← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18106

منحة الباري بشرح صحيح البخاري

زكريا الأنصاري

Полный текст (6 339 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

تلك الفطرة، أو من شأنها أن لا تبدل، أو الخبر بمعنى: النهي. (﴿ذَلِكَ﴾) إشارة إلا الدين المأمور بإقامة الوجه إليه، في قوله: (﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾). (﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾) أي: المستوي الذي لا عوج فيه. ٨٠ - بَابُ إِذَا قَال المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ (باب: إذا قال المشرك عند الموت) أي: قبل، النزع (لا إله إلا الله) ينفعه إن قرنه بقوله: (محمد رسول الله). ١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: "يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ " فَقَال أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالةِ حَتَّى قَال أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ. [٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١ - مسلم: ٢٤ - فتح: ٣/ ٢٢٢] (إسحق) أي: ابن راهويه، أو ابن منصور. (حدثني أبي) أي: إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. (عن صالح) أي: ابن كيسان. (حضرت أبا طالب الوفاة) أي: علامتها قبل النزع، وإلا لما كان ينفعه الإيمان لو آمن، قال شيخنا: ويحتمل أنه انتهى إلى النزع، لكن رجاه النبي ﷺ أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو بتلك الحالة أن ذلك ينفعه

стр. 1717

بخصوصه، كما خص مع امتناعه بتخفيف العذاب عنه: بشفاعته ﷺ (١) واسم أبي طالب: عبد مناف، وقيل: عمران، وقيل: اسمه كنيته. (فوجد عنده أبا جهل إلخ) أبو جهل مات كافرًا، وعبد الله أسلم عام الفتح، واسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، ويكنى أيضًا: بأبي الحكم. (يا عم) في نسخة: "أي عم". (كلمة) بالنصب على البدل، أو الاختصاص. (أشهد) بالرفع صفة لـ (كلمة) ويجوز الجزمُ؛ جوابًا للأمر في (قل: لا إلله إلا الله) ويؤخذُ من قوله: (قل: لا إله إلا الله إلى آخره) مطابقة الحديث للترجمة من حيث الغرض، وإلا من حيث اللفظ لا مطابقة بينهما. (أترغب) بهمزة الإنكار، أي: أتعرض. (يعرضها) بفتح الياء، وكسر الراء: آخر ما كلمهم، بنصبه علي الظرفية، أي: في آخر أزمنة تكليمه إياهم. (هو على ملة عبد المطلب) مقول (قال أبو طالب) وأراد بـ (هو): نفسه، أو غيَّره الراوي؛ لقبحه، وهو من التصرف الحسن. (أما) بتخفيف الميم، والألف بعدها حرف تنبيه بمعنى: حقًّا، وفي نسخة: "أم" بلا ألف. (لأستغفرن لك) أي: كما استغفر إبراهيم لأبيه". (ما لم أنه عنك) أي: عن استغفاري لك، وفي نسخة: "ما لم أنه عنه" أي: عن الاستغفار. (فأنزل الله تعالى فيه) أي: في أبي طالب. ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] خبر بمعنى: النهي، وفي نسخة: "فأنزل الله تعالى فيه".

стр. 1718

٨١ - بَابُ الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ: "أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ" وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄، فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَال: "انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ" وَقَال خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: "رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوزَهُ" وَقَال عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَال: "إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ" وَقَال نَافِعٌ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ". (باب: الجريد على القبر) أي: غرزه عليه، وفي نسخة: "الجريدة" وهي واحدة الجريد، وهو ما جرد عنه الخوص، فإن لم يجرد عنه، سمي سعفًا، قاله الجوهري. (بريدة) بالتصغير، هو: ابن الحصيب، بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين. (في قبره) في نسخة: "على قبرد" وظاهر الأولى: أن بريدة أوصى بجعل الجريدتين داخل قبره، وظاهر الثانية: أنه أوصى بجعلهما على ظاهره، والظاهر: الثانية، وحمل الأولى على الثانية، وإن كان كل من الأمرين صحيحًا، والحكمة في ذلك: التفاؤل ببركة النخلة؛ لقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. (جريدان) في نسخة: "جريدتان" بتاء بعد الدال. (فسطاطًا) بتثليث الفاء، وبطاءين مهملتين، وبإبدالهما بتائين، أي: فوقيتين، وبإبدال الأولى فوقية، ثم إبدالها بسين، وإدغام ما قبلها فيها،

стр. 1719

أي: خباء من شعر ونحوه، وأصله: عمود الخباء الّذي يقوم عليه. (على قبر عبد الرّحمن) أي: ابن أبي بكر الصديق. (شبان) بفتح المعجمة، وتشديد الموحدة: جمع شباب. (في زمن عثمان) أي: ابن عفان. (وثبة) بمثلثة، أي: طفرة. (الّذي يثبُ قبر عثمان بن مظعون) بإعجام الظاء، وإهمال العين. (حتّى يجاوزه) أي: من علوه، وفي ذلك، كما قال شيخنا: جواز تعلية القبر ورفعه عن وجه الأرض، قال: ومناسبته للترجمة من جهة أن وضع الجريد على القبر، يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض (١). (قال) أي: يزيد (إنّما كره ذلك) أي: الجلوس على القبر. (لمن أحدث عليه) أي: فعل عليه ما لا يليق من الفحش، أو تغوط، أو بال عليه؛ لتأذى الميِّت بذلك، والتقيد بذلك كما قال ابن بطّال بعيد؛ لأن ذلك أقبح من أن يكره، وإنّما يكره الجلوس المتعارف، وهو ما عليه الجمهور، ويدلُّ له خبر الإمام أحمد "لا تقعدوا على القبور" (٢) نعم هو

стр. 1720

قريب، إن أريد كراهة التّحريم، وكان ابن عمر ﵄ (يجلس على القبور) هذا وما قبله لا يناسبان الترجمة، حتّى قيل: كأن بعض الرواة كتبهما في غير موضعهما، إذ الظّاهر أنهما من الباب الآتي. ١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَال: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَال: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣/ ٢٢٢] (يحيى) أي: ابن موسى، وقيل: ابن جعفر البَّيْكَندي، وقيل: ابن يحيى. (أبو معاوية) هو محمّد بن خازن، بخاء وزاي معجمتين. (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن مجاهد) أي: ابن جبر. (عن طاوس) أي: ابن كيسان. (عن النَّبيّ ﷺ أنه مرَّ) في نسخة: "قال: مر النَّبيّ ﷺ . (بقبرين) أي: بصاحبيهما. (وما يعذبان في كبير إلى آخره) مرَّ شرحه في كتاب: الوضوء (١).

стр. 1721

٨٢ - بَابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧] الأَجْدَاثُ: القُبُورُ، ﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي: أَيْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلاهُ، الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ وَقَرَأَ الأَعْمَشُ: (إِلَى نَصْبٍ): إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ " وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ ﴿يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]: مِنَ القُبُورِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]: يَخْرُجُونَ". (باب: موعظة المحدِّث عند القبر وقعود أصحابه حوله) الموعظة مصدر ميمي، يقال: وعظ موعظة، وعظة ووعظاء: وهو النصح والإنذار بالعواقب، و (المحدِّث) بفتح الحاء، وتشديد الدال: الواعظ، وفائدة قعود أصحابه حوله: سماع الموعظة، والتذكير بالموت، وأحوال الآخرة، وهذا مع ما انضم إليه من مشاهدة القبور، وتذكر أصحابها، وما كانوا عليه، وما صاروا إليه من أنفع الأشياء؛ لجلاء القلوب. وينفع الميِّت أيضًا؛ لما فيه من نزول الرّحمة عند قراءة القرآن والذكر، ثمّ استطرد البخاريّ بذكر تفسير بعض ألفاظ من القرآن على عادته مناسبة لما ترجم له؛ تكبيرًا للفائدة فقال في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧]، معنى (الأجداث: القبور) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]، معنى: (﴿بُعْثِرَتْ﴾: أثيرت) بمثلثة، ومن الإثارة من قول جمهور أهل اللُّغة (بعثرت حوضي، أي: جعلت أسفله أعلاه)، وقيل: معناه حُركت فخرج ما فيه من الأموات وقيل: نحيتُ.

стр. 1722

وفي قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، بالإيفاض الّذي هو مصدر أوفض يوفض إيفاضًا معناه: الإسراع، فمعنى ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون، وقرأ الأعمش وفاقًا للقراء إلا ابن عامر وحفصًا (﴿إِلَى نُصُبٍ﴾) بفتح النون، وسكون الصاد، وفي نسخةٍ: بضم النون، وسكون الصاد، وزاد في أخرى: "يوفضون" ثمّ فسر (﴿إِلَى نُصُبٍ﴾) بقوله: (إلى شيء منصوب يستبقون إليه)، أي: إلى علم نصبوه؛ ليعبدوه حال كون كلٍ منهم طالبًا أن يسلمه أولًا، والنصب بضم النون وسكون الصاد، وفي نسخةٍ: بضمها، وهو قراءة ابن عامر وحفص. (واحد) أي: مفرد، كما يكون جمعًا، وإن كان الوزن واحدًا، كما في قفل، و (النصب) بالفتح فالسكون مصدر، يقال: نصبت الشيء نصبًا أقمته، وقال في قوله تعالى: ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ معناه: يوم الخروج (من قبورهم)، وفي قوله تعالى: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، في قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، معناه: (يخرجون)، أي: بسرعة. ١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَال: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَال: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً" فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، قَال: "أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] الآيَةَ. [٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩،

стр. 1723

٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢ - مسلم: ٢٦٧٤ - فتح: ٣/ ٢٢٥] (حَدَّثَنَا) في نسخة: "حدثني". (عثمان) أي: ابن محمّد بن أبي شيبة. (حدثني) في نسخةٍ: "حَدَّثَنَا". (جرير) أي: ابن عبد الحميد الضبي. (عن منصور) أي: ابن المعتمر (عن أبي عبد الرّحمن) هو عبد الله بن حبيب. (بقيع) بفتح الموحدة (الغرقد) بفتح المعجمة، وسكون الراء: ما عظم من شجر العوسج كان في البقيع، وهو مدفن أهل المدينة. (مخصرة) بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وبالصاد المهملة: ما يتوكأ عليه، كالعصى، وسميت بذلك؛ لأنها تحمل تحت الخصر غالبًا؛ للاتكاء عليها. (فنكس) بتخفيف الكاف، وتشديدها، أي: خفض رأسه وطأطأه إلى الأرض على هيئة المهموم المفكر. (ينكت) بمثناة فوقية. (بمخصرته) أي: يضرب بها في الأرض، فيؤثر فيها. (ما منكم من أحدٍ، ما من نفس منفوسة) أي: مخلوقة، والثّاني بدل من الأوّل، أو عطف بيان له. (إلا كتب) بالبناء للمفعول. (مكانها) بالرفع [نائب الفاعل. (من الجنَّة والنار) من بيانية، والواو بمعنى: أو وهي للتنويع (وإلَّا) في نسخة: "إلا"] (١) بحذف الواو. (قد كتبت شقية، أو سعيدة) بنَصبهما على الحال، وبرفعهما على الخبرية بمبتدإٍ محذوف. (وإلا) عطف على (إلا) الأولى. فتكون مع الّتي قبلها من باب اللف والنشر المرتب، بأن تكون (إلا) الأولى راجعة إلى (ما من أحد) والثّانية: إلى (ما من نفس) وإنّما قدم الجنَّة على النّار في الأولى، وأخر السعيد عن الشقي في الثّانية، مع أن مناسبة التركيب تقديم السعيد

стр. 1724

في الثّانية؛ لأنه قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه متفقين معنًى فيما يخص المؤمنين. (فقال رجل) هو علي كما ذكره البخاريّ في التفسير، أو سراقة بن مالك، كما في مسلم (١)، أو عمر، كما في التّرمذيّ (٢). (نتكل) أي: نعتمد. (على كتابنا) ما كتب علينا وقدر. (فقال: أما أهل الشقاوة إلى آخره) حاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا، فلا فائدة في العمل، وحاصل الجواب: لأن مشقة، لأن كلّ أحدٍ ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسره الله عليه. قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، فإنّه منعهم من الاتكال، وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، أي: إياكم والتصرف في الأمور الإلهية، فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا لدخول الجنَّة والنار، بل إنهما علامات لهما فقط ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية [الليل: ٥]، أي: فأمَّا من أعطى الطّاعة، واتقى المعصية، وصدق بالكلمة الحسني، وهي ما دلت على حق، ككلمة التّوحيد، فسنهيئه للخلة الّتي تؤدي إلى يسر وراحة، كدخول الجنَّة، وأما من بخل بما أمر به، واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى، فسنهيئه للخلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النّار، وزاد في نسخةٍ بعد واتقى: "وصدق بالحسني".

стр. 1725

٨٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ (باب: ما جاء في قاتل النفس) أي: ما جاء في قاتل نفسه من الأحاديث. ١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَال، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ". [٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢ - مسلم: ١١٠ - فتح: ٣/ ٢٢٦] (خالد) أي: الحذاء (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد. (بملة) بالتنوين (غير الإسلام) أي: كاليهودية والنصرانية، كان قال: وحق اليهودية ما فعلت كذا، أو إن فعلت كذا فأنا يهودي كاذبًا، أي: في المحلوف عليه. (فهو كما قال) أي: يكون على غير ملة الإسلام، ومحله: إذا قصد تعظيم المحلوف عليه، وعليه يحمل خبر الحاكم: "من حلف بغير الله كفر" (١) وإلا بأن قصد البعد عن المحلوف عليه، أو أطلق لم يخرج عن ملة الإسلام، فيكون ما ذكر؛ تغليظًا على من يتلفظ به، فهو مكروه، وقيل حرام، ولا ينعقد به يمين، لكن يندب له، بل يلزمه على القول بأنه حرام أن يقول: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، وتقييده كاذبًا جريٌ على الغالب، وإلا فالصادق، كالكاذب فيما ذكر، لكنه أخفُّ كراهة، من المكروه والكاذب زاد بحرمة الكذب. (ومن قتل نفسه بحديدة) أو بغيرها، كما فهم بالأَوْلى، فالمراد: من قتل

стр. 1726

نفسه بشيء، كما عبر به في الإيمان. (عذب به) أي: بما ذكر، وفي نسخةٍ: "عذب بها" أي: بالحديدة. وفيه: أن الجزاء من جنس العمل، وأن جنايته على نفسه، كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه في الحقيقة ليست ملكه بل هي لله، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه. ١٣٦٤ - وَقَال حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ ﵁ فِي هَذَا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَال: "كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَال اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ". [٣٤٦٣ - مسلم: ١١٣ - فتح: ٣/ ٢٢٦] (جندب) أي: ابن عبد الله بن يوسف البجلي. (في هذا المسجد) أي: مسجد البصرة، وذكره مع تالييه؛ للتحقيق والتأكيد. (عن النَّبيّ) في نسخةٍ: "على النَّبيّ". (كان برجل) لم يسمَّ. (جِرَاح) بكسر الجيم. (قتل) في نسخة: "فقتل". (حرمت عليه الجنَّة) أي: لكونه مستحلًا لقتل نفسه، أو حرمتها عليه في وقت ما، كالوقت الّذي يدخل فيه السابقون، أو حرمت عليه جنة معينة، كجنة عدن، أو ورد على سبيل التغليظ والتخويف، أو أن هذا جزاؤه، وقد يُعْفَى عنه، أو كان ذلك شرع من مضى أن أصحاب الكبائر يكفرون بها. ١٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ". [٥٧٧٨ - مسلم: ١٠٩ - فتح: ٣/ ٢٢٧] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أبو الزِّناد) هو عبد الله بن ذكوان. (عن الأعرج) هو عبد الرّحمن بن هرمز. (يخنُق) بضم النون. (يطعنها) بضم العين.

стр. 1727

٨٤ - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ، وَالاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ١٢٦٩] (باب: ما يكره من الصّلاة على المنافقين، والاستغفار للمشركين) ما: مصدرية، ومن: بيانيّة. ١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵃، أَنَّهُ قَال: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَال يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَال: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَال: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا" قَال: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إلا يَسِيرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَال: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. [٤٦٧١ - فتح: ٣/ ٢٢٨] (عبد الله بن أبي) بضم الهمزة والتّنوين. (ابن سلول) بضم نونه، وإثبات ألفه؛ صفة لعبد الله؛ لأن سلول: أمه، وهي بفتح السين غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث. (دعي) بالبناء للمفعول. (أعدد عليه قوله) أي: القبيح في حق النّبي ﷺ والمؤمنين. (خيرت) في نسخة: "قد خيرت" (إن زدت) في نسخة: "لو زدت". (فغفر له) في نسخة: "يغفر له". (إلى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، في نسخة: "إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ومرَّ

стр. 1728

شرح الحديث في باب: الكفن في [القميص] (١) الّذي يكف (٢). ٨٥ - بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ (باب: ثناء النَّاس على الميِّت) أي: بيان حكم الثّناء عليه بخير، أو شر. ١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ" ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَال: "وَجَبَتْ" فَقَال عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَال: "هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ". [٢٦٤٢ - مسلم: ٩٤٩ - فتح: ٣/ ٢٢٨] (مرّوا) في نسخة: بالبناء للمفعول. (فأثنوا عليه شرًّا) استعمل الثّناء في الشر، مع أن الجمهور على خلافه؛ لمشاكلته لما قبله، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. (وجبت) المراد بالوجوب هنا: الثبوت، لا الوجوب الاصطلاحي؛ إذ لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله. (أنتم شهداء الله في الأرض) لفظه في الشهادات: "المؤمنون شهداء الله في الأرض" فالمراد: شهادة الصّحابة وغيرهم ممّن كان بصفتهم، لا شهادة الفسقة؛ لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا شهادة من بينه وبين الميِّت عداوة؛ لأن شهادة العدو لا تقبل، وقال

стр. 1729

بعضهم: معنى الحديث: أن الثّناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنَّة، فإن، كان غير مطابق، فلا، وكذا عكسه، قال النووي بعد نقله هذا: والصّحيح أنه على عمومه، وأن من مات فألهم الله النَّاس الثّناء عليه بخير، كان دليلًا على أنه من أهل الجنَّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أم لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها (١). وبهذا تظهر فائدة الثّناء وما قاله عن قريب ممّا قلناه أولًا. ١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَال عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَال عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَال: وَجَبَتْ، فَقَال أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَال: قُلْتُ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ" فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ، قَال: "وَثَلاثَةٌ" فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَال: "وَاثْنَانِ" ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ. [٢٦٤٣ - فتح: ٣/ ٢٢٩] (عفان (٢) بن مسلم) (٣) زاد في نسخة: "هو: الصفار". (عن أبي الفرات) اسم أبي الفرات: عمرو الكندي. (عن أبي الأسود) هو ظالم بن عمرو بن سفيان.

стр. 1730

(فأثني) بالبناء للمفعول. (على صاحبها) نائب الفاعل. (خيرًا) بالنصب مفعول ثان، أو صفة لمصدر محذوف، أَوْ بنزع الخافض، أي: بخير، وبالرفع نائب الفاعل. (فقلت: وما وجبت؟) أي: ما معنى قولك: وجبت؟ (أيما مسلم شهد له أربعة بخير إلى آخره) ترك الشق الثّاني، وهو الشّهادة بالشر؛ قياسًا على الشّهادة بالخير، أو اختصارًا. ٨٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ، وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ، أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ﴾ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الهُونُ: هُوَ الهَوَانُ، وَالهَوْنُ: الرِّفْقُ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦]. (باب: ما جاء في عذاب القبر) أي: من الآيات والأحاديث، ولا مانع من أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد، أو في جمعيه فيثيبه، أو يعذبه، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرقت أجزاؤه، أو أكلته السِّباع والطيور وحيتان البحر، كما أنه يعيده للحشر، وهو تعالى قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلّق روح الشخص الواحد في آنٍ واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلّقه ليس على سبيل الحلول حتّى يمنعه الحلول في جزء آخر، بل هو

стр. 1731

على سبيل التّدبير. (وقوله تعالى) بالجر عطف على عذاب؛ أو بالرفع على الاستئناف. (﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾) في نسخة: " ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾)، أي: شدائده. (﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾) [الأنعام: ٩٣]) أي: لقبض أرواحهم، أو للعذاب، يقولون تعنيفًا (﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾) إلينا لنقبضها، أو لنعذبها (﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾) زاد في نسخة قبله: "أو الهون" والمعني: يزيد العذاب المتضمن لشدة وإهانة، والهون بالفتح: الرفق، ذكره؛ لمناسبة الهون بالضم لفظًا. (﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾) أي: بالفضيحة، أو القتل في الدنيا، وعذاب القبر. (﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾) أي: في الآخرة. (﴿إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾﴾) أي: بالنار. (﴿وَحَاقَ﴾) أي: نزل. (﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾) أي: الغرق في الدنيا، ثمّ النّار في الآخرة. (﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾) أي: يحرقون بها. (﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) أي: صباحًا ومساءً. (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾) يقال: ادخلوا يا آل فرعون. (﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾) أي: عذاب جهنم. ١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا - وَزَادَ - ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. [٤٦٩٩ - مسلم: ٢٨٧١ - فتح: ٢٣١] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (أتي) بالبناء للمفعول حال، أي: حالة كونك مأتيًا إليه، والآتي:

стр. 1732

الملكان منكر ونكير. (ثمّ شهد) في نسخة: "يشهد". (فذلك قوله ... إلى آخره) جواب إذا. (غندر) اسمه: محمّد بن جعفر. ١٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ، قَال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ، فَقَال: "وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ " فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَال: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ". [٣٩٨٠ - ٤٠٢٦ - فتح: ٣/ ٢٣٢] (حدثني أبي) في نسخة: "حَدَّثَنَا أبي". (عن صالح) هو ابن كيسان. (ما وعد) في نسخة: "ما وعدكم". (فقيل له) القائل هو عمر بن الخطّاب، كما في مسلم. (ما أنتم باسمع منهم) أي: لما أقول. ١٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالتْ: إِنَّمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ" وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. [٣٩٧٨، ٣٩٧٩، ٣٩٨١ - مسلم: ٩٣٢ - فتح: ٣/ ٢٣٢] (عبد الله بن محمّد) هو: ابن شيبة. (سفيان) أي: ابن عيينة. (أقول) زاد في نسخة: "لهم". (وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، استدلت به عائشة على مانفته أن الموتى لا يسمعون، وخالفها الجمهور فيه، وقالوا: لا دلالة في الآية على ذلك، بل لا منافاة بين الآية وبين قوله ﷺ : "إنهم الآن يسمعون" لأن الإسماع إبلاغ الصوت إلى أذن السامع، فالله تعالى هو الذاي يسمعهم صوت نبيه، ولا مانع أنه على قال اللفظين الواقعين، وحفظ غيرهما في روايتي

стр. 1733

ابن عمر وعائشة، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما، وحفظ غيرها سماعهم بعد إحيائهم، وفائدة إسماعهم: توبيخهم. ١٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الأَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَال: "نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ" قَالتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلاةً إلا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ زَادَ غُنْدَرٌ: "عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ". [انظر: ١٠٤٩ - مسلم: ٥٨٦، ٩٠٣ - فتح: ٣/ ٢٣٢] (أبي) هو عثمان بن جبلة. (عن أبيه) هو أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي. (أن يهودية) لم تسم. (نعم عذاب القبر) "حق" كما في نسخة. (بعد) أي: بعد سؤاله إياه. (زاد غندر: عذاب القبر حق) ساقط من نسخة، والزائدة في الحقيقة (حق) فقط، أو زيادته إنّما تليق بحذفه في النسخة الأوّل، لا بذكره فيها. ١٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄، تَقُولُ: "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً" [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٣/ ٢٣٢] (ابْن وهب) هو عبد الله المصري. (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (يفتتن) بوزن: يقتتل، [وفي نسخة: "يفتن" بوزن يقتل] (١) مبنيًّا

стр. 1734

للمفعول. (ضخة) نكّرها للتعظيم، ومرَّ شرح الحديث في: العلم وغيره (١). ١٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - قَال قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ - قَال: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ " [انظر: ١٣٣٨ - مسلم: ٢٨٧٠ - فتح: ٣/ ٢٣٢] (عبد الأعلى) أي: ابن عبد الأعلى السامي. (سعيد) أي: ابن أبي عروبة. (عن قتادة) أي: ابن دعامة. (عن أنس بن مالك) لفظ: (ابْن مالك) ساقط من نسخة. (وإنه) أي: الميِّت، وفي نسخة: "إنّه" بلا واو. (فيقعدانه) معادًا إليه روحه. (لمحمد ﷺ ) أي: لأجله، وهو: بيان من الراوي، لا من الملكين، (وذكر) بالبناء للمفعول. (في قبره) في نسخة: "له في قبره" وفي: زائدة، وزاد ابن حبّان:

стр. 1735

"سبعين ذراعًا في سبعين ذراعًا" (١). (ثمّ رجع) أي: قتادة. (وأما الكافر المنافق) مرَّ ما فيه مع شرح الحديث في باب: الميِّت يسمع خفق النعال (٢). ٨٧ - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ (باب: التعوذ من عذاب القبر) أي: بالله. ١٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵃، قَال: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَال: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا" وَقَال النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [مسلم: ٢٨٦٩ - فتح: ٣/ ٣٤١] (حَدَّثَنَا محمّد) في نسخة: "حدثني محمّد". (حَدَّثَنَا يحيى) في نسخة: "أَخْبَرَنَا يحيى" أي: ابن سعيد القطان. (حَدَّثَنَا شعبة) في نسخة: "أَخْبَرَنَا شعبة" أي: ابن الحجاج. (خرج النَّبيّ) أي: من المدينة إلى خارجها. (وجبت الشّمس) سقطت بمعنى: غربت. (فسمع صوتًا) هو صوت اليهودي، -كما في الطَّبرانيِّ (٣) -. (يهود تعذب في قبورها) مبتدأ وخبر؛ إذ (يهود) علم قبيلة، فهو غير منصرف، وقد تدخله (ال) وسماعه ﷺ صوت الميِّت لا ينافي ما مرَّ أن صوت الميِّت يسمعه غير الثقلين؛ لأن ذلك في الصيحة

стр. 1736

المخصوصة، وهذا في غيرها، أو هذا معجزة له ﷺ (وقال النضر) بمعجمة، أي: ابن شميل. (أَخْبَرَنَا شعبة إلى آخره) فائدة ذكره بعد ما مَرَّ تصريح عون فيه بالسماع له من أبيه، وسماع أبيه له من البراء. ١٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَال: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ : وَهُوَ "يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". [٦٣٦٤ - فتح: ٣/ ٢٤١] (معلَّى) بتشديد اللام مفتوحة، أي: ابن أسد. (وهيب) أي: ابن خالد. (ابنة خالد) واسمها: أمة، وكنيتها: أم خالد. (وهو يتعوذ من عذاب القبر) تعوذ منه ومما يأتي في الحديث الآتي؛ تعبدًا وإرشادًا لأمته؛ ليقتدوا به في ذلك. ١٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ". [مسلم: ٥٨٨ (١٣١) - فتح: ٣/ ٢٤١] (هشام) أي: الدستوائي. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرّحمن بن عوف. (يدعو: اللَّهُمَّ) أي: قائلًا ذلك، وفي نسخة: "يدعو، ويقول: اللَّهُمَّ". [(ومن فتنة المحيا والممات) كلّ منهما مصدر ميمي، واسم زمان، ومرَّ شرح الحديث في باب: الدُّعاء بعد السّلام] (١).

стр. 1737

٨٨ - بَابُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ (باب: عذاب القبر من الغيبة والبول) من تعليلية، والغيبة: بكسر الغين: ذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه، وعطف عليها البول بتقدير متضايفين، أي: ومن عدم استنزاهه من البول، وخصهما بالذكر؛ لتعظيم أمرهما ولغلبتهما، وإلا فغيرهما مثلهما. ١٣٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَال: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ" ثُمَّ قَال: "بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" قَال: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا، فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَال: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣/ ٢٤٢] (قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد. (جرير) أي: ابن أبي حازم. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن مجاهد) أي: ابن جبر. (عن طاوس) هو ابن كيسان. (قال ابن عبّاس) في نسخة: "عن ابن عبّاس". (فكان يسعى بالنميمة) لم يذكر الغيبة الّتي هي في التّرجمة؛ اكتفاءً بذكر النميمة؛ لتقاربهما، وإن لم يتساويا في المفسدة، إذ مفسدة النميمة أعظم، أو إشارة إلى ورودها في بعض طرق الحديث. (لا يستتر) من الاستتار، وهو مجاز عن التنزه. (باثنتين) في نسخة: "باثنين" بحذف التاء الفوقية، ومر شرح الحديث في باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله (١).

стр. 1738

٨٩ - بَابُ المَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ (باب: الميِّت يعرض عليه بالغداة والعشي) أي: المساء، وفي نسخة: "يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي" وهو مراد من الأولى، والمراد بالغداة والعشي: وقتهما، وإلَّا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. ١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". [٣٢٤٠، ٦٥١٥ - مسلم: ٢٨٦٦ - فتح: ٣/ ٢٤٣] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (من أهل الجنَّة، فمن أهل الجنَّة، كان كان من أهل النّار، فمن أهل النّار) ظاهره: اتحاد الشرط والجزاء في الشقين، وهو مؤول وتقديرهما في الأوّل مثلًا إن كان من أهل الجنَّة، فمقعده من مقاعد الجنَّة يعرض عليه، وقوله: (فمن أهل النّار) ساقط من نسخة. (هذا مقعدك حتّى يبعثك الله) أي: لا يصل إليه إلى يوم القيامة لبعث، ومرَّ شرح الحديث (١). ٩٠ - بَابُ كَلامِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ (باب: كلام الميِّت على الجنازة) أي: النعش. ١٣٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ

стр. 1739

سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إلا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ". [انظر: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٢٤٤] (إذا وضعت الجنازة) أي: على النعش، ومرَّ شرح الحديث في باب: حمل الرجال الجنازة (١)، بل ومرت التّرجمة أيضًا مع حديثها في باب: قول الميِّت وهو على الجنازة قدموني (٢). ٩١ - بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلادِ المُسْلِمِينَ قَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ". (باب: ما قيل في أولاد المسلمين) أي: الصغار. (قال) في نسخة: "وقال". (كان) أي: موتهم، وفي نسخة: "كانوا" أي: الثّلاثة. (أو دخل الجنَّة) شك من الراوي. ١٣٨١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ" [انظر: ١٢٤٨ - فتح: ٣/ ٢٤٤]

стр. 1740

(ابن علية) اسمه: إسماعيل بن إبراهيم. (يموت له ثلاثة) أي: "من الولد"، كما في نسخة، ومرَّ شرح الحديث في باب: هل يجعل للنساء يومًا (١)، وباب: فضل من مات له ولد (٢). ١٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ ﵁، قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ". [٣٢٥٥، ٦١٩٥ - فتح: ٣/ ٢٤٤] (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. (إبراهيم) أي: ابن النَّبيّ ﷺ . (إن له مرضعًا في الجنَّة) بضم الميم، أي: من يتم رضاعه، وروي: "مرضعًا ترضعه في الجنَّة" (٣)، وروي بفتح الميم مصدر، أي: رضاعًا، وبحذف التاء من مرضع، إذا كان من شأنها ذلك، وتثبت فيه إذا كان بمعنى: تجدد فعلها، كما قال: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ [الحج: ٢]، وكذا يقال في حائض وحائضة. ٩٢ - بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلادِ المُشْرِكِينَ (باب: ما قيل في أولاد المشركين) أي: الصغار. ١٣٨٣ - حَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلادِ المُشْرِكِينَ،

стр. 1741

فَقَال: "اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". [٦٥٩٧ - مسلم: ٢٦٦٠ - فتح: ٣/ ٢٤٥] (حَدَّثَنَا حبَّان) بكسر الحاء وتشديد الموحدة، وفي نسخة: "حدثني حبّان بن موسى". (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن أبي بشر) هو جعفر بن أبي وحشية. (إذ خلقهم) إذ: متعلّقة بمحذوف، أي: علم ذلك حين خلقهم، أو بقوله: (أعلم)، وإن تقدمت عليه، إذ يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره، والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر وهما: الله أعلم. ١٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَال: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". [٦٥٩٨، ٦٦٠٠ - مسلم: ٢٦٥٩ - فتح: ٣/ ٢٤٥] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (عن ذراري المشركين) بذال معجمة، ومثناة تحتية: جمع ذرية، أي: عن أولادهم الصغار. ١٣٨٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟ ". [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٣/ ٢٤٥] (ابْن أبي ذئب) اسمه: محمّد بن عبد الرّحمن. (كمثل) بفتح الميم والمثلثة، وفي نسخة: بكسرها، وسكون المثلثة. (تنتج البهيمة) بالنصب، واختلف في أولاد المشركين، فقيل: إنهم في مشيئة الله تعالى، وقيل: في النّار تبعًا لآبائهم، وقيل: في

стр. 1742

برزخ بين الجنَّة والنار؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنَّة، ولا سيئات يدخلون بها النّار، والصّحيح المختار: ما عليه المحققون، كما قال النووي: إنهم في الجنَّة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا لم يعذب العاقل؛ لكونه لم تبلغه الدّعوة، فكان لا يعذب غير العاقل من باب أولى، وجواب خبر (الله أعلم) بما كانوا عاملين أنه ليس فيه تصريح أنهم ليسوا في غير الجنَّة (١)، وأما خبر الإمام أحمد عن عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين، قال: "في الجنَّة"، وعن أولاد المشركين، قال: "في النار" (٢) فضعيف، ومرَّ شرح الحديث في باب:

стр. 1743

إذا أسلم الصبي فمات (١). ٩٣ - باب . (باب) ساقط من نسخة، وهو بمنزلة الفصل فيما قبله؛ ولهذا لم يذكر له ترجمة. ١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَال: "مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ " قَال: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ" فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَال: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ " قُلْنَا: لَا، قَال: "لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ" قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: "إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ - أَوْ صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ.

стр. 1744

فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ - قَال يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ - وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، وَنِسَاءٌ، وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ، وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ، حَوْلَهُ، فَأَوْلادُ النَّاسِ وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَو اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ". [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٣/ ٢٥١] (جرير) أي: ابن حازم. (أبو رجاء) هو: عمران بن تميم العطاردي.

стр. 1745

(صلاة) في نسخة: "صلاته". (رؤيا) مقصور وغير منصرف. (فسألنا) بفتح اللام. (رجلين) هما: جبرائيل وميكائيل، كما ذكرهما بعد. (الأرض المقدسة) في نسخة: "أرض مقدسة". (جالس) بالرفع، وفي نسخة: "جالسًا" بالنصب. (بيده) أي: كلوب، كما أشار إليه بقوله: (قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه)، وفي نسخة: "بيده كلوب من حديد، قال بعض أصحابنا عن موسى: إنّه يدخل ذلك الكلوب في شدقه" وأبهم البخاريّ البعض لنسيان أو غيره، وليس بقادح؛ لأنه لا يروي إلا عن ثقة، قال شيخنا: لم أعرف هذا البعض، إلا أن الطَّبرانيَّ أخرجه في "المعجم الكبير" عن العباس بن الفضل الإسقاطي (١). (ما هذا؟) أي: ما حال هذا الرَّجل؟ وفي نسخة: "من هذا؟ " أي: من هذا الرَّجل؟ (بفهر) بكسر الفاء، وسكون الهاء، أي: بحجر [يملأ الكف] (٢). (أو صخرة) على الشك هنا، واقتصر على التعبير عليها من غير شك. (فيشدخ) أي: يكسر به، أي: بالحجر، أو الصخرة، وفي نسخة: "بها" أي: بالصخرة. (تدهده) أي: تدحرج. (ثقب) بمثلثة مفتوحة، وفي نسخة: بنون مفتوحة. (التنور) بفتح الفوقية، وتشديد النون: ما يخبز فيه. (يتوقد) بفتح أوله. (نارًا) تمييز. (فإذا اقترب) أي: الوقود والحر، أي: قرب من النَّاس المعلومين من السياق، وفي نسخة: "أقترت" بهمزة قطع فقاف

стр. 1746

ففوقيتين بينهما راء، من القترة، أي: التهبت النّار وارتفع لهبها؛ لأن القترة: الغبار الّذي يرتفع. (ارتفعوا) أي: النَّاس. (كاد أن يخرجوا) أن: مصدرية، وهي مع مدخولها: اسم كاد، وخبرها محذوف، أي: يكاد خروجهم يتحقق، وفي نسخة: "كادوا يخرجوا". (خمدت) بفتح الخاء والميم، أي: سكنت: بأن سكن لهبها. (من هذا؟) في نسخة: ["ما هذا". (نهر) بفتع الهاء وسكونها. (على وسط النهر رجل) في نسخة:، (١) "قال يزيد بن هارون، ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر رجل" (رمى) في نسخة: "رمى له الرَّجل الّذي بين يديه الحجارة". (فانطلقنا) ساقط من نسخة. (فصعد) بكسر العين. (وشباب) في نسخة: "هنا" وفيما يأتي: "وشبان" بضم أوله وتشديد ثانيه ونون في آخره. (فأخبراني) بسكون الموحدة. (بالكذبة) بفتع الكاف، وكسر الذال، وبالكسر والسكون. (فيصنع به) أي: ما رأيت من شق شدقه، وأما هذه فدار الشهداء، واكتفى فيها بما مرَّ من الشيوخ والشباب دون النِّساء والصبيان، جريًا على الغالب، إذ الغالب أن الشهيد لا يكون امرأة، ولا صبيًّا. (دعاني) أي: اتركاني، قال الكرماني: ومناسبة التعبير للرؤيا ظاهرة إلا في الزناة، ومناسبته لها من جهة أن العري فضيحة، كالزنا، ثمّ إن الزاني يطلب الخلوة، كالتنور، ولا شك أنه خائف حذر وقت الزِّنا، كأنها تحته النّار (٢).

стр. 1747

وفي الحديث: الاهتمام بأمر الرؤيا، واستحباب السؤال عنه، وذكرها بعد الصّلاة، والتحذير عن الكذب، وعن ترك قراءة القرآن والعمل به، والتغليظ على الزاني، وآكل الرِّبَا، وسعادة صبيان الخلائق كلهم، وتفضيل الشهداء على غيرهم، وهذه الرؤيا مشتملة على حكم عظيمة. ووجه الضبط في هذه الأمور: أن الحال لا يخلو من الثّواب والعذاب، فالثواب: إمَّا لرسول الله، ودرجته فوق الكل مثل السحابة، وإمَّا للأمة وهي ثلاث درجات، أدناها للصبيان، والأوسط للعامة، وأعلاها للشهداء وإبراهيم علييه السّلام، وإن كان رفيع الدرجة على الشهداء فوجه كونه تحت الشجرة، وهو خليل الله أبو الأنبياء الإشارة إلى أنه الأصل في الملة، وكل من بعده من الموحدين تابع له، بأمره يصعدون شجرة الإسلام ويدخلون الجنَّة. والعقاب: إمّا على قول لا ينبغي، أو عدم قيل ينبغي، أو فعل بدني، كالزنا أو مالي، كالرِّبَا. ٩٤ - بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ (باب: موت يوم الاثنين) أي: بيان الموت فيه. ١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَال: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالتْ: "فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ" وَقَال لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالتْ: "يَوْمَ الاثْنَيْنِ" قَال: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالتْ: "يَوْمُ الاثْنَيْنِ" قَال: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ، كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ

стр. 1748

رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَال: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَال: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. [انظر: ١٢٦٤ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٣/ ٢٥٢] (وهيب) أي: ابن خالد البصري. (هشام) أي: ابن عروة بن الزُّبير. (قال) في نسخةٍ: "فقال". (في كم) هي استفهامية، كان كان لها صدر الكلام، لكن الجار كالجزء منها، فلا يخرجها عن تصديرها. (سحولية) بفتح السين، وضمها كما مرَّ. (قالت يوم الاثنين) بنصب (يوم) على الظرفية في الأول، وبرفعه على الخبرية لمقدر في الثّاني. (أرجو فيما بيني وبين اللّيل) أي: أتوقع الوفاة فيما بين ساعتي هذه، وبين اللّيل، أو فيما بين آخر يومي وآخر اللّيل، وإنّما رجى ذلك؛ لقصد التبرك؛ لكون النَّبيّ ﷺ توفي فيه، وله مزية على سائر الأيَّام بهذا الاعتبار. (ثمّ نظر) في نسخةٍ: "فنظر". (ردع) بفتح الراء، وسكون الدال والعين المهملتين، أي: لطخ وأثر، وفي نسخةٍ: "ردغ" بغين معجمة. (ثوبي هذا) لفظ: (هذا) ساقط من نسخةٍ (فيها) أي: في الأثواب الثّلاثة، وفي نسخةٍ: "فيهما" أي: في المزيد والمزيد عليه. (خلق) بفتح المعجمة واللام، أي: بالٍ عتيق. (إنّما هو) أي: للدفن. (للمُهْلَة) بتثليث الميم، أي: القيح والصديد. (من ليلة الثلاثاء) بالمد. وفي الحديث: التكفين في الثِّياب البيض والمغسولة، وطلب المرافقة فيما وقع للأكابر، والدفن باللّيل، وإيثار الحي في الجديد، وفضل الصديق، ودلالة فراسته، وتيسير الله ما يتمناه له.

стр. 1749

٩٥ - بَابُ مَوْتِ الفَجْأَةِ البَغْتَةِ (باب: موت الفجأة) بفتح الفاء، وسكون الجيم، أو بضم الفاء وفتح الجيم والمد. (بغتة) بالجر بدل، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، وعلى التقديرين هي تفسير للفجأة، وفي نسخةٍ: "بغتة" بالتكبير. ١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ". [٢٧٦٠ - مسلم: ١٠٠٤ - فتح: ٣/ ٢٥٤] (سعيد ابن أبي مريم) نسبة لجده، وإلا فهو سعيد بن محمّد بن الحكم ابن أبي مريم (هشام) في نسخةٍ: "هشام بن عروة". [عن أبيه) في نسخة: عن عروة] (١). (أن رجلًا) هو سعد بن عبادة. (أن أمي) اسمها: عمرة. (افتلتت) بالبناء للمفعول، أي: ماتت. (فلتة) أي: بغتة. (نفسها) بالرفع؛ نائب فاعل، وبالنصب على التمييز، أو على أنه المفعول الثّاني بإسقاط حرف الجر، أي: من نفسها، والأول ضمير نائب الفاعل. وأشار بالحديث إلى أن موت الفجأة ليس بمكروه؛ لأنه ﷺ لم يظهر منه كراهة حين أخبره الرَّجل بانفلات نفس أمه، وهو محمول على المتهيء للموت، والمراقب له دون غيره، وعلى ذلك يحمل خبر ابن أبي شيبة، عن عائشة، وابن مسعود: "موت الفجأة راحة المؤمن وأسفٌ

стр. 1750

على الفاجر" (١)، وخبر أبي داود: "موت الفجأة أخذه آسف" (٢) بمدِّ الهمزة، وكسر السين، أي: غضبان، وبقصرها وفتح السين أي: غضب أخذة غضبان، أو غضب من حيث إنّه فعل ما أوجب الغضب عليه، والانتقام منه بأن أماته بغتة من غير تَهيّئ للموت. ٩٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]: أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ أُقْبِرُهُ إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ ﴿كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥]: يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًاا. (باب: ما جاء في قبر النَّبيّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر ﵄ أي: في صفة قبورهم من التسنيم، وغيره. " ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾) أي: من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]، معناه: أقبرت الرَّجل، إذا: جعلت له قبرًا، في، نسخةٍ: "قول الله : ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ إلخ"، وزاد في أخرى: "أقبره" بعد قوله: أقبرت الرَّجل (قبرته) معناه: دفنته بأن واريته في التراب. (﴿كِفَاتًا﴾ أي: من قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات: ٢٥]، معناه: (يكونون فيها أحياء ويدفنون فيها أمواتًا)

стр. 1751

و ﴿كِفَاتًا﴾ بمعنى: كافتة، أي: جامعة وضامة. ١٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ هِشَامٍ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ: "أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ، أَيْنَ أَنَا غَدًا" اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي، قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. [انظر: ٨٩٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح: ٣/ ٢٥٥] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (سليمان) أي: ابن بلال. (وحدثني) في نسخةٍ: " ح وحدثني". (ليتعذر) بعين مهملة، وذالٍ معجمة، أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة، وفي نسخةٍ: "ينقدر" بقاف، ودال مهملة، أي: يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض ما يجد [لأن المريض يجد] (١) عند بعض أهله (أين أنا اليوم؟) أي: لمن النوبة اليوم (أين أنا غدًا؟) أي: لمن هي غدًا. (استبطاءً ليوم عائشة) قاله اشتياقًا إليها، وإلي يومها. (سحري ونحري) بفتع أولهما، وسكون ثانيهما، أي: بين جنبي وصدري، والسحر: الرئة أُطلقت على الجنب مجازًا، من باب تسمية المحل باسم الحال. ١٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلالٍ هُوَ الوَزَّانُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالتْ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَعَنْ هِلالٍ، قَال: "كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي". [انظر: ٤٣٥ - مسلم: ٥٢٩ - فتح ٣/ ٢٥٥]

стр. 1752

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: "أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا" حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ، فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَال لَهُمْ عُرْوَةُ: "لَا وَاللَّهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ ﷺ ، مَا هِيَ إلا قَدَمُ عُمَرَ ﵁". (أبو عوانة) هو الوضاح. (عن هلال) أي: ابن حميد الجهني، وفي نسخةٍ: "هلال هو الوزان". (لم يقم منه) في نسخةٍ: "لم يقم فيه". (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) مرَّ شرحه في باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (١). (أُبرز) بالبناء للمفعول. (قبره) بالرفع نائب [الفاعل] (٢)، وفي نسخةٍ: (أبرز قبره) بالبناء للفاعل والنصب. (خشي) بفتح الخاء، أو (خُشي) بضمها، فالخاشي على الأوّل: النَّبيّ ﷺ ، وعلى الثّاني: هو، أو عائشة أو الصّحابة. (وعن هلال) أي: الوزان. (كنَّاني) أي: بأبي عمرة، أو بأبي الجهم، أو بأبي أمية. (حَدَّثَنَا) في نسخةٍ: "حدثني". (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن سفيان) أي: ابن دينار، وهو من كبار التابعين لكنه لم تعرف له رواية عن صحابي. (مسنمًا) بتشديد النون، أي: مرتفعًا، واستدل به على أن

стр. 1753

المستحب تسنيم القبور، وهو قول بعض الشّافعيّة كغيرهم، والذي عليه أكثر الشّافعيّة، ونصَّ عليه الشّافعيّ أن تسطيحها أفضل من تسنيمها؛ لأنه ﷺ سطح قبر إبراهيم، وفعله حجة، لا فعل غيره، ولا حجة فيما قاله سفيان، كما قال البيهقي (١)، لأنه معارض بخير أبي داود بإسناد صحيح: أن القاسم ابن أبي بكرٍ قال: دخلت على. عائشة، فقلت لها: اكشفي لي عن قبر النَّبيّ ﷺ وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطئه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (٢)، أي: لا مرتفعة كثيرًا، ولا لاصقة بالأرض، يقال: لطي -بكسر الطاء-، ولطا بفتحها، أي: لصق، ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار من شعار الروافض؛ لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها. (حَدَّثَنَا) في نسخةٍ: "حدثني". (فروة) أي: ابْن المغراء. (علي) في نسخةٍ: "علي بن مسهر". (لما سقط عليهم) أي: على قبور النَّبيّ ﷺ [وصاحبيه الحائط، أي حائط حجرة رسول الله ﷺ ] (٣) (في زمان الوليد بن عبد الملك) حين أمر عمر بن عبد العزيز برفع القبر الشريف؛ حتّى لا يصل إليه أحد؛ إذ كان النَّاس يصلون إليه، -قاله شيخنا (٤) - (فبدت) أي: ظهرت في القبر لا خارجه. (لهم قدم) أي: مع ساق وركبة، كما رواه أبو بكر الآجري

стр. 1754

(ما هي إلا قدم عمر) وعند الآجري: "هذا ساق عمر وركبته" (١). ١٣٩١ - وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ "لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا". [٧٣٣٧ - فتح: ٣/ ٢٥٥] (لا أُزَكَّى) بالبناء للمفعول، أي: لا يثنى على به، أي: بسبب الدفن معهم؛ حتى يكون لي بذلك مزية، وفضل وأنا في نفسٍ تجوز أن لا أكون كذلك. ١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَال: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، قَال: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلامَ، ثُمَّ سَلْهَا، أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَال: لَهُ مَا لَدَيْكَ؟ قَال: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَال: "مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي، فَادْفِنُونِي، وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَال: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ.

стр. 1755

فَقَال: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ ". [٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧ - فتح: ٣/ ٢٥٦] (قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد. (صاحبيَّ) بفتح الموحدة وتشديد الياء، وإنما استأذنها؛ لأن منفعة الحجرة لها (كنت أريده) أي: في الدفن معهما لنفسي فإن قلت هذا يدلُّ على أنه لم يبق إلا ما يسع إلا موضع قبر واحد، فيغاير قولها السابق لابن الزُّبير: لا تدفني معهم. فإنّه يشعر بأنه يبقي من الحجرة موضع آخر. قلت: أجيب: بأنها كانت أوَّلًا تظن إنها كانت لا تسع إلا قبرًا واحدًا، فلما دفن عمر ظهر لها أن هناك وسعًا لقبر. (فلأوثرنه اليوم على نفسي) آثرته على نفسها مع أن الحظوظ الدينية لا إيثار فيها؛ لأن الحظوظ المستحقة بالفضل ينبغي فيها إيثار أهله، فلمَّا علمت عائشة فضل عمر آثرته. كما ينبغي لصاحب المنزل إن كان مفضولًا أن يؤثر الإمامة إلى من هو أفضل منه، وإن كان الحق له (ما لديك) أي: عندك من الخير (من ذلك المضجع) بفتح الجيم. (ثمّ قل) أي: يا ابن عمر (يستأذن عمر) إنّما استأذنها ثانيّا؛ احتياطًا وورعًا، أو لأنه جوز أن تكون رجعت عن إذنها الأوّل، وهذا بناءً على القول بأن عائشة كانت تملك رقبة البيت، أو منفعته مطلقًا، والواقع أما إنّما كانت تملك منفعته بالسكني، والإسكان فيه ولا يورث
следующие страницы →