و (قال أبو عبد الله: ﴿وَحَصُورًا﴾: لا يأتي النساءَ) ساقطٌ من نسخة، وذكره على عادته في تفسير ما يناسب من القرآن ما هو فيه، فأشار إلى أنَّ (حصورًا) أي: محصورا في قوله تعالى في يحيى بن زكريا: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] معناه: لا يأتي النساءَ، وليس المرادُ بذلك لا يأتيهنَّ؛ لأنه يَهابهنَّ، أو لأنه لا ذَكَرَ له؛ لأنَّ هذه نقيصةٌ لا تليقُ بالأنبياء، بل المرادُ: أنَّه معصومٌ من الفواحشِ والملاهيِ.
١ - بَابُ إِذَا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ
(بابُ: إذا أُحصرَ المعتمرُ) أي: ماذا يصنعُ؟
١٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ، قَال: "إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ".
[انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤]
(إذا خرج) أي: أراد أنْ يخرجَ. (معتمرًا في الفتنةِ) لا ينافيه ما في "الموطأ": أنَّه خرج إلى مكةَ يريدُ الحجِّ (١)، لأنه خرج أولًا مريدًا للحجِّ، فلما ذكروا له أمر الفتنةِ أحرم بالعمرةِ. (ثمَّ قال: ما شأنُهما إلا واحدٌ) أي: في جوازِ التحلل منهما بالإحصارِ، فأضاف إليها الحجِّ فصار قارنًا، والمرادُ بالفتنة: فتنةُ الحجَّاجِ حين نزل لقتال ابن الزبير. (صنعت) في نسخةٍ: "صنعنا".
١٨٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أنَّ
(خرج حاجًّا) أي: معتمرًا فهو مجازٌ؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان في عمرة الحديبية، مع أنَّه يقال للعمرة: الحجُّ الأصغرُ. (إلا أبو قتادة) بالرفع مبتدأٌ خبُره (لم يحرم)، (وإلَّا) بمعنى لكن، وفي نسخةٍ: "إلَّا أبا قتادة" بالنصب على الاستثناء (حُمُرَ وحشٍ) لا ينافي ذلك رواية: "حمار وحش" (١) بالإفراد لجواز أنَّهم رأوا حمارًا، وفيهم واحدٌ أقربُ من غيره لاصطياده. (وقالوا أنأكلُ) في نسخةٍ: "فقالوا أناكل". (قالوا يا رسولَ الله) في نسخةٍ: "فقالوا يا رسول الله". (أمنكم؟) في نسخةٍ: "منكم" بحذف همزةِ الاستفهام. (فكلوا ما بقي من لحمِها) الأمُر فيه للإباحة لا للوجوب؛ لأنه وقع جوابًا عن سؤالهم عن الجواز.
٦ - بَابٌ: إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ
(بابُ: إذا أهدى) أي: الحلالُ. (للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يَقْبل) أي: لا يقبله، ولفظُ: (حيًّا) ساقطٌ من نسخةٍ.
١٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَال: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أَنَّا حُرُمٌ".
[٢٥٧٣، ٢٥٩٦، ٣٠١٢ - مسلم: ١١٩٣ - فتح: ٤/ ٣١]
(عن الصعبِ) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين. (ابن جثَّامةَ) بفتح الجيم وتشديد المثلثة. (الليثيِّ) أي: من بني ابن بكرٍ.
стр. 2156
(أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا) في مسلم في رواية: لحمَ حمار (١) وفي أخرى: رِجلَ حمارٍ (٢) وفي أخرى: عجز حمارٍ (٣) وفي أخرى: شق حمارٍ (٤).
قال النوويُّ: وهذه الطريقُ صريحةٌ في أنه مذبوحٌ، وإنَّما هو أهدى لحمَ صيدٍ لأكله (٥) إذ انتهى. وبه عُلمَ أن قولَه في الترجمة: (حيًّا) ليس مرويًّا، بل هو قياسٌ ولا معارضةَ بين رِجْل حمارٍ وعجزِه وشقِّه؛ لأنه قطعها بإرادة رجْلٍ معها الفخذُ وبعضُ الجوانب، فتحمل روايةُ: أهدى حمارًا على أنه من إطلاق اسم الكل على البعضِ.
(فالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمدِّ: جبلٌ من عمل الفرع بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثةُ وعشرون ميلًا (٦). قيل: سُمِّيَ بذلك لِمَا فيه من الوباء وعليه أصلُ الأبواء: الأوباءُ، فهو مقلوبٌ منه، وقيل: لأنَّ السيولَ تتبوأه أي: تحله، وهناك توفيت آمنةُ أمُّ النبيِّ ﷺ (أو بودَّان) بفتح الواو وتشديد المهملة وبنون: موضعٌ بقرب الجحفة، أو قريةٌ جامعةٌ من ناحية الفرع (٧)، وهي أقربُ إلى الجحفة من الأبواء. (فردَّه عليه) في نسخةٍ: "فرد عليه" بلا هاء. (فلمَّا رأى ما في وجهه) أي: من الكراهة بسبب ردِّ هديتهِ. (لم نردده) بسكون الراء وفكِّ الإدغام، وفي نسخة: (لم نردُّه) بضم الراء، وفتح الدال، وهي روايةُ
(إسماعيل) أي: ابن أبي أويسٍ.
(قال: للوَزَغ) هي دابة لها قوائمٌ تعدو في أصول الحشيش، قيل: إنها تأخذ ضرعَ الناقةِ فتشرب من لبنها، وقيل: كانت تنفخ في نارِ إبراهيمَ ﵊؛ لتلتهب. (فُوَيسقٌ) التصغيرُ فيه؛ للتحقيرِ والذمِ. (ولم أسَمْعهُ أمرَ بقتلهِ) قضية تسميتهِ (فويسقًا): جواز قتلهِ، وقد جاء في "الصحيحين" وغيرِهمِا: أنَّه ﷺ أمر بقتلِ الوزعِ (١). ولا ينافيه كون عائشةِ لم تسمعْه، فقد سمعه غيرُها، وفي نسخةٍ عقب ما ذكر: "قال أبو عبدِ الله" إنَّما أردنا بهذا أن منى من الحرمِ، وأنَّهم لم يروا بقتلِ الحية بأسًا، وظاهر أن الأنسب ذكر هذا عقب حديث ابن مسعود.
٨ - بَابٌ: لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الحَرَمِ
وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ".
[١٨٣٤]
(باب: لا يُعضَدُ شَجرُ الحرَم) أي: لا يقطع.
١٨٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ العَدَويِّ، أَنَّهُ قَال لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: "إِنَّ مَكَّةَ
стр. 2161
حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَال لَكَ عَمْرٌو؟ قَال: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخُرْبَةٍ، خُرْبَةٌ: بَلِيَّةٌ.
[انظر: ١٠٤ - مسلم: ١٣٥٤ - فتح: ٤/ ٤١]
(عن أبي شُرَيحٍ) اسُمُه: خويلدُ بنُ عمرِو، [وقيل: ابن صخر، وقيل هانئ بن عمر] (١) وقيل: عبدُ الرحمن، وقيل: مطرُ، وقيل: عمروُ بنُ خويلد، وقيل: كعبُ بنُ عمرو الخزاعيُّ العدويُّ. قال شيخنُا: كذا وقع هنا، وفيه: نظرٌ؛ لأنَّه خزاعيٌّ من بني كعبِ بنِ سعدِ بن لحيٍّ: بطن من خزاعةٍ، وليس من بني عدي لا عدي قريش، ولا عدي مضر، فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب بن قريش (٢) (لعمرو بن سعيد) هو: الأشرف كان أميرَ المدينة أيام معاوية وسمي بذلك؛ لأنه صعدَ المنبرَ فبالغ في شتم علي ﷺ أصابته لَقْوةٌ (٣)، أي داء: في وجهه.
(البُعوثَ) جمعُ بعثٍ بمعنى: مبعوثٌ وهو: الجيشُ، أي: الجيوشُ التي جهزها يزيدُ بنُ معاويةَ إلى عبدِ الله بن الزبير (ائذن) أصله: إاذن بهمزتين، فقلبت الثانيةُ بالسكون وانكسار ما قبلها. (أحدثك) بالجزمِ جوابُ الأمر. (الغدَ) بالنصب على الظرفية، وفي نسخةٍ: "للغدِ" بلام الجر وهي بمعني: في أي: في الثاني. (من يوم
стр. 2162
الفتح) أي: فتحَ مكةَ. (أنه حمد الله، وأثنى عليه) بيان لقوله: (تكلم). (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس) إذ المحرم في الحقيقة لكل شيء هو الله، وأما إسنادُ التحريمِ إلى إبراهيمَ ونبينا في خبرِ الشيخين: "إن إبراهيمَ حرَّم مكة، وإني حرمتُ المدينةَ" (١) فمن حيثُ التبليغ لا من حيثُ الإيجادِ، وأفاد بقوله: (ولم يحرمها الناس) مع التأكيدِ نفي ما كان تعتقده الجاهلية وغيرُهُم من أنهم حرموا وحللوا من قِبلِ أنفسهمِ، فلا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر. هذا من بابِ التهييجِ، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ومقتضاه: أنَّ استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يمؤمنُ بالله واليوم الآخرِ، بل ينافيه فهذا المقتضي لذكرِ هذا الوصف؛ لأنَّ الكفارَ ليسوا مخاطبين بفروعِ الشريعةِ، ولو قيل: لا يحلُ لأحدكم لم يحصل به الغرض. (أن يَسفكَ) بكسر الفاء، ويجوز ضمها أي: يصيب بها أي: بمكة، وقيس بها بقية الحرم. (ولا يعضُد) بضم الضاد المعجمة وكسرها، وفاعلهُ ضميرُ (امرئ) أي: لا يقطع امرؤ، وقيس القلع، بالقطع بل أولى، و (لا) زائدة لتأكيد النفي.
(فإن أحدٌ ترخص لقتالِ رسول الله) أي: لأجلهِ، أي: مستدلًا به. (وإنَّما أذن لي) أي: بالقتال بمكة. (ساعة من نهار) هي ساعة الفتح: وهي ما بين طلوعِ الشمس وصلاةِ العصر. (وقد عادت حرمتُها اليوم، كحرمتِها بالأمس) أي: عادت حرامًا، كما كانت بالأمس قبل يوم الفتح
стр. 2163
حرامًا. (قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح) يعني: قد صح سمُاعك لكنَّك لم تفهمْ المرادَ.
(لا يعيذ) بذال معجمة أي: لا يجير. (عاصيًا) يشيرُ إلى عبد الله بنِ الزبير؛ لأنَّ عمروَ بنَ سعيد كان يعتقد أنَّه عاصٍ، بامتناعه عن امتثالِ أمر يزيدَ؛ لأنَّه يرى وجوبَ طاعتهِ، لكنَّها دعوى من عمرو بلا دليل. (فارًا) أي: هاربًا. (بخربة) بضم المعجمةِ وفتحها وسكونِ الراء وفتح الموحدة، أي: بسَببِها خربة، أي: (بلية). هذا التفسيرُ من البخاريِّ، وبه صرَّح في نسخةٍ بلفظ: "قال: أبو عبد الله خربة: بلية". قال شيخُنا: وقد وهم من عدَّ كلامَ عمروٍ المذكور حديثًا، واحتج بما تضمنه كلامه، وأغرب ابن بطالٍ فزعم أنَّ سكوتَ أبي شريح عن جواب عمرو دالٌّ على أنَّه رجع إليه في التفصيلِ المذكورِ (١)، ويحكمُ عليه ما في روايةِ أحمد أنَّه قال في آخره: قال أبو شريح: فقلت لعمرو: وقد كنت شاهدًا وكنت غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغتك (٢) وهذا يشعر بأنَّه لم يوافقه، وإنَّما تركَ مشافقته، لعجزهِ عنه لما كان فيه من قوَّةِ الشوكةِ، ومرَّ الحديثُ في كتابِ: العلم، في بابِ: ليبلغَ العلمَ الشاهدُ الغائبَ (٣).
٩ - بَابٌ: لَا يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ
(بابُ: لا يُنفَّرُ صيدُ الحرَمِ) أي: لا يزعج عن موضعه.
стр. 2164
١٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا، إلا لِمُعَرِّفٍ"، وَقَال العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلا الإِذْخِرَ، لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَال: "إلا الإِذْخِرَ"، وَعَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَال: هَلْ تَدْرِي مَا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ يَنْزِلُ مَكَانَهُ.
[انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٤٦]
(عبد الوهاب) أي: الثقفي.
(لا يُختلى) أي: لا يجز ولا يقطع. (خَلاها) بفتحِ المعجمةِ والقصر: الرطبُ من الكلإِ، أما اليابسُ فيحْرُم قلعه إن لم يمت دون قطعه، والنهي عن ذلك وما عطف عليه يستوي فيه الحرم وغيره.
(تُلتَقَطُ) بالبناء للمفعول. (لُقَطَتُها) بفتح القاف، وهو ما عليه المحدثون. قال القرطبيُّ: (١) وهو غلطٌ عند أهلِ اللسانِ؛ لأنه بالسكونِ: ما يلتقطُ وبالفتحِ: الأخذُ.
(لِمُعَرِّفٍ) ضمن (لا تلتقط) معنى: لا يحل، فعدَّاه باللام، أي: لا يحلُّ الالتقاطُ إلا لمعرفٍ يعرفُها، ثم يحفظها لمالكها ولا يتملكها، بخلافِ لقطة سائر البلاد فإنَّه إذا عرف وقصد التملك ولم يجد مالُكها كان له ذلك.
(إلا الإِذِخِرَ) بهمزة مكسورة وذالٍ معجمة ساكنة وخاء معجمة مكسورة: نبت معروف طيبُ الرائحةِ إذا يبس دق وغسل به اليد، وهو حلفاء مكة والاستثناء من (لا يُخْتَلى) ويسمى مثله الاستثناء التلقيني،
стр. 2165
(والإِذِخِرَ) بالنصب على الاستثناء، ويجوز رفعه بدلًا. (لِصاغَتنِا) جمع
صائغ. (فقال إلا الإذخر) قاله إما بوحي أو بإلهامٍ، ومرَّ شرحُ الحديثِ في الجنائزِ في باب: إلا الإِذِخِر والحشيش في القبر.
(وعن خالدِ) عطف على (حدثنا خالدُ). (هل تدري ما لا ينفرُ) (ما): استفهامية، استفهم بها عن مضمون ما بعدها أي: ما الغرض من لفظ: (لا ينفر صيدها)؟ (هو) أي: التنفير. (أن يُنَحِّيَهُ) أي: المنفر. (من الظِّلِّ يَنزلُ) أي: لينزل المنفر، وفي نسخةٍ: "أن تنحيه. . إلخ" بتاء الخطاب في الفعلين. (مكانه) أي: مكان الصيد.
١٠ - بَابٌ: لَا يَحِلُّ القِتَالُ بِمَكَّةَ
وَقَال أَبُو شُرَيْحٍ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "لَا يَسْفِكُ بِهَا دَمًا".
[انظر: ١٨٣٢]
(باب: لا يَحِلُّ القتال بمكةَ) أي: فيها.
١٨٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا"، قَال العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إلا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، قَال: قَال: "إلا الإِذْخِرَ".
[انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٤٦].
(عثمانُ) أي: ابن أبي شيبةَ نسبة إلى جده، وإلا فهو عثمانُ بنُ
стр. 2166
محمدٍ بن أبي شيبةَ. (جريرٌ) أي: ابن عبد الحميد. (عن منصورٍ) أي: ابن المعتمر.
(لا هجرة) أي: من مكةَ. (بعد الفتحِ) لأنها صارتْ دارَ الإسلام، وإلا فالهجرةُ من بلادِ الكفرِ باقية إلي يوم القيامة. (وإذا استنفرتُم) أي: طلبكم الإمامُ للخروجِ للغزو (فانفروا) أي: فاخرجوا، وفي معنى الخروج للجهاد: هجرُ الوطنِ، لطلبِ العلمِ، ونحو ذلك. (حَرَّمَ الله) في نسخةٍ: "حرمة الله". (بحُرمةِ الله) أي: بسببِ حرمتهِ، فالباءُ للسببيةِ، ويجوز أن تكون للملابسةِ أي: ملتبسًا بحرمة الله. (وإنَّه) أي: الشأن. (لم يِحل) في نسخةٍ: "لا يحل". (إلا ساعةً من نهارِ) لا دلالةَ فيه على أنَّه ﷺ قاتل فيه وأخذه عنوة، فإنَّ [حلَّ] (١) الشيء لا يستلزمُ وقوعُه، وظاهرُه: تحريمِ القتال بمكةَ وهو كذلك، لكن محله: إذا كان حرامًا، بخلاف الحلال كقتالِ أهلِ البغيِّ إذا لم يمكن ردهم إلا به فإنه جائز، كما عليه الجمهور، ونص عليه الشافعيُّ. (لا يُعضَدُ شوكهُ) أي: لا يقطع، لكن لا بأس بقطعِ المؤذي منه، كالعوسجِ قياسًا على الحيوانِ المؤذي. (لِقَينِهم) بفتحِ القاف وسكونِ الياء، أي: حدادهم. (ولبُيوتِهم) أي: لسقوفها. (فقال: الإِذِخِر) في نسخة: "قال: قال: الإذخر".
١١ - بَابُ الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ
وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ.
[(باب: الحجامة للمحرم) أي: بيان حكمها، هل يمنع منها أو
стр. 2167
لا، والمراد: احتجام المحرم لا حجمه لغيره (ويتداوى) أي: المحرم (ما لم يكن فيه) أي: فيما يتداوى به.
١٨٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: قَال لَنَا عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ"، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا.
[١٩٣٨، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح: ٤/ ٥٠]
(سفيان) أي: ابن عيينة. (قال: قال عمرو) أي: ابن دينار، وفي نسخة: "قال لنا عمرو". (أول شيء) أي: أول مرة بقرينة قوله: (ثم سمعته) أي: عمرًا. (لعله) أي: عمرًا. (سمعه منهما) أي: من عطاء وطاوس.
١٨٣٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁، قَال: "احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ".
[٥٦٩٨ - مسلم: ١٢٠٣ - فتح: ٤/ ٥٠]
(عن علقمة بن أبي علقمة) أسم أبي علقمة: بلال مولى عائشة (عن ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك، وبحينة: أمه وهي بنت الأرت (وهو محرم) أي: بحجة الوداع. (بلَحْي جملِ) بفتح اللام: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب (١).
وفي الحديث: جواز الحجامة للمحرم ما لم يقطع الشعر] (٢).
стр. 2168
١٢ - بَابُ تَزْويجِ المُحْرِمِ
(بابُ: تزويجِ المُحرمِ) سيأتي بيانُ الخلافِ فيه.
١٨٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ الحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ".
[٤٢٥٨، ٤٢٥٩، ٥١١٤ - مسلم: ١٤١٠ - فتح: ٤/ ٥١]
(أبو المغيرةِ) بضمِّ الميمِ وكسرها. (تَزَوَّجَ ميمونةَ وهو مُحرم) أي: بعمرة، وهذا هو المشهورُ عن ابن عباس، وصحَّ نحوه عن عائشةَ (١) وأبي هريرة (٢)، لكن جاء عن ميمونةَ نفسِها أنَّه كان حلالًا (٣)، وعن أبي رافع مثلِه، وأنه كان الرسول إليها (٤)، فترجَّح روايته على روايِة ابن
стр. 2169
عباس؛ لأنَّ روايةَ من كان له مدخلٌ في الواقعةِ أرجح من رواية الأجنبي، والجمهورُ على أنَّ نكاحَ المحرم وإنكاحه محرمٌ لا ينعقد، لخبرِ مسلم: "لَا يْنكِحُ المحرمُ لا يُنكح" (١) وعلى الأول، أجيبَ: بأنَّه من خصائصهِ ﷺ .
١٣ - بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ
وَقَالتْ عَائِشَةُ ﵂: "لَا تَلْبَسِ المُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ".
(بابُ: ما يُنهى عنه من الطيبِ) أي: من استعمالِه (للمحرمِ والمحرمةِ) لأنَّه من دواعي الجماعِ المفسد للإحرامِ. (بوَرْسٍ) بفتح الواو وسكون الراء وسين مهملة: نبت أصفر يصبغ به الثيابُ (أو زعفران). وجه مطابقتِها للترجمة: من حيثْ أنَّ المصبوغَ بهما تفوح له رائحة كالطيبِ.
١٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَال: قَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاويلاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ إلا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا
стр. 2170
الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ"، تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: فِي النِّقَابِ وَالقُفَّازَيْنِ، وَقَال عُبَيْدُ اللَّهِ: وَلَا وَرْسٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ، وَقَال مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ " لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ.
[انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤/ ٥٢]
(القميص) في نسخةٍ: "القمص" بصيغةِ الجمعِ. (البرانس) جمع برنس: قلنسوةٌ طويلةٌ. (وليقطع) أي: الخفين. (ولا تنتقب) بنونٍ ساكنة بعد فوقية وكسر القاف، وفي نسخةٍ: (ولا تتنقبْ) بفوقتين ونون مفتوحة وقاف مشددة. (القفازين) تثنية قفاز بضم القاف وتشديد الفاء: وهو لباسٌ للكفِّ يُتخذُ من الجلودِ تلبسه نساءُ العربِ؛ ليحفظ نعومةَ اليدِ، وتلبسه أيضًا حملةُ الجوارح، ولا يختص بالمرأةِ بل غيرها كذلك، لكونه في معنى الخف بجامع أن كلًّا منهما محيطٌ بجزءٍ من البدنِ.
(تابعه) أي: الليثُ. (وقال عبيدُ الله) أي: ابن عمرَ العمري.
(ولا ورس) وكان يقول: لا تنتقب المحرمةُ ولا تلبس القفازين.
قال شيخُنا يعني: أن: عبيدَ الله المذكور خالفَ المذكورين قبلُ في ورايةِ هذا الحديث عن نافعٍ فوافقهم على رفعه إلى قوله: (زعفران ولا ورس) وفصل بقيةَ الحديثِ فجعله من قولِ ابن عمر (١). (وقال مالك) إلى آخره الغرض منه كما قال شيخُنا: أنَّ مالكًا اقتصرَ على الموقوفِ فقط، وفيه: تقويةُ لروايةِ عبيد الله (٢).
١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ
١٥ - بَابُ لُبْسِ الخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
(بابُ: لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين) أي: جواز لبسهما حينئذ.
١٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاويلَ لِلْمُحْرِمِ".
[انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٧]
(سراويل) في نسخة: "السراويل" بالتعريف. (للمحرم) بلام البيان، كهي في نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: هذا الحكم للمحرم، وفي نسخة: "المحرم" بالرفع فاعل يلبس.
١٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَال: "لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاويلاتِ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ".
[انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤/ ٥٧]
(أحمدُ بنَ يونس) نسبةً إلا جده، وإلا فهو أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يونس. (عن عبد الله) في نسخةٍ: "ابن عبد الله" والصوابُ الأولى.
(القميص) في نسخة: "القمص" بالجمع. (نعلين) علم من منطوق كلامه: أنَّه إذا وجد إحداهما فقط ومن مفهومه: أنه إذا وجدهما معًا لا يلبس في إحدى رجليه نعلًا والأخرى خفًّا، وهو كذلك في الثانية، كما أنه لا يجوز أن يغسل إحدى رجليه ويمسح خف الأخرى دون الأولى؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
стр. 2173
١٦ - بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاويلَ
(باب: إذا لم يجد) أي: من يريد الإحرام. (الإزار فليلبس السراويل) بخلاف من يجدهما.
١٨٤٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَقَال: "مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاويلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ".
[انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٨]
(بعرفات) علم على موضع الوقوف، وإنما جمع وإن كان الموضع واحدًا باعتبار بقعة فإن كلًّا منها يسمى عرفة، وقال الفراء: لا واحد له، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بمُولَّد وليس بعربي (١)، ومرَّ الحديث في الباب السابق.
١٧ - بَابُ لُبْسِ السِّلاحِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَال عِكْرِمَةُ: "إِذَا خَشِيَ العَدُوَّ لَبِسَ السِّلاحَ وَافْتَدَى وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الفِدْيَةِ".
(باب: لبس السلاح للمحرم) أي: جواز لبسه إذا احتاج إليه. (ولم يتابع) بفتح الموحدة أي: لم يقل به غيره، وقال النووي: لعله أراد إذا كان محرمًا فلا يكون مخالفًا للجماعة (٢).
١٨٤٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ ﵁، " اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلاحًا إلا فِي القِرَابِ".
[انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٤/ ٥٨]
стр. 2174
(عبيد الله) أي: ابن موسى العبسي. (عن إسرائيل) أي: ابن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي. (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي.
(اعتمر النبي) في نسخة: "اعتمر رسول الله". (يدعوه) بفتح الدال أي: يتركوه. (لا يدخل مكة سلاحًا) بضم الياء وكسر الخاء من الإدخال، والفاعل ضمير النبي ﷺ ، وفي نسخة: "لا يدخل مكة سلاح" بفتح الياء وضم الخاء من دخل، والفاعل سلاح. (في القراب) بكسر القاف: وعاء السيف، وحكمته: أن يكون أمارة للسلم إن كان دخولهم صلحًا.
١٨ - بَابُ دُخُولِ الحَرَمِ، وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَإِنَّمَا "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالإِهْلالِ لِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ" وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْحَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ.
(باب: دخول الحرم ومكة) أي: جواز دخولهما بغير إحرام لمن لم يرد الحج والعمرة. (ودخل ابن عمر) أي: الحرم وهو حلال. (ولم يذكر) أي: النبي الإحرام، وفي نسخةٍ: "ولم يذكره" بضمير المفعول. (للحَطَّابِينَ) بلام الجر، وفي نسخةٍ: "الحَطَّابِينَ" بالف بدل اللام وعليها فهو المفعول. (وغيرهم) بالجر على النسخة الأولى، وبالنصب على الثانية، والمراد بغيرهم: من يتكرر دخوله، كالحشاشين والسقائين.
١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ، مِمَّنْ أَرَادَ
стр. 2175
الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ".
[انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٤/ ٥٩]
(مسلم) أي: ابن إبراهيم القصاب (وهيب) أي: ابن خالد (طاوس) هو عبد الله. (يلملم) في نسخةٍ: "ألملم". (من غيرهم) أي: من غير أهلهن. (من أراد) في نسخةٍ: "ممن أراد". (الحج والعمرة) أي: أرادهما، الواو بمعنى: أو.
١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَال: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فَقَال "اقْتُلُوهُ".
[٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨ - مسلم: ١٣٥٧ - فتح: ٤/ ٥٩]
(وعلى رأسه المغفر) هو ما يلبس تحت القلنسوة: وهو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، ولا يعارضه خبر مسلم: وعليه عمامة سوداء (١) إذ يحتمل أن يكون المغفر فوق العمامة، أو أنه كان على رأسه أول دخوله، ثم نزعه ولبس العمامة. (جاء رجل) في نسخةٍ: "جاءه رجل" واسمه: نضلة بن عبيد الأسلمي، وقيل: سعيد بن حريث، وكنيته: أبو برزة بن خطل، كان اسمه في الجاهلية: عبد العزى، فلما أسلم سمي عبد الله. (قال: اقتلوه) إنما أمر بقتله؛ لأنَّه ارتد وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النبي ﷺ والمسلمين، والقاتل له: سعيد بن حريث.
وفيه: جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: دخوله ﷺ وعلى رأسه المغفر إذ لو كان محرمًا لكشف رأسه.