← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18106

منحة الباري بشرح صحيح البخاري

زكريا الأنصاري

Полный текст (6 339 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وإلى عدمِ الزيادةِ التي لمْ تُشرع، وإنَّما لم يذكر الحجَّ؛ لأنَّه لم يكن فُرِضَ، أو أن الرجل سأل عنْ حالهِ وهو ممن لا يجبُ عليه الحجُّ، أو أنَّ الرواةَ تفاوتوا حفظًا، إذ بعضهم لم يذكر الصومَ، [وبعضهم الزكاة] (١) وبعضُهم ذكر صلةَ الرحم، وبعضُهم أداءَ الخمسِ، وبالجملةِ فالزيادةُ يُعْمل بها، إلا إِن تغير إعراب الباقي فيقعُ التعارض، كما هو مقررٌ في محلّه. وفي الحديث: أنَّ السفرَ لطلبِ العلمِ مطلوبٌ، وجوازُ الحلفِ من غير استحلافٍ، ولا ضرورةَ، وأنَّه لا يجبُ صومُ غيرِ رمضانَ، وأنَه لا يجبُ في المال غيرُ الزكاةِ. ٣٥ - بَابٌ: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ (باب: اتباع الجنائز من الإيمان) في باب: ما مرَّ في نظائرهِ، واتباع: بتشديد التاءِ، والجنائز: جمعُ جنازةِ بفتحِ الجيمِ، وكسرها: الميتُ، وقيل بالفتحِ: للميت، وبالكسر: للنعشِ وعليه الميت. ٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ" تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. [١٣٢٣، ١٣٢٤، ١٣٢٥ - مسلم: ٩٤٥ - فتح: ١/ ١٠٨]

стр. 212

(أحمد بن عبد الله بن عليّ المنجوفي) نسبة إلى جَدِّ أبيه منجوف: بفتح الميم، وسكون النونِ، وضمِّ الجيم، وفي آخرهِ فاءٌ، ومعناه: الموسع. (عَوْفٌ) هو ابن أبي جميله بندويه: بفتح الموحدة، وبالنون الساكنة، والدال المهملة المضمومة العبديُّ. (الحسن) أي: البصريُّ. (ومحمد) أي: ابن سيرين. (من اتبع) بتشديد التاء، وفي نسخةٍ: "من تبع"، والمرادُ من اتباعِ الجنازةِ: المشيُ أمامِها للاتَّباعِ؛ ولأن مشيعَها شفيعٌ والشفيعُ: إنَّما يكونُ أمامَ المشفوع له، وقيل: المراد باتباعِهَا: المشيُ وراءِها، وقيلَ: الأمرانِ سواءُ. (معه) أي: مع المسلمِ، وفي نسخةٍ: "معها" أي: مع الجنازةِ. (حتَّى يُصَلَّى عليها، ويفرغ من دفنها) ببنائهِما للفاعلِ، ويجوز بناؤهما للمفعول. (فإنّه يرجع من الإجر بقيراطين ... إلخ) أفاد الحديثُ: أنَّ حصولَ القيراطينِ للتابع مقيدٌ بأن يصلِّي هو عليها، ويتبعها إلى أن يفرغَ من دفنِها، فهو مقيدٌ لبعضِ الأحاديث المطلقةِ، والحاصلُ: أن الصلاةَ يحصل بها قيراطٌ إذا انفردتْ، وبها مع الاتباعِ إلى تمام الدفنِ قيراطان. وأما خبرُ: "من صلَّى على جنازة فله قيراطُ، ومن تبعها حتَّى تُدفنُ فله قيراطانِ" (١) فمعناه: فله تمامُ قيراطيِن بالمجموعِ، لكن قد يُقال: يُعارضُ ذلك خبرُ الطبرانيِّ أي: "من تبع جنازةَ حتَّى يقضى دفنها كتب له ثلاثةُ قراريطَ" (٢) وخبُر السنن الصَّحاحِ المأثورة: "من أوذن بجنازة

стр. 213

فأتى أهلَها فعزَّاهم كتبَ الله له قيراطًا، فإن تبعَها كتب الله له قيراطين فإن صَلَّى عليها كتب الله له ثلاثةَ قراريطَ، فإن شَهِدَ دفنَها كتب الله له أربعةَ قراريطَ" (١)، ويجُاب بأنَّ خبَر صحيحِ البخاريِّ لا يقاومه غيره، فعلم أنَّ القيراطين لا يحصلان لمن صلَّى ولم يتبع، ولا لمن صلَّى وذهب إلى القبر وجلس حتَّى جاءت، [وحضر الدفن، أو حضر الدفن] (٢) ولا لمن حضر الدفن ولم يصلِّ، أو تبعها [ولم يصل] (٣). والقيراط لغة: نصف دانق، وأصله: قرَّاط، بتشديد الرَّاءِ، بدليلِ جمعهِ على قراريط، فأبدل من أحد حرفيِّ تضعيفه ياءً، كما في دينار، والمراد من القيراطِ هنا: الحصة من جنسِ الأجرِ، فلفظ: القيراطين مبهم، من جهتي الجنس والمقدار، فبين الأولى بقوله: من الأجر، والثانية بقوله: مثل أحد. و (أُحُد) بضمتين، جبل بالمدينة، سُمِّيَ به؛ لتوحُّدِهِ وانقطاعه عن جبالٍ أخرى (٤)، وقد بسطت الكلام على الحديث بعض البسط في "شرط الأعلام". (تابعه) في نسخةٍ: "قال أبو عبد الله: تابعه" أي: تابع روحًا. (عثمان) هو ابن الهيثم. (المؤذن) أي: بجامع البصرة. (نحوه) بالنصب أي: بمعنى ما مرَّ لا بلفظه. وفي الحديث: الحثُّ على صلاةِ الجنازةِ واتباعها وحضورِ دفنِها والاجتماعِ لها.

стр. 214

٣٦ - بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. [فتح: ١/ ١٠٩] (باب: خوفُ المؤمنِ منْ أَنْ يحبطَ عملُه) لفظُ: (من) ساقطٌ منْ نسخةٍ، و (يحبطُ عملهُ) بفتحِ الموحدةِ بالبناءِ للفاعلِ، والمرادُ: إحباطُ ثوابِ عملهِ بكفرٍ لا بمطلقِ المعصيةِ، إذ ذاكَ قولُ المعتزلةِ. (وهوَ لا يشعرُ) حال. (إبراهيمُ) هو ابن يزيد بنِ شريكِ التَّيميُّ أي: تَيْمُ الرباب بفتح الرَّاءِ. (مكذبًا) بكسر المعجمة أي: مكذبًا لعملي بقولي الذي أعظ به، وبفتحها [أي] (١): يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي، أو ما قاله إبراهيم مع ما بعدَهُ تعليق من البخاريِّ. (ابن أبي مليكة) اسمه: عبدُ الله ابن عبيدِ الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة بالتصغير: زهير. (من أصحاب النَّبيِّ) في نسخةٍ: "من أصحابِ رسول الله". (يخافُ) أي: يخشى. (النفاق) أي: في

стр. 215

الأعمالِ، إذ قد يعرضُ للمؤمن في عملهِ ما يشعر به مما يخالفُ الإخلاصَ، ولا يلزمُ منْ خوفِ المذكورينَ ذلك وقوعه منهم ﵃، وإنَّما خافوُا على سبيل المبالغةِ في الورعِ والتقوى، أو خافُوه لما رأوا من تغيير النَّاسِ بما يعهدُوه، مع عجزهِم عنْ إنكاره، فخافوُا أن يكونوا داهنوا بالسكوتِ. (ما منهم من أحدٍ يقولُ: إنه على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ) أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لإنهما معصومانِ. (ويُذكر) بالبناء للمفعول، وإنما لم يذكره بصيغة الجزم، كالذين من قبله؛ لأنه لم يثبت عنده ثبوتهما. (عن الحسن) أي: البصريِّ، وفي نسخة: زيادة "أنه قال". (ما خافه) في نسخة: "وما خافه" وضمير خافه وأمنه؛ للنفاق، وقيل لله تعالى. (ما يحذر) بالبناء للمفعول؛ عطفٌ على خوف، في الترجمة قال البرماوي: ويحتمل عطف على ما يقول ببنائه للفاعل، و (ما) على الثاني: نافية، وعلي الأوَّلِ: مصدرية، وما بين المتعاطفين فيه اعتراض وفصل به بينهما لتعلقهِ بأوَّلهما فقط. (على التقاتل) وفي نسخةٍ: "على النفاق". (لقول الله تعالى) في نسخةٍ: "لقولِ الله "وفي أخرى: "لقوله ". (وهم يعلمون) حال من فاعل يصرُّوا أي: لم يصرُّوا على قبيح فعلهم عالمين به. ٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" [٦٠٤٤، ٧٠٧٦ - مسلم ٦٤ - فتح: ١/ ١١٠] (محمد بن عرعرة) بعينين وراءين مهملاتٍ؛ أي: ابن البرند

стр. 216

البصريُّ، والبرند: بكسرِ الموحدةِ والراءِ، وحُكِيَ فتحهما. (زبيد) بالتصغيرِ: ابن الحارثِ بنِ عبدِ الكريمِ الياميِّ. (أبا وائل) بالهمز بعد الألفِ، اسمهُ: شقيق بن سلمةَ الأسديَّ، أسد خزيمةَ. (عن المرجئةِ) نسبة إلى الإرجاءِ: وهو التأخير؛ لأنهم أخَّروا الأعمال على الإيمان، حيثُ زعموا أنَّ مرتكبَ الكبيرةِ غيرُ فاسقٍ، والمعنى: سألتُ أبا وائل عن قول المرجئةِ: إنَّ مرتكبَ الكبيرةِ غيرُ فاسقٍ، أهم مُصِيبُونَ فيه أَم مُخطِئُونَ؟ (عبد الله) هوَ ابن مسعودٍ. (سباب) بكسر السين، مصدر يحتمل أن يكونَ على بابهِ من المفاعلة أن يكونَ بمعتركه: السبِّ أي: الشتم: وهو التكلُّمُ في عرضِ الإنسانِ بما يعيبهُ. (فسوق) أي: خروج عن الطاعة. (وقتاله) يحتمل: أن يكون على بابهِ من المفاعلة، وأن يكونَ بمعنى: القتل. (كفر) لا بمعنى الخروج عن الملَّةِ، أو بمعناه، لكنه قاتل المسلم، أو قتله مستحلًّا لذلك، أو المرادُ: الكفرُ اللغويُّ، وهو الستر؛ لأنه بقتاله له ستَر مالَه عليهِ من حقّ الإعانةِ وكفِّ الأذى، أو عبَّر به مبالغة في التحذير عن ذلك؛ لأنه أغلظُ منَ السبِّ، وإنِ اشترك في الفسق، ولهذا عبَّر فيهِ بالكفرِ وفي السبابِ بالفسوقِ. وفي الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكمُ على من سبَّهُ بالفسقِ. ٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: "إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ" [٢٠٢٣، ٦٠٤٩ - فتح: ١/ ١٣١] (حدَّثنا قتيبة بن سعيد) في نسخةٍ: "هو ابن سعيد". (حميد)

стр. 217

بالتصغير، كنيتهُ: أبو عبيدةَ بنُ أبي حُمَيْدٍ. تير بكسر الفوقية، وسكون التحتية، ومعناه بالعربية: السهم. (عن أنسِ) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالكٍ" وفي أخرى: ["حدَّثنا أنس" وفي أخرى] (١): "حدثني أنس". (خرج) أي: من الحجرة. (يخبر) استئنافٌ، أو حالٌ مقدرةٌ؛ لأن الإخبارَ منَ الخروجِ. (بليلة القدر) أي: بتعيينها. (فتلاحى) أي: تنازع. (رجلانِ) هما: عبد الله بن أبي حدرد، وكعب بن مالك، كان له على عبد الله دين فطالبه فتنازعا وارتفع صوتهما في المسجد، وقيل: إن البخاريَّ أوردَ هذا الحديثَ في الباب؛ تنبيهًا على أنَّ التلاحي غير المشاغبة؛ لأنَّ التلاحِي: محاورة فليس بفسوقٍ. (لأخبركم بليلةِ القدر) المفعول الأول لأخبر: الضمير، والثاني والثالث سدَّ مسدَّهما قوله: (بليلة القدر) أي: أخبركم بأن ليلة القدرِ هيَ ليلة كذا. (وإنَّه) بكسر الهمزة، عطف على إنِّي. (فَرُفِعَتْ) أي: رفع بيانُها، أو علْمُها من قلبي، بمعنى: أنِّي نسيتها. (وَعَسَى أن يكونَ) أي: رفعها. (خيرًا لكم) فتزيدوا في الاجتهاد في طلبها؛ ليكثر ثوابكم، ولو كانت معينةً لاقتصرتم عليها فقلَّ عملكم. وإنما أمر بطلبها مع أن علمها رفع؛ لأن المرادَ: طلبُ التعبد في مظانِّها، وربما يقع العمل مصادفًا لها، إلا أنه مأمور بطلب العلم بعينها. (التمسوها) أي: اطلبوها، فيه: إشارة إلى أنَّ المرادَ برفعها: رفع علمها، لا رفع وجودِها، وإلا لما أمرهم بطلبها، وفي نسخة: "فالتمسوها". (في السبع والتسعِ والخمسِ) أي: في لياليها بعد العشرين

стр. 218

من رمضان بقرينة بقيةِ الروايات، وفي نسخةٍ: تقديمُ "التسعِ" على (السبعِ). وفي الحديث: ذمُّ الملاحاةِ والخصومةِ، وأنهما سببا العقوبة العامة بذنب الخاصة، والحثُّ على طلب ليلةِ القدر، ووجهُ مناسبةِ الحديثِ للترجمةِ: ذمُّ التلاحي الذي قد يؤدي صاحبه إلى بطلانِ عمله خصوصًا إذا كان في المسجدِ، وبحضرتِه ﷺ . ٣٧ - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] (باب: سؤال جبريل للنبيِّ ﷺ عنِ الإيمان ... إلى آخرهِ) بإضافةِ باب. (وعلم الساعةِ) عطف على الإيمانِ والمراد بالساعة: القيامة، سميت بذلك؛ لوقوعها بغتةً؛ أو لسرعة حسابها، والتقدير: وعلم وقتِ الساعةِ، كما يشير إليه قوله بعد: مَتى الساعةُ؛ لأن متى إنما يسأل بها عن الزمان. (وبيان) عطف على سؤالٍ (لهُ)؛ أي: لكل من الأسئلةِ المذكورة، والمراد: ببيانه عفيم لها، تفسيرها كما في الأسئلة الثلاثة الأُوَل، أو حكمًا كما في رابعها؛ لأنه لم يبيِّن وقتَ الساعةِ وإنما بيَّنَ حكمها في قولهِ بعد: (لا يعلمهنَّ إلا الله). (ثم قال) عطف علّى سؤال جبريل النبيَّ، وغير فيه الأسلوب؛ حيثُ عطفَ الجملة الفعليةَ على

стр. 219

الاسم؛ لتغيُّرِ المقصودِ إذ المقصودُ منَ الأوَّلِ: الترجمةُ، ومن الثاني: كيفيةُ الاستدلالِ. (فجعل ذلك كله دينًا) يدخلُ فيهِ اعتقادُ وجودِ الساعةِ، وعدمُ العلمِ بوقتها لغيرِ الله تعالى؛ لأنَّهما منَ الدينِ. (وما بين) الواو فيه وفي قوله: (وقوله تعالى) بمعنى: مع، ويحتمل على بعد عطفهما على سؤال فيكونان من جملة الترجمة وعلي الأوَّلِ فالمعنى: فجعل ذلك كله دينًا مع ما بينَّه النبيُّ ﷺ . (لوفدِ عبدِ القيسِ) ومعَ ما دلَّ عليهِ قولهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. (من الإسلام) هو الدين. (لوفد) الوفد: الجماعة المختارة من القوم ليتقدَّموهم للقاء العظماءِ، وأحدهم وافد. (عبد القيس) قبيلةٌ عظيمةٌ من العربِ. ٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ". قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: "الإِسْلامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللَّهُ " ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ" فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ [٤٧٧٧ - مسلم ٩، ١٠ - فتح: ١/ ١١٤]

стр. 220

(إسماعيل بن إبراهيم) أي: ابن سهم. (أبو حيَّان) بفتح المهملةِ وتشديد التحتيةِ اسمه: يحيى بن سعيد بن حيَّان التيميُّ؛ نسبة إلى تيمِ الربابِ. (أبي زرعةَ) تقدَّم في باب: الجهادِ من الإيمان (١). (بارزًا) أي: ظاهرًا. (للناس). (فأتاه) رجلٌ أي: (جبريل) في صورة رجلٍ، وفي نسخةٍ: "فأتاه جبريل". (أن تؤمن بالله) أي: تصدق بوجوده وصفاته، والسؤال وقع بما، ولا يسأل بها إلا عن الماهية، لكن الظاهر: أنه ﷺ علمَ أنَّ الرجلَ مسألة عن متعلقاتِ الإيمان لا عن حقيقته، وإلا فكان الجوابُ: الإيمانَ التصديقَ، وإنما عرَّف الإيمانَ بذلك؛ لأنَّ المرادَ من المعرَّفِ: الإيمانُ الشرعيُّ، ومن التعريف اللغويِّ حتَّى لا يلزم تعريفُ الشيء بنفسه، وإنما قالَ جبريلُ ﵇ في جوابهِ: صدقتَ، مع أنه لا يقال في جوابِ التعريف؛ لأنَّه لم يقصدْ محض التعريفِ، بل قَصَدَ معهُ الحكم على الإيمان بأنه التصديق بما ذكر؛ ليكونَ فيه معَنى الخبرِ فصحَّ الجوابُ بصدقتَ، أو قصدَ بصدقتَ: التسليمَ والتعريفَ يقبلُه ولا يقبلُ المنعَ؛ لأن المنع: طلبُ الدليل، والدليلُ إنما يتوجه للخبرِ لا للتعريفِ. (وملائكتهُ) جمع ملكٍ، وأصلهُ: ملاكٌ مفعل من الألوكة: بمعنى الرسالةِ، زيدتْ فيه التاءُ، لتأكيدِ مَعْنى الجمعِ، أو لتأنيثِ الجمع، وهمْ: أجسامٌ علويةٌ نورانيةٌ مشكلةٌ مما شاءتْ من الأَشكالِ. والإيمانُ بهم والتصديقُ بوجودهمِ، وبأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. (وبلقائِه) أي: بالانتقالِ إلى دار المقر، أو بما يكون بعد البعث عند

стр. 221

الحساب، أو برؤية الله في الآخرةِ. (وبرسلهِ) في نسخةٍ: "ورسله" وفي أخرى: زيادة "وكتبه". (وتؤمن بالبعثِ) أي: من القبورِ، وقيل: المرادُ: بعثةُ الأنبياء، وإنما أعادَ فيهِ تؤمنُ دونَ الثلاثةِ قيلَ: اعتناءَ بشأنهِ. (أن تعبد الله) أي: تطيعه بتذلُّلِ وخضوع وتنطق بالشهادتين (ولا تشركَ به) في نسخةٍ: زيادة "شيئًا". (وتقيمَ الصلاة) أي: "المكتوبة" كما صرَّح به مسلمٌ (١). (وتؤديَ الزكاةَ المفروضةَ) خرجَ بالمفروضةِ صدقةَ التطوعِ، فإنها زكاةٌ لغويةٌ، أو المعجَّلة؛ نظرًا لحالِ التعجيلِ، وقيل: ذكرُ المفروضة تأكيدٌ. (وتصوم رمضان) لم يذكر معَ المذكورات الحجَّ؛ إما نسيانًا من الراوي، أو لأنَّه لم يكن فُرِضَ، والأوجهُ: الأوَّلُ، لمجيئه في روايةٍ بلفظ: "وتحجَّ البيت إن أستطعت إليه سبيلًا" (٢) [وفي رواية ذكر فيها الحج، والاعتمار، والغسل من الجنابة، وإتمام الوضوء، ولأن] (٣). في رواية ابن منده بسندٍ عَلى شرطِ مسلمٍ: أنَّ الرجلَ جاءَ في آخر عمرِ النَّبيِّ ﷺ مع أنَّه لم يذكر الصومَ في روايتهِ، واقتصر في أخرى: عَلى الصلاة والزكاة، وفي أخرى: عَلى الشهادتين، وقد وقع هنا التفريق بين الإيمان والإسلام، فجعلَ الإيمانَ عملَ القلبِ والإسلامَ عملَ الجوارحِ، وفيه: تجوزُ، بلْ هما معًا عبارةٌ عنِ الإيمان والإسلام الكاملين والإيمانُ الحقيقيُّ: هو التصديق بما جاءَ بهِ النَّبيُّ ﷺ بشرطِ

стр. 222

النطقِ بالشهادتينِ، والإسلام حقيقة: عكسُ ذلك كما مرَّ بيانه. (ما الإحسانُ) مبتدأ وخبر، والإحسانُ: الإنعامُ على الغيرِ، أو الإخلاصُ، إذ فيهِ إحسان لنفسه، بعدمِ المرايأةِ. (كأنَّكَ تراه) حال من فاعل تعبد؛ أي: تعبد الله مشبهًا نفسك بمن يراه. (فإنّه يراك) ليس جوابًا للشرطِ؛ لأنَّه ليسَ مسببًا عنه، بل الجوابُ مقدرٌ أي: فإن لم تكن تراه فاعبده، أو فلا تغفلْ فإنَهُ يراكَ. وهذا من جوامعِ كلمهِ ﷺ ؛ لأنَّهُ شامل لمقامِ المشاهدةِ ومقامِ المراقبة، إذ للعبد في عبادته ثلاث مقامات، وكل منها إحسان، الأول: أن يفعلها على الوجه الذي يسقطها [عنه] (١) بأن يفعلها مستوفيًا للشرائط والأركان، الثاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المكاشفة حتَّى كأنّه يرى الله تعالى، وهذا مقامهُ ﷺ ، الثالث: أن يفعلها وقد غلبَ عليه أن الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة. فقوله: (فإن لم تكن تراه) نزولٌ عن مقام المكاشفةِ، إلى مقام المراقبة أي: إن لم تعبُده وأنتَ منْ أهلِ الرُّؤيةِ المعنوية، فاعبده بحيث إنَّه يراك، وإنَّما أخَّر السؤال عن الإحسان؛ لأنَّه صفةُ الفعلِ، أو شرط في صحتهِ، والصفة بعد الموصوفِ، وبيان الشرطِ متأخَّر عن بيانِ المشروط. (ما المسئولُ عنها) لفظُ: (عنها) ساقطٌ منْ نسخةٍ. (بِأعْلَمَ) الباءُ زائدةٌ لتأكيدِ مَعْنَى النفي، والمرادُ: نفيُ عِلْم وقتها، إذ وجودها مقطوع به، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم بوقتها فليس مرادًا، دائمًا المرادُ: التساوي في نَفْي العلمِ بهِ، وليس السؤال عنها

стр. 223

ليعلمها الحاضرون، كالأسئلةِ السابقةِ، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فلمَّا وقع الجوابُ عنها، بأنه لا يعلمها إلا الله كفوا. (أشراطها) جمعُ شرط، بالتحريك أي: علاماتها السابقة عليها، أو مقدماتها لا المقارنة لا المضايقة لها، كطلوعِ الشمس من مغربها، وخروج الدابة (إذا ولدت الأمةُ ربَّها) أي: مالكها وسيدها، وعبَّر في كتاب: التفسير بربتها بتاء التأنيث، علَى معنى التسمية ليشمل الذكر والأنثى، وقيل: كراهية أن يقول: ربها؛ تعظيمًا للفظ الربِّ، وكُنِّي بذلك عن كثرةِ أولادِ السراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنها أمةً لابنها من حيث إنها ملكٌ لأبيه، أو لأنَّ الإماءَ يلدنَ الملوكَ فتصير الأمُّ منْ جملةِ الرعايا، والملك سيِّد رعيتهِ، وأنَّ الحالَ يفسدُ بكثرةِ بيعِ أمهاتِ الأولادِ، فيتداولهُنَّ المَّلاك، فيشتري الولدُ أمه وهو لا يشعر. وإطلاق الربِّ هنا على غير الله لا ينافي خبر: "لا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ومولاي" (١) لأنَّ هذا من باب التشديد والمبالغة، أو النَّبيُّ مخصوصٌ به. (إذا تطاول) أي: تفاخر أهلُ الباديةِ في البنيان. (رعاة الإبل) بضمِّ الرَّاء: جمع راعٍ، كقضاةٍ وقاضٍ، وفي نسخةٍ: "رعاءُ الإبلِ" بكسر الراء: جمع راعٍ أيضًا، كتجارٍ وتاجرٍ. (البهمٍ) بضمِّ الموحَّدةِ: جمعٍ أبهم، وهو الأسود، وروي بجرِّ الميمِ؛ صفة للإبلِ، وبرفعها؛ صفة

стр. 224

للرعاةِ أي: الرعاة المبهمون الذين لا يعرفون، فهو جمع بهيم، ومنه أبهم الأمر. (في خمسٍ) أي: وعلم وقت الساعة داخلٌ في جملة خمس، قيل: والحصرُ فيها لكونها المسئول عنها، وإلا فالأمور التي لا يعلمها إلا الله لا حصر لها، أو يقال: إن غير الخمس عائدٌ إليها، وهذا إنما يأتي لو حُصِرَ علمُه فيها، بأن يقول: لا يعلم إلَّا إياها، وليس كذلك، بل الحصر إنما هو لا يعلمهن إلا الله، كما أفاده الحديث بهذا اللفظ، والآية: بتقديم عنده عليهن. (الآية) بالنصبِ: بمقدر كأعني، أو أقرأ، وبالرفع: مبتدأ خبره محذوف أي: الآية مقروءة أو عكسه أي: المقروء الآية، وبالجرِّ أي: إلى الآية أي: مقطعها. (ثم أدبر) أي: الرجل السائل. (فلم يروا شيئًا) مبالغة؛ حيث لم يقل لم يروه، أو لم يروا أحدًا أي: لم يروا عينه ولا أثره. (هذا جبريل) في نسخةٍ: "إن هذا جبريل" وفيه: أنَّ الملك يتمثل لغير النَّبيِّ، وأنَّ غيره يراه قائلًا سامعًا. (يُعَلِّمُ النَّاس) أسند التعليمُ إليهِ وإنْ كانَ سائلًا؛ لأنَّ سؤالَهُ مسبّبٌ في التعليمِ. (أبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (من الإيمان) أي الكامل، وفي الحديث: أن العالم إذا سُئَلَ عما لا يعلم يصرِّحُ بأنَّهُ لا يعلم، ولا ينقصُ ذلك من جلالتِه، بل يدلُّ عَلى ورعهِ وتقواه، وأنَّه يسألُ غيره ليعلم السَّامعون، وبيان عظم الإخلاص والمراقبة وغير ذلك.

стр. 225

٣٨ - باب (باب) بلا ترجمة، بل هو ساقط من نسخةٍ، فالحديث هنا داخل في ترجمةِ البابِ قبله من جهة اشتراكهما في جعل الإيمان دينًا. ٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، " أَنَّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ، حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ" [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ١/ ١٢٥] (إبراهيم بن حمزة) أي: ابن محمد بن مصعب بن عبيد الله بن الزُّبير بن العوام القرشيُّ. (إبراهيم بن سعد) أي: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. (أبو سفيان) في نسخة: زيادة "ابن حرب". (هل يزيدون؟) استعمل هنا (هل) بمعنى: الهمزة التي عبَّر بها في بابِ: بدء الوحي بقرينةِ تعبيرهِ هنا بِأمِ الدالة عَلى الاتصال بين ما بعدها وما بعد الهمزة، وإن كان الأصلُ في الهمزة طلب تعيين أحد الأمرين وفي (هل) طلب الوجود، على أن كلامَ الزمخشريّ في "المفصل" يدل على أنه إنما يشترط في تقدم أم مطلق الاستفهام. وقيل: هل هنا على أصلها، وأم منقطعة لا متصلة أي: بل ينقصون، ليكون إضرابًا عن سؤالِ الزيادةِ واستفهامًا عن النقصان. (الإيمان) أي: أمره. وقد مرَّ شرحُ الحديث بطوله، ومقصود البخاريِّ هنا: أنَّ هرقل لم يفرقْ بين الإيمان والدين، فسماه مرةً دينًا، وأخرى إيمانًا، وحذف الزائد على ذلك، ومثل ذلك يسمَّى خرمًا، واختلف فيه، فقيل: بالمنع

стр. 226

مطلقًا، [وقيل: بالجواز مطلقًا] (١) والصحيح: جوازه من العالمِ إذا كانَ ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة، وقال الكرمانيُّ وغيره: والظاهر: أن وقوع ذلك هنا من الزهريِّ لا من البخاريِّ؛ لاختلافِ شيوخِ الإسنادين بالنسبة للبخاريّ. ولعلَّ شيخه ابن أبي حمزة لم يذكر في الاستدلال على أن الإيمان إلا هذا القدر، وإنما يقع الخرم لاختلاف المقامات والسياقات، ففيما مرَّ بيانُ كيفية الوحيِّ يقتضي ذكرَ الكلِّ، ومقامُ الاستدلالِ يقتضي الاختصار (٢). ٣٩ - بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ (باب: فضلُ من استبرأ لدينه) بالهمز أي: طلبُ البراءةِ لأجلِ دينهِ من الذمِّ الشرعي. ٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الحَلالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ". [٢٠٥١ - مسلم: ١٥٩٩ - فتح: ١/ ١٢٦] (أبو نعيم) بضم النون، اسمه: الفضلُ بن دُكين بضم المهملةِ،

стр. 227

وفتح الكاف. (زكريا) هو ابن أبي زائدة: خالدُ بن ميمونٍ الهمداني. (عن عامر) أي: الشعبي. (بيَّن) أي: ظاهرٌ بأدلته المعروفة. (مشبَّهات) بتشديد الموحَّدة المفتوحة، أو المكسورة أي: شُبهت بما لم يتبين حكمه على التعيين، أو شبهت أنفسها بالحلال [والحرام] (١) وفي نسخةٍ: "مشتبهات" بمثناة فوقية مفتوحة، وموحدة مكسورة أي: أكتسبت الشبهة من أمرين متعارضين. (لا يعلمها) أي: لا يعلم حكمها (كثير النَّاس) بل انفرد به العلماء، إمَّا بنصٍّ، أو قياسٍ، أو استصحاب، أو غيرها. فإذا تردد الشيءُ بين الحلِّ والحرمة، ولم يكن دليلٌ، اجتهد فيه المجتهد، وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإن لم يظهر له شيءٌ فهل يؤخذ فيه بالحل أو الحرمة أو يوقف؟ ثلاثة مذاهب أوجهها: الأخير؛ إذ الخلاف في ذلك، كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشرع فيها، والأصحُّ: عدم الحكم بشيءٍ؛ لأنَّ التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع. (فمن اتقى) أي: احتزر، أو أحذر. (المشبهات) بتشديد الموحدة المفتوحة، أو المكسورة، وفي نسخةٍ: بمثناة فوقية بعد شينٍ ساكنة، وفي أخرى: "الشبهات" بضم الشينِ والموحدة. (استبرأ) أي: حصلَ البراعة لدينهِ من الدَّمِ الشرعيِّ، وصان عرضَه عن كلامِه، وفي نسخةٍ: "قد استبرأ". (لدينهِ وعرضه) الأول: متعلق بالخالق، والثاني: بالمخلوقِ، وفي نسخةٍ: "لعرضه ودينهِ". (في الشبهات) أي: التي أشبهتِ الحرامَ من وجهٍ، والحلالَ من آخرٍ. (كراعٍ) في نسخةٍ: "كراعي" بالياء، وهي خبرُ (مَنْ) إنْ جُعلتْ موصولة، وجوابهُا: إنْ

стр. 228

جُعلتْ شرطيةً [محذوف] (١). (الحِمَى) بكسر المهملة وفتح الميم: الموضعُ الذي حماهُ الإمامُ لأمرٍ، ومنع النَّاسَ منه فمن دخله عاقبه، ومن اجتنبه سلم. (يُوشك) بكسر الشينِ، وحُكي فتحُها. أي: يقربُ، وهو صفةٌ، أو استئنافٌ، أو خبرٌ (مَن)، أو جوابُها (يواقعه) أي: يقعُ فيها إذ من كثُر تعاطيهِ الشبهاتِ يصادفُ الحرامَ، وإنْ لم يتعمده فيأثمُ بذلك إذا قصر. (ألا) بالتخفيف: حرف تنبيه، يبتدأ بها، وتدل على صحة ما بعدها، وتكريرُها، كما هنا يدلُّ على تضخيم شأنِ مدخولها وعظمهِ، وذكرُ الواو في مدخولها ثابتٌ في الأربعة التي ذكرهَا وفي نسخةٍ: حذفُها من الثاني: إمَّا لكمالِ الانقطاعِ، والبُعدِ بين حِمى الملوكِ، وحِمى الله تعالى، أو لكمالِ الاتحاد بينهُما؛ لأنَّه لمَّا كان لكل ملكٍ حِمى كان لله تعالى حمى؛ لأنَّه ملكُ الملوكِ، والمناسبةُ بين الأولى والثانية: أن أصلَ الاتقاءِ، والوقوعِ: ما كان بالقلب؛ لأنَّه عمادُ الأمرِ، وملاكُه، والواوُ في الأربعةِ: معطوفةٌ على مقدرٍ أي: ألا إنَّ الأمرَ، كما مرَّ، و (إنَّ إلخ). (محارمه) أي: المعاصي التي حرَّمها، كالزنا، والسرقةِ، وفي ما ذُكر: التمثيلُ والتشبيه للشاهدِ بالغائبِ، وشبه المكلَّف بالراعي، ونفسه بالأنعام، والمشبهاتِ بما حول الحمى، والمحارمُ بالحمى، وتناول المشبهات بالرتع حول الحمى ووجهُ التشبيه: حصولُ العقابِ بعدم الاحتراز عن ذلك، فكما أنَّ الراعي إذا جرَّه رعيُه حول الحمى إلى وقوعهِ في الحمى استحقَّ العقاب بسببِ ذلك. كذلك من أكثر من الشبهات، وتعرَّض لمقدماتها وقع في الحرام، فاستحق العقاب بسبب

стр. 229

ذلك، كما مرَّ. (مضغة) أي: قطعةٌ من اللحم؛ لأنَّها تُمضغ في الفم؛ لصغرها، والمرادُ: تصغيرُ القلبِ بالنسبة إلى ما في الجسدِ مع أنَّ صلاحَه وفساده به. (إذا صلُحت) بفتح اللام أفصحُ من ضمها، وإذا قد تُستعمل للشكِّ كأن كما هنا؛ إذ الصلاحُ غيرُ متحققٍ بقرنيةِ ذكرِ مقابله. (القلب) سمي به؛ لسرعةِ تقلُّبه، أو لأنَّه خالصُ البدن، وخالصُ كلِّ شيءٍ: قلبُه، وهو محلُّ العقلِ، كما قال به جمهورُ المتكلمين لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وخالف الحنفية والأطباءُ، فقالوا: إنَّه في الدِّماغِ، محتجين بأنَّه إذا فسد الدماغُ فسد العقلُ. ردَّ بأنَّه لا يلزم من فسادِ العقل بفسادِ الدماغ كونُه فيه، وغايتُهُ: أنَّ الله تعالى أجرى العادة بذلك، وقد أجمعَ العلماءُ على عظم موقع هذا الحديث، وإنه أحدُ الأحاديث الأربعةِ التي عليها مدارُ الإسلام المنظومة في قول بعضهم: عمدةُ الدين عندنا كلماتٌ ... مسنداتٌ من قولِ خير البريَّة اتَّقي الشبهات وازهد ودعْ ... ما ليس يعنيك واعملنَّ نيةً وتقدَّمَ هذا في أوائل الكتاب عنْ أبي داودَ (١)، لكنَّه أبدلَ حديثَ الزهدِ بحيث لا يكون المؤمنُ مؤمنًا حتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه. فائدةٌ: قال حجةُ الإسلام الغزاليُّ: السلاطين في زماننا ظلمةٌ، قل ما يأخذون شيئًا على وجهه بحقه، فلا تحلُّ معاملتهم، ولا من يتعلقُ بهم حتَّى القضاة، ولا التجارة في الأسواق التي يعمرونها بغير حقٍّ. واستبراءُ الدينِ والورَع: اجتنابُ الربطِ، والمدارسِ، والقناطرِ التي أنشاؤها بالأموالِ التي لا يُعلم مالكُها.

стр. 230

٤٠ - بَابٌ: أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ (باب: أداء الخمس من الإيمان) في باب ما مرَّ في نظائره، و (الخمس) بضم المعجمة، والميم من خمست القوم، أخمسهم، بضم الميم إذا أخذت منهم خمس أموالهم، وأمَّا خمستهم أخمسهم بكسرها فمعناه: إذا كنت خامسهم، أو كفلتهم خمسة بنفسك. ٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -" قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إلا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ" وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ"، وَرُبَّمَا قَالَ: "المُقَيَّرِ" وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ" [٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦ - مسلم: ١٧ - فتح: ١/ ١٢٩). (عليُّ بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين: ابن عبيد الجوهري. (عن أبي جمرة) بالجيم والراء واسمه: نصر بن عمران الضبعيُّ بضم المعجمة وفتح الموحدة. (كنت أقعد) أتى بالثاني مضارعًا لحكايةِ الحال الماضية؛

стр. 231

استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين. (مع ابن عبَّاس) أي: عنده في زمن [ولايته البصرة من قبل] (١) ولاية عليّ بن أبي طالبٍ. (يجلسني) حالٌ، وفي نسخة: "فيجلسني" أي: يرفعني على السرير بعد أن أقعد على غيره، ومن ثَمَّ عُطف على أقعد. (سريره) جمع له أسره وسُررٌ بضمتين، وحُكي فتحُ الرَّاءِ، سمي بذلك؛ لأنَّه مجلس السرور. (أقم عندي) أي: توطَّنْ لتساعدَني بالترجمة عند الأعجميِّ وله أو لتبلغ من لم يسمع. (سهمًا) أي: نصيبًا. (فأقمت معه) أي: عِنْدَه بمكة عبَّر بالمعية المشعرةِ بالمصاحبة؛ مبالغةً. (وفد عبد القيس) كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهمُ: الأشج، وقيل: أربعين. (أو من الوفد) الشك من أحد الرواةِ. قال شيخُنا: وأظنُّه شعبةً (٢). (قالوا: ربيعة) أي: ابن نزار بن معد بن عدنان، وإنمَّا قالوا: ربيعة لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبَّر عن البعض بالكلِّ؛ لأنهم بعض ربيعة بقرينة قوله في الصلاة: فقالوا: إنَّ هذا الحيَّ من ربيعة (٣). (مرحبًا) نصب على المصدر بعامل محذوف وجوبًا أي: صادفت رحبًا؛ أي: سعة فاستأنس، ولا تستوحش. (غير) بالنصب حال من القوم. (أو الوفد) بالجر بدل منه، أو صفة له بجعل (ال) فيهم للجنس. (خزايا) بفتح المعجمة والزايِّ، جمعُ خزيان، كسكارى وسكران، والخزيان: المستحي، وقيل الذليل، وقيل: المفتضح، والمعنى: غير مستحيين لقدومكم بدون حرب يوجب استحياؤكم. (ندامى) جمع ندمان أي: منادم في اللهو، وقيل: جمع نادم،

стр. 232

وكان قياسه نادمين، لكنه جمع على ندامى لمناسبة خزايا تحسينًا، كما في لا دريت ولا تليت، والقياس: ولا تلوت. (في هذا الشهر الحرام)، المراد: الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، أو العهد والمراد: شهر رجب، كما صرَّح به البيهقي (١)، وسمّي حرامًا لحرمة القتال فيه، وفي نسخةٍ: "إلا في شهر الحرام" من إضافة العام إلى الخاص، كخاتم فضة. (الحي) هو منزل القبيلة، ثم سميت به اتساعًا؛ لأنَّ بعضهم يحيى ببعض. (مضر) بضم الميم، وفتح المعجمة، غير منصرف للعملية والتأنيث هو ابن نزار بن معد بن عدنان. (بأمرٍ) واحد الأوامر وهو القول الطالب للفعل، أو واحد الأمور، وهو الشأن. (فصلٍ) أي: فاصل، كعدل بمعنى: عادل. أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو مفصَّل أي: واضح يتضح به المراد. (نخبر) بالجزم، جوابًا للأمر، وبالرفع صفة لأمرٍ. (من وراءنا) أي: من قومنا، أو من البلاد البعيدة، أو الأزمنة المستقبلة، ويروى بكسر ميم من [جارة] (٢) لـ (وائنا). (وندخل) فيه الوجهان في (نخبر) وروي بحذف الواو، وعليه يتعين الرفع على الاستئناف. (عن الأشربة) أي: عن ظروفها، أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة. (بأربع) أي: بخصال أربع. (أمرهم بالإيمان) تفسير لقوله: (فأمرهم بأربع) ومن ثمَّ حذف العاطف. (شهادة) بالجرّ بدل من الإيمان المجرور، وبالرفع خبر مبتدأ

стр. 233

محذوف، وفيه: دليل على اتحاد الإيمان والإسلام عنده؛ لأنَّه فسَّر الإسلام فيما مرَّ بما فسَّر الإيمان هنا. (وأن تعطوا) أتى بالمصدر مؤولًا لا صريحًا؛ للإشعار بالتجدد، بخلاف بقية الأركان فإنها كانت ثابتة. (من المغنم) أي: من الغنيمة؛ لأنَّ خمسها يخمس وأربعة أخماسها للغانمين، واستشكل قوله: (أمرهم بأربع) مع [إنه] (١) ذكر خمسة، وأجيب: أنه لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بها دون البقية، وبأن قوله وأن تعطوا عطف على أربع، وتعقبه الكرمانيُّ بأنه ليس بصحيح؛ لأنَّ البخاريَّ عقد الباب على أنَّ أداء الخمس من الإيمان. فلا بد أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان؛ لاقتضاء أحرف العطف ذلك (٢)، والأول أن يأتي على قراءة شهادة بالرفع لا بالجرِّ. (عن الحنتم) هو بفتح المهملة وسكون النون، وفتح الفوقية، الجرار الخضر، أو الجرار مطلقًا، أو جرار مقيرات الأجواف أي: مطلية بما يسد مسام الخزف. (والدباء) بضم الدال وتشديد الموحدة، القرع أي: وعاء اليقطين اليابس. (والنقير) بفتح النون وكسر القاف، جذع ينقر وسطه وينتبذ فيه. (المزفَّت) بتشديد الفاء ماطُلِيَ بالزفت. (وربما قال) أي: ابن عباس، (المقُيَّر) بدل (المزفت) والمراد بالجميع: الأوعية، والنهي عن الانتباذ فيها؛ لأنَّ الشراب فيها يسرع إليه التخمر فيصير مسكرًا من غير شعور به.

стр. 234

وهذا كما قال النوويُّ: منسوخ بخبر: "كنت نهيتكم عن الانتباذ فيها؛ لأنَّ الشراب فيها إلا في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ ولا تشربوا مسكرًا" (١) خلافًا للإمامين مالك وأحمد. وفي الحديث: استعانة العالم في تفهم الحاضرين، والفهم عنهم، واستحباب قول مرحبًا للزوَّار، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، والحث على تبليغ العلم، ووجوب تخميس الغنيمة. ٤١ - بَابٌ: مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالوُضُوءُ، وَالصَّلاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] عَلَى نِيَّتِهِ. "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ" وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ". [١٨٣٤] ٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" [انظر: ١ - مسلم: ١٩٠٧ - فتح: ١/ ١٣٥] (باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة) بفتح (أن) فاعل (جاء)

стр. 235

أو على إضمار (من) أي: [من أن الأعمال، وبكسرها على إضمار القول] (١) أي: من قول النَّبيِّ ﷺ أن الأعمال وفي نسخةٍ: "أن العمل". (والحسبة) بكسر المهملة أي: الاحتساب، والإخلاص، وهو مع قوله: (ولكلِّ امرئٍ ما نوى) عطف على ما جاء. (فدخل فيه) أي: فيما ذكر، وفي نسخةٍ قبل هذا: "قال أبو عبد الله" أي: البخاريُّ (الإيمان) أي: على رأيه من أنَّه عملٌ كما مرَّ، أمَّا على رأيِ الجمهور من أنَّه: التصديقُ، فلا يحتاجُ إلى نيةِ، كسائرِ أعمالِ القلوبِ. (والأحكام) أي: من المعاملات، والمناكحات، والجراحات، إذ يُشترطُ فيها القصدُ، فلو تُرك كان سبق لسانه إليها لغت، وأمَّا تَرتُّبُ الضمانِ على العاقلةِ، أو على الجياني آخرًا في الخطأ، فمن قبيل ربطِ الأحكامِ بالأسبابِ، كما في ضمانِ إتلافِ الطَّفلِ في مالهِ، ودلوكِ الشَّمسِ، وغيرها من الأحكامِ الوضعية، ومع ذلك فليس ما ذُكر عامًّا؛ إذ بعضُ الأعمال لا حاجةَ فيه إلى نيةٍ، كما مرَّ بيانهُ أوَّلَ الكتابِ وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ [الإسراء: ٨٤] في نسخة: "وقال كلٌّ"، وفي أخرى: "قل كلٌّ". قال البرماويُّ والظاهرُ: أنَّ الجملةَ حالية لا معطوفةٌ على ما سبق. أي: إنَّ هذه الآية أيضًا تدل على أنَّ جميعَ الأعمال على حسبِ النية فهي مقوية لقوله: فدخلَ فيه كذا، وكذا (على نيته) تفسيرًا لشاكلته، بحذف أداةِ التفسير. "ونفقة الرجل" مبتدأ، وفي نسخة: "نفقة الرجل" بلا واو. (ويحتسبها) حالٌ. (صدقة) خبرُ المبتدأ، والجملةُ بحالها

стр. 236

ساقطةٌ من نسخةٍ. (وقال) النَّبيُّ ﷺ (ولكن جهاد ونية) رواه في الحجِّ وغيرِهِ مسندًا بلفظِ: "لا هجرة بعد الفتحِ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا أستنفرتُم فانفروا" (١). (أخبرنا) في نسخةٍ: "حدَّثنا" (الأعمال بالنية ... إلخ). تقدَّم الكلام عليه أوائل الكتاب. (لدنيا) في نسخة: "إلى دنيا". ٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ". [٤٠٠٦، ٥٣٥١ - مسلم: ١٠٠٢ - فتح: ١/ ١٣٦] (عن أبي مسعود) اسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري. (أنفق) حذف مفعوله ليعمَّ القليل والكثير. (على أهله) أي: زوجته وولده، وإن كانت نفقتهما واجبة بشرطها. (يحتسبها) جالس من الفاعل، أو المحذوف. (فهو) أي: الإنفاق، وفي نسخةٍ: "فهي" أي: النفقةُ المفعولةُ. (صدقة) أي: كالصدقة في الثواب لا حقيقة، وإلَّا لحرمت على هاشمي ومُطَّلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، ولا يضرُّ في التشبيه كون هذا واجبًا، والصدقة غالبًا تطوع، وبه يجاب عن كون المشبه به دون المشبه، فكيف شبه الواجب بالتطوع؟ فيقال: في التشبيه في أصل الثواب لا من كل وجه. على أنَّ كل تشبيه لا يشترط فيه كون

стр. 237

المشبه دون المشبه به، كما قرر في محله. وفي الحديث: كما قال النوويُّ: الحثُّ على الإخلاص، وإحضار النية في الأعمال، والردُّ على المرجئة في قولهم: الإيمانُ: إقرارٌ باللسانِ فقط، وفي قول: (يحتسبها) دلالة على أنها لا تكون طاعة إلَّا بذلك. ٥٦ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ" [١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ١/ ١٣٦] - (إنك) الخطابُ لسعدٍ، وقِيْسَ به غيرُه، أو عامٌ كما في قولهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] (لن) حرف برأسه (١). وقيل: أصلُه لا، فأبدِلَ عن ألفهِ نونٌ، أو أصلُه: لا أنْ وحذفت الهمزةُ وسَقطت الألف؛ لالتقاءِ الساكنين. (تبتغي) أي: تطلُبُ. (بها) الباء للمقابلة، أو للسببية، أو بمعنى على، فيوافقُ قولَه في نسخةٍ: "عليها"، (وجه الله) أي: جهتُه، وهذا من المتشابهِ، ففيه: مذهبان التفويضِ، والتأويلِ. (إلَّا أُجرت عليها) في نسخةٍ: "إلَّا أُجرتَ" لا يُقال: كيف وقع الفعل مستثنى لأنَّا؟ نقولُ: لا محذور فيه. إذ مثلُه واقع في الكتابِ، كقولهِ تعالى ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠].

стр. 238

وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: ٣٤]، وفي السُّنةِ كقولهِ ﷺ : "لا يبقى أحدٌ منكم إلَّا لُد غير العباسِ" (١) وقوله: "ما من شيءٍ أُريتُه إلَّا رأيتُه في منامي" (٢). لكن مثلُ ذلك مؤولٌ بما يرجعُ إلى أنَّ المستثنى اسمٌ، وتأويلُه في (إلَّا أجرتَ) إلَّا نفقة أُجرتَ عليها. (حتَّى ما تجعل) أي: الذي تجعلُه، وحتَّى عاطفه لاجارة، وما بعدُها منصوبُ المحل. (في في امرأتِك) أي: في فمِها، وفي نسخةٍ: "في فمِ امرأتِك" بالميم، وهي لغة قليلة، والمعنى: حتَّى الذي تجعلُه في فمِ امرأتك فتُؤجرُ عليها، وفيه كما قالَ النوويُّ: إنَّ ما أُريد به وجه الله تعالى يثبت فيه الأجرُ، وإنْ حصل لفاعلِه في ضمِنه حظُّ نفس من لذَّةٍ، أو غيرها، كوضعِ اللقمة في فمِ الزوجةِ، وهو غالبًا لحظِ النفسِ والشهوةِ، فإذا كان هذا فيه الأجرُ، فالأجرُ فيما يرادُ به وجهُ الله فقط أولى (٣). ٤٢ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]

стр. 239

٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". [٥٨، ٥٢٤، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٠٤ - مسلم: ٥٦ - فتح: ١/ ١٣٧] (باب: قول النَّبيِّ ﷺ ) كلامٌ إضافي مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ. (الدينُ النصيحةُ) جملةٌ محلُّها النصبِ بقولِ النَّبيِّ، والنصيحةُ: كلمة جامعة، معناها: حيازةُ الحظِّ للمنصوحِ له، ومعنى الحديثِ: قوامُ الدين ومعظمُه النصيحةُ، كالحجِّ عرفة متعلقٌ بالنصيحة، والنصيحةُ له بأن يؤمنَ به، ويصفَه بما هو أهلُه، ويخضعَ له ظاهرًا وباطنًا، ويجاهد في ردّ العاصين، وحقيقةُ ذلك ترجعُ إلى نصحِ العبدِ بذلك نفسهِ فإنَ الله غنيٌّ عن نصحهِ، وعن العالمين. (ولرسوله) بأن تصدق برسالته، وتؤمن بجميع ما أتى به، ويعظمه، وينصره حيًّا وميِّتًا، ويحيى سنته بتعلمها وتعليمها، ويتخلق بأخلاقه، ويتأدَّب بآدابه، ويحب أهل بيته وأصحابه، وأتباعه وأحبابه. (ولأئمة المسلمين) بإعانتهم على الحق وطاعتِهم فيه، وتنبيهِهم عند الغفلةِ برفقٍ، وسدِّ خلَّتهم، وردِّ القلوب النافرة إليهم. (وعامتهم) بالشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك. وهذا الحديث: علقه ولم يسنده؛ لكونه ليس على شرطه؛ لأنَّ راويه في أشهر الطرق عن تميم الدَّارميِّ سُهيل بن صالح، وليس من شرطه. (وقوله) عطف على قول النَّبيِّ. (تعالى) في نسخةٍ: " " وسقط كل منهما من نسخة. (قيس بن أبي حازم) بحاء مهملة وزاي معجمة البجليُّ (بايعت)

стр. 240

أي: عاقدت. (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة). اكتفى هنا من الأركان بذكر هذين لأنَّ العبادة بدنية، أو مالية. (والنصح) بالجرِّ عطف على إقام الصلاة. وفي الحديث: تسمية النصح دينًا وإسلامًا؛ لأنَّ الدين يقع على العمل، كما يقع على القول وهو فرض كفاية على قدر الطاقة، فعلى من علم بالمبيع مثلًا عيبًا أن يبينه بائعًا كان، أو أجنبيًّا. ٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. [انظر: ٥٧ - مسلم: ٥٦ - فتح: ١/ ١٣٩] (أبو النَّعمان) اسمه: محمد بن الفضل الدوسيُّ. (عن زياد بن عِلاقة) بكسر العين المهملة أي: ابن مالك الثعلبيِّ بمثلثة ومهملة. (سمعت جرير بن عبد الله يقول) تقدم الكلام على إعرابه أوَّل الكتاب. (قام) ليسَ هو في حيِّز سمعتُ، وإنما التقديرُ: سمحتُ جريرًا حمد الله فحذف ثم فسر بقوله: (قام ... إلخ) فقام استئناف بيانيٌّ لا محلَّ له. (فحمد الله وأثنى عليه) أي: وصفه بالتحلِّي بصفات الكمال، والتنزه عن النقائص، فالأول؛ إشارة إلى الصفات الوجودية، والثاني: إلى الصفات العدمية. (عليكم) اسم فعل بمعنى: الزموا. (وحده) حال بتأويله بنكرة

стр. 241

أي: واحدًا، أو مصدر وحد يحد، كوجد يجدُ. (والوقار) بفتح الواو أي: الحلم والرزانة. (والسكينة) أي: السكون، أشار بالوقار: إلى مصالح الدين، وبالسكينة: إلى مصالح الدنيا، بعد الأمر باتقاءِ الله وحده. (حتَّى يأتيكم أميرٌ) أي: بدل هذا الذي مات، وحتَّى: غاية للأمرِ بالاتقاءِ وتالييه، ومفهوم الغاية: من أن المأمور به ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا، بل يلزم عند مجيئه بطريق الأول، إذ شرط اعتبار مفهوم المخالفة، أن لا يعارضه مفهوم الموافقة. (فإنما يأتيكم الآن) أراد بالآن، كما قال شيخنا: تقريب المدة؛ تسهيلًا عليهم؛ لأنَّ معاوية لما بلغه موت المغيرة، كتب إلى نائبه على البصرة وهو زياد أن يسير إلى الكوفة، أميرًا عليها (١). ويحتمل أن يراد بالآن: حقيقته، فيكون ذلك الأمير جريرًا نفسه لما روي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته (٢). (استعفوا) أي: اطلبوا العفو وفي نسخة: "استغفروا". (لأميركم) أي: المتوفى. (فإنّه كان يحبُّ العفو) أي: عن ذنوب النَّاس. (ثم قال) أي: جرير. (أما بعد) تقدم الكلام عليه. (قلت أبايعك) لم يأت بأداة العطف؛ لأنَّه بدل من أتيتُ، أو استئناف، وفي نسخةٍ: "فقلت". (فشرطَ عليَّ) بتشديد الياء؛ أي: الإسلام الذي بايعته عليه، فالفاء تفسيرية. (والنصح) بالجرِّ عطف على الإسلام في قوله: أبايعك على الإسلام، ومثله يسمَّى: بالعطف التلقيني أي: لقَّنَه أن يقول

стр. 242

والنصح، وبالنصبُ عطف على مقدر أي: فشرط الإسلام والنصح. (على هذا) أي: ما ذكر من الإسلام والنصح. (هذا المسجد) أي: مسجد الكوفة، أو المسجد الحرام. (إنِّي لناصح لكم) جواب القسم، وفيه: إشارة إلى أنه وفَّى بما بايع به النَّبيُّ ﷺ ، وأنَّ كلامه عارِ من الأغراض الفاسدة. (ونزل) أي: عن المنبر، أو عن القيام إلى القعود. وفي الحديث: استحباب البيعة وكمال شفقته ﷺ إلى أمته.

стр. 243

٣ - كتاب العلم

стр. 244

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣ - كِتَابُ العِلْمِ ١ - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ . وَقَوْلِ الله تَعَالَى: وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وَقَوْلِهِ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. [فتح: ١/ ١٤٠] ٢ - بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ ٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ" قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". [٦٤٩٦ - فتح: ١/ ١٤١] (كتاب العلم) أخره عن الإيمان؛ لأن الإيمان أولُ واجب ولأنه أفضل على الإطلاق، وقدمه على ما بعده؛ لأن مدار ما بعده عليه. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مقدمة في نسخة على كتاب العلم. (باب فضل العلم) لم يذكر لهذه الترجمة حديثًا؛ لما مرَّ أنه إما لكونه ذكر

стр. 245

التراجم وكان يلحق بها الأحاديث فلم يتفق له أن يلحق ببعضها شيئًا؛ أو لأنه لم يثبت عنده في تلك الترجمة بشيءِ أو نحو ذلك، وقوله: (بسم الله ... إلخ) ساقطٌ من نسخةِ. (وقول الله) بالجر عطف على فضل العلم. (تعالى) في نسخةٍ: " ". (درجات) مفعول (يرفع) ورفعها: كثرة الثواب، وقوله : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] في نسخة: "قل ربّ زدني علمًا". اكتفى البخاريُّ في بيان فضل العلم بذكر الآيتين؛ لأن القرآن قويٌّ بالحجج القاطعة. (باب: من سُئل علمًا وهو مشتغل في حديثه) الجملة الأخيرة: حال. (فأتمَّ) عطفه بالفاءِ على ما قبله؛ لأنه عقبه. (ثم أجاب) عطفه بـ (ثم) لتراخيه. (محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وبالتنوين هو: أبو بكر الباهليُّ البصريُّ. (فليح) بالتصغير: لقب له، واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى [(ح وحدثني) في نسخة: "قال: وحدثنا"] (١). (وحدثني أبي) في نسخةٍ: "حدثنا أبي". (هلال بن عليٍّ) يقال له أيضًا: هلال بن ميمون، وهلال بن هلال، وهلال بن أسامة؛ نسبة إلى أحدِ أجدادهِ. (بينما) [بالميم] (٢) مرَّ بيانُه. (يحدث) خبر المبتدأ، وهو النبيُّ. (القوم) هم الرجال دون النساء، قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١].

стр. 246

وقال الشاعرُ: أقومُّ آل حصنٍ أم نساءُ ... وقد تدخل النساءُ فيه على سبيلِ التبع؛ لأن قوم كل نبيّ رجالٌ ونساءٌ، وجمعه: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم. (أعرابيٌّ) واحدٌ الأعراب، والأعراب: سكان البادية، لا واحد له من لفظه، وليس الأعراب جمعًا للعرب، والنسب للعرب: عربيٌّ، وهذا الأعرابيُّ سماه أبو العالية: رفيعًا. (يحدث) في نسخة: "بحديثه" بحرف الجر وزيادة ياء وهاء وفي أخرى: "يحدثه" أي: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه. (متى) الساعة) أي: متى زمانها. (فقال بعض القوم ... إلخ) اعتراض بين (فمضى) وبين (حتَّى إذا قضى حديثه). (بل لم يسمع) عطفه على ما قبله، لا يقدح فيه تغاير المتكلمين. ولو سلم أنه يقدح فيه فلم لا يكون الكلُّ من كلام البعض الأول، على طريقة عطف التلقين؟ كأن البعض الآخر قال للبعض الأول: قل بل لم يسمع فقال: بل لم يسمع، أو من كلام البعض الآخر بأن يقدر قبله سمع أي: سمع بل لم يسمع. (قال: أين أراه) بضم الهمزة أي: أظنُّ الراويَ. (قال السائل) وفي نسخة: "أين السائل". (ها) بالمدِّ والقصر حرف تنبيه. (أنا) مبتدأ خبره محذوف أي: السائل. (إذا وُسِّدَ) بتشديد السين أي جعل. وفي الحديث: طلب تعليم السائل والرفق به، وأنه جفا في سؤاله أو جهل، ومراجعته للعالمِ عند عدم فهمه، وإن من آداب المتعلم: ألا يسأل العالمَ ما دام مشتغلًا بحديث، أو غيره.

стр. 247

٣ - بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ ٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. [٩٦، ١٦٣ - مسلم: ٢٤١ - فتح: ١/ ١٤٣] (باب: من رفع صوته بالعلم) أي: بكلام يدل عليه، إذ العلم صفة معنوية، لا يتصور رفع الصوت به. (عن أبي بشر) اسمه: جعفر بن إياس اليشكريُّ. (عن يوسف) بتثليث السين مع الهمز وتركه: ابن ماهك بفتح الهاء غير منصرف للعلمية والعجمة؛ لأن ماهك بالفارسية تصغير ماه وهو القمر بالعربي، وقاعدتهم أنهم إذا صغروا الاسم جعلوا في آخره الكاف، وقيل: بكسر الهاء منصرف؛ لملاحظة معنى الصفة، لأن التصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلمية؛ أو لأنه حينئذ اسم فاعل من مهكتُ الشيءَ مهكًا إذا بالغت في سحقهِ، وماهكُ اسم أبي يوسفَ، وقيل: اسمَ أمِّه، وعليه يتعينُ منعُ صرفه للعلمية والتأنيث. (تخلَّف) أي: "عنَّا" كما في نسخة. (في سفرة سافرناها) أي: من مكة إلى المدينة، والهاء مفعول مطلق، نحو: ظننته زيدًا منطلقًا، أي: ظننت الظنَّ. (فأدركنا) بفتح الكاف أي، لحق بنا. (أرهقتنا الصلاة) برفعها فاعل أرهق أي: أدركتنا، وفي نسخةٍ: "أرهقنا" بلا تاء مع رفع الصلاة؛ لأن ثانيها غير حقيقيٌّ وفي أخرى: "أرهقنا الصلاة" بسكون القاف، ونصب الصلاة، أي: أخرناها حتَّى دنا وقتُ ما بعدها، وهذه الصلاة كانت العصر، كما سيأتي في باب:

стр. 248

من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه وفي غيره. (فجعلنا) من أفعال المقاربة هنا، أي: كدنا. (نمسح) أي: نغسل غسلًا خفيفًا، حتَّى يرى كأنه مسح. (على أرجلنا) عبَّر بأرجلنا، وإن كان القياس رجلينا؛ إذ لكل واحدٍ رجلان؛ لأن الغرض مقابلة الجمع بالجمعِ، فيفيد توزيع الأرجل على الرجال، لا يقال: فعليه يكون لكلِّ رجُلٍ رِجْلٌ لأنَّا نقولُ: جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين، والعقل يعين المقصود سيما فيما هو محسوس. (ويلٌ) مبتدأ، وهو كلمة عذاب، ويقال: وادٍ في جهنم، وخبر المبتدأ (للأعقاب) أي: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها وهي: جمع عقِب، بكسر القاف وهو مؤخر القدم، واللام وإن كانت في الأصلِ للاختصاص النافع، وعلى للشرِّ الضار، نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] لكنها استعملت هنا للاختصاصِ أيضًا، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. (من النَّار) من: بيانية، أو بمعنى في. (مرتين أو ثلاثًا) شكٌّ من عبد الله بن عمرو. وفي الحديث: التغليظ في الإنكار، والتكرارة للمبالغة، ورفع الصوت في المناظرة بالعلم، ودليل على وجوب غسل الرجلين، وهو الإسباغ لا اللمس بالماء، وأما قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦] وإن كان ظاهره على قراءة الجرِّ عطفه على الرءوس، وعلى قراءة النصب عطف على الجار والمجرور، فيجب تأويله بالجرِّ على المجاورة، وبالنصب على العطف على الوجوه، ويجوز عطف قراءة الجز على الرءوس، ويحمل المسح على مسح

стр. 249

الخف أو الغسل الخفيف الذي تسميه العربُ مسحًا، وعبَّر به في الأرجل؛ طلبًا للاقتصاد؛ لأنها مظنة الإسراف لغسلها بالصبِّ عليها وتجعل الباء المقدرة على هذا للإلصاق والحامل على ذلك الجمع بين القراءتين والأخبار الصحيحة الظاهرة في وجوب غسل الرجلين. ٤ - بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: "كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوي عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْويهِ عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَرْويهِ عَنْ رَبِّكُمْ . [فتح: ١/ ١٤٤] ٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ" فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". [٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٢٢، ٦١٤٤ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ١٤٥] (باب: قولُ المحدِّثِ: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا) أي: هل بينها فرق أو الكلُّ واحدٌ، وسقط من نسخة: "وأنبأنا"، ومن أخرى: "وأخبرنا"،

стр. 250

والمراد بالمحدِّث: اللغويُّ: وهو الذي يحدِّثُ غيره، لا الاصطلاحيُّ: وهو العالمُ بحديثِ النبيِّ ﷺ (وقالَ لنا الحميديُّ) في نسخة: "وقال الحميديُّ". (واحدًا) أي: الصيغُ الأربعُ بمعنى واحدٍ، في أنَّ ذلك جائزٌ اتفاقًا، كما حكاه القاضيُّ عياضُ (١)، وهذا لا ينافي ما يأتي من أرفعية بعضها على بعض، وتقديرُ البخاريّ ما نقله عن الحميديّ مع ما يأتي من التعاليق الثلاثة الآتية في كلامهِ يدل على اختياره له. قال الخطيبُ الأرفعُ: سمعت، ثم حدَّثني، ثم أخبرني، ثم أنبأني (٢)، وقد بسطتُ الكلامَ على ذلك في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (٣). (وقال ابن مسعود) هذا التعليق وصله في بدء الخلق والغسل وغيرهما (٤). (الصادق) أي: في نفس الأمرِ وفيما قاله لغيره. (المصدوق) أي: المصدوق بالنسبة لله تعالى وإلى الناسِ، أو إلى ما قاله له غيره وهو جبريل. (وقال شفيق) وصله في الجنائز والتوحيد وغيرهما. (عن عبد الله) أي: ابن مسعود، وإذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة.
следующие страницы →