(في الصَّدقة) أي: في الزَّكاة.
١٤٥٨ - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَال: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً [تؤخذ] مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ".
[انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
(أمية بن بسطام) بكسر الموحدة. (عن أبي معبد) هو نافذ، بنون، وفاء، وذال معجمة.
(على اليمن) في نسخة: "إلى اليمن". (تقدّم) بفتح الدال مضارع قدم بكسرها، أي: جاء. (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) أي: معرفته، كما في ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: يوحدون، و (أول) بالنصب خبر (يكن)، و (عبادة) بالرفع اسمها، ويجوز عكسه. (تؤخذ من أموالهم) (تؤخذ) ساقطة من نسخة. (فخذ) في نسخة: "خذ". (وتوق) أي: احذر، ومرَّ الحديث في أول الزَّكاة (١).
٤٢ - بَابٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
(باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة) أي: زكاة.
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
стр. 1823
بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ".
[انظر: ١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
(عن محمّد بن عبد الرّحمن بن صعصعة) نسبة إلى جده، ونسب جده إلى جده، وإلا فهو محمّد بن عبد الله بن أبي صعصعة.
(ليس فيما دون خمسة أوسق من التّمر صدقة إلخ) مرَّ شرحه (١).
٤٣ - بَابُ زَكَاةِ البَقَرِ
وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ" وَيُقَالُ جُؤَارٌ: ﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] "تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ".
(باب: زكاة البقر) أي: بيان وجوبها، والبقر: اسم جنس يكون للمذكر والمؤنث من بقرت الشيء إذا شققته؛ لأن البقر يبقر الأرض بالحراثة.
(أبو حميد) اسمه: عبد الرّحمن [الساعدي] (٢) (لأعرفن) في نسخة: "لا أعرفن" وهي المرادة من الأولى. (ما جاء الله رجل) (ما): مصدرية، أي: مجيء رجل الله.
(ببقرة إلى آخره) ومعنى الجملتين: لا ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة فأعرفكم بها غدًا.
стр. 1824
(لها خوار) بخاء معجمة مضمومة: صوت، ويقال: جؤار، بجيم وهمزة: رفع الصوت، ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]، (معناه): ترفعون أصواتكم، ذكر هذا على عادته عند وقوفه على غريب يقع مثله في القرآن أن يذكر تفسيره؛ تكثيرًا للفائدة.
١٤٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ، أَوْ بَقَرٌ، أَوْ غَنَمٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إلا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ " رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[٦٦٣٨ - مسلم: ٩٩٠ - فتح: ٣/ ٣٢٣]
(الأعمش) هو سليمان بن مهران.
(انتهيت) أي: قال أبو ذر: انتهيت. (إلى النَّبيّ) في نسخة: "انتهيت إليه، يعني: النَّبيّ" وفسر فيها ضمير (إليه) بالنبي، خلافًا لما وقع لشيخنا من أن الضمير لأبي ذر (١). (والذي نفسي بيده إلى آخره) فيه: تنبيه على أن أبا ذر لم يضبط ما حلف به النَّبيّ ﷺ . (أعظم) بالنصب حال. (تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها) بكسر الطاء، والخف للإبل، والقرن للبقر والغنم، ففي ذلك مع ما قبله لف ونشر مرتب، ومرَّ في إثم مانع الزَّكاة (٢) أن الغنم تأتي على صاحبها تطؤه، وتنطحه بقرونها، فزاد فيه الوطء بأظلافها على ما هنا. (ردت) بضم الراء، وفي
стр. 1825
نسخة: بفتحها. (حتّى يقضي بين النَّاس) أي: يفرغ من حسابهم. (بكير) أي: ابن عبد الله بن الأشج. (عن أبي صالح) هو ذكوان السمان. (عن النَّبيّ ﷺ ) مراد البخاريّ بهذا: قال شيخنا: موافقة هذه الرِّواية لحديث أبي ذر في ذكر البقر؛ لأن الحديثين مستويان في جميع ما وردا فيه (١)، ومرَّ شرح الحديث في أول الزَّكاة (٢).
٤٤ - بَابُ الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ القَرَابَةِ وَالصَّدَقَةِ".
[انظر: ١٤٦٦]
(باب: الزَّكاة على الأقارب) أي: بيان استحبابها. (له) أي: المتصدق على أقاربه.
١٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَال أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَال: فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ" فَقَال أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
стр. 1826
تَابَعَهُ رَوْحٌ، وَقَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ: عَنْ مَالِكٍ "رَايِحٌ".
[٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٣/ ٣٢٥]
(أبو طلحة) هو زيد الأنصاري.
(من نخل) (من) بيانية. (أحب) بالنصب خبر (كان) (بيرحاء) اسمها، ويجوز العكس، وهو: اسم قبيلة، أو بستان، أو امرأة أو أرض، وفي ضبطها اضطراب، والذي في "نهاية ابن الأثير"، أما بفتح الباء وكسرها، وفتح الراء وضمها، والمدّ فيهما، وبفتحهما والقصر (١)، فجملتهما خمسة لا ثمانية، كما وقع لبعض الشراح، وكأنه تصرف في عبارة "النهاية"، وزاد بعضهم في ضبطها أكثر من ذلك. (أرجو برها) أي: خيرها (وذُخْرَهَا) بضم الذال المعجمة، أي: أجرها (فضعها يا رسول الله بها أراك الله) فوض تعيين مصرفها إليه لا وقفيتها (بخ) بفتح الموحدة، وسكون المعجمة، وكسرها بتنوين وضمها كذلك: كلمة تقال لتفخيم الأمر، والتعجب من حسنه، ومدحه، والرضى به؛ ولذا كررت (بخ) فهي للمبالغة فينون الأوّل، ويسكن الثّاني، وهو الاختيار، ويسكنان وينونان بكسر أو ضم، أو يشدد كذلك، فمن نونه شبهه بأسماء الأصوات، كصهٍ ومهٍ (مال ربح) بموحدة، أي: ذو ربح، وكلابن، وتامر، أي: يربح صاحبه في الآخرَة، أو مال مربوح، فاعل بمعنى مفعول (وبني عمه) من عطف الخاص على العام.
وفي الحديث: إنفاق ما يحب، ومشاورة أهل الفضل في كيفية الصَّدقة والطاعة.
стр. 1827
ووجه مطابقته للترجمة، كما قال الكرماني: قياس الزَّكاة على صدقة التطوع (١).
(تابعه) أي: عبد الله (روح) أي: ابن عبادة في قوله: (رابح) بالموحدة. (وإسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (رايح) بتحتية تقلب همزة، من الرواح، ضد الغدو، ومعناه كما قال النووي: رائح عليك منفعته وأجره في الآخرَة (٢). واكتفى بالرواح عن الغدو؛ لعلم المضاف به، أو لأن المراد: مال من شأنه الرواح وهو الذهاب، فإذا ذهب في الخير فهو أولى.
١٤٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا"، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ، مِنْ إِحْدَاكُنَّ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ" ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ، جَاءَتْ زَيْنَبُ، امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَال: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ " فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَال: "نَعَمْ، ائْذَنُوا لَهَا" فَأُذِنَ لَهَا، قَالتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ".
[انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٣/ ٣٢٥]
стр. 1828
(ابْن أبي مريم) هو: سعيد بن محمّد بن الحكم بن أبي مريم.
(زيد) زاد في نسخة: "هو ابن أسلم".
(في أضحى) أي: في عيد الأَضحى. (أو فطر) شك من الرواي (رأيتكن) في نسخة] (١): (أريتكن) بهمزة مضمومة. (وبما ذلك) في نسخة: "وبما ذاك". (اللعنة) أي: الشتم. (للب الرَّجل) في نسخة: "بلب الرَّجل". (الحازم) أي: الضابط لأمره. (زينب) أي: بنت معاوية، أو بنت عبد الله بن معاوية بن غياث. (فقيل) القائل هو: بلال، ومر شرح الحديث في باب: ترك الحائض الصوم (٢).
ووجه مطابقته للترجمة: شمول الصَّدقة للفرض والنفل، واحتج به على جواز دفع زكاة المرأة لزوجها الفقير، وهو مذهب الشّافعيّة، لكنه استشكل بأن إعطاءها ولدها يقتضي أن ذلك صدقة تطوع؛ لأن الزَّكاة لا تعطى لمن تلزم مؤنته، وأجيب: بأن الإضافة للتربية لا للولادة، فهو ولد زوجها دونها.
٤٥ - بَابٌ: لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
(باب: ليس على المسلم في فرسه صدقة) أي: زكاة.
١٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَال: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلامِهِ صَدَقَةٌ".
[١٤٦٤ - مسلم: ٩٨٢ - فتح: ٣/ ٣٢٦]
(وغلامه) أي: عبده، والمراد بالفرس والغلام: الجنس،
فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ؟ قَال: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَال: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَال: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إلا آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالتْ، وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ - أَوْ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ".
[انظر: ٩٢١ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٣/ ٣٢٧]
(هشام) أي: الدستوائيُّ. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير.
(ذاتَ يومٍ) الإضافةُ فيه من إضافة المسمَّى إلى اسمه، والمرادُ: قطعةٌ من الزّمان. (إنِّي ممّا) في نسخةٍ: "إنَّ مما" وما: موصولة، أو مصدرية. (ما يفتح) في محل نصب اسم (إن)، والجارُّ والمجرور قبله خبُرها. (من زهرةِ الدنيا وزينتها) أي: حسنِها وبهجتهِا، كمالِ الغنائمِ. (فقال رجلٌ) لم يسمَّ. (أَوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ؟) الهمزة للاستفهام، والواو مفتوحةٌ للعطف على مقدَّرٍ، أي: يخاف علينا من الخير، ويأتي الخيرُ بالشرِّ، والمعني: أتصيرُ نعمةَ الله الّتي هي زهرة للدنيا عقوبةً ووبالًا؟، فأجاب ﷺ بعدُ بما حاصله: أنَّ الخير الحقيقيَّ لا يأتي إلا بالخير، وهذه الزهرة ليست خيرًا حقيقيًّا؛ لما فيها من الفتنة، والمنافسة، والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة، بل خيرٌ عَرَضِيٌّ، فإنها خيرٌ لمن أخذ منها يسيرًا، أو كثيرًا، لكن صرفه في مصارفه كما تتسلط، وشرٌّ لمن أخذها كثيرًا ولم يصرفه في مصارفه.
(فسكت) أي: انتظارًا للوحي. (فرأينا) بفتح الراء والهمزة، أي:
стр. 1831
فظننا، وفي نسخةٍ: (فرئينا) بضم الراء، وكسر الهمزة، وفي أخرى: "فأرينا" بتقديم همزة مضمومة على الراء. (الرحضاء) بضم الراء، وفتح المهملة، والضاد المعجمة، والمد: العرق الكثير.
(أين السائلُ؟ وكأنه حمده) أي: وكأنه ﷺ حمد السائل، فهم الحاضرون من سكوته عند سؤاله إنكاره ﷺ ذلك، ومن قوله: (أين السائلُ) حمده لما رأوا فيه من البشرى؛ لأنَّه ﷺ كان إذا سُرَّ استنار وجهُه. إلَّا يأتي الخيرُ بالشرِّ) أي: إنْ ما قدَّر الله أن يكون خيرًا خيرٌ، وما قدَّر أن يكون شرًّا شرٌّ، وإنَّ الّذي أخافُ عليكم [ضره] (١) تضييعكم نعمةَ الله، وصرفكم إياها في غير ما أمر الله به، ولا يتعلّق ذلك بنفس النعمة، ثمّ ضرب لكلٍّ من شقِّي الخيرِ والشرِ مثلًا، وبدأ بمثل شقِّ الخير، فقال: (وإنَّ ممّا ينبتُ الرَبيعُ) إسناد الإنبات إلى الربيع مجازٌ، والفاعل الحقيقي هو الله، والمراد بالربيع: الجدولُ الّذي يسقى به، وجمعه: أربعاء. (يقتل) صلة لـ (ما) محذوفة، ومجموعه اسم (إن)، وزاد في نسخةٍ: "حبطًا" بفتح المهملة والموحدة، وبالنصب على التمييز: وهو داءٌ يصيب الإبل. (أو يُلم) بضم الياء، أي: يقرب من القتل. (إلا) بالتشديد استثنائية، وفي نسخةٍ: بالتخفيف استفتاحية، أي: ألا انظروا.
(آكلة) بالمدِّ. (الخضراء) بفتح الخاء، وسكون الضاد.
[المعجمتين، وبالمد: ضرب من الكلإِ أفضل المراعي، وفي نسخة: "الخضر" بكسر الضاد، وفي أخرى: "الخضر" بضم الخاء وفتح الضاد] (٢) جمعُ خضرة، والاستثناءُ متصل، وهو من محذوف تقديره:
стр. 1832
إنَّ ممّا ينبتُ الربيعُ ما يقتل آكله إلا أكلة الخضرِاء (أكلت) في نسخةٍ: "إنها أكلت".
(خاصرتاها) أي: جنباها، أي: امتلأتْ شبعًا، وعظم جنباها (استقبلت عينَ الشمس) أي: لأن زمن شبعها هو الزمنُ الّذي يشتهى فيه استقبال الشّمسِ. (فثلطت) بمثلثة، وفتح اللام وكسرها، أي: ألقتْ السرقين سهلًا رقيقًا.
(ورتعت) أي: اتسعتْ بأكلها في المرعى (وإنَّ هذا المال خضرةٌ) بتاء، كبقلة خضرة، وفي نسخةٍ: "خضر" بحذفها، سُمِّي بذلك؛ لحسنه، إذ الخضرة من أحسن الأنواع. (فنعم صاحبُ المسلم) أي: المال المصاحب. (له ما أعطى إلى آخره) هو المخصوصُ بالمدح، وفاعلُ نعم: (صاحبُ)، وفاعل أعطى: ضميرُ المسلم.
(أو كما قال النبي ﷺ ) شكٌّ من يحيى ثمّ ثنَّى بمثل شِقِّ الشرِّ فقال: (وإنه من يأخذه) أي: المال. (بغير حقه) بأنْ يجمعه من الحرام، ومن غير احتياج إليه، ولم يصرفه في مصارفه. (كالذي يأكل ولا يشبع) لأنَّه كلما نال منه شيئًا، ازداد فيه رغبةً، واستقل ما عنده، وطلب ما فوقه (ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة) بأنْ ينطقه الله بما فعل فيه.
وفي الحديثِ: الحثُّ على الاقتصاد في المال، وعلى الصدقةِ، وتركِ الإمساك، وجوازُ ضرب الأمثال، وسؤالُ التلميذ العالمَ عن المجملِ؛ ليبينه له، وأن السؤال إذا لم يكن في موضعه يُنكر على السائلِ، وأنَّ العالمَ يؤخر الجوابَ حتى ينكشف له بيانه، وأنَّ كسبَ المال من غير حلِّه غيُر مباركٍ فيه، وأنَّ للعالم أن يحذر مجالسه من فتنةِ المال، وينبه على مواضع الخوف، وبيان ما به الأمان.
بفتح الياء بغير همزة، أي: يكفي. (أيتامي) في نسخةٍ: "أيتام" (إلى النَّبيّ) في نسخةٍ: "إلى رسول الله" (فوجدت امرأة من الأنصار) اسمها أيضًا زينب (أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري) كان الظّاهر أن تقول: أيجزئ عنا أن ننفق على أزواجنا وأيتام لنا في حجورنا، لكنها أفردت الضمير مشاكلة لإفرادها له في قولها لزوجها: (سل رسول الله ﷺ أيجزئ عني أن أنفق).
(وقلنا) في نسخة: "فقلنا". (لا تخبر بنا) بالجزم أي: تعين واحدة منا. (من هما؟) هذا السؤال منه ﷺ -هو المقتضي لبلال أن يعين إحدى المرأتين، وإن أمرتاه بأن لا يعين واحدة. "قال: زينب امرأة عبد الله) لم يذكر معها الأخرى؛ اكتفاءً باسم من هي أكبر وأعظم. (قال: نعم) في نسخة: "فقال: نعم".
وجه مطابقة الحديث للترجمة: شمول الصَّدقة للفرض والنفل، كما مرَّ نظيره، مع فوائد في باب: الزَّكاة على الأقارب (١).
١٤٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَال: "أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ".
[٥٣٦٩ - مسلم: ١٠٠١ - فتح: ٣/ ٣٢٨]
(عثمان بن أبي شيبة) نسبة لجده، وإلا فهو عثمان بن محمّد بن أبي شيبة، واسمه: إبراهيم. (عبدة) أي: ابن سليمان. (هشام) أي: ابْن عروة. (وابنة) في نسخة: "بنت". (أم سلمة) بفتح السين واللام.
(قالت) أي: زينب. (لكن) في نسخة: "عن أم سلمة قالت" وهو
стр. 1835
الصواب، فالقائل: أم سلمة؛ لأن زينب ابنتها. (إنّما هم بني) أي: من أبي سلمة، الّذي كان زوجها قبل النَّبيّ ﷺ وأصله: بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلم، سقطت نون الجمع، فصار بنوي، فاجمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً ثمّ أدغمت في الياء، فصار (بنيَّ) بضم النون، وتشديد الياء، ثمّ أبدلت الضمة كسرة، فصار (بني). (فلك أجر ما أنفقت عليهم) بإضافة) أجر) لتاليه، فـ (ما): موصولة، ويجوز تنوينه فـ (ما) ظرفية.
٤٩ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]
وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الحَجِّ" وَقَال الحَسَنُ: "إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ تَلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ " وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لاسٍ، "حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ".
(باب: قول الله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾) أي: وللصرف في فك الرقاب، بأن يعان المزكى المكاتب الّذي ليس له ما يفي النجوم بشيء من الزَّكاة على وفاء النجوم، وقيل: بأن يبتاع الرقاب بشيء من الزَّكاة فيعتقها، وإليه ميل البخاريّ. (﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾) أي: وللصرف في الجهاد بالإنفاق على المتطوعة به، ولو كانوا أغنياء؛ لخبر ابن ماجة
стр. 1836
وغيره: "لا تحل الصَّدقة لغني إلا لخمس: لعامل عليها، أو لغازٍ في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه، فأهدى لغني أو غارم" (١).
(يعتق) أي: المزكى. (من زكاة ماله) بأن يبتاع ببعضها رقابًا ويعتقها. (في الحجِّ) أي: ويعطي للحاج من زكاته في الحجِّ المفروض، وقياس ما مرَّ آنفًا أن يقال: ولو كان غنيًّا، لكنه مخالف للخبر السابق، ولما عليه الأكثر. (قال الحسن) أي: البصري.
(إن اشترى أباه من الزَّكاة) فأعتقه جاز. (ويعطي) أي: منها. (في المجاهدين) أي: المتطوعين بجهادهم. (والذي) أي: ويعطي الّذي لم يحج إن كان فقيرًا. (ثمّ تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]) ليأخذ منها إن كان فقيرًا.
(في أيها أعطيت أجزأت) أي: قضت، وهذا مصير منه إلى أن اللام في الفقراء؛ لبيان المصرف لا للتمليك، فلو صرف الزَّكاة في صنف واحد كفى، والجمهور على خلافه. (وأجزأت) بسكون الهمزة، وفتح التاء، وفي نسخة: بفتح الهمزة وسكون التاء، وفي أخرى: بغير همز، مع تسكين التاء، وفي أخرى: "أجرت" بضم الهمزة، وكسر الجيم، وسكون الراء: من الأجر. (أدراعه) في نسخة: "أدرعه".
стр. 1837
(عن أبي لاس) زاد في نسخة: "الخزاعي" واسمه: عبد الله، وقيل: زياد بن عنمة.
١٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا " تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَال ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، "هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا" وَقَال ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ.
[مسلم: ٩٨٣ - فتح: ٣/ ٣٣١]
(شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أبو الزِّناد) هو عبد الله بن ذكوان.
(عن الأعرج) هو [عبد الرّحمن] (١) بن هرمز.
(بالصدقة) في نسخة: "بصدقة" والمراد بها: صدقة الفرض، كما يشعر به خبر مسلم: بعث رسول الله عمر ساعيًا على الصَّدقة (٢). لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة. (فقيل) القائل: عمر؛ لأنه المرسل. (منع) أي: الزكاة.
(ابْن جميل) بفتح الجيم، قيل: اسمه: حميد، وقيل: عبد الله. (ينقم) بكسر القاف مضارع نقم بفتحها، يقال: نقم بالكسر ينقم بالفتح،
стр. 1838
أي: ينكر (إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله) أي: لا ينبغي له أن يمنع الزَّكاة، وقد كان فقيرًا فأغناه الله إذ هذا ليس جزاء النعمة، والاستثناء مفرغ، ومحل المستثني نصب بالمفعولية، أي: لا ينقم شيئًا من أمر الزَّكاة (١) إلا أن يكفر النعمة، فكأن غناه أداه لذلك. (وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا) عبر في الثّاني بالظاهر بعد أن يقول (تظلمونه) بالضمير على الأصل؛ تفخيمًا لشأنه نحو ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ [القارعة: ٣].
(قد احتبس) أي: فإنّه وقف قبل الحول. (أدراعه) جمع درع: وهو الزردية، كما مرَّ. (وأعتده) مر بيانه في باب: العرض في الزَّكاة. (وأما العباس) دخلت (ال) عليه مع أنه علم؛ للمح الصِّفَة.
(فعم) في نسخة: بلا فاء، وهي أحسن، وجواب (أما) قوله بعد: (فهي ... إلى آخره)، وفي وصفه بأنه عمه: تنبيه على تفخيمه واستحقاق إكرامه. (فهي) أي: الصَّدقة المطلوبة عليه.
(صدقة) أي: ثابتة عليه سيتصدق بها. (ومثلها معها) أي: ويضم إليها مثلها كرمًا منه، فيكون ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون ذلك أرفع لقدره، وأنفى للكذب عنه وبهذا والذي في مسلم: "فهي علي ومثلها" (٢) وهو يدلُّ على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه؛ لأنه كان قد استسلف منه صدقة عامين.
(تابعه) أي: تابع الأعرج على ثبوت لفظ: (الصَّدقة). (ابْن أبي الزِّناد) هو عبد الرّحمن. (وقال ابن إسحاق) اسمه: محمّد.
стр. 1839
(هي عليه، ومثلها معها) أي: بدون ذكر الصَّدقة.
(ابْن جريج) هو عبد الملك. (حدثت) بالبناء للمفعول. (بمثله) في نسخة: "مثله" أي: مثل ما رواه ابن إسحق بدون لفظ: (الصدقة).
٥٠ - بَابُ الاسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ
(باب: الاستعفاف عن المسألة) أي: في غير المصالح الدينية، وفي نسخة: "في " بدل (عن).
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَال: "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ".
[٦٤٧٠ - مسلم: ١٠٥٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
(ثمّ سألوه فأعطاهم) زاد في نسخة: "ثمّ سألوه فأعطاهم ثمّ سألوه فأعطاهم". (نفد) بكسر الفاء، وبدال مهملة، أي: فرغ وفني (ما يكون عندي من خير) ما: موصولة متضمنة معنى الشرط، وجوابه: (فأدَّخره عنكم) بتشديد الدال المهملة، وجاء أيضًا بإعجامها مدغمًا وغير مدغم، وأصله في الإدغام: الادتخار، قلبت التاء دالًا مهملة على اللُّغة الأولى، ومعجمة على الثّانية، والمعنى: فلا أجعله ذخيرة لغيركم، أو فلا أحتازه وأمنعكم إياه.
(ومن يستعفف) في نسخة: "ومن يستعف" بفاء واحدة مشددة، أي: من يطلب العفة: وهو الكف عن ما لا ينبغي. (يعفه الله) أي: يرزقه العفة عن ذلك. (ومن يستغن) أي: يظهر الغني. (ومن يتصبر)
стр. 1840
أي: يتكلف الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. (عطاءً) مفعول ثانٍ لأعطي. (خيرًا) بالنصب: صفة عطاء، وبالرفع؛ خبر مبتدإٍ. (وأوسع) عطف على (خيرًا).
(من الصبر) أي: لأنه جامع لمكارم الأخلاق، وهذا اللّفظ تنازع فيه العاملان قبله.
١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ".
[١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤ - مسلم ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
(والذي نفسي بيده) قسم، وإنّما أقسم؛ لتقوية الأمر، وتأكيده.
١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ".
[٢٠٧٥ - ٢٣٧٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
(حبله) في نسخة: "أحبله" بالجمع. (خير له. إلى آخره) وليس (خير) هنا أفعل تفضيل، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤].
(أعطاه أو منعه) لأنه في الأوّل: حمله ثقل المنة مع ذل السؤال، وفي الثّاني: اكتسب الذل والحرمان.
(حَدَّثَنَا موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. (وهيب) أي: ابن خالد. (هشام) أي: ابن عروة.
(بحزمة الحطب) في نسخة: "بحزمة حطب". (فيبيعها فيكفَّ)
стр. 1841
بنصبهما عطف على (يأخذ). (الله) فاعل يكف، أي: فيمنع الله. (بها) بالحزمه. (وجهه) أي: من أن يريق ماءه بالسؤال من النَّاس، فهو إن لم يجد من الحرف إلا الاحتطاب، فهو خير له من أن يسال النَّاس أمرًا دنيويًّا.
وفي الحديث: فضيلة الاكتساب بعمل اليد، حتّى قيل: إنّه أفضل المكاسب، وقال الماوردي: أصول المكاسب: الزراعة والتجارة والصناعة، ومذهب الشّافعيّ: أما التجارة، والأشبه عندي: أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التوكل انتهى. قال النووي في "مجموعه": في صحيح البخاريّ عن النَّبيّ ﷺ قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يكل من عمل يده ... " الحديث، فالصواب: ما نصّ عليه الرسول ﷺ وهو عمل اليد، فإن كان زراعًا، وإن كان متمكنًا لا يعمل بيده، بل بغلمانه وأجرائه، فهو أطيب المكاسب وأفضلها؛ لأنه عمل يده؛ ولأن فيه توكلًا كما ذكره الماوردي؛ ولأن فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدواب؛ ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منه بغير عوض فيحصل له أجره (١).
١٤٧٢ - وحَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁، قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَال: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى"، قَال حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ
стр. 1842
شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَال عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ.
[٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١ - مسلم: ١٠٣٥ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
(عبدان) أي: ابن عثمان بن جبلة. (عبد الله) أي: ابن المبارك.
(يونس) أي: ابن يزيد الأيلي.
(إن هذا المال) أي: في الميل إليه، وحرص النفوس عليه، كفاكهة متصفة بأنها خضرة في المنظر، حلوة في الذوق، وكلٌّ منهما يمال إليه على انفراده، فكيف إذا اجتمعا. (فمن أخذه) في نسخة: "فمن أخذ" أي: المال. (بسخاوة نفس) أي: بطيبها من غير حرص عليه. (بإشراف نفس) أي: بتعرضها له، وإطلاعها عليه. (كالذي يأكل ولا يشبع) أي: كذي الجوع الكاذب، ويسمى: جوع الكلب، كلما ازداد أكلًا. ازداد جوعًا. (اليد العليا) أي: المنفقة. (خير من اليد السفلى) أي: السائلة. (لا أرزأ) براء فزاي، أي: لا أنقص، وقيل: لا أصيب، يقال: أرزأته خيرًا، أي: أصبته منه. (بعدك) أي: بعد سؤالك. (من هذا الفيء) أصله: الخراج والغنيمة، ثمّ صار عرفًا للفقهاء فيما حصل من الكفار بغير قهر وقتال.
وفي الحديث: جواز إعطاء السائل من مال واحد مرتين، وموعظته، والحث على الاستغناء عن النَّاس بالصبر والتوكل على الله، وأنه لا يجبر أحد على الأخذ، وإنَّما أشهد عمر على حكيم؛ خشية سوء تأويله، فبرأ ساحته بالإشهاد. وفيه: ذم السؤال، قال النووي: اتفق العلماء على النّهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلف أصحابنا في
стр. 1843
مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما: إنّه حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثّاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحد هذه الشروط، فحرام بالاتفاق (١).
٥١ - بَابُ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ
(باب: من أعطاه الله) أي: شيئًا. (من غير مسألة ولا إشراف نفس) فليقبله، وزاد في نسخة بعد التّرجمة: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾.
[أي: المتعفف الّذي لا يسأل، وزاده في أخرى قبلها، وفي أخرى: "باب: في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾] (٢).
١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَال: "خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ".
[٧١٦٣، ٧١٦٤ - مسلم: ١٠٤٥ - فتح: ٣/ ٣٣٧]
(غير مشرف) أي: غير متطلع إليه، حريص عليه. (فلا تتبعه نفسك) أي: في طلبه، واتركه.
وفي الحديث: منقبة لعمر، وبيان زهده في الدنيا، وأن للإمام أن يعطي الرَّجل وغيره أحوج منه، وإن أخذ ما جاء من الحلال بلا سؤال خير من تركه، وأن رد عطاء الإمام ليس من الأدب.
стр. 1844
٥٢ - بَابُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا
(باب: من سأل النَّاس تكثرًا) أي: من أجل تكثير ماله [لا لحاجة فهو مذموم. (ما يزال الرَّجل يسأل النَّاس) أي: تكثرًا وهو غني] (١).
١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَال: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ".
[١٤٧٥ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٣٨]
(ليس في وجهه مزعة لحم) بضم الميم، وحكي كسرها وفتحها، أي: قطعة من اللّحم، وخص الوجه بهذا؛ لأن الجناية به وقعت؛ لأنه بذل من وجهه ما أمر بصونه، وقال الخطابي: يحتمل أن يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقطًا، لا قدر له، فهو: كناية عن ذلك، كما يقال: فلان ليس له وجه عند النَّاس (٢).
١٤٧٥ - وَقَال: "إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ " وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: "فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ".
[٤٧١٨]
وَقَال مُعَلًّى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْأَلَةِ.
[انظر: ١٤٧٤ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٨٨]
стр. 1845
(إن الشّمس تدنو إلى آخره) وجه اتصاله بما قبله: أن الشّمس إذا دنت، يكون أذاها لمن لا لحم له في وجهه أكثر وأشد من غيره. (وزاد عبد الله بن صالح) وقيل: عبد الله بن وهب، ولفظ: (ابْن صالح) ساقط من نسخة، بل ولفظ: (زاد إلى آخره) ساقط من أخرى. (ابْن أبي جعفر) هو عبيد الله. (بحلقة الباب) أي: باب الجنَّة، وهو مجاز عن القرب من الله تعالى. (مقامًا محمودًا) هو مقام الشفاعة العظمى (أهل الجمع) أي: أهل المحشر، الّذي يجمع فيه الأولون والآخرون. (عن حمزة) أي: ابن عبد الله بن عمر.
٥٣ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَكَمُ الغِنَى
وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ" لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].
(باب: قول الله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾) أي: إلحاحًا، بأن يلازم المسئول حتّى يعطيه، ومعناه: أنهم يسألون، ولا يلحون في المسألة أو لا يسالون أصلًا، كقولهم: لا ضب بها ينجحر أي: لا ضب ولا انجحار، أي: لا يكون منهم سؤال، حتّى يكون فيه إلحاف. (وكم الغنى) أي: مقداره المانع من السؤال، ولم يصرح به في الحديث، فقيل: هو قدر ما يغديه ويعشيه، وقيل: ما يكفي غداءً وعشاءً دائمًا.
(وقول النَّبيّ) بالجر عطف على قول الله، ومقوله قوله: (ولا يجد غنى) بكسر الغين، والقصر: اليسار (يغنيه) أي: السائل جوازًا هو من
стр. 1846
لا يجد ذلك (﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾) في نسخةٍ: "لقول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلّقٌ بمحذوف، أي: اجعلوا صدقاتكم للفقراء المذكورين (﴿أُحْصِرُوا﴾) أي: حصرهم الجهاد (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾) ساقط من نسخة.
١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةَ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى، وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا".
[١٤٧٩، ٤٥٣٩ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣/ ٣٤٠]
(ليس المسكين) بكسر الميم أكثر من فتحها، أي: الكامل في المسكنة. (الأكلة والأكلتان) بضم الهمزة فيهما، أي: اللقمة واللقمتان.
(ولكن المسكين) بتخفيف نون (ولكن) مرفوع، وبتشديدها فهو منصوب. (الّذي له غنى إلى آخره) فسر المسكين بما ذكره، وفسره فقهاؤنا بمن يقدر على مال، أو كسب يقع موقعًا من حاجته، ولا يكفيه، وقوله: (ويستحيى) بياءين، وبياء واحدة.
١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَال: كَتَبَ مُعَاويَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَال، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ".
[انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ سيأتي بعد الحديث ١٧١٥ - فتح: ٣/ ٣٤٠]
(عن ابن أشوع) بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الواو، وآخره عين مهملة نسبة لجده، وإلا فهو سعيد بن عمرو بن أشوع. (عن الشّعبيّ) هو عامر بن شراحيل.
стр. 1847
(كاتب المغيرة) اسمه: وراد بتشديد الراء، وبدال مهملة.
(من رسول الله) في نسخةٍ: "من النبي".
(قيل، وقال) فعلان، أو مصدران، لكن كتبا بغير ألف على لغة ربيعة، والمراد: المقاولة بلا ضرورة؛ فإنها تقسي القلوب، أو المراد: ذكر الأقوال الواقعة في الدين، كأن يقول: قال الحكماء: كذا، وقال أهل السنة: كذا من غير بيان، ما هو إلا الأقوى، ويقلد ما سمعه من غير أن يحتاط، قال صاحب "المحكم": القول في الخير، والقيل والقال في الشر خاصّة.
(وإضاعة المال) في نسخة: "وإضاعة الأموال" وذلك بصرف المال في المعاصي، والإسراف فيه كدفعه لسفيه، أو تركه من غير حافظ له، أو بتركه حتّى يفسد. (وكثرة السؤال) أي: للناس في أخذ أموالهم صدقة، أو في المشكلات الّتي تعبدنا بظاهرها، أو عن ما لا حاجة للسائل به، كما في ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، فهذا مذموم، بخلاف السؤال عن ما يحتاج إلى معرفته في الدين نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَال: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ قَال: "أَوْ مُسْلِمًا" قَال: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ قَال: "أَوْ مُسْلِمًا". قَال: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ
стр. 1848
فُلانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، قَال: "أَوْ مُسْلِمًا" يَعْنِي: فَقَال: "إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ" وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ بِهَذَا، فَقَال: فِي حَدِيثِهِ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَال: "أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ".
[انظر: ٢٧ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ٣/ ٣٤٠] قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]: قُلِبُوا، فَكُبُّوا ﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٢٢]: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ، قُلْتَ: كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا.
(محمّد بن غرير) بضم الغين، وفتح الراء الأولى: هو ابن الوليد.
(رهطًا) هو ما دون العشرة من الرجال. (منهم) أي: من الرهط، وفي نسخة: "فيهم". (رجلًا) هو جعيل بن سراقة. (أعجبهم) أي: أفضل الرهط الحاضرين وأصلحهم. (لأراه) أي: لأظنه، وبفتحها أي: لأعلمه. (أو مسلمًا) بسكون الواو، وعلى الإضراب، أي: بل مسلمًا، فاحكم بالظاهر، ولا تقطع بإيمانه، إذ الباطل لا يعلمه إلا الله، وليس ذلك حكمًا بعدم إيمانه، بل نهي عن الحكم بالقطع به. (قال: أو مسلمًا) في نسخة، وفيما يأتي: "أو قال: مسلمًا". (ما أعلم فيه) في نسخة: "ما أعلم منه". (يعني: فقال) ساقط من نسخة، ومرَّ شرح الحديث في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقية (١).
(وعن أبيه) عطف على (عن أبيه) السابق، أي: وقال يعقوب بن إبراهيم عن أبيه.
стр. 1849
(هذا) في نسخة: "بهذا" أي: الحديث. (في حديثه) أي: في جملة حديثه. (فجمع بين عنقي وكتفي) في نسخة: "جمع" بلا فاء، وفي أخرى: "بجمع" بموحدة، وجيم مضمومة في محل نصب على الحال، أي: ضرب بيده حالة كونها مجموعة، وفي أخرى: "مجمع" بوزن: مفعل، وعليها فيكون مضافًا إلى (بين) اسمًا لا ظرفًا، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، على قراءة الرفع. (أقبل) بهمزة مفتوحة، وبكسر الموحدة: من الإقبال، كأنه لما قال له، تولى ليذهب، فأمره بالإقبال؛ ليبين له وجه الإعطاء والمنع، وفي نسخة: "اقبل" بهمزة وصل تكسر في الابتداء، وبفتح الموحدة من القبول، أي: لا تعترض. (أي سعد) منادى بأي. (قال: أبو عبد الله) أي: البخاريّ، جريًا على عادته في إيراد تفسير اللفظة العربيّة الواقعة في القرآن، إذا وافقها ما في الحديث.
(﴿فَكُبْكِبُوا﴾) في سورة الشعراء، أي: (فكبوا) بضم الكاف من الكب: وهي الإلقاء على الوجه، وفي نسخة: "قلبوا" بقاف مضمومة، ولام مكسورة. (﴿مِكِبًّا﴾) في سورة الملك، أي: منقلبًا على وجهه، يقال: (أكب الرَّجل إذا لم يكن فعله غير واقع على أحد) فيكون لازمًا. (فإذا وقع الفعل) على أحد. (قلت: كبه الله لوجهه، وكببته أنا) فيكون متعديًا، والحاصل: أن كب متعدٍ، وأكب: لازم، وهو غريب أن يكون القاصر بالهمز، والمتعدي بحذفه، ويجوز أن تكون همزة أكب: للصيرورة.
١٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي
стр. 1850
لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ، فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ".
[انظر: ١٤٧٦ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح ٣/ ٣٤١]
(ولا يفطن به) بضم الياء، وفتح الطاء، أي: لا يعلم بحاله، وفي نسخة: "ولا يفطن له" ومرَّ شرح الحديث آنفًا (١).
١٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُوَ - أَحْسِبُهُ قَال: إِلَى الجَبَلِ - فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ، فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ " قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ".
[انظر: ١٤٧٠ - مسلم: ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٤١]
(أبو صالح) هو ذكوان الزيات.
(إلى الجبل) هو موضع الحطب، و (إلى) متعلّق بـ (يغدو). (صالح بن كيسان أكبر) أي: سنًّا. (من الزّهريِّ) لأنه عاش مائة وستين سنة، وأراد البخاريّ بذلك أن الحديث من رواية الأكابر عن الأصاغر.
٥٤ - بَابُ خَرْصِ الثَّمَرِ
(باب: خرص التّمر) بمثناة، وميم ساكنة، وفي نسخة: بمثلثة، وميم مفتوحة، والخرص: بفتح المعجمة، وقد تكسر: حرز ما على النخل من الرطب تمرًا، وأصل الخرص: الظن؛ لأنه تقدير بظن.
١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "اخْرُصُوا".
(فعقلناها) في نسخة: "ففعلنا". (بجبل طيءٍ) في نسخة: "بجبلي طيءٍ" واسمها: أجأ، بهمزتين بينهما جيم مفتوحة، بوزن فعل، وسلمى، بسكون اللام، بوزن فعلى. (ملك أيلة) اسمه: يُوحنا، بضم التحتية، وفتح المهملة، وتشديد النون، واسم أبيه: روبة، واسم أمه: العلماء. (وأيلة) بفتح الهمزة وسكون التحتية: بلدة بساحل [البحر] (١). (بغلة بيضاء) اسمها: دلدل، أما البغلة الّتي كان عليها في حنين وتسمى الندا فأهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، كما في مسلم (٢) واحدة له غير هاتين: بغلة من النجاشي، وبغلة من كسرى، وبغلة من صاحب دومة الجندل.
(وكساه) أي: كسى النَّبيّ ﷺ ملك أيلة (٣) (بردًا وكتب له ببحرهم) في نسخة: "ببحرتهم" أي: بأرضهم وبلدهم، قال الكرماني: كأنه ﷺ أقطع هذا الملك من بلاده قطائع، وفوض إليه حكومتها (٤). (كم جاءت) في نسخة: "كم جاء". (حديقتك) أي: ثمرها. (عشرة أوسق) بنصبه بنزع الخافض، أي: بمقدار ذلك، أو بأنه خبر (جاء)، بإجرائه مجرى كان.
(خرص رسول الله) بنصبه بدل من (عشرة)، أو بيان لها، وبرفعهما الأوّل بالخبرية، والثّاني بالبدلية أو البيان، أو بالخبرية،
стр. 1853
لمحذوف، أي: الحاصل عشرة أوسق إلى آخره، أو: عشرة أوسق خرص رسول الله.
(فلما) مقول ابن بكار. (قال: ابن بكار) مقول البخاريّ. (كلمة) بالنصب: مقول ابن بكار. (معناها) في نسخة: "معناه". (طابة) أي: المدينة، فهو من أسمائها، كطيبة، وكان أسمها يثرب، فسماها النَّبيّ ﷺ (جبيل) بالتصغير، وفي نسخة: "جبل" بالتكبير.
(يحبنا) حقيقة، بأن جعل الله فيه إدراكًا ومحبة، كما في تسبيح الحصا، وحنين الجذع (١)، وقيل: مجازًا، والمراد: أهله، وهم أهل المدينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهلها. (ألا) للتنبيه. (دور الأنصار) أي: القبائل الّتي يسكنون الدور، أي: المحال. (وفي كلّ دور الأنصار) أي: خير كما بينه بقوله: (يعني: خيرًا) بنصب (خيرًا): مفعول (يعني)، وبرفعه على الحكاية، وهو في محل مفعول (يعني) أيضًا.
١٤٨٢ - وَقَال سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو، "ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ" وَقَال سُلَيْمَانُ: عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ" [فتح: ٣/ ٣٤٤]
(وقال سليمان بن بلال، حدثني عمرو) أي: ابن يحيى المازني، بالسند المذكور.
(ثمّ دار بني الحارث، ثمّ دار بني ساعدة) وغرضه: أنه قدم فيه
стр. 1854
الحارث علي بني ساعدة. (عن عُمارة) بضم العين. (ابْن غزية) بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي. (عن عبّاس) بموحدة، وسين مهملة، أي: ابن سهل بن سعد. (عن أبيه إلى آخره) غرضه: أن عمارة خالف عمرو بن يحيى في إسناد الحديث، حيث قال عمرو: عن عبّاس عن ابن أبي حميد كما مر، وقال عمارة: عن عبّاس عن أبيه، قال شيخنا: يحتمل الجمع بينهما، بأن يكون عبّاس أخذ لفظ: "أحد جبل يحبنا ونحبه"؟ أو الحديث كله عن أبيه، وعن أبي حميد معًا، وكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا؛ ولذلك كان لا يجمعهما (١).
(وقال أبو عبد الله) أي: البخاريّ، وفي نسخة: "وقال أبو عبيد" أي: القاسم بن سلام صاحب "الغريب" في تفسير الحديقة. (كلّ بستان إلى آخره) قال الجوهري مع تفسيرها لذلك: إنها الروضة ذات الشجر.
وفي الحديث: مشروعية الخرص، والجمهور على أنه في النخل، والعنب خاصّة، وقيل: في كلّ ما ينتفع به، وإليه نحا البخاريّ، وفيه: قبول هدايا المشركين، وأن الإمام يعلم أصحابه أمور الدنيا، كما يعلمهم أمور الآخرَة، وفيه: مدح الأنصار، ومعجزات للنبي ﷺ .
٥٥ - بَابُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، وَبِالْمَاءِ الجَارِي
وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "فِي العَسَلِ شَيْئًا".
(باب: ما يسقى من ماء السَّماء) أي: المطر.
(وبالماء الجاري) كماء العيون والأنهار، وفي نسخة: "والماء الجاري" بحذف الباء، فيكون المعني: ومن الماء الجاري. (ولم ير
стр. 1855
عمر بن عبد العزيز في العسل شيئًا) أي: من الزَّكاة شيئًا، ذكره في الباب مع أنه لم يسق لما قيل بوجوب الزَّكاة فيه، فنبه على أن المشهور خلافه، وأما حديث: "إن في العسل العشر" (١) فضعفه الشّافعيّ.
١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَبَيَّنَ فِي هَذَا، وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ، إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ" كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ" وَقَال بِلالٌ: "قَدْ صَلَّى" [١٥٩٩] فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ.
[فتح: ٣/ ٣٤٧]
(عن الزّهريِّ) في نسخة: "عن ابن شهاب الزّهري".
(سقت السَّماء) أي: ماؤها، فهو مع ما بعده: من مجاز الحذف، أو من ذكر المحل، وإرادة الحال. (أو كان) أي: ما يسقى. (عثريًّا) بمهملة، ومثلثة مفتوحتين، وراء، وتحتية مشددة: ما يسقى بالسيل
стр. 1856
الجاري في حفر، وهو المسمى بالبعل في رواية (١)، وتسمى الحفر عاثوراء؛ لتعثر المار بها إذا لم يشعر بها. (وما) أي: وفيما. (سقي بالنضح) بفتح النون، وسكون المعجمة، ثمّ مهملة: بأن سقي من ماء بئر أو نهر باغتراف، أو بنحو بعير أو بقرة، ويسمى الذكر ناضحًا، والأنثى ناضحة. (نصف العشر) والفرق بين الأمرين: ثقل المؤنة في هذا، وخفتها في الأوّل.
(قال أبو عبد الله) أي: البخاريّ. (هذا) أي: حديث الباب. (تفسير الأوّل) أي: الحديث الأوّل، وهو حديث أبي سعيد في باب: ليس فيما دون خمس زود صدقة. ولفظه: "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر صدقة". (لم يوقت) بكسر القاف وبفتحها: لم يقيد بالعشر ونصفه. (في الأوّل) أي: في الحديث السابق. (يعني) أي: البخاريّ بقوله هذا حديث ابن عمر المذكور هنا.
(وفيما سقت السَّماء العشر) اعتراض من كلام الراوي بين قول البخاريّ. (لم يوقت في الأوّل)، وقوله (وبيَّن) أي: قيد (في
стр. 1857
هذا) أي: في حديث ابن عمر وبما قررته. سقط ما قيل محل قوله: (وقال أبو عبد الله إلى آخره) الباب الثّاني عقب حديث أبي سعيد، والحامل له على ذلك فهمه أن المراد بالتقييد: التقييد بكمية النصاب، وهو خمسة أوسق، لا بالعشر ونصفه، وما فهمه وإن كان صحيحًا -كما سلكه المصنِّف في الباب الآتي في نسخة- لكن ما قررته أولى؛ لدفع الاعتراض عن المصنِّف (والمفسر يقضي على المبهم) بفتح السين والهاء.
(إذا رواه أهل الثبت) بسكون الموحدة وفتحها، وإذا متعلّق بـ (مقبولة). (كما روى الفضل إلى آخره) مراده: أن زيادة بلال عمل بها، كما عمل بالزيادة فيما سقي بالماء، أن أحدهما مبهم، والآخر مفسر له، ولا يقال: إن زيادة بلال منافية لقول الفضل (لم يصل) فليمس من باب زيادة الثقة؛ لأنا نقول: مراده بأنه لم يصل: لم أره صلَّى؛ لاشتغالي بالدعاء ونحوه في ناحية من نواحي غير الّتي صلى فيها النَّبيّ ﷺ .
٥٦ - بَابٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ
(باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) أي: زكاة، ومر بيان ذلك.
١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ".
[انظر: ١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣٥٠]
стр. 1858
قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا.
(يحيى) أي: القطان.
(ليس فيما أقل) بجر (أقل) بفي بالفتحة؛ لأنه غير منصرف، فـ (ما) زائدة؛ بدليل حذفها بعد، وبرفعه خبر مبتدإٍ محذوف، فـ (ما): موصولة حذف صدر صلتها. (خمس أواق) في نسخة: "خمسة أواقي" بتاء التأنيث، وبياء، ومرَّ شرح الحديث (١).
(قال أبو عبد الله) أي: البخاريّ (هذا) أي: الحديث المقيد بكمية النصاب. (تفسير الأوّل) أي: حديث ابن عمر المذكور في الباب السابق. (إذا) بمعنى: إذ. (قال) أي: في الحديث هنا. (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة لكونه لم يبين) أي: في حديث ابن عمر السابق كمية النصاب. (ويؤخذ أبدًا في العلم بما زاد أهل الثبت أو بينوا) كما مرَّ بيانه، وقوله: (قال أبو عبد الله إلى آخره) ساقط من نسخة.
٥٧ - بَابُ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ
وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ؟
(باب: أخذ صدقة التّمر) أي: زكاته. (عند صرام النخل) بكسر الصاد، قال الكرماني: وفتحها أي: جذاذه، أي: قطع ثمره (٢) عند أوان إدراكه، بل وبعد جفافه ويباسه وتنقيته. (وهل يترك الصبي فيمس تمر الصَّدقة) بنصب يمس جواب الاستفهام، والجملة الاستفهامية معطوفة على أخذ الصَّدقة.
стр. 1859
١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ ﵄ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ، فَقَال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ".
[١٤٩١، ٣٠٧٢ - مسلم: ١٠٦٩ - فتح: ٣/ ٣٥٠]
(فيجيء هذا بتمرة، وهذا من تمره) في نسخة: "وهذا بتمره) وعلى الأولى فمن تبعيضية، وعبر في الأوّل [بالباء، وفي الثّاني: بمن، قال الكرماني: لأنه ذكر في الأوّل] (١): المجيء به، وفي الثّاني: المجيء منه، وهما متلازمان، وإن تغايرا مفهومًا. (حتّى يصير عنده كومًا من تمر) بفتح كاف (كومًا) ما اجتمع الصبرة، وبضمها: القطعة العظيمة من الشيء، وهو بالنصب خبر (يصير)، واسمها ضمير يعود على التّمر، وفي نسخة: بالرفع اسم (يصير) بجعلها تامة، أو بجعل (عنده) خبرها، ومن: بيانيّة.
(فجعله) أي: المأخوذ، وفي نسخة: "فجعلها" أي: التّمرة (في فيه) أي: فمه، وفي الفم تسع لغات أخر بتثليث فائه، مع تخفيف ميمه [منقوصًا، وفتحها وضمها مع تشديد ميمه كذلك، وتثليثها مع تخفيف ميمه مقصورًا، واتباع فائه ميمه] (٢) في الحركات الإعرابية منقوصًا، تقول: هذا فمه، رأيت فمه، ونظرت إلى فمه.
(أما علمت) في نسخة: "ما علمت" بدون همزة الاستفهام، وهي
стр. 1860
مرادة. (أن آل محمّد) زاد في نسخة: " ﷺ " وآله: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب عند الشّافعيّة والجمهور، وبنو هاشم فقط عند أبي حنيفة ومالك، وقيل: قريش كلها. (لا يأكلون الصَّدقة) أي: الزَّكاة، وفي نسخة: "لا يأكلون صدقة".
وفي الحديث: تمكين الصبيان من اللعب بما لا يملكونه حالة الفرح بالأحوال المتجددة، إذا لم يكن فيه ضرر، ودفع الصدقات للسلطان، وأن المسجد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين، كجمع الصَّدقة فيه؛ ولذلك كان يقعد فيه للوفود، ولعب الحبشة بالحراب، وتعلم المثاقفة.
وفيه: إدخال أطفال المسلمين، وإنهم يجتنبون الحرام كالكبير، وأنهم يعرفون سبب النّهي؛ ليبلغوا وَهُمْ على علم منه.
٥٨ - بَابُ مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ، أَوْ نَخْلَهُ، أَوْ أَرْضَهُ، أَوْ زَرْعَهُ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَو الصَّدَقَةُ، فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا" فَلَمْ يَحْظُرِ البَيْعَ بَعْدَ الصَّلاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ".
(باب: من باع ثماره أو نخله) أي: الثمر. (وأرضه) أي: المزروعة. (أو زرعه وقد وجب فيه العشر أو الصَّدقة) أي: الزَّكاة الشاملة للعشر ونصفه، فذكر الصَّدقة بعد العشر تعميم بعد تخصيص.
(فأدى الزَّكاة من غيره) أي: من غير ما ذكر.