١٥ - بَابُ لُبْسِ الخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
(بابُ: لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين) أي: جواز لبسهما حينئذ.
١٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاويلَ لِلْمُحْرِمِ".
[انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٧]
(سراويل) في نسخة: "السراويل" بالتعريف. (للمحرم) بلام البيان، كهي في نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: هذا الحكم للمحرم، وفي نسخة: "المحرم" بالرفع فاعل يلبس.
١٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَال: "لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاويلاتِ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ".
[انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤/ ٥٧]
(أحمدُ بنَ يونس) نسبةً إلا جده، وإلا فهو أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يونس. (عن عبد الله) في نسخةٍ: "ابن عبد الله" والصوابُ الأولى.
(القميص) في نسخة: "القمص" بالجمع. (نعلين) علم من منطوق كلامه: أنَّه إذا وجد إحداهما فقط ومن مفهومه: أنه إذا وجدهما معًا لا يلبس في إحدى رجليه نعلًا والأخرى خفًّا، وهو كذلك في الثانية، كما أنه لا يجوز أن يغسل إحدى رجليه ويمسح خف الأخرى دون الأولى؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
стр. 2173
١٦ - بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاويلَ
(باب: إذا لم يجد) أي: من يريد الإحرام. (الإزار فليلبس السراويل) بخلاف من يجدهما.
١٨٤٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَقَال: "مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاويلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ".
[انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٨]
(بعرفات) علم على موضع الوقوف، وإنما جمع وإن كان الموضع واحدًا باعتبار بقعة فإن كلًّا منها يسمى عرفة، وقال الفراء: لا واحد له، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بمُولَّد وليس بعربي (١)، ومرَّ الحديث في الباب السابق.
١٧ - بَابُ لُبْسِ السِّلاحِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَال عِكْرِمَةُ: "إِذَا خَشِيَ العَدُوَّ لَبِسَ السِّلاحَ وَافْتَدَى وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الفِدْيَةِ".
(باب: لبس السلاح للمحرم) أي: جواز لبسه إذا احتاج إليه. (ولم يتابع) بفتح الموحدة أي: لم يقل به غيره، وقال النووي: لعله أراد إذا كان محرمًا فلا يكون مخالفًا للجماعة (٢).
١٨٤٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ ﵁، " اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلاحًا إلا فِي القِرَابِ".
[انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٤/ ٥٨]
стр. 2174
(عبيد الله) أي: ابن موسى العبسي. (عن إسرائيل) أي: ابن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي. (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي.
(اعتمر النبي) في نسخة: "اعتمر رسول الله". (يدعوه) بفتح الدال أي: يتركوه. (لا يدخل مكة سلاحًا) بضم الياء وكسر الخاء من الإدخال، والفاعل ضمير النبي ﷺ ، وفي نسخة: "لا يدخل مكة سلاح" بفتح الياء وضم الخاء من دخل، والفاعل سلاح. (في القراب) بكسر القاف: وعاء السيف، وحكمته: أن يكون أمارة للسلم إن كان دخولهم صلحًا.
١٨ - بَابُ دُخُولِ الحَرَمِ، وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَإِنَّمَا "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالإِهْلالِ لِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ" وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْحَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ.
(باب: دخول الحرم ومكة) أي: جواز دخولهما بغير إحرام لمن لم يرد الحج والعمرة. (ودخل ابن عمر) أي: الحرم وهو حلال. (ولم يذكر) أي: النبي الإحرام، وفي نسخةٍ: "ولم يذكره" بضمير المفعول. (للحَطَّابِينَ) بلام الجر، وفي نسخةٍ: "الحَطَّابِينَ" بالف بدل اللام وعليها فهو المفعول. (وغيرهم) بالجر على النسخة الأولى، وبالنصب على الثانية، والمراد بغيرهم: من يتكرر دخوله، كالحشاشين والسقائين.
١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ، مِمَّنْ أَرَادَ
стр. 2175
الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ".
[انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٤/ ٥٩]
(مسلم) أي: ابن إبراهيم القصاب (وهيب) أي: ابن خالد (طاوس) هو عبد الله. (يلملم) في نسخةٍ: "ألملم". (من غيرهم) أي: من غير أهلهن. (من أراد) في نسخةٍ: "ممن أراد". (الحج والعمرة) أي: أرادهما، الواو بمعنى: أو.
١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَال: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فَقَال "اقْتُلُوهُ".
[٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨ - مسلم: ١٣٥٧ - فتح: ٤/ ٥٩]
(وعلى رأسه المغفر) هو ما يلبس تحت القلنسوة: وهو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، ولا يعارضه خبر مسلم: وعليه عمامة سوداء (١) إذ يحتمل أن يكون المغفر فوق العمامة، أو أنه كان على رأسه أول دخوله، ثم نزعه ولبس العمامة. (جاء رجل) في نسخةٍ: "جاءه رجل" واسمه: نضلة بن عبيد الأسلمي، وقيل: سعيد بن حريث، وكنيته: أبو برزة بن خطل، كان اسمه في الجاهلية: عبد العزى، فلما أسلم سمي عبد الله. (قال: اقتلوه) إنما أمر بقتله؛ لأنَّه ارتد وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النبي ﷺ والمسلمين، والقاتل له: سعيد بن حريث.
وفيه: جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: دخوله ﷺ وعلى رأسه المغفر إذ لو كان محرمًا لكشف رأسه.
стр. 2176
١٩ - بَابُ إِذَا أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ
وَقَال عَطَاءٌ: إِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ".
(باب: إذا أحرم جاهلًا) أي: بتحريم ما حُرِّم بالإحرام (وعليه قميص) فلا كفارة عليه، وكالجاهل الناسي والمكره.
(وقال عطاء: إذا تطيب، أو لبس جاهلًا، أو ناسيًا) أي: أو مكرهًا (فلا كفارة عليه) هو مذهب الشافعي أيضًا، وخرج بالمذكورين العالم المتعمِّد المختار، فيلزمه الكفارة، والحكم المذكور جارٍ في ارتكاب جميع ما حرم بالإحرام، نعم إن كان من باب الإتلاف، كحلق الرأس، وقتل الصيد لزمته الفدية للجميع، كسائر الإتلافات، كما أوضحت ذلك مع زيادة في "شرح الروض" وغيره (١).
١٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، قَال: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ [فِيهِ] أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ، [و] كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي: تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَال: "اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ".
[انظر: ١٥٣٦ - مسلم: ١١٨٠ - فتح: ٤/ ٦٣]
(حدثنا همام) أي: ابن يحيى ابن دينار. (صفوان بن يعلى) زاد في نسخةٍ: "ابن أمية".
стр. 2177
(مع رسول الله) في نسخةٍ: "مع النبي". (عليه جبة وأثر صفرة) في نسخة بدل الواو: "عليها" أي: على الجبة، وفي أخرى: "وفيه" وفي أخرى: "به" والضمير فيهما للرجل. (كان) في نسخةٍ: "وكان". (تحب) أي: أتحب بتقدير همزة الاستفهام. (ما تصنع في حجك) أي: من الطواف، والسعي، والحلق والاحتراز عن محظورات الإحرام في الحج كلبس المخيط وغيره، وفيه: إشعار بأن الرجل كان عالمًا بصفة الحج دون العمرة.
١٨٤٨ - وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ - يَعْنِي فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ - فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
[٢٢٦٥، ٢٩٧٣، ٤٤١٧، ٦٨٩٣ - مسلم: ١٦٧٤ - فتح: ٤/ ٦٣]
(وعَضَّ رجل) هو يعلى بن أمية (رجل) هو أجير يعلى المذكور.
(فأبطله النبي) أي: حكم بأنه هدر؛ لأنه نزعها دفعًا للصائل، وذكر هذا هنا؛ لأنه من تتمة الحديث وذكره في الحديث: (الجبة) وفي الترجمة: (القميص)؛ لأن حكمهما واحد، ومر شرح الحديث في كتاب: الحج في باب: غسل الخلوق (١).
٢٠ - بَابُ المُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَجِّ
(باب: المحرم يموت بعرفة) أي: بيان حاله إذا مات بعرفة. (ولم يأمر النبي. . إلخ) إنما لم يأمر بذلك؛ لأن المحرم مات قبل التمكن من أداء البقية.
ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
[انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٤/ ٦٣]
(أبو بشر) هو جعفر بن إياس.
٢٢ - بَابُ الحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنِ المَيِّتِ، وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنِ المَرْأَةِ
(بابُ: الحج والنذور) في نسخةٍ: "والنذر". (عن الميت والرجل) بالجر عطف على الحج، وبالرفع على الاستئناف. (يحج عن المرأة) أي: (باب) بيان حكم ذلك. (قال: نعم) لفظ: (نعم) ساقط من نسخة.
١٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ".
[٦٦٩٩، ٧٣١٥ - فتح: ٤/ ٦٤]
(حجي عنها) ذكر في الحديث حج المرأة عن المرأة، وفي الترجمة حج الرجل عن المرأة فما في الترجمة مقيس على ما في الحديث، مع أن فيه ما يدل على ما فيها حيث قال: (اقْضُوا الله) فإنه خطابٌ للرجال والنساء، بل حكي أن في نسخة في الترجمة: "والمرأة تحج عن المرأة".
(قاضية) في نسخةٍ: "قاضيته". (اقضوا الله) أي: حق الله.
٢٣ - بَابُ الحَجِّ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ
(بابُ: الحج على من لا يستطيع الثبوت على الراحلة)، لكبر، أو غيره كمرض، وزمانة. (أبو عاصم) ابن الضحاك بن مخلد. (عن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز.
الحاجة في الاستفتاء وغيره، وتحريم النظر إليها، وإزالة المنكر باليد، وجواز الحج عن العاجز، وبر الوالدين بالقيام بمصالحهما: من قضاء دين، وحج، وخدمة وغير ذلك. ووجوب الحج عن المعضوب، وحج المرأة بلا محرم عند الأمن.
٢٥ - بَابُ حَجِّ الصِّبْيَانِ
(باب: حج الصبيان) أي: جوازه.
١٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: "بَعَثَنِي أَوْ قَدَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ".
[انظر: ١٦٧٧ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٤/ ٧١]
(أبو النعمان) هو محمد بن الفضل.
(في الثقل) بفتح المثلثة والقاف: الأمتعة، والمراد: آلات السفر، ومتاع المسافر. (من جمع) أي: من المزدلفة.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن ابن عباس كان دون البلوغ، بقرينة ما في الحديث الآتي.
١٨٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي "وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى" حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا، فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَال: يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.
[انظر: ٧٦ - مسلم: ٥٠٤ - فتح: ٤/ ٧١]
(إسحاق) أي: ابن منصور. (ابن أخي ابن شهاب) هو محمد بن عبد الله. (عن عمه) هو محمد بن مسلم بن شهاب.
стр. 2182
(ناهزت) أي: قاربت. (الحلم) بضم اللام وسكونها، أي: البلوغ. (أسير) حال. (على أتان) بمثناة، وهي الأنثى من الحمر. (فرتعت) أي: الأتان، أي: أكلت من نبات الأبيض، ومرَّ الحديث في كتاب: العلم، في باب: متى يصح سماع الصغير (١).
١٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَال: "حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ".
[فتح: ٤/ ٧١]
(يونس) أي: ابن يزيد الأيلى.
(حج بي) بالبناء للمفعول. (مع رسول الله) في نسخةٍ: "مع النبي".
١٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، يَقُولُ: لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، "وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ".
[٦٧١٢، ٧٣٣٠ - فتح: ٤/ ٧١]
(وكان) أي: "السائب" كما في نسخة.
٢٦ - باب حَجِّ النِّسَاءِ
(باب: حج النساء) أي: صفته.
١٨٦٠ - وَقَال لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الأَزْرَقِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، "أَذِنَ عُمَرُ ﵁، لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ [بْنَ عَوْفٍ].
[فتح: ٤/ ٧٢]
(أحمد بن محمد) هو ابن الوليد الأزرقي. (حدثنا إبراهيم) أي: ابن سعيد. (عن جده) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
стр. 2183
(أذن عمر) أي: في خروجهن للحج. (فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن) أي: "ابن عوف" كما في نسخة. قال الكرماني ما حاصله: المبعوثان وإن لم يكونا محرمين، والمرأة منهية عن نسوة السفر بغير محرم أو زوج، لكن كان معهن ثقات فقمن مقام المحرم، أو أن كل الرجال محرم لهن؛ لأنهن أمهات المؤمنين، ثم قال: قال الشافعي: لا يشترط المحرم، بل الأمن على نفسها ولو كانت وحدها في القافلة آمنة مطمئنة، وكانه نظر للعلة فعمم الحكم انتهى (١).
وظاهره: أن محل الاكتفاء بالأمن وبالنسوة الثقات في النسك الواجب دون غيره.
١٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَال: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، قَالتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَال: "لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ"، فَقَالتْ عَائِشَةُ "فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
[انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٧٢]
(عبد الواحد) أي: ابن زياد.
(نغزو أو نجاهد) قال شيخنا: هذا شك من مسدد. شيخ البخاري، قال: وأغرب الكرماني فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد، إذ الغزو: القصد إلا القتال، الجهاد: بذل المقدور في القتال، أو هما مترادفان، فيكون الثاني تأكيدًا (٢) قال: وكأنه ظن أن الألف تتعلق بـ (نغزو)، فشرح على أن (نجاهد) معطوف على (نغزو)، بالواو
стр. 2184
وجعل (أو) بمعنى: الواو انتهى (١). فالغرابة: إنما هي في العطف بالواو من حيث الرواية، وإلا فالعطف بها أو بـ (أو) صحيح معنى، وما علل به الكرماني صحيح. (لكن) بضم الكاف وتشديد النون ضمير النسوة وهو خبر (أحسن الجهاد) بالرفع مبتدأ (وأجمله) عطف عليه. (الحج) بدل من أحسن. (حج مبرور) خبر مبتدإٍ محذوف، أو بدل من البدل، وفي نسخةٍ: "لكن" بكسر الكاف وألف قبلها وتخفيف النون، للاستدراك و (أحسن) مبتدأ و (الحج) خبره، وفي أخرى كذلك: "لكن" بتشديد النون، فيكون ما بعدها منصوبًا. (فلا أدع الحج) أي: لا أتركه، ومرَّ شرح الحديث في باب: فضل الحج المبرور (٢).
١٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ"، فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَال: "اخْرُجْ مَعَهَا".
[٣٠٠٦، ٣٠٦١، ٥٢٣٣ - مسلم: ١٣٤١ - فتح: ٤/ ٧٢]
(أبو النعمان) هو محمد بن الفضل. (عن عمرو) أي: ابن دينار.
(عن أبي سعيد) اسمه: نافذ بفاء وذال معجمة.
(إلا ومعها محرم) أي: لها، واستثنى معه فيما مرَّ وفيما يأتي الزوج أيضًا. (أخرج معها) فيه: تقديم الأهم عند المعارضة فرجح الحج؛ لأن الغزو يقوم غيره فيه مقامه، بخلاف الحج معها.
١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَال لِأُمِّ
стр. 2185
سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: "مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟ "، قَالتْ: أَبُو فُلانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَال: "فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي" رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[انظر: ١٧٨٢ - مسلم: ١٢٥٦ - فتح: ٤/ ٧٣]
وَقَال عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(عبدان) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة. (أبو فلان) هو أبو سنان.
(تقضي حجة معي) أي: في الثواب، وفي نسخةٍ: "تقضي حجة أو حجة معي". بالشك.
(وقال: عبيد الله) أي: ابن عمرو الرَّقِّي (عن عبد الكريم) أي: ابن مالك الجذري. (رواه ابن جريج عن عطاء) إلى آخره.
أراد البخاري بهذا؛ بيان الاختلاف في الحديث على عطاء.
١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ، مَوْلَى زِيَادٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَال: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَال: - يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلاةَ بَعْدَ صَلاتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى".
[انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٤/ ٧٣]
(أو قال: يحدثهن) في نسخةٍ: "أو قال: أخذتهن" أي: حملتهن. (وانقْنَنَيِ) بفتح الهمزة المدودة والنون وسكون القاف أي: أعجبتي، وسوغ عطفه عليه اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
стр. 2186
وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. (أن لا تسافر المرأة) بنصب (تسافر) بتقدير لا نافية و (أن) مصدرية، وبرفعه بتقدير لا نافية، وبجزمه بتقديرها ناهية، وعليهما فـ (أن) مفسرة، وعلى الأخير كسرت الراء؛ لالتقاء الساكنين وهكذا أفهم. (مسيرة يومين) اختلفت الأحاديث في تقييد السفر فقيده هنا بيومين، وفي حديث آخر: بثلاثة (١)، وفي آخر: بيوم وليلة (٢)، وأطلق في آخر وعليه الأكثر لاختلاف التقييدات وليس هو من باب: المطلق والمقيد، بل هو من العام؛ لأنه نكرة في سياق النفي.
فهو من العامِ الذي ذُكِرَتْ بعضُ أَفرْادهِ، ولا تخصيصَ بذلك على الراجحِ في الأصولِ.
(أو ذو مَحرَم) زاد في نسخةٍ: "مُحرَّم" بضمِ الميمِ وتشديدِ الراء مفتوحةِ، وهو تأكيدٌ.
٢٧ - بَابُ مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ
(باب: مَنْ نَذَرَ المشي إلى الكعبةِ) أي: هل يلزمُهُ الوفاء به أو لا؟
١٨٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ، قَال: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَال: "مَا بَالُ هَذَا؟ "، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَال: "إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ"، [وَ] أَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
[٦٧٠١ - مسلم: ١٦٤٢ - فتح: ٤/ ٧٨]
(ابنُ سَلامٍ) بتخفيف اللام، وفي نسخة: "محمدٌ بنُ سلامٍ"
стр. 2187
(الفزاريُّ) هو مروانُ بنُ معاوية.
(رأى شَيخًا) هو أبو إسرائيلَ، وقِيلَ: قيس، وقِيلَ: قيصرُ. (يُهادى بَيْنَ ابنيْهِ) بالبناءِ للمفعولِ، أي: يَمشي بَيْنَهما مُعتَمِدًا عليهما. (أَمَرَهُ) في نسخةٍ: "وأَمَرَهُ" بواو (أَنْ يَرَكَبَ) وإنَّما لمْ يَأْمُره بالوفاءِ بنذرهِ؛ لأنَّ الوفاءَ به وإِنْ كان واجبًا، إلا أنَّ هذا معذورٌ.
١٨٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الخَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ، إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَال ﷺ : "لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ"، قَال: وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ، قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
[مسلم: ١٦٤٤ - فتح: ٤/ ٧٨]
(ابنَ جُرَيجٍ) هو عبدُ الملكِ. (أنَّ أبا الخير) هو مرثدٌ بنُ عبد الله. (نَذَرَتْ أُخْتي) هي أمُّ حبان بنتُ عامرٍ الأنصاريةِ. (فاستَفْتَيته) في نسخةٍ: "فاستفتيت النبي". (لتمشِ) في نسخةٍ: "لتمشي" بإثباتِ حرفِ العلةِ.
(حدَّثَنا) في نسخة: "قال أبو عبد الله حَدَّثَنا" (أَبو عاصمٍ) هو الضحاكُ. (فذكر الحديثَ) أي: السابقُ.
وقد اختُلِفَ فيما إِذا نَذَرَ أن يحجَ ماشيًا هل يلزمُه المشي بناءً على أن المشيَّ أفضلُ من الركوب؟ وهو الأظهرُ عند الرافعيِّ (١)، والأظهرُ: كما قال النوويُّ: أنَّ الركوبَ أفضلُ، وإن كان الأظهرُ: لزومَ المشي
стр. 2188
بالنذرِ؛ لأنه مقصودٌ، ثم إنْ صرَّحَ الناذرُ بأنه يمشي من مسكنه لزِمَه منه المشي وإِلَّا فمن حيثُ أحْرَمَ ولو قَبلَ الميقاتِ، فلو فاته الحجُّ لزمه المشي في قضائهِ، ولو تَرَكَ المشي، لعذرٍ، أو غيرهِ أجْزأَه مع لزُوم الدمِ فيهما، والإثمِ في الثاني (١).
стр. 2189
٢٩ - كتاب فضائل المدينة
стр. 2190
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٩ - كتاب فَضَائِلِ المَدِينَةِ
١ - بَابُ حَرَمِ المَدِينَةِ (١).
(بابُ: حَرَمِ المَدِينَةِ) في نسخةٍ: "بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ. فَضْلُ المدينةِ" وفي أُخرى: "بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ. بابُ: فضائلِ المدينة، بابُ: حَرَمِ المَدِيِنَة"، وفي أُخرى: "بابُ: ما جَاءَ في حَرمِ المَدِيِنَة" أي: في فَضَائِلها.
١٨٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
[٧٣٠٦ - مسلم: ١٣٦٦ - فتح: ٤/ ٨١]
(من كَذَا إلى كَذَا) كِنَايتان عن اسمي مكان، وسُمي في الحديث الآتي (٢)، الأولُ: بعائرٍ، وفي مسلمٍ (٣) الثاني: بثورٍ (٤). (لا يُحْدَثُ فِيها
معتقهِ، وإن أذن لهما، لِما فيه منْ كفرِ النعمةِ، وتضييعِ حقوقِ الإرثِ والولاءِ وغيرِهمِا، مع ما فيه من قطيعةِ الرحمِ والعقوقِ.
قال النوويُّ: وفي الحديثِ: إبطالُ ما تَزْعُمُه الشيعةُ وَيفَتُرونَه من قولِهِم: إنَّ عليًّا أوحي إليه بأمورٍ كثيرةٍ منْ أسرارِ العلمِ وقواعدِ الدينِ، وأنه ﷺ خصَّ أهلَ البيتِ بما لم يطلعْ عليه غيرهم، فهذه دعاوى باطلةٌ، واختراعاتٌ فاسدةٌ (١). وفيه: دليل على جوازِ كتابةِ العلمِ. (قال أبو عبد الله: عدلٌ: فداءٌ) ساقطٌ منْ نسخةٍ.
٢ - بَابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ
(بابُ: فضلِ المدينةِ) أي: النبويةُ. (وأَنَّهَا تَنْفي الناسَ) أي: شِرَارُهُم.
١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ".
[مسلم: ١٣٨٢ - فتح: ٤/ ٨٧]
(بقرية) أي: بالهجرةِ إليها. (تَأْكُلُ القُرى) كنايةٌ عنْ كونِ أَهْلهِا تَغْلبُ على سائرِ البلادِ؛ ولأنَّ الأكلَ غالبٌ على المأكولِ. قال النوويُّ: معنى أَكَلها: أَنَّها مركزُ جيوشِ الإسلامِ في أول الأمر، فمنها فُتِحتْ البلادُ وغُنِمتْ أموالُها، وإنَّ أكلها يكون من القُرى الغنيمةُ وإليها تُساقُ غنائُمُها (٢). (يقولون) أي: بعضُ المنافقينَ. (يَثرِبُ) يسمونها باسم واحدٍ من العمالقةِ نزلها، وكره النبيُّ ﷺ تَسميتها بذلكَ؛ لأنها من التثريب
стр. 2195
الذي هو: التعييرِ فأحب أن يسميها باسمٍ حسنٍ (١)، فقال: (وهي المدينَةُ) أي: الكاملةُ التي تَسْتَحقُ أن يقال لها: المدينةُ على الإطلاقِ، كالبيتِ للكعبةِ، وأما تسميتُها في القرآن بيثربَ فإنما هو حكايةٌ عن المنافقينَ. (تَنْفي النَّاسَ) أي: شِرارُهم.
(كما يَنْفي الكِيرُ) بكسرِ الكافِ وسكونِ التحتيةِ: وهو زق يَنفخُ فيه الحدادُ، وأمَّا المبني من الطينِ: فكورٌ. (خَبَثَ الحَدِيدَ) بفتحِ المعجمةِ والموحدةِ، ونصبِ المثلثةِ أي: وسَخَه الذَّي تُخرجه النارُ.
٣ - بَابٌ: المَدِينَةُ طَابَةٌ
(بابُ: المدينَةُ طَابَةُ) بمنع صرفِها، وفي نسخةٍ: "طابةٌ" بالتنوين، بِجعْلِها منصرفةٌ بِتقديرها نكرة، وهي تأنيثُ طَاب، وأَصلُها: طيبة، قُلبت الياءُ ألفًا، لِتحَركِها وانفتاحِ ما قبلها، ولها أسماءُ أُخَر كثيرةٌ، كطيبةِ بالتخفيف، وطيبةُ بالتشديد، وطائبُ بوزن كاتب، ودارُ الأخبار، ودارُ الإمدادِ، ودارُ الإيمانِ، ودارُ السنةِ، ودارُ السلامةِ، ودارُ الفتحِ، ودارُ الهجرةِ، وكثرةُ الأسماءِ تدلُ على شرفِ المُسمى (٢).
١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁، أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنْ تَبُوكَ، حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَال: "هَذِهِ طَابَةٌ".
[انظر: ١٤٨١ - مسلم: ١٣٩٢ - فتح: ٤/ ٨٨]
(سَليمانُ) أي: ابن بلال التيمي. (عَنْ أَبي حُمَيْدٍ) هو عبدُ الرحمنِ الساعديِّ.
стр. 2196
(تَبُوكَ) موضعٌ بقربِ الشامِ بينه وبينَ المدينةِ أربعةَ عشر مرحلة، غير منصرفٍ (١). (هذه طابة) بلا تنوين، وفي نسخة: بالتنوين كما مرَّ في الترجمة، ومرَّ شرح الحديث في أواخر الزكاة، في باب: خرص التمر (٢).
٤ - بَابُ لابَتَيِ المَدِينَةِ
(باب: لابتي المدينة) أي: بيان حكم ما بينهما.
١٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا حَرَامٌ".
[انظر: ١٨٦٩ - مسلم: ١٣٧٢ - فتح: ٤/ ٨٩]
(ترتع) أي: ترعى. (ما ذعرتها) بمعجمة فمهملة أي: ما نفرتها. (ما بين لابتيها حرام) أي: لا يجوز صيدها، ولا قطع شجرها الذي لا ينبته الآدميون.
٥ - بَابُ مَنْ رَغِبَ عَنِ المَدِينَةِ
(باب: من رغب عن المدينة) أي: كرهها فهو مذموم.
١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إلا العَوَافِ - يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا،
стр. 2197
حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا".
[مسلم: ١٣٨٩ - فتح: ٤/ ٨٩]
(أبو اليمان) هو الحكم بنُ نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة الحمصي.
(أخبرني سعيدٌ بنُ المسيَّبِ) في نسخةٍ: "عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ".
(يتركون) بتحية، وفي نسخة: بفوقية على الخطاب، قال شيخنا: وهو الأكثرُ والمرادُ بذلك: غيرُ المخاطبين ومنهم من أهل البلد، أو من نسل المخاطبين، أو من نوعهم (١). (على خير ما كانت) أي: عليه من العمارة وكثرةِ الثمار وحسنها. (لا يغشاها) أي: لا يسكنها. (إلَّا العوافِ) في نسخةٍ: "إلَّا عوافي" بحذف (أل) وزيادة ياء: جمعُ عافيةٍ، وهي: التي تطلب أقواتَها يريدُ: عوافي السباع والطير.
قال القرطبيُّ (٢) كالقاضي عياض (٣): وقد وجد ذلك -أي: التَّركَ المذكور- حيث صارت معدنَ الخلافةِ، ومقصدَ الناس، وملجأهم وحملتْ إليها خيراتُ الأرض، وصارت من أعمرِ البلادِ، فلمَّا انتقلت الخلافةُ منها إلى الشام ثمَّ إلى العراق، وتغلَّبتْ عليها الأعرابُ، وتعاورتها الفتنُ، وخلتْ من أهلها فقصدتها عوافي الطير والسباعُ.
وقال النوويُّ: المختارُ أنَّ هذا التَّركَ يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، ويوضِّحه قصة الراعيين (٤). وقد وقع عند مسلمٍ بلفظ: "ثمَّ يحشر راعيان" (٥)، وفي البخاريِّ: أنهما (آخر من يُحشر). قال شيخُنا:
стр. 2198
ويؤيده أخبارٌ منها خبرُ الموطأ: "لتتركنَّ المدينةُ على أحسن ما كانت حتى يدخل الذئبُ فيعوي على بعضِ سواري المسجدِ، أو على المنبرِ، قالوا: فلمنْ يكونُ ثمارُها؟ قال: للعوافي: الطير، والسباع" (١). (وآخر من يحشر) أي: يساق إلى المدينة، كما في مسلمٍ (٢)، وقيل: أي: يحشرُ إلى المحشرِ بعد موتِه.
(مُزَيْنَةَ) هي: قبيلةٌ من مُضَرٍ. (ينعقان) أي: يصيحان، بمعنى: يدعوان. (بِغَنَمهما) قيل: ليسوقوها، وذلك عند قربِ السَّاعة، والباءُ بمعنى: على، أو زائدةٌ. (يجدانها) أي: يجدان أهلها. (وحوشًا) أي: يجدانها ذات وحوش، وفي نسخة: "وحشًا" أي: يجدانها خالية. والوحشُ من الأرض: الخلاءُ. (ثنيَّة الوداع) هي: عقبةٌ عند حرمِ المدينةِ، سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّ المودِّعين يمشون إليها في الوداع لمن يخرج من المدينة (٣). (خَرَّا) أي: سقطًا.
١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁، أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "تُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".
[مسلم: ١٣٨٨ - فتح: ٤/ ٩٠]
стр. 2199
(تُفْتَحُ اليمن) سُمِّيَ بذلك؛ لأنه عن يمين القبلة، أو عن يمين الشمس (١).
(يبسُّونَ) بفتح التحتية وكسر الموحدة وضمها، وفي نسخة بضم التحتية وكسر الموحدة أي: يسوقون دوابَّهم إلا المدينة. (فيتحمَّلون) أي: من المدينة إلى اليمن المفتتحة. (ومن أطاعهم) عطفٌ على أهليهم. (والمدينةُ خيرٌ لهم) أي: من المدينة إلى اليمن؛ لأنَّها حرمُ الرسولِ، ومهبطُ الوحي، ومنزلُ البركات. (لو كانوا يعلمون) أي: بما فيها من الفضائل، وجوابُ (لو) في المواضع المذكورة محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلها، أي: لو كانوا من أهلِ العلم لعلموا أنَّ إقامتَهم بالمدينة خيرٌ لهم، أو هي للتمني فلا جوابَ لها. (وتفتحُ الشامُ) سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه عن شمال الكعبة (٢)، وفتحُ اليمن قبلَ فتح الشام، كما يلوِّح له ابتداء البخاريِّ به، وللاتفاق على أنَّه لم يقع فتحُ شيءٍ من الشام [في حياته ﵊] (٣)، وأمَّا خبرُ مسلم: "تفتحُ الشامُ، ثمَّ اليمنُ، ثمَّ العراقُ" (٤) مؤولٌ بأنَّ (ثَّم) الثانية للترتيب الإخباريِّ، أو بأنَّ رواية تقديم الشام معناها: تقديمه على استيفاء فتح اليمن.
وفي الحديث: معجزة للنبي ﷺ في إخباره بفتح هذه الأقاليم وأن النَّاس يتحملون بأهاليهم ويفارقون المدينة، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب المذكور.
стр. 2200
٦ - بَابٌ: الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ
(باب: الإيمان يأرزُ إلى المدينة) بالهمز وكسر الراء أي: ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض فيها، وإسناد ذلك إلى الإيمان مجاز، وإلَّا فهو في الحقيقة إنما هو لأهل الإيمان، فقوله: (الإيمان) أي: أهله وعلاقة المجاز السببية، إذ سبب الاجتماع الإيمان، إذ لا يأتيها إلا مؤمن.
١٨٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَال: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَال: "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا".
[مسلم: ١٤٧ - فتح: ٤/ ٩٣]
(إبراهيم بن المنذر) نسبة إلى جده، وإلا فهو إبراهيم بن عبد الله بن المنذر. (عبيد الله) أي: ابن عمر العمري.
٧ - بَابُ إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ المَدِينَةِ
(باب: إثم من كاد أهلَ المدينة) أي: أراد بهم سوءًا.
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ [هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ]، قَالتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ، إلا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ".
[مسلم: ١٣٨٧ - فتح: ٤/ ٩٤]
(الفضل) أي: ابن موسى السيناني، بكسر المهملة وبنونين بينهما ألف. (عن جعيد) بالتصغير أي: ابن عبد الرحمن بن أوس. (عن عائشة) زاد في نسخة: "هي بنت سعد".
(انماع) أي: ذاب، والمراد: هلك.
стр. 2201
٨ - بَابُ آطَامِ المَدِينَةِ
(باب: آطام المدينة) بالمد جمع أُطُم بضمتين: وهي الحصون التي تبنى بالحجارة.
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁، قَال: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ، مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ، فَقَال: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى، إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلال بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ القَطْرِ"، تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
[٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠ - مسلم: ٢٨٨٥ - فتح: ٤/ ٩٤]
(علي بن عبد الله) لفظ: (ابن عبد الله) ساقط من نسخة. (سفيان) أي: ابن عيينة. (أسامة) أي: ابن زيد.
(أشرف) أي: نظر من مكان مرتفع. (هل ترون ما أرى؟) قيل: الرؤية هنا علمية، وقيل: بصرية بأن مثلت له الفتن، حتى نظر إليها، كما مثلث له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهي يصلي. (خلال) جمع خلل وهو: الفرجة بين الشيئين.
(تابعه) أي: سفيان. (معمر) أي: ابن راشد.
وفي الحديث: معجزة للنبي ﷺ ، لإخباره بما سيكون وقد ظهر مصداقه من قتل عثمان ﵁. وهلم جرًا.
٩ - بَابٌ: لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
(باب: لا يدخل الدجال المدينة) هو من الدجل وهو: الكذب والخلط؛ لأنه كذاب خلاط الحديث.
١٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
стр. 2202
أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ".
[٧١٢٥، ٧١٢٦ - فتح: ٤/ ٩٥]
(عن جده) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. (عن أبي بكرة) هو نفيع بن الحارث بن كلدة.
(رُعْبُ المسيح) أي: خوفه، وإذا لم يدخل رعبه فأولى أن لا يدخل هو، وسمي الدجال مسيحًا، لمسحه الأبيض؛ أو لأنَّه ممسوح العين لأنه أعور. (الدجال) ذكره، ليتميز عن عسى المسيح ﵊. (على كل باب) في نسخة: "لكل باب".
١٨٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، "عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ مَلائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ".
[٥٧٣١، ٧١٣٣ - مسلم: ١٣٧٩ - فتح: ٤/ ٩٥]
(إسماعيل) أي: ابن أبي أويس.
(أنقاب المدينة) جمع نقب: وهو الطريق في الجبل، والمراد: طرق المدينة وفجاجها.
(الطاعون) هو هيجان الدم وانتفاخه.
١٨٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلا مَكَّةَ، وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ، إلا عَلَيْهِ المَلائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ".
[٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣ - مسلم: ٢٩٤٣ - فتح: ٤/ ٩٥]
(الوليد) هو ابن مسلم الدمشقي. (أبو عمرو) هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. (إسحاق) أي: ابن عبد الله بن أبي طلحة.
(يحيى بن بكير) نسبة إلى جده وإلا فهو يحيى بن عبد الله بن بكير. (عن عقيل) بالتصغير هو ابن خالد الأيلي.
(طويلًا) ساقط من نسخة. (ينزل) ساقط من نسخة (بعض السباخ) جمع سبخة: وهي أرض [تعلوها ملوحة، والمراد: ينزل خارج المدينة على أرضٍ] (١) سبخة من سباخها.
(فيخرج إليه يومئذ رجل) قيل: هو الخضر (٢). (أرأيت) أي: أخبرني. (فيقولون: لا) قائل ذلك له اليهود، ومن يصدقهم من أهل الشقاوة، أو أعم منه، وقالوه، خوفًا منه لا تصديقًا له، أو قصدوا بذلك عدم الشك في كفره وأنَّه دجال. (أشد بصيرة مني اليوم) في نسخة: "أشد مني بصيرة اليوم" فالمفضل والمفضل عليه واحد باعتبارين. وإنَّما يقول ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أخبر بأن علامة الدجال أن يحيى المقتول، فزادت بصيرته بحصول تلك العلامة. (فيقول الدجال) أي: لحاضريه. (أقتله فلا يسلط عليه) أي: لا يقدر على قتله بأن يجعل الله بدنه كالنحاس لا يجري عليه السيف ونحوه، وفي نسخة: "أقتله فلا أسلط عليه" بتقدير همزة الإنكار في (أقتله)، وفي نسخة: بإظهارها، وكأنه ينكر إرادته القتل وعدم تسلطه عليه، فمعناه على هذا ما أريد قتله فلا أسلط عليه.
стр. 2205
١٠ - بَابٌ: المَدِينَةُ تَنْفِي الخَبَثَ
(باب: تنفي المدينة الخبث) أي: تخرجه.
١٨٨٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا فَقَال: أَقِلْنِي، فَأَبَى ثَلاثَ مِرَارٍ، فَقَال: "المَدِينَةُ كَالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا".
[٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢ - مسلم: ١٣٨٣ - فتح: ٤/ ٩٦]
(عبد الرحمن) أي: ابن مهدي. (سفيان) أي: الثوري.
(جاء أعرابي) قال شيخنا: يحتمل أنه: قيس بن حازم المنقري (١).
(أقلني) أي: من المبايعة على الإسلام، وقيل: على الهجرة [(ثلاث مرات) تنازعه] (٢). (قال) و (أبي) أي: قال ذلك ثلاث مرات، وهو ﷺ يأبى إقالته.
(وينصع) بتحتية مفتوحة من النصوع: وهو الخلوص، وإنما أباها؛ خوفًا عليه من الردة، أو ترك الهجرة بأن يرجع إلى وطنه.
(طيبها) بفتح الطاء وتشديد التحتية، وبالرفع فاعل (ينصع)، وفي نسخة: "تُنَصّع طِيبُها" بفوقية مضمومة وفتح النون وكسر الصاد مشددة، وبكسر الطاء سكون التحتية وبنصب (طيبها) مفعول تنصع أي: تنصع المدينة طيبها.
١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَال: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁، يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ، فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَال كَمَا
стр. 2206
تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ".
[٤٠٥٠، ٤٥٨٩ - مسلم: ١٣٨٤ - فتح: ٤/ ٩٦]
(شعبة) أي: ابن الحجاج.
(خرج النبي) في نسخة: "خرج رسول الله". (تنفي الرجال) جمع رجل أي: شرارهم، وفي نسخة: "الدجال" بالدال وتشديد الجيم. قال شيخنا: وهو تصحيف (١).
- باب:
(باب): بلا ترجمة، فهو كالفضل من الباب قبله، بل لفظ: (باب) ساقط من نسخة.
١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ"، تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ.
[مسلم: ١٣٦٩ - فتح: ٤/ ٩٧]
(حدَّثنا عبد الله) في نسخة: "حدثني عبد الله). (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي.
(ضعفي ما جعلت بمكة من البركة) أي: مثليه بناءً على أن ضعف الشيء مثله، وهو ما عليه أهل اللغة، وأما في العرف فضعف الشيء: مثلاه، وضعفاه: ثلاثة أمثاله، وعليه جرى الفقهاء في الإقرار والوصية. والمراد بالبركة: البركة الدنيوية بقرينة خبر: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا" (٢).
حتى لا يقال: مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب الصلاة فيها
стр. 2207
ضعفي ثواب الصلاة بمكة، أو المراد: عموم البركة، لكن خصت الصلاة ونحوها بدليل خارجي، واستدل به على تفضيل المدينة على مكة، وهو كذلك من هذا الوجه، ولا يلزم من أفضلية المفضول في شيء الأفضلية مطلقة.
(تابعه) أي: جريرًا.
١٨٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا".
[انظر: ١٨٠٢ - فتح: ٤/ ٩٨]
(قتيبة) أي: ابن سعيد. (عن حميد) ابن أبي حميد الطويل.
(جدرات) بضمتين: جمع جدار.
(أوضع راحلته) أي: حملها على السير السريع، وقد ذكر في الباب حديثين، ووجه تعلق أولهما بترجمة نفي الخبث: أن قضية الدعاء بتضعيف البركة وتكثيرها يقتضي تقليل ما يضادها فيناسب ذلك نفي الخبث. ووجه تعلق ثانيهما: أن قضية حب الرسول أن تكون بالغة في طيب ذاتهما وأهلها، فيناسب ذلك نفي الخبث أيضًا.
١١ - بَابُ كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ
(باب: كراهية النبي ﷺ تعرى المدينة) بضم التاء أي: تخلو، وفي نسخة: "تَعري" بفتحها.
١٨٨٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلامٍ، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَال: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ وَقَال: "يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ" فَأَقَامُوا.
[انظر: ٦٥٥ - فتح: ٤/ ٩٩]
стр. 2208
(حدثنا) في نسخة: "حدثني". (ابن سلام) بتخفيف اللام: هو محمد السلمي. (الفزاري) هو مروان بن معاوية.
(بنو سلمة) بكسر اللام: بطن من الأنصار. (تعرى) بضم التاء وفتحها كما مر.
(ألا تحتسبوا آثاركم؟) أي: هلا تعدون الأجر [في خطاكم إلى المسجد فإن لكل خطوة أجرًا] (١)، وفي نسخة: "تحتسبوا" وحذفها بدون ناصب وجازم فصيح، ومرَّ الحديث في أوائل صلاة الجماعة في باب: احتساب الآثار (٢).
١٢ - باب .
(باب) بلا ترجمة، فهو كالفصل من الباب قبله.
١٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي".
[انظر: ١١٩٦ - مسلم: ١٣٩١ - فتح: ٤/ ٩٩]
(عن يحيى) أي: ابن سعيد القطان.
(ما بين بيتي) في نسخة: "قبري" والمراد ببيته: أحد بيوته وهو بيت عائشة الذي قبر فيه ﷺ ، وقد رواه الطبراني بلفظ: "ما بين المنبر وبين عائشة روضة من رياض الجنة" (٣).
стр. 2209
(روضة) أي: كروضة في نزول الرحمة، وحصول السعادة، أو العبادة فيه سبب لدخول الجنة، أو الموضع ينقل بعينه إلى الجنة، فهو إما تشبيه، أو مجاز، أو حقيقة.
(ومنبري على حوضي) أي: يوضع بعينه يوم القيامة عليه، وقيل: يوضع له ثم منبر، وقيل: ملازمة منبره للأعمال الصالحة تورد صاحبها الحوض، وهو الكوثر فيشرب منه، ومؤ شرح الحديث في أواخر كتاب: الصلاة (١).
١٨٨٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَبِلالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
، وَكَانَ بِلالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ،
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ،
قَال: اللَّهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الوَبَاءِ، ثُمَّ قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ"، قَالتْ: وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، قَالتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا تَعْنِي مَاءً آجِنًا.
[٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢ - مسلم: ١٣٧٦ - فتح: ٤/ ٩٩]
стр. 2210
(أبو أسامة) هو حماد بن أسامة. (عن هشام) أي: ابن عروة بن الزبير.
(وعك) أي: حمَّ. (مصبح) يقال له: صبحك الله بالخير، أنعم الله صباحك، والحال أن الموت يفاجئه ولا يمشي حيًّا. (أدني) أي: أقرب. (شِراك) بكسر المعجمة: أحد سيور النعل التي على وجهها، والبيت من الرجز.
(أقلع) بالبناء للمفعول، وفي نسح: "أقلع" بالبناء للفاعل أي: كف. (عقيرته) أي: صوته. (وجليل) نبت ضعيف يحشى به خصاص البيت، أي: فرجه. (وهل أردن) بنون خفيفة. (مجنة) بفتح الميم وكسرها وبفتح الجيم والنون المشددة: موضع على أميال يسيرة من مكة، وقيل: على بريد من مكة (١). (وهل يبدون) بنون خفيفة أي: يظهرن. (شامةُ وطفيلُ) جبلان على نحو ثلاثين ميلًا من مكة (٢)، وقيل: هذان البيتان اللذان أنشدهما بلال ليسا له، بل لبكير بن غالب بن عامر بن الحارث، أنشدهما عند ما نفتهم خزاعة من مكة، وهما من البحر الطويل. (قال) ساقط من نسخة، وفي أخرى: "وقال" بالواو. (الوباء) بالمد والقصر، بهمز ودونه: المرض العام، ويقال: الموت. (الذريع) أي: السريع.
(وانقل حماها إلى الجحفة) خص بالدعاء بذلك؛ لأنها كانت إذ ذاك دار شرك ويشتغل أهلها بالحمى من إعانة أهل الكفر، وفيه: دليل من دلائل النبوة إذ لا يشرب أحد من مائها إلا صار محمومًا، والدعاء على الكفار بالأمراض، وللمسلمين بالصحة وكشف الضر عنهم، ورد لقول بعض المتصوفة: أن الدعاء قدح في التوكل، وقول المعتزلة: لا