَّا الصوم: فلخبر النَّسائيّ وغيره: أن النبيَّ ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وأما غيره فبالقياس عليه، وقال بعض العلماء: إنه متصل، فيجب عنده إتمام التطوع بالشروع فيه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبالقياس على الحجّ، ويجاب عنه: بأن النهيَ في الآية للتنزيه بقرينة الحديث السابق، والقياس على الحجّ مردودة لامتيازه عن غيره بوجوب المضيّ في فاسده فكيف في صحيحه؟
(قال رسول الله) في نسخة: "فقال رسول الله". (وصيام رمضان) بالرفع عطف على (خمس صلوات) وفي نسخةٍ: "وصوم رمضان". (قال) أي: طلحة. (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة) هذا مقول طلحة، وكان نَسِيَ ما نصَّ عليه النبيُّ ﷺ ، أو التبس عليه فقال ذلك، وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة، فإذا التبس عليه يشير في لفظه، إلى ما ينبيءُ عنه، كما فعل الرواي هنا.
(أفلح) أي: فازَ وظفَر، وفلاحُه راجعٌ إلى عدمِ النقصِ، مطلقًا،
стр. 211
وإلى عدمِ الزيادةِ التي لمْ تُشرع، وإنَّما لم يذكر الحجَّ؛ لأنَّه لم يكن فُرِضَ، أو أن الرجل سأل عنْ حالهِ وهو ممن لا يجبُ عليه الحجُّ، أو أنَّ الرواةَ تفاوتوا حفظًا، إذ بعضهم لم يذكر الصومَ، [وبعضهم الزكاة] (١) وبعضُهم ذكر صلةَ الرحم، وبعضُهم أداءَ الخمسِ، وبالجملةِ فالزيادةُ يُعْمل بها، إلا إِن تغير إعراب الباقي فيقعُ التعارض، كما هو مقررٌ في محلّه.
وفي الحديث: أنَّ السفرَ لطلبِ العلمِ مطلوبٌ، وجوازُ الحلفِ من غير استحلافٍ، ولا ضرورةَ، وأنَّه لا يجبُ صومُ غيرِ رمضانَ، وأنَه لا يجبُ في المال غيرُ الزكاةِ.
٣٥ - بَابٌ: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
(باب: اتباع الجنائز من الإيمان) في باب: ما مرَّ في نظائرهِ، واتباع: بتشديد التاءِ، والجنائز: جمعُ جنازةِ بفتحِ الجيمِ، وكسرها: الميتُ، وقيل بالفتحِ: للميت، وبالكسر: للنعشِ وعليه الميت.
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ" تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
[١٣٢٣، ١٣٢٤، ١٣٢٥ - مسلم: ٩٤٥ - فتح: ١/ ١٠٨]
стр. 212
(أحمد بن عبد الله بن عليّ المنجوفي) نسبة إلى جَدِّ أبيه منجوف: بفتح الميم، وسكون النونِ، وضمِّ الجيم، وفي آخرهِ فاءٌ، ومعناه: الموسع. (عَوْفٌ) هو ابن أبي جميله بندويه: بفتح الموحدة، وبالنون الساكنة، والدال المهملة المضمومة العبديُّ. (الحسن) أي: البصريُّ. (ومحمد) أي: ابن سيرين.
(من اتبع) بتشديد التاء، وفي نسخةٍ: "من تبع"، والمرادُ من اتباعِ الجنازةِ: المشيُ أمامِها للاتَّباعِ؛ ولأن مشيعَها شفيعٌ والشفيعُ: إنَّما يكونُ أمامَ المشفوع له، وقيل: المراد باتباعِهَا: المشيُ وراءِها، وقيلَ: الأمرانِ سواءُ.
(معه) أي: مع المسلمِ، وفي نسخةٍ: "معها" أي: مع الجنازةِ.
(حتَّى يُصَلَّى عليها، ويفرغ من دفنها) ببنائهِما للفاعلِ، ويجوز بناؤهما للمفعول. (فإنّه يرجع من الإجر بقيراطين ... إلخ) أفاد الحديثُ: أنَّ حصولَ القيراطينِ للتابع مقيدٌ بأن يصلِّي هو عليها، ويتبعها إلى أن يفرغَ من دفنِها، فهو مقيدٌ لبعضِ الأحاديث المطلقةِ، والحاصلُ: أن الصلاةَ يحصل بها قيراطٌ إذا انفردتْ، وبها مع الاتباعِ إلى تمام الدفنِ قيراطان.
وأما خبرُ: "من صلَّى على جنازة فله قيراطُ، ومن تبعها حتَّى تُدفنُ فله قيراطانِ" (١) فمعناه: فله تمامُ قيراطيِن بالمجموعِ، لكن قد يُقال: يُعارضُ ذلك خبرُ الطبرانيِّ أي: "من تبع جنازةَ حتَّى يقضى دفنها كتب له ثلاثةُ قراريطَ" (٢) وخبُر السنن الصَّحاحِ المأثورة: "من أوذن بجنازة
стр. 213
فأتى أهلَها فعزَّاهم كتبَ الله له قيراطًا، فإن تبعَها كتب الله له قيراطين فإن صَلَّى عليها كتب الله له ثلاثةَ قراريطَ، فإن شَهِدَ دفنَها كتب الله له أربعةَ قراريطَ" (١)، ويجُاب بأنَّ خبَر صحيحِ البخاريِّ لا يقاومه غيره، فعلم أنَّ القيراطين لا يحصلان لمن صلَّى ولم يتبع، ولا لمن صلَّى وذهب إلى القبر وجلس حتَّى جاءت، [وحضر الدفن، أو حضر الدفن] (٢) ولا لمن حضر الدفن ولم يصلِّ، أو تبعها [ولم يصل] (٣).
والقيراط لغة: نصف دانق، وأصله: قرَّاط، بتشديد الرَّاءِ، بدليلِ جمعهِ على قراريط، فأبدل من أحد حرفيِّ تضعيفه ياءً، كما في دينار، والمراد من القيراطِ هنا: الحصة من جنسِ الأجرِ، فلفظ: القيراطين مبهم، من جهتي الجنس والمقدار، فبين الأولى بقوله: من الأجر، والثانية بقوله: مثل أحد.
و (أُحُد) بضمتين، جبل بالمدينة، سُمِّيَ به؛ لتوحُّدِهِ وانقطاعه عن جبالٍ أخرى (٤)، وقد بسطت الكلام على الحديث بعض البسط في "شرط الأعلام".
(تابعه) في نسخةٍ: "قال أبو عبد الله: تابعه" أي: تابع روحًا. (عثمان) هو ابن الهيثم. (المؤذن) أي: بجامع البصرة. (نحوه) بالنصب أي: بمعنى ما مرَّ لا بلفظه.
وفي الحديث: الحثُّ على صلاةِ الجنازةِ واتباعها وحضورِ دفنِها والاجتماعِ لها.
стр. 214
٣٦ - بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
[فتح: ١/ ١٠٩]
(باب: خوفُ المؤمنِ منْ أَنْ يحبطَ عملُه) لفظُ: (من) ساقطٌ منْ نسخةٍ، و (يحبطُ عملهُ) بفتحِ الموحدةِ بالبناءِ للفاعلِ، والمرادُ: إحباطُ ثوابِ عملهِ بكفرٍ لا بمطلقِ المعصيةِ، إذ ذاكَ قولُ المعتزلةِ. (وهوَ لا يشعرُ) حال.
(إبراهيمُ) هو ابن يزيد بنِ شريكِ التَّيميُّ أي: تَيْمُ الرباب بفتح الرَّاءِ. (مكذبًا) بكسر المعجمة أي: مكذبًا لعملي بقولي الذي أعظ به، وبفتحها [أي] (١): يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي، أو ما قاله إبراهيم مع ما بعدَهُ تعليق من البخاريِّ.
(ابن أبي مليكة) اسمه: عبدُ الله ابن عبيدِ الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة بالتصغير: زهير. (من أصحاب النَّبيِّ) في نسخةٍ: "من أصحابِ رسول الله". (يخافُ) أي: يخشى. (النفاق) أي: في
стр. 215
الأعمالِ، إذ قد يعرضُ للمؤمن في عملهِ ما يشعر به مما يخالفُ الإخلاصَ، ولا يلزمُ منْ خوفِ المذكورينَ ذلك وقوعه منهم ﵃، وإنَّما خافوُا على سبيل المبالغةِ في الورعِ والتقوى، أو خافُوه لما رأوا من تغيير النَّاسِ بما يعهدُوه، مع عجزهِم عنْ إنكاره، فخافوُا أن يكونوا داهنوا بالسكوتِ.
(ما منهم من أحدٍ يقولُ: إنه على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ) أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لإنهما معصومانِ. (ويُذكر) بالبناء للمفعول، وإنما لم يذكره بصيغة الجزم، كالذين من قبله؛ لأنه لم يثبت عنده ثبوتهما.
(عن الحسن) أي: البصريِّ، وفي نسخة: زيادة "أنه قال".
(ما خافه) في نسخة: "وما خافه" وضمير خافه وأمنه؛ للنفاق، وقيل لله تعالى. (ما يحذر) بالبناء للمفعول؛ عطفٌ على خوف، في الترجمة قال البرماوي: ويحتمل عطف على ما يقول ببنائه للفاعل، و (ما) على الثاني: نافية، وعلي الأوَّلِ: مصدرية، وما بين المتعاطفين فيه اعتراض وفصل به بينهما لتعلقهِ بأوَّلهما فقط.
(على التقاتل) وفي نسخةٍ: "على النفاق". (لقول الله تعالى) في نسخةٍ: "لقولِ الله "وفي أخرى: "لقوله ". (وهم يعلمون) حال من فاعل يصرُّوا أي: لم يصرُّوا على قبيح فعلهم عالمين به.
٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"
[٦٠٤٤، ٧٠٧٦ - مسلم ٦٤ - فتح: ١/ ١١٠]
(محمد بن عرعرة) بعينين وراءين مهملاتٍ؛ أي: ابن البرند