- باب.
(باب:) ساقط من نسخة، فثبوته، كالفصل من سابقه.
١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَال: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا"، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.
[مسلم: ٢٤٥٢ - فتح: ٣/ ٢٨٥]
(أبو عوانة) هو: الوضاح (١) بن عبد الله اليشكري.
(عن فراس) بفاء مكسورة، وسين مهملة، أي: ابن يحيى الخارفي، بخاء معجمة وفاء. (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع.
(قلنا للنبي) الضمير للبعض المبهم، لكن روى ابن حبّان عن عائشة قالت: فقلت للنبي أيُّنا؟ الفصيح: أيتنا (٢). (لحوقًا) تمييز. (فأخذوا قصبة يزرعونها) عدل عن ضمير جمع المؤنث إلى ضمير جمع المذكر؛ تعظيمًا لشأن جمع السائلات، كما في قوله ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
(فكانت سودة) أي: بنت زمعة. (أطولهن يدًا) ولم تكن أسرع لحوقًا به، بل الأسرع إنّما هي: زينب بنت جحش، وكانت أقصرهن يدًا، وأكثرهن صدقة.
стр. 1787
(فعلمنا بعد) أي: بعد سبق موت زينب موت سودة. (أنما كان طول يدها الصَّدقة) بفتح همزة (أن) لأنها مع مدخولها في موضع مفعول علم، و (الصَّدقة) اسم كان، و (طول يدها) خبر مقدم. (وكانت) أي: سودة، والوجه أي: زينب. (أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصَّدقة). فعلم أن في الحديث إجحافًا وتعسفًا، حتّى قيل إنّه: وهم؛ لاتفاق أهل السير على أن زينب كانت أسبقهن موتًا، وهو مقدم على ما وقع للبخاري في "تاريخه الصغير" من أن سودة كانت أسبقهن موتًا.
١٢ - بَابُ صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ (١).
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
[فتح: ٣/ ٢٨٨]
١٣ - بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ
(باب: صدقةِ السِّر) هي أفضلُ من صدقةِ العلانيةِ. (ورجل) ذكر الواو حكايةً؛ لعطفه على ما ذُكر قبلُ في الحديث.
(حتّى لا تعلم شمَاله ما صنعتْ يمينُه) في نسخةٍ: "ما تنفق يمينُه". وهذا مثالٌ ضربه ﷺ في المبالغة في الاستتار بالصدقة؛ لقرب الشمالِ من اليمينِ، والمعني: لو قُدِّرتْ الشمالُ إنسانًا متيقظًا، لما علم صدقةَ اليمين؛ للمبالغة في الإخفاءة لأن الشمال لا توصف بالعلم، فهو مجازٌ.
стр. 1788
(وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧١] في نسخة: "وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
١٤ - بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
(باب) ساقط من نسخة. (إذا) في النسخةِ المذكورة: "وإذا" بواو العطفِ. (تصدق على غني، وهو لا يعلم) أنه غنيٌ، فصدقته مقبولةٌ.
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "قَال رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ؟ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ".
[مسلم: ١٠٢٢ - فتح: ٣/ ٢٩٠]
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة.
(رجل) لم يُعرف اسمُه. (لأتصدقنَّ) جوابُ قسمٍ محذوف، أي: والله لأتصدقنَّ على مستحقٍ. (تُصدِّق) بالبناء للمفعول في المواضع الثّلاثة، وفيه: تعجب، أو إنكار. (فقال) أي: المتصدقُ. (اللَّهُمَّ لك الحمدُ) أي: على تصدقي على سارق؛ لكونه بإرادتك لا بإرادتي. (فأُتي) بالبناء للمفعول، أي: رأى في منامه، أو سمع هاتفًا ملكًا، أو غيَره، أو أفتاه عالمٌ نبي أو غيرُه.
стр. 1789
(زناها) بالقصر لأهل الحجاز، وبالمدِّ لأهل نجد. (فلعلّه يعتبر فينفق) في نسخة: "فلعلّه أن يعتبر فينفق".
وفي الحديث: أن الصدقةَ كانت عندهم مختصةً بأهل الحاجات من أهلِ الخير؛ ولهذا تعجبوا من الصَّدقة على هؤلاء؛ ولأنَّ نَّية المتصدِّق إذا كانت صالحةً قبلتْ صدقته وإن لم يوافق مراده. وفيه: اعتبار لمن تصدَّق عليه أن يتحول من الحالةِ المذمومة إلى الحالة المحمودةِ.
١٥ - بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
(باب: إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر) أي: بأنه ابنه جاز.
١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ، أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ ﵁ حَدَّثَهُ، قَال: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ، فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَال: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَال: "لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ".
[فتح: ٣/ ٢٩١]
(إسرائيل) أي: ابن يونس ابن أبي إسحق. (أبو الجويرية) اسمه: حطان بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين، آخره نون: ابن جفاف، بضم الجيم، وتخفيف الفاء الأولى.
(وخطب عَلَيَّ) من الخطبة، بكسر الخاء، وهو: طلب النِّكاح أي: طلب النَّبيّ ﷺ من وليِّ المرأة أن يزوجها منيِّ، ثمّ طلب لي النِّكاح، فأجبته، فانكحني، و (عليَّ) متعلّقٌ بـ (خطب)، يقال: خطب المرأةَ إلى وليِّها، إذا أرادها الخاطبُ لنفسه، وعلى فلان إذا أرادها لغيرهِ.
стр. 1790
(وخاصمت إليه) سقط منه ما ثبت في غيره، وهو (فأفلجني) بالجيم، أي: حكم لي، وأظفرني بمرادي، يقال "فلج الرَّجل على خصمه إذا ظفر به. (وكان أبي يزيد)، برفع يزيد عطف بيان لـ (أبي). (فوضعها عند رجل) أي: وأذن له أن يتصدقَ بها على المحتاج إليها. (فأخذتها) أي: منه باختياره. (فأتيته) أي: أبي. (لك ما نويت يا يزيد) لأنك نويت الصدقةَ على محتاج، وابُنك محتاج وإنْ لم تنوه.
١٦ - بَابُ الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ
(باب: الصَّدقة باليمين) أي: ندب إعطائها باليد اليمنى.
١٤٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَال: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".
[انظر: ٦٦٠ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٣/ ٢٩٢]
(يحيى) أي: ابن سعيد القطان.
(سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه إلخ) مرَّ شرحه في باب: من جلس في المجلس ينتظر الصّلاة (١).
١٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَال: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا،
стр. 1791
فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا".
[انظر: ١٤١١ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٣/ ٢٩٣]
(شعبة) أي: ابن الحجاج.
(تصدَّقوا فسيأتي عليكم زمانٌ) هو وقتٌ ظهور أشراط السّاعة، أو وقتٌ ظهور كنوز الأرض، وقلةِ النَّاس، وقصرِ آمالهم، والخطاب لجنس الأمة، والمراد: بعضهم. ومرَّ الحديث في باب: الصَّدقة قبل الرَّدِّ (١).
١٧ - بَابُ مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاولْ بِنَفْسِهِ
وَقَال أَبُو مُوسَى: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "هُوَ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ".
[١٤٨٣]
(باب: من أمر خادمه بالصدقة، ولم يناولها بنفسه) للمتصدق عليه، فلكل منهما أجرٌ.
(قال أبو موسى) هو عبدُ الله بُن قيس الأشعري. (هو) أي: خادم المتصدق. (أحد المتصدقين) بفتح القاف، أي: هو والمتصدق في أصلِ الأجر سواء، وإنْ اختلف مقدارُه فيهما، فلو أعطى المتصدقُ خادمَه مائةَ دينارٍ؛ ليدفعها الفقيرُ على باب داره، فأجرُ المتصدق أكثر، ولو أعطاه رغيفًا [ليدفعه] (٢) إلى فقير في مكان بعيدٍ، فإنَّ كان أجرةُ مشي الخادم تزيد على قيمة الرغيف، فأجُر الخادم أكثر وإن كانت تساويها، فمقدار أجرهما سواء.
١٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِذَا أَنْفَقَتِ
стр. 1792
المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا".
[١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٢٩٣]
(جرير) أي: ابن عبد الحميد. (عن منصور) أي: ابن المعتمر.
(عن سقيق) أي: ابن سلمة. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع.
(إذا أنفقتْ المرأةُ من طعامِ بيتها) أي: وأذن لها زوجُها في ذلك صريحًا، أو مفهومًا من اطراد العرف، وعلمتْ رضاه بذلك غيرَ مفسدةٍ له بأنْ لم تتجاوز العادة، كان لها أجرُها بما أنفقت) أي: بسببه، وخصَّ العام بالذكر؛ لغلبة المسامحة به عادةً، وإلا فغيرهُ مثلُه؛ إذ الفرض أنَّ المالك أذن في ذلك. (ولزوجها) عبَّر به؛ لأنه الغالبُ، وإلا فالمراد: المالك زوجًا كان، أو غيره. (وللخازن) أي: الحافظ للطعام المتصدق منه.
١٨ - بَابُ لَا صَدَقَةَ إلا عَنْ ظَهْرِ غِنًى
وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالعِتْقِ وَالهِبَةِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَال النَّاسِ" وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ أَمْوَال النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلافَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّهُ".
[٢٣٧٠]، إلا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ، فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ "كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، " حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ "وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ" فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَال النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ.
[انظر ٨٨٤٤]، وَقَال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ
стр. 1793
مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ ﷺ ، قَال: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ.
[٢٧٥٧]
(باب: لا صدقة إلا عن ظهر غني) أي: لا صدقةً كاملةً، إلا عن غني يستظهر به على النوائب الّتي تنوبه، والتنكيرُ في (غنى)؛ للتفخيم. (ومن تصدَّق) عطفٌ على (لا صدقة). (وعليه دين) أي: مستغرقٌ، وحجر عليه الحاكمُ بالفلس. (فالدين أحق) جواب الشرط، لكن للدين خاصّة، وإلا فجوابه مع ما قبله أن يُقال: فهو وأهلُه والدين، أحق. (هو) أي: المتصدق به. (ردّ عليه) أي: مردود على المتصدق؛ لأنَّ مؤونةَ المحتاج هو أو أهله، وقضاء الدين واجبان، والصدقةُ تطوع. (ليس له أن يتلف أموال النَّاس) أي: بالصدقة، كغيرها. (قال) في نسخة: "وقال".
(من أخذ أموال النَّاس إلخ) وعيدٌ، فيدخل فيه من أخذ دينًا وتصدَّق به، ولا يجد من يقضي به الدينَ. (إلا أن يكين الدين إلى آخره) استثناه البخاريُّ من التّرجمة، أو من (يتصدق) أي: (إلا أن يكون معروفًا بالصبر) فيتصدق مع عدمِ الغني، أو مع الحاجةِ، كما ذكره بقوله: (فيُوثِر) أي: يقدِّم غيِره على نفسه. (خصاصة) أي: حاجة. (وكذلك آثر الأنصار المهاجرين) أي: حين قدَمِوا عليهم المدينة، وليس بأيديهم شيءٌ، حتّى أن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدةٍ، وزوجها من أحدهم. (ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال) استدل به البخاريُّ على ردِّ صدقةِ المديان، ولا يقال: إنَّ الصدقة ليست إضاعةَ مالٍ؛ لأنا نقول إذا عُورضت بحق الدين، لم يبق فيها ثواب، فبطل كونها صدقة، وبقيت إضاعة. (وقال كعب) زاد في نسخة: "ابن مالك".
стр. 1794
(أمسك عليك بعضَ مالك) منعه من التصدق بجميع ماله، ولم يمنع أبا بكر منه؛ لقوة يقين أبي بكر، وشدَّة صبره، بخلاف كعب.
(قلت: فإنِّي) في نسخةٍ: "قلت إنِّي".
١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".
[١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦ - فتح: ٣/ ٢٩٤]
(عبدان) هو لقبُ عبدِ الله بنِ عثمان المروزي كما مَرَّ. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن يونس) أي: ابن يزيد.
(وابدَأ بمن تعول) أي: بمن تلزمك مؤنته، من: عال أهله إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة.
١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ".
[مسلم: ١٠٣٤ - فتح: ٣/ ٢٩٤]
(وهيب) أي: ابن خالد. (هشام) أي: ابن عروة بن الزُّبير.
(ومن يستعفف) أي: يطلبُ العفةَ، وهي الكفُّ عن الحرام. (يعفه الله) أي: يُصيِّره عفيفًا.
١٤٢٨ - وَعَنْ وُهَيْبٍ، قَال: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
[انظر: ١٤٢٦ - فتح ٣/ ٢٩٤]
(وعن وهيب) عطفٌ في المعنى على: (حَدَّثَنَا وهيب) أي: حَدَّثَنَا موسى بنُ إسماعيل حَدَّثَنَا وهيب إلى آخره، وعن وهيب (بهذا) أي: بحديث حكيم.
стр. 1795
١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ، وَالمَسْأَلَةَ: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا: هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى: هِيَ السَّائِلَةُ".
[مسلم: ١٠٣٣ - فتح: ٣/ ٢٩٤]
(ح) للتحويل.
(وهو على المنبر، وذكر الصَّدقة) كلٌّ من الجملتين حالٌ، ومعنى الثّانية: وقد حثَّ الغني على الصَّدقة. (والتعفف) أي: وحثَّ الفقيرَ عليه. (والمسالة) أي: وذمَّ المسألةُ، وعبَّر مسلم بقوله: والتعفف عن المسألة (١). (اليدُ العليا إلى آخره) مقول: قال.
١٩ - بَابُ المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى
لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ.
[فتح: ٣/ ٢٩٨]
(باب: المنان بما أعطى) أي: ذمه، والباءُ متعلّقةٌ بـ (المنان)، وهو من يعدّد نعمَه على من أنعم عليه، فالمنُّ بهذا المعني: صفةُ ذمٍّ في حقِّ العبد؛ لأنه لا يكون غالبَا إلا عن البخل، والكبر، والعجبِ، ونسيان منَّةِ الله تعالى بما أنعم به عليه، أما المنُّ في حق الله تعالى، فصفةُ مدحٍ، ومن أسمائه تعالى: المنان، أي: المنعمُ، المعطي. (ولا
стр. 1796
أذى) ساقطٌ من نسخةٍ، ودليلُ الذَّمِ على المنِّ في حقِّنا من السُّنَّة، خبُر مسلم "ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يومَ القيامةِ: المنَّانُ الّذي لا يُعطي شيئًا إلا مَنَّ به، والمنفقُ سلعتَه بالحلف، والمسبل إزارهَ" (١) واكتفى البخاريُّ فيه بالآية، ولم يذكر حديثًا، وكأنه لم يتفق له حديث على شرطه.
٢٠ - بَابُ مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا
(باب: من أحب تعجيل الصدقة في يومها) أي: بيان أمرِ من أحبَّ تعجيلها في وقتها فرضًا كانت، أو نفلًا، و (مَن) بمعنى في متعلّقةٌ بـ (تعجيل).
١٤٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ ﵁ حَدَّثَهُ، قَال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ العَصْرَ، فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ، فَقَال: "كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ".
[انظر: ٨٥١ - فتح، ٣/ ٢٩٩]
(ابْن أبي مليكة) اسمه: عبد الله.
(صلى بنا) لفظ: (بنا) ساقطٌ من نسخةٍ. (فقلت) في نسخةٍ: "فقلنا". (أو قيل له) ما سببُ سرعتك؟، و (له) تنازعه الفعلان قبله (تبرًا) أي: ذهبًا غير مضروبٍ، و (أنْ أبيته) أي: أن أتركه حتّى يدخل، ومرَّ شرح الحديث في آخر كتاب: الصّلاة (٢).
(لا تُوكِي) أي: لا تربطي على ما عندك وتمنعيه. (فيوكى) بالبناء للمفعول، وبالبناء للفاعل، فينصب جواب النّهي. (فيُحصي) بالنصب جوابُ النّهي قبلَه، وحاصلُه مع سابقه: أنَّ عبدةَ رواه عن هشامٍ باللفظين معًا، فحدَّثَ به تارةً كذا، وتارةً كذا، والإحصاءُ: معرفةُ قدر الشيء وزنًا، أو عدًّا، أو كيلًا، والمرادُ بإحصاء الله تعالى هنا: قطعُ البركة، أو حبسُ مادة الرزق، أو المحاسبةُ عليه في الآخرَة.
٢٢ - بَابُ الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ
(باب: الصَّدقة فيما استطاع) أي: بما استطاعه المتصدق.
١٤٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: "لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ".
[انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٣/ ٣٠١]
(عاصم) هو الضحاك بن مخلد. (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز.
(جاءتْ إلى النَّبيِّ) في نسخةٍ: (جاءت النبيَّ). (لا توعي) من: أوعيتُ المتاعَ في الإناء، إذا جعلته فيه، والمرادُ: لازمُ الإيعاء، وهو الإمساكُ. (فيوعي) بالنصب جوابُ النّهي، وفي نسخة: "لا توكي فيوكى".
(ارضخي) بهمزة مكسورة، إذا لم توصل، وبراء ومعجمتين من الرضخ: وهو العطاءُ اليسيرُ. (ما) مصدرية ظرفية، أو موصولة، أو نكرة موصوفة، أي: مدة استطاعتك، أو الّذي أستطعته، أو شيئًا استطعته
стр. 1799
٢٣ - بَابُ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ
(باب: الصدقةِ تكفر الخطيئة) من الصغائر.
١٤٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَال: قَال عُمَرُ ﵁: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَال: قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَال، قَال: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ؟ قَال: قُلْتُ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ، وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ - قَال سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: الصَّلاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ - وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ"، قَال: لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قَال: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، قَال: فَيُكْسَرُ البَابُ أَوْ يُفْتَحُ، قَال: قُلْتُ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَال: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا، قَال: قُلْتُ: أَجَلْ، فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ البَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، قَال: فَسَأَلَهُ، فَقَال: عُمَرُ ﵁، قَال: قُلْنَا، فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قَال: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ.
[انظر: ٥٢٥ - مسلم: ١٤٤ - فتح: ١/ ٣٠٣]
(قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد. (جرير) أي: ابن عبد الحميد.
(الأعمش) هو سليمانُ بن مِهران. (أبي وائل) هو شقيقُ بن سلمة.
(حذيفة) أي: ابن اليمان.
(لجرئ) من الجرأةِ، وهو: الإقدامُ على الشيء، والمرادُ: عالمُ بذلك، قال ابن بطّال: إنك كنت كثيرَ السؤال عن الفتنةِ في أيامه ﷺ ، فأنت اليومِ جريءٌ على ذكره عالمٌ به.
(في أهله) أي: بما يعرض له معهم من سوء، أو حزن، أو غير ذلك. (وولده) أي: بالاشتغال به من فَرطِ المحبةِ عن كثير من الخيرات [(وجاره) أي: بما يعرض له من سوء، أو حزن، أو غيره. (والمعروف) أي: الخير] (١)، فهو عامٌّ بعد خاصٍّ.
стр. 1800
(قال سليمان) أي: ابن مهران الأعمش. (قد كان) أي: أبو وائل. (يقولُ: الصلاةُ، والصدقةُ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ) بدل قوله: الصلاةُ، والصدقةُ، والمعروفُ والمراد: أنه أبدل قوله: (والمعروف) بقوله: (والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر).
(قال) أي: عمرُ لحذيفةَ. (ليس هذه) أي: الفتنة. (ليس عليك بها) في نسخةٍ: "ليس لك منها". (بأس) أي: شدَّة. (أو يفتح) في نسخةٍ: "لم يفتح". (لم يغلق أبدًا) أشار به عمرُ إلى أنه إذا قُتِلَ ظهرت الفتنُ. (قلت: أجل) أي: نعم. (قال) أي: شقيق. (فهبنا) بكسر الهاء، أي: خفنا. (أن نسأله) أي: حذيفة، وكان مهيبًا. (من الباب) أي: من المراد به. (وقلنا لمسروقٍ: سله) أي: لأنه كان أجرًا على سؤاله؛ لكثرة علمه، وعلو منزلته. (فعلم) أي: أفعلم.
(كما أنَّ دون غد ليلةً) بالنصب؛ اسم (أن)، و (دون) خبرها، أي كما يعلم أنَّ اللّيلةَ أقربُ من الغد. (ليس بالأغاليط) أي: لا شبهةَ فيه، ومرَّ شرحُه في باب: الصّلاةِ كفارة، من كتاب: المواقيت (١).
٢٤ - بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
(باب: من تصدق في الشرك ثمّ أسلم) يعتد له بثواب ذلك.
١٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ".
[٢٢٢٠، ٢٥٣٨، ٥٩٩٢ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠١]
стр. 1801
(هشام) أي: ابن يوسف. (معمر) أي: ابن راشد.
(أرأيت؟) أي: أخبرني. (عن حكم أشياء كت أتحنَّثُ) بمثلثة على الأصح رواية، أي: أتعبد. (بها في الجاهلية) أي: قبل الإسلام. (على ما سلف من خيرٍ) أي: على قبوله، ويؤيده خبرُ الدارقطني: "إذا أسلم الكافرُ، فَحَسُنَ إسلامُه، كتب الله له كلّ حسنةٍ كان زلفها، ومحى عنه كلّ سيئةٍ كان زلفها، وكان عملُه بعد ذلك الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ، والسيئةُ بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها" (١) ومن قال: إنَّ الكافرَ لا يُثاب، محلُّه: إذا لم يسلم، [بل قد يثاب وإن لم يسلم] (٢) لكن في الدنيا خاصةً؛ لخبر مسلم: "إنَّ الكافرَ يُثابُ في الدنيا بالرزقِ على ما يفعله من حسنة" (٣).
٢٥ - بَابُ أَجْرِ الخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ
(باب: الخادمِ إذا تصدَّق بأمر صاحبه غيرَ مفسدٍ) المرادُ بصاحبه: مالكُ أمره.
١٤٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالتْ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ".
[انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٢]
стр. 1802
(جرير) أي: ابن عبد الحميد (١).
(ولزوجها) أي: أجره، وسبق شرح الحديث (٢).
١٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ، الَّذِي يُنْفِذُ - وَرُبَّمَا قَال: يُعْطِي - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ".
[٢٢٦٠، ٢٣١٩ - مسلم: ١٠٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠٢]
(أبو أُسامة) هو حمادُ بنُ أسامةَ. (عن أبي بردة) اسمه: عامرُ بنُ أبي موسى.
(الّذي ينفذ) بضم أول (ينفذ) وسكون ثانية، وكسر ثالثه، آخره ذال معجمة، أي: يمضي، ويجوز فتحُ النون، وتشديدُ الفاء، وفي نسخةٍ: "ينفق" بقاف بدل الذال. (طيبٌ به نفسه) برفع (طيب) خبر لـ (نفسه)، والجملةُ: حالٌ، وبنصبه حال، و (نفسه) مرفوع به على الفاعلية. (إلى الّذي أمر له) بالبناء للمفعول، أي: الّذي أمر الآمر له. (به) أي: بالدفع. (أحد المتصدقين) خبر الخازن.
٢٦ - بَابُ أَجْرِ المَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ، أَوْ أَطْعَمَتْ، مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ
(باب: أجرِ المرأة إذا تصدَّقتْ، أو أطعمتْ من بيت زوجها غير مفسدةٍ) أي: في صدقتها المأذون فيها، بأنْ لا تزيد عَلى العُرفِ المعتادِ.
(﴿وَاتَّقَى﴾) الله. (﴿بِالْحُسْنَى﴾) أي: بلا إله إلا الله في الموضعين.
(﴿لِلْيُسْرَى﴾) أي: نهيئه.
(﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) أي: للجنة. (﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾) أي: بحق الله. (﴿وَاسْتَغْنَى﴾) بماله عن ثوابه تعالى، فلم يرغب فيه. (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾) أي: للنار، وعطف على قول الله تعالى بحذف حرف العطف.
(اللَّهُمَّ أعطْ منفقَ مالٍ) في نسخةٍ: "منفقًا مالًا". (خلفًا) أي: عوضًا مالًا كان أو ثوابًا.
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاويَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا".
[مسلم: ١٠١٠ - فتح: ٣/ ٣٠٤]
(إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (أخي) هو أبو بكر، واسمُه: عبدُ الحميد. (عن سليمان) أي: ابن بلال. (عن أبي الجباب) اسمه: سعيدُ بن يسار.
(ما من يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه) ينزل فيه أحد (إلَّا ملكان إلى آخره) فالملكان مستثنيان من محذوف، و (ما) نافية، واسمها: (يوم)، وخبرها محذوف، وهو (ينزل .. إلى آخره)، كما تقرر، و (من) زائدة.
(اعط ممسكًا تلفًا) أعط فيه للمشاكلة، وإلا فالتلف لا يعطى.
٢٨ - بَابُ مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ
(باب: مثل المتصدق والبخيل) أي: بيان مثليهما.
١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ".
стр. 1805
وحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ" تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، فِي الجُبَّتَيْنِ.
[١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧
- مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥]
(موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. (وهيب) أي: ابن خالد.
(ابْن طاوس) اسمه: عبد الله.
(والمتصدق) في نسخةٍ: "والمصَّدِّق" بقلب التاء صادًا، وإدغامها في الصاد. (جبتان) بجيم مضمومة، وموحدة في الروايتين، وفي نسخة: بالنون بدل الموحدة فيهما، وسيأتي بعد ترجيح الثّانية على الأولى. (من ثُديهما) بضم المثلثة، وكسر الدال المهملة، وتشديد التحتية، جمعُ ثديٍ، وفي روايةٍ: "من ثدييهما" (١) بفتح المثلثة، وسكون المهملة، وبياءين أولاهما مفتوحة تثنية ثدي. (إلى تراقيهما) جمع ترقوة، وهي: العظمان المشرفان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرةٍ النحر. (وسبغت) أي: امتدت، وعلمت.
(أو وفرت) بتخفيف الفاء، أي: كملت، وهو شكٌّ من الراوي. (حتى تخفي) بضم الفوقية، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الفاء، أي: تستر. (بنانه) بفتح الموحدة، ونونين بينهما ألف، أي: أنامله.
стр. 1806
(وتعفو) أي: تمحو. (أثره) بفتح الهمزة، والمثلثة، وبالكسر والسكون. (وعفى) جاء لازمًا، ومتعديًا، تقول: عفت الدارُ، إذا درست، وعفاها الريحُ، إذا طمسها، وهو في الحديث متعدٍ، والمعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدق، كما يستُر الثوبُ جميعَ بدنه.
(إلَّا لزقت) بكسر الزاي، أي: التصقت. (ولا تتسع) في نسخةٍ: "فلا تتسع".
(تابعه) أي: عن طاوس. (في الجبتين) أي: بالموحدة.
١٤٤٤ - وَقَال حَنْظَلَةُ: عَنْ طَاوُسٍ، جُنَّتَانِ، وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جُنَّتَانِ.
[انظر: ١٤٤٣ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥]
(جنتان) أي: بالنون بدل الموحدة.
(جعفر) أي: ابن ربيعة. (عن ابن هرمز) هو عبد الرّحمن.
(جنتان) أي: بالنون أيضًا، ورجحت رواية النون على روايةِ الموحدة؛ لقوله: (من حديد) ولقوله: (لزقت كلّ حلقةٍ مكانها) والجنةُ في الأصل: الحصن سميت بها الدرعُ؛ لأنها تجن صاحبَها، أي: تحصِّنه.
٢٩ - بَابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ، وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] [فتح ٣/ ٣٠٧]
(باب: صدقة الكسب والتجارة) العطفُ فيه من عطف الخاصِّ على العامِّ. (﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾) ساقطٌ من نسخةٍ، ولم يذكر في الباب حديثًا؛ اكتفاءً بالآية، وجريًا على عادته، فيما لم يجد فيه حديثًا على شرطه.
стр. 1807
٣٠ - بَابٌ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ
(باب: على كلّ مسلم صدقة) أي: باب في بيان ذلك. (فمن لم يجد) أي: ما يتصدق به. (فليعمل بالمعروف) هو اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما عرف من طاعة الله تعالى.
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَال: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ" قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَال: "يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ" قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَال: "فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ".
[٦٠٢٢ - مسلم: ١٠٠٨ - فتح: ٣/ ٣٠٧]
(شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن أبيه) هو أبو بردة، واسمه: عامر. (عن جده) هو أبو موسى الأشعري.
(على كلِّ مسلمٍ صدقة) أي: على سبيل الندب المتأكد، لا على سبيلِ الوجوب، لكنَّ في حقِّ من رأى عاجزًا عن الكسب، وقد قارب الهلاكَ، أو على الأمرين معًا؛ إعمالًا للفظ في حقيقته ومجازه. (الملهوف) صادقٌ بالمظلوم والعاجز. (فإنْ لم يجد) أي: يقدر. (فإنها) أنث الضميرَ باعتبار الفعلة، أو الخصلة الحاصلة من العمل والإمساك. (له) أي: لكل من العامل بالمعروف، والممسكِ عن الشرِّ. (صدقة) أي: على نفسه وغيرها، وحاصلُ الحديث: أنَّ الشفقةَ على خلق الله متأكدةٌ، وهي إمّا بمالٍ حاصلٍ، وهو الشقُّ الأوّل، أو بمقدار التحصيل، وهو الثّاني، أو بغير مالٍ، وهو إمّا فعلٌ: وهو الإعانة، أو ترك: وهو الإمساك.
وقضيةُ الحديثِ: ترتيبُ الأمورِ الأربعة، وليس مرادًا، وإنّما هو للتسهيلُ على من عجز عن واحدٍ منها، وإلا فمن أمكنه فعل جميعها أو عدد منها معًا، فليفعل.
стр. 1808
٣١ - بَابٌ: قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً
(باب: قدر كم يعطى) أي: المزكي. (من الزكاةِ والصدقةِ) أي: وكم يُعِطي المتصدقُ من الصَّدقة، أي: المندوبة، ويجوز قراءةُ (يعطى) بالبناء للمفعول، وإنَّما لم يبين الكميةَ في الشقين؛ اعتمادًا على سبق الاستفهامِ إليها على أنَّ كمية قدر ما يُعطى من الزكاةِ معلومةٌ من أبوابها، وكمية قدر ما يعطى من الصَّدقة موكولة إلى ما يسمح به المتصدق، لأنه محسن، والله يحب المحسنين، وما على المحسنين من سبيل. (ومن أعطى شاة) أي: من الزَّكاة، وهو عطف على (قدر كم) أي: باب: بيان قدر كم، وبيان حكم من أعطى شاة من أنه إنّما يعطيها مفردة سليمة، لا مجزأة، ولا معيبة على ما ذكر في محله.
١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ مِنْهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " فَقُلْتُ: لَا، إلا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فَقَال: "هَاتِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".
[١٤٩٤، ٢٥٧٩ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٣/ ٣٠٩]
(أبو شهاب) اسمه: عبد ربه بن نافع الحناط.
(بعث) بالبناء للمفعول. (نسيبة) بالتصغير، والأصل: بعث إليَّ، بياء المتكلم، لكن عبرت عن نفسها بالظاهر، إمّا التفاتًا، أو تجريدًا، بأن جردت من نفسها شخصًا يسمى: (نسيبة) وهي: أم عطية، لا غيرها. (فقلت) في نسخة: "فقالت". (من تلك الشاة) في نسخة: "من ذلك الشاة). (هات) أي: "هاتي" كما في نسخة، حذفت الياء تخفيفًا، قال الخليل: وأصله آتي، قلبت الهمزة هاء (بلغت محلها) بكسر الحاء، أي: موضعها الّتي تحل فيه بصيرورتها ملكًا للمتصدق بها عليها،
стр. 1809
فصحت منها هديتها، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يحرم عليه أكل الصَّدقة.
ومطابقة الحديث للجزء الأوّل والثّاني للترجمة: من حيث مطلق المقدار، لا كمية إرسال نُسيبة إلى عائشة قدرًا من تلك الشاة الّتي أرسلها النَّبيّ ﷺ من الزَّكاة لنسيبة، وللثالث منها: إرسال النَّبيّ ﷺ إليها بشاة كاملة.
٣٢ - بَابُ زَكَاةِ الوَرِقِ
(باب: زكاة الورق) بفتح الواو، وكسر الراء، أي: الفضة.
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا.
[١٤٠٥ -
مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣١٠]
(من الإبل) بيان للزود، ومرَّ شرح الحديث في باب: ما أدي زكاته فليس بكنز (١). (خمسة أوسق) الوسق: ستون صاعًا، كما مرَّ.
(عبد الوهّاب) أي: ابن عبد المجيد. (حدثني يحيى) في نسخةٍ: "حَدَّثَنَا يحيى". (عمرو) أي: ابْن يحيى المازني. (بهذا) أي: الحديث، وفائدة إيراد هذه الطريق: التصريح بسماع عمرو من أبيه.
стр. 1810
٣٣ - بَابُ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
وَقَال طَاوُسٌ: قَال مُعَاذٌ ﵁ لِأَهْلِ اليَمَنِ: "ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ - أَوْ لَبِيسٍ - فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ" وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
[انظر: ١٤٦٨] وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ".
[انظر: ٩٨] فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ".
(باب: العرض في الزَّكاة) أي: جواز أخذه فيها، و (العرض) بالسكون خلاف الدنانير والدراهم الّتي قيم الأَشياء، وبالفتح: ما عرض من مال قل، أو أكثر، فكل عرض بالفتح، ولا عكس، وأصله: بالسكون مصدر.
(طاوس) ابن ذكوان. (معاذ) أي: ابن جبل. (بعرضٍ) بالتنوين. (ثياب) بدل من عرض، أو عطف بيان له، وفي نسخةٍ: ترك تنوين (عرض) بإضافته، كشجر أراك، فالإضافة بيانية (خميص) بخاء معجمة مفتوحة، وصادٍ مهملة، بدل من ثياب، أو عطف بيان له، والمراد به: خميصة. وذكره على إرادة الثّوب، والخميص: كساءٌ أسودٌ مربع له علمان، وقال ابن بطّال: والمشهور خميس بالسين، وهو: الثّوب الذي طوله خمسة أذرع، (لبيس) بوزن فعيل بمعنى: مفعول.
(مكان الشعير والذرة) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الراء، ولا حجة في هذا على أخذ القيمة في الزَّكاة مطلقًا؛ لاحتمال أن معاذًا إنّما
стр. 1811
أخذها لحاجة، أو مصلحة علمها بالمدينة، أو أنه أخذ منهم شعيرًا وذرة ثمّ اشترى بها ثيابًا، ورأى أن ذلك أرفق للصحابة، وأن مؤنة النقل ثقيلة، فرأى التخفيف في ذلك، وإليه أشار بقوله (أهون عليكم إلى آخره) وهو خبر محذوف، أي: فإنّه أهون وعبر بـ (على)؛ دون اللام؛ لإرادة تسلط السهولة عليهم.
(وأما خالد) أي: ابن الوليد. (احتبس) في نسخةٍ: "فقد احتبس" أي: وقف. (أدراعه) جمع درع، بدال مهملة، وهي: الزردية. (وأعتده) بضم الفوقية جمع عتاد، كأعنق وعناق، وفي نسخةٍ: بكسرها جمع عتد بفتحتين، كأزمنة وزمن: وهو المعد من السلاح والدواب للحرب، فعطف الأعتد على ما قبله من عطف العام على الخاص. (في سبيل الله) قال النووي: إنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًّا أنها للتجارة، فقال لهم: لا زكاة عليَّ، فقالوا للنبي ﷺ : إن خالدًا منع، فقال: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول، فلا زكاة فيها (١). وفيه: دليل على وقف المنقول. (فلم) أي: قال البخاريّ: فلم (يستثن) النَّبيّ ﷺ (صدقة العرض من غيرها) في نسخةٍ: "صدقة الفرض" بالفاء بدل العين، أي: فلم يفرق في إعطاء العرض بين صدقة الفرض، وصدقة النفل. (خرصها) بضم الخاء، وكسرها، أي: حلقها. (وسخابها) بكسر السين، أي: قلادتها (ولم) أي: قال البخاريّ ولم: (يخص) أي: النَّبيّ ﷺ (الذهب والفضة من العروض) بل سوى بينهما في صحة التصدق بها.
стр. 1812
١٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ : "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ" [١٤٥٠، ١٤٥١، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥ - فتح: ٣/ ٣١٢]
(محمّد بن عبد الله) أي: ابن المثني. (ثمامة) بضم المثلثة، أي: ابن عبد الله بن أنس.
(كتب له) أي: لأنس. (الّتي) أي: الفريضة الّتي. (أمر الله رسوله بها) وفي نسخةٍ: "ورسوله" بواو العطف.
(بنت مخاضٍ): هي الأنثى من الإبل، وهي الّتي تمَّ لها عامٌ، وسميت به؛ لأن أمها آن بها أن تلحق بالمخاض، وهو وجع الولادة، وإن لم تحمل (بنت لبون): هي الأنثى من الإبل، وهي الّتي آن لأمها أن تلد غيرها، فتصير لبون. (المصدق) بتخفيف الصاد وتشديد الدال المهملتين: الساعي الّذي يأخذ الزَّكاة (عشرين درهمًا) أي: فضة من النقرة الخالصة، وهي المرادة بالدراهم حيث أطلقت.
١٤٤٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَال: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "لَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ"، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ.
[انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٤٤ - فتح: ٣/ ٣١٢].
(مؤمل) أي: ابن هشام. (إسماعيل) أي: ابن عليَّة. (أَيّوب) أي: السختياني.
(لصلَّى) جواب قسم تضمنه (أشهد). (ناشر ثوبه) بالإضافة مع
стр. 1813
النصب حال، وفي نسخةٍ: "ناشرٌ ثوبه" بغير إضافة مع الرفع، خبر مبتدإٍ محذوف وهو ناشرٌ ثوبه، والجملة حال. (وأشار أَيّوب إلى أذنه وإلى حلقه) أي: إلى ما فيها عن حلق وقلادة.
٣٤ - بَابٌ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
(باب: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع) في نسخةٍ: "مفترق" بدل (متفرق) والفعلان مبنيان للمفعول. (ويذكر عن سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر (مثله) أي: مثل لفظ التّرجمة.
١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ".
[انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٤]
(محمّد بن عبد الله) أي: ابن المثنى.
(كتب له الّتي فرض رسول الله) أي: الفريضة الّتي فرضها رسول الله (خشية الصَّدقة) تنازعه (يجمع)، و (يفرق)، والمعني: لا يجمع المالك بين متفرق خشية كثرة الصَّدقة، ولا يفرق المصدق بين مجتمع خشية قلة الصَّدقة.
٣٥ - بَابٌ: مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّويَّةِ
وَقَال طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ: "إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أَمْوَالهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا" وَقَال سُفْيَانُ: "لَا يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً".
стр. 1814
(باب: ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (ما) متضمنة معنى الشرط، أي: مهما كان (من خليطين) أي: مخلوطين، أو خالطين.
(فإنهما) أي: الخليطين بالمعنى الثّاني، أو مالكيهما بالمعنى الأوّل، ولا مانع من ذلك؛ إذ فعيل يأتي بمعنى المفعول، وبمعنى الفاعل، ويجوز جمعها باعتبارين، فيكون خليط بمعنى المخلوط بالنسبة إلى المال، وبمعنى الخالط بالنسبة إلى المالك. وقوله: (يتراجعان) يعني: أن من أخرج منهما زكاتهما من ماله رجع على الآخر [بقدر نسبة ماله إلى جملة المال حتّى لو كان لكل منهما عشرون شاة، وأخرج أحدهما شاة من ماله رجع على الآخر] (١) بقيمة نصف الشاة، ولو كان لأحدهما ثلاثون، وللآخر عشرة، فأخرج مالك الثلاثين شاة من ماله رجع على الآخر بقيمة ربعها، فقوله: (بالسوية) أراد به النسبة.
(طاوس) أي: ابن كيسان (وعطاء) أي: ابن أبي رباح (إذا علم) بكسر اللام مخففة، وفي نسخةٍ: "علم" بفتحها مشددة. (فلا يجمع مالهما) أي: في الصَّدقة، فلو كان لكل واحد منهما عشرون شاة مميزة بعلامة، فلا زكاة فيهما عند هذا القائل، أو هو محمول على ما إذا لم تكمل شروط خلطة الجوار.
(وقال سفيان) أي: الثّوريّ. (لا تجب) أي: الزَّكاة في الخليطين. (حتّى يتم لهذا أربعون شاة ولهذا أربعون شاة) أي: فيجب حينئذٍ على كلّ واحدٍ شاة. فلم يعتبر سفيان خلطة الجوار، واعتبرها الشّافعيّ، كخلطة الشيوع.
стр. 1815
٣٦ - بَابُ زَكَاةِ الإِبِلِ
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[١٤٤٨، ١٤٦٠]
١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّويَّةِ".
[انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٥]
(باب: زكاة الإبل) بكسر الباء أكثر من سكونها، ولفظ: (باب) ساقط من نسخةٍ. (ذكره) أي: حكم زكاة الإبل.
١٤٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَال: "وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ " قَال: نَعَمْ، قَال: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا".
[٢٦٣٢، ٣٩٢٣، ٦١٦٥ - مسلم: ١٨٦٥ - فتح: ٣/ ٣١٦]
(الأوزاعي) هو عبد الرّحمن بن عمرو.
(عن الهجرة) أي: أن يبايعه على الإقامة بالمدينة.
(ويحك) كلمة رحمة وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها. (إن شأنها) أي: الهجرة، أي: القيام بحقها (شديد) لا يستطيع القيام بها إلا القليل، ولعلّها كانت متعذرة على السائل، أو شاقةٌ عليه، فلم يجبه إليها. (تؤدي صدقتها) أي: زكاتها. (من وراء البحار) أي: من وراء القرى، والمدن، وإلا فليس وراء البحار مساكن، والمقصود: اعمل الخير حيثما كنت، ولو كنت في أبعد مكان، فإن الله لا يضيع أجر احسانك (لن يترك) بكسر الفوقية، أي: لن ينقصك، وفي نسخةٍ: "لم يترك" بلم بدل (لن) وفي أخرى: "لن يترك" بسكون الفوقية، وضمِّ الراء، من الترك. (من عملك) أي: من ثوابه.
стр. 1816
٣٧ - بَابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
(باب: من بلغت عنده صدقة بنت مخاضٍ وليست عنده) برفع (صدقة)؛ فاعل (بَلَغَت) وهي مضافة إلرل ما بعدها، وفي نسخةٍ: "صدقةٌ" بالتنوين، فما بعدها منصوب، و (من) مبتدأ وخبره محذوف، أي: فليصعد أو فلينزل، كما يعلم ممّا يأتي.
١٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ : "مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إلا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ".
[انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٦]
(أمر الله رسوله) أي: بها. (من بلغت) مبتدأ خبره (فأنها) بالفتح، ودخلت الفاء فيه؛ لتضمن (من) معنى الشرط، وضمير (فأنها) للقصة.
(والجذعة) هي الّتي لها أربع سنين؛ لأنها جذعت، أي: سقط مقدم أسنانها، و (الحِقة) [هي الّتي لها ثلاث سنين] (١). (وعنده بنت مخاض)
стр. 1817
هي: الّتي لها سنة كما مَرَّ.
وفي الحديث: خبر أن كلّ مرتبة بشاتين، أو عشرين درهمًا، وجواز النزول والصعود عند فقد الواجب إلى سن آخر يليه، وأن الخيار في الشاتين والعشرين للمعطي، سواء كان المالك، أم الساعي، أما في الصعود والنزول فللمالك في الأصح، وأن كلًّا من الشاتين والعشرين درهمًا أصل في نفسه، لا بدل؛ لأنه قد خير فيهما، وكان ذلك معلومًا لا يجري مجرى تعديل القيمة، لاختلاف ذلك في الأزمنة والأمكنة، فهو تعويض قدره الشارع [كالصاع] (١) في المصرَّاة والغرة في الجنين في تعذر الوقوف في مثل ذلك على مبلغ الاستحقاق، وليس فيه ما ترجم له، اكتفاءً بذكره له صريحًا فيما مَرَّ في باب: العرض في الزَّكاة، وقياسًا على ما ذكره هنا.
٣٨ - بَابُ زَكَاةِ الغَنَمِ
(باب: زكاة الغنم) الشاملة للضأن والمعز.
[وحديث الباب مشتمل على بيان زكاة الإبل والورق أيضًا] (٢).
١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، "فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ
стр. 1818
وَثَلاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاثِ مِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إلا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا".
[انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٧]
(لما وجَّهَه إلى البحرين) أي: عاملًا عليهما، وهي: اسم لإقليم مشهور يشتمل على مدن معروفة قاعدتها هجر (١). (هذه فريضة) أي: نسختها، فحذف المضاف؛ للعلم به. (الّتي فرض) أي: فرضها (والتي أمر الله بها) في نسخة: "به" وعطف الجملة على ما قبلها عطف تفسير، وحذف في نسخة العاطف، والفارض والآمر هو الله حقيقة، لكن عبر في الثّاني بالآمر إشارة إلى الإيجاب، وهو ثابت بنص القرآن إجمالًا، وفي الأوّل بالفرض؛ لأنه التقدير وهو ﷺ بين الإجمال، بتقدير،
стр. 1819
والأنواع، والأجناس.
(فلا يعط) أي: فلا يعط الزائد على الواجب، وقيل: لا يعط شيئًا؛ لأنه خان بطلبه فوق الواجب. (في أربع وعشرين إلى آخره) بيان لقوله: (هذه فريضة الصَّدقة) والجار والمجرور خبر مبتدإِ محذوف، أي: زكاة، و (من) الأولى: بيانية لما قبلها، والثّانية: متعلّقة بالمبتدأَ المحذوف، والثالثة: تعليلية، وهي مع ما بعدها خبر و (شاة)، والثّانية ساقطة من نسخةٍ، فعليها (الغنم) مرفوع بالابتداء، وخبره (في أربع وعشرين) والثالثة مع مدخولها بيان.
(إذا) في نسخةٍ: "فإذا" (بنت مخاض أنثى) ذكر (أنثى) هنا وفيما بعد تأكيد، كما تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني. (طروقة الجمل) أي: يعلو على مثلها الفحل، يقال: طرقها الجمل، أي: ضربها، وفي نسخة: "الفحل" بدل الجمل، يعني: زاده هنا، إمّا لأن المكتوب لم يكن فيه العدد، أو أن الراوي الأوّل ترك ذكره، وفسره الراوي عنه توضيحًا.
(إلا أن يشاء ربها) أي: أن يتطوع، كما هو بهذا اللّفظ في حديث الأعرابي (١). (وفي صدقة الغنم) خبر لقوله: بعد: (شاة). (في سلامتها) بدل ممّا قبله. (إذا كانت) في نسخة: "إذا بلغت". (شاتان) خبر مبتدإِ محذوف. أي: فزكاتها شاتان. (ثلاث) في نسخة: "ثلاث شياه". (فإذا زادت على ثلاثمائة) أي: مائة أخرى، فلا تجب الشياه الأربع إلا في أربعمائة شاة، وعن بعضهم إذا زادت على الثلاثمائة
стр. 1820
واحدة وجبت الأربع. (ناقصة) خبر كان. (شاة) تمييز. (واحدة) صفة لها، أو مفعول بـ (ناقصة)، قيل: ويحتمل أن تكون شاة مفعول بـ (ناقصة)، و (واحدة) وصف لها، والتمييز محذوف؛ للدلالة عليه. (وفي الرقة) بكسر الراء، وتخفيف القاف، أي: وفي مائتي درهم فأكثر من الرقة: هي الفضة مضروبة كانت أو لا، وأصله: ورق، حذفت الواو، وعوض عنها بالهاء. (فإن لم تكن) أي: الرقة.
٣٩ - بَابٌ: لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ
(باب: لا تؤخذ في الصَّدقة) أي: الزَّكاة. (هرمة) بكسر الراء، أي: كبيرة السن. (ولا ذات عوار) بفتح العين: المعيبة بما يردّ به في البيع، وبضمها: العور في العين. (ولا تيس) هو فحل المعز. (إلا ما شاء المصدق) بتخفيف الصاد، أي: الساعي، وبتشديدها، أي: المالك، والاستثناء. (إلا من التيس) لأنه قد يزيد على خيار الغنم في القيمة؛ لطلب الفحولة، أو من الكل إذا رآه أنفع المستحقين، فالمنع في المذكورات محله: إذا كانت ماشيته كلها كذلك، والغرض، كما قال الخطابي: أن لا يأخذ الساعي شرار الأموال، كما لا يأخذ كرائمها، فلا يجحف بالمالك، ولا يزري بالمستحقين، وكذلك المالك لا يعطي الشرار، وإن جاز، بل يندب له إعطاء الكرائم (١)، وبسط الكلام على ذلك يطلب من كتب الفقه.
(في الصَّدقة) أي: في الزَّكاة.
١٤٥٨ - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَال: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً [تؤخذ] مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ".
[انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
(أمية بن بسطام) بكسر الموحدة. (عن أبي معبد) هو نافذ، بنون، وفاء، وذال معجمة.
(على اليمن) في نسخة: "إلى اليمن". (تقدّم) بفتح الدال مضارع قدم بكسرها، أي: جاء. (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) أي: معرفته، كما في ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: يوحدون، و (أول) بالنصب خبر (يكن)، و (عبادة) بالرفع اسمها، ويجوز عكسه. (تؤخذ من أموالهم) (تؤخذ) ساقطة من نسخة. (فخذ) في نسخة: "خذ". (وتوق) أي: احذر، ومرَّ الحديث في أول الزَّكاة (١).
٤٢ - بَابٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
(باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة) أي: زكاة.
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
стр. 1823
بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ".
[انظر: ١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
(عن محمّد بن عبد الرّحمن بن صعصعة) نسبة إلى جده، ونسب جده إلى جده، وإلا فهو محمّد بن عبد الله بن أبي صعصعة.
(ليس فيما دون خمسة أوسق من التّمر صدقة إلخ) مرَّ شرحه (١).
٤٣ - بَابُ زَكَاةِ البَقَرِ
وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ" وَيُقَالُ جُؤَارٌ: ﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] "تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ".
(باب: زكاة البقر) أي: بيان وجوبها، والبقر: اسم جنس يكون للمذكر والمؤنث من بقرت الشيء إذا شققته؛ لأن البقر يبقر الأرض بالحراثة.
(أبو حميد) اسمه: عبد الرّحمن [الساعدي] (٢) (لأعرفن) في نسخة: "لا أعرفن" وهي المرادة من الأولى. (ما جاء الله رجل) (ما): مصدرية، أي: مجيء رجل الله.
(ببقرة إلى آخره) ومعنى الجملتين: لا ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة فأعرفكم بها غدًا.
стр. 1824
(لها خوار) بخاء معجمة مضمومة: صوت، ويقال: جؤار، بجيم وهمزة: رفع الصوت، ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]، (معناه): ترفعون أصواتكم، ذكر هذا على عادته عند وقوفه على غريب يقع مثله في القرآن أن يذكر تفسيره؛ تكثيرًا للفائدة.
١٤٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ، أَوْ بَقَرٌ، أَوْ غَنَمٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إلا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ " رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[٦٦٣٨ - مسلم: ٩٩٠ - فتح: ٣/ ٣٢٣]
(الأعمش) هو سليمان بن مهران.
(انتهيت) أي: قال أبو ذر: انتهيت. (إلى النَّبيّ) في نسخة: "انتهيت إليه، يعني: النَّبيّ" وفسر فيها ضمير (إليه) بالنبي، خلافًا لما وقع لشيخنا من أن الضمير لأبي ذر (١). (والذي نفسي بيده إلى آخره) فيه: تنبيه على أن أبا ذر لم يضبط ما حلف به النَّبيّ ﷺ . (أعظم) بالنصب حال. (تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها) بكسر الطاء، والخف للإبل، والقرن للبقر والغنم، ففي ذلك مع ما قبله لف ونشر مرتب، ومرَّ في إثم مانع الزَّكاة (٢) أن الغنم تأتي على صاحبها تطؤه، وتنطحه بقرونها، فزاد فيه الوطء بأظلافها على ما هنا. (ردت) بضم الراء، وفي
стр. 1825
نسخة: بفتحها. (حتّى يقضي بين النَّاس) أي: يفرغ من حسابهم. (بكير) أي: ابن عبد الله بن الأشج. (عن أبي صالح) هو ذكوان السمان. (عن النَّبيّ ﷺ ) مراد البخاريّ بهذا: قال شيخنا: موافقة هذه الرِّواية لحديث أبي ذر في ذكر البقر؛ لأن الحديثين مستويان في جميع ما وردا فيه (١)، ومرَّ شرح الحديث في أول الزَّكاة (٢).
٤٤ - بَابُ الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ القَرَابَةِ وَالصَّدَقَةِ".
[انظر: ١٤٦٦]
(باب: الزَّكاة على الأقارب) أي: بيان استحبابها. (له) أي: المتصدق على أقاربه.
١٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَال أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَال: فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ" فَقَال أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.