← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18106

منحة الباري بشرح صحيح البخاري

زكريا الأنصاري

Полный текст (6 339 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال الشاعرُ: أقومُّ آل حصنٍ أم نساءُ ... وقد تدخل النساءُ فيه على سبيلِ التبع؛ لأن قوم كل نبيّ رجالٌ ونساءٌ، وجمعه: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم. (أعرابيٌّ) واحدٌ الأعراب، والأعراب: سكان البادية، لا واحد له من لفظه، وليس الأعراب جمعًا للعرب، والنسب للعرب: عربيٌّ، وهذا الأعرابيُّ سماه أبو العالية: رفيعًا. (يحدث) في نسخة: "بحديثه" بحرف الجر وزيادة ياء وهاء وفي أخرى: "يحدثه" أي: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه. (متى) الساعة) أي: متى زمانها. (فقال بعض القوم ... إلخ) اعتراض بين (فمضى) وبين (حتَّى إذا قضى حديثه). (بل لم يسمع) عطفه على ما قبله، لا يقدح فيه تغاير المتكلمين. ولو سلم أنه يقدح فيه فلم لا يكون الكلُّ من كلام البعض الأول، على طريقة عطف التلقين؟ كأن البعض الآخر قال للبعض الأول: قل بل لم يسمع فقال: بل لم يسمع، أو من كلام البعض الآخر بأن يقدر قبله سمع أي: سمع بل لم يسمع. (قال: أين أراه) بضم الهمزة أي: أظنُّ الراويَ. (قال السائل) وفي نسخة: "أين السائل". (ها) بالمدِّ والقصر حرف تنبيه. (أنا) مبتدأ خبره محذوف أي: السائل. (إذا وُسِّدَ) بتشديد السين أي جعل. وفي الحديث: طلب تعليم السائل والرفق به، وأنه جفا في سؤاله أو جهل، ومراجعته للعالمِ عند عدم فهمه، وإن من آداب المتعلم: ألا يسأل العالمَ ما دام مشتغلًا بحديث، أو غيره.

стр. 247

٣ - بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ ٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. [٩٦، ١٦٣ - مسلم: ٢٤١ - فتح: ١/ ١٤٣] (باب: من رفع صوته بالعلم) أي: بكلام يدل عليه، إذ العلم صفة معنوية، لا يتصور رفع الصوت به. (عن أبي بشر) اسمه: جعفر بن إياس اليشكريُّ. (عن يوسف) بتثليث السين مع الهمز وتركه: ابن ماهك بفتح الهاء غير منصرف للعلمية والعجمة؛ لأن ماهك بالفارسية تصغير ماه وهو القمر بالعربي، وقاعدتهم أنهم إذا صغروا الاسم جعلوا في آخره الكاف، وقيل: بكسر الهاء منصرف؛ لملاحظة معنى الصفة، لأن التصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلمية؛ أو لأنه حينئذ اسم فاعل من مهكتُ الشيءَ مهكًا إذا بالغت في سحقهِ، وماهكُ اسم أبي يوسفَ، وقيل: اسمَ أمِّه، وعليه يتعينُ منعُ صرفه للعلمية والتأنيث. (تخلَّف) أي: "عنَّا" كما في نسخة. (في سفرة سافرناها) أي: من مكة إلى المدينة، والهاء مفعول مطلق، نحو: ظننته زيدًا منطلقًا، أي: ظننت الظنَّ. (فأدركنا) بفتح الكاف أي، لحق بنا. (أرهقتنا الصلاة) برفعها فاعل أرهق أي: أدركتنا، وفي نسخةٍ: "أرهقنا" بلا تاء مع رفع الصلاة؛ لأن ثانيها غير حقيقيٌّ وفي أخرى: "أرهقنا الصلاة" بسكون القاف، ونصب الصلاة، أي: أخرناها حتَّى دنا وقتُ ما بعدها، وهذه الصلاة كانت العصر، كما سيأتي في باب:

стр. 248

من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه وفي غيره. (فجعلنا) من أفعال المقاربة هنا، أي: كدنا. (نمسح) أي: نغسل غسلًا خفيفًا، حتَّى يرى كأنه مسح. (على أرجلنا) عبَّر بأرجلنا، وإن كان القياس رجلينا؛ إذ لكل واحدٍ رجلان؛ لأن الغرض مقابلة الجمع بالجمعِ، فيفيد توزيع الأرجل على الرجال، لا يقال: فعليه يكون لكلِّ رجُلٍ رِجْلٌ لأنَّا نقولُ: جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين، والعقل يعين المقصود سيما فيما هو محسوس. (ويلٌ) مبتدأ، وهو كلمة عذاب، ويقال: وادٍ في جهنم، وخبر المبتدأ (للأعقاب) أي: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها وهي: جمع عقِب، بكسر القاف وهو مؤخر القدم، واللام وإن كانت في الأصلِ للاختصاص النافع، وعلى للشرِّ الضار، نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] لكنها استعملت هنا للاختصاصِ أيضًا، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. (من النَّار) من: بيانية، أو بمعنى في. (مرتين أو ثلاثًا) شكٌّ من عبد الله بن عمرو. وفي الحديث: التغليظ في الإنكار، والتكرارة للمبالغة، ورفع الصوت في المناظرة بالعلم، ودليل على وجوب غسل الرجلين، وهو الإسباغ لا اللمس بالماء، وأما قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦] وإن كان ظاهره على قراءة الجرِّ عطفه على الرءوس، وعلى قراءة النصب عطف على الجار والمجرور، فيجب تأويله بالجرِّ على المجاورة، وبالنصب على العطف على الوجوه، ويجوز عطف قراءة الجز على الرءوس، ويحمل المسح على مسح

стр. 249

الخف أو الغسل الخفيف الذي تسميه العربُ مسحًا، وعبَّر به في الأرجل؛ طلبًا للاقتصاد؛ لأنها مظنة الإسراف لغسلها بالصبِّ عليها وتجعل الباء المقدرة على هذا للإلصاق والحامل على ذلك الجمع بين القراءتين والأخبار الصحيحة الظاهرة في وجوب غسل الرجلين. ٤ - بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: "كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوي عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْويهِ عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَرْويهِ عَنْ رَبِّكُمْ . [فتح: ١/ ١٤٤] ٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ" فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". [٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٢٢، ٦١٤٤ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ١٤٥] (باب: قولُ المحدِّثِ: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا) أي: هل بينها فرق أو الكلُّ واحدٌ، وسقط من نسخة: "وأنبأنا"، ومن أخرى: "وأخبرنا"،

стр. 250

والمراد بالمحدِّث: اللغويُّ: وهو الذي يحدِّثُ غيره، لا الاصطلاحيُّ: وهو العالمُ بحديثِ النبيِّ ﷺ (وقالَ لنا الحميديُّ) في نسخة: "وقال الحميديُّ". (واحدًا) أي: الصيغُ الأربعُ بمعنى واحدٍ، في أنَّ ذلك جائزٌ اتفاقًا، كما حكاه القاضيُّ عياضُ (١)، وهذا لا ينافي ما يأتي من أرفعية بعضها على بعض، وتقديرُ البخاريّ ما نقله عن الحميديّ مع ما يأتي من التعاليق الثلاثة الآتية في كلامهِ يدل على اختياره له. قال الخطيبُ الأرفعُ: سمعت، ثم حدَّثني، ثم أخبرني، ثم أنبأني (٢)، وقد بسطتُ الكلامَ على ذلك في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (٣). (وقال ابن مسعود) هذا التعليق وصله في بدء الخلق والغسل وغيرهما (٤). (الصادق) أي: في نفس الأمرِ وفيما قاله لغيره. (المصدوق) أي: المصدوق بالنسبة لله تعالى وإلى الناسِ، أو إلى ما قاله له غيره وهو جبريل. (وقال شفيق) وصله في الجنائز والتوحيد وغيرهما. (عن عبد الله) أي: ابن مسعود، وإذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة.

стр. 251

(سمعت النبيَّ) في نسخة: "سمعت من النبيِّ". (وقال حذيفة) هو ابن اليمان، وصله في الرقائق (١). (وقال أبو العالية) بالمهملة وبالمثناة التحتية، اسمه: رفيع بن مهران الرياحيُّ، بالمثناة التحتية، وقد وصل البخاريُّ هذا التعليق، والتعليق بعده [في التوحيد] (٢) وأورد الثلاثة هنا تنبيهًا على حكم المعنعن المساوي على الراجح لحكم الصيغ الأربع السابقة. واختلفت النسخ في تعليق (أنسٍ) ففي نسخة: "فيما يرويه عن ربِّه " وسقط من أخرى: "فيما" وفي أخرى: بدل "﵎". (قتيبة) في نسخةٍ: "قتيبة بن سعيد". (وإنها) بكسر الهمزة عطف على (إن من الشجر). (مثل) بفتح الميم والمثلثة وبكسرها وسكون المثلثة، كشبه وشبه لفظًا، ومعنى شبه النخلة بالمسلم، ووجه الشبه بينهما: كثرة خيرهما، أما في النخلة: فدوام ظلها وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، واستعمال خشبها جذعًا وحطبًا وعصيًّا، وورقها: حُصْرًا وأواني وحبالًا، ونواها: علفًا للإبل، وأمَّا في المسلم: فكثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبة صلواته، وصيامه، وقراءته. (ما هيَ) مبتدأ وخبر في محلِّ ثاني مفعولي حدثوني. (فوقع الناسُ) فَسُرَّ كلُّ واحدٍ بنوع. (البوادي) في نسخة: "البواد" بلا ياء. (فاستحييت) أي: أن أتكلم وعند ﷺ الكبار هيبة منه وتوقيرًا.

стр. 252

ثم (حدثنا ما هي يا رسولَ الله؟) في نسخة: "حدثنا يا رسول الله" وفي أخرى: "حدثنا يا رسول الله ما هي" وفي حديث استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم وليرغبهم في الفكر وتوقير الكبار، وجواز اللغز مع بيانه ودلالة على فضيلة النخل حيث شبه به الإنسان. ٥ - بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ . (باب: طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم) الاختبار: الامتحان. ٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ" قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ١٤٧] (خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام وسكون الخاء. (سليمان) أي: ابن بلال. وأعاد الحديث؛ لإفادة الحكم المترجم عليه؛ ولاختلاف السند، ولنقص بعض أحرف في متن أحدهما، وفائدة ذلك: التأكيد والتنبيه على أنَّ كلًّا من شيخيه في مقام، فقتيبة في مقام التحديث، وخالد في مقام طرح المسألة.

стр. 253

٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً» وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. (باب: ما جاء في العلم، وقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] لم يذكر فيه حديثَا لما قدمته في نظيره، مع أنه ساقط من نسخة. (باب) ساقط من نسخة (والقراءة، والعرض على المحدث) على تنازع فيه القراءة والعرض، والعطف للتفسير؛ إذ المراد هنا: عرض القراءة على الشيخ بدليل ما يأتي في الباب لا عرض

стр. 254

المناولة بأن يعرض الطالبُ ما مروي شيخه عليه فيتأمله الشيخ ثم يعيده إليه، ويأذن له في روايته عنه. (ورأى الحسن) أي: البصريُّ. (وسفيان) أي: الثوري. (ومالك) أي: ابن أنس. (واحتج بعضهم) أي: الحميديُّ شيخ البخاريّ وأبو سعيد الحداد. (بحديث ضِمام) بكسر المعجمة. (ابن ثعلبة) بمثلثة، ثمَّ مهملة. (آلله؟) بالاستفهام ورفع الاسم مبتدأ خبره الجملة بعده. (أن تصلِّي) بمثناة فوقية، وفي نسخةٍ: "أن نصلِّيَ" بنون الجمعِ. (الصلوات) في نسخة: "الصلاة". (قال) أي: الحميديُّ، (فهذه قراءة على النبي ﷺ ) في نسخةٍ: "فهذه قراءة على العالم". (فأجازوه) أي: أجازَهُ النبيُّ ﷺ وأصحابهُ، أو قوم ضمام بعد إسلامهم. (واحتج مالك) أي: على جوازِ القراءةِ على المحُدِّثِ. (بالصَّكِّ) بفتح المهملة وتشديد الكاف، الكتابُ يكتبُ فيه إقرارُ المقر، وهوَ فارسيٌّ معرَّبٌ. (يُقرأ) بالبناءِ للمفعول، كالذي بعده، وإنما (ذلك قراءة عليهم) في نسخةٍ: "ويقرأ ذلك قراءة عليهم" أي: فتسوغ الشهادة عليهم، بقولهم: نعم، بعد قراءة المكتوب عليهم مع عدم تلفظهم بما هو مكتوب. قال ابن بطَّال: هلذه حُجَّةٌ قاطعةٌ؛ لأنَّ الإشهادَ أقوى حالًا من الإخبار (١). (فيقول) أي: "القارئ" كما في نسخة. (محمد بن سلام) بتخفيف اللام: البيكنديُّ. (عن عوف) هو ابن أبي جميلة الأعرابي. (عن الحسن) أي: البصريِّ. (عبيد الله بن موسى) باذام العبسيُّ.

стр. 255

(إذا قُرِئَ) بالبناء للمفعول، وفي نسخةٍ: "إذا قرأت". وفي أخر: "إذا قرأ" أي: القارئ. (قال) في نسخةٍ: "قال أبو عبد الله" أي: البخاريُّ. (أبا عاصمٍ) هو الضَّحاكُ بنُ مخلد الشيبانيُّ. (سواء) أي: في جواز الرواية، نعم استحبَّ مالكُ القراءة على الشيخ، والجمهور: على أن قراءة الشيخ أرجح من قراءة الطالب عليه. ٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. [مسلم: ١٢ - فتح: ١/ ١٤٨] (هو المقبُرِيُّ) سقط من نسخةٍ لفظ: (هو). (ابن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم.

стр. 256

(جلوسٌ) جمع جالس، كركوع جمع راكع. (في المسجد) أي: النبويِّ. (دخل رجلٌ) في نسخةٍ: "إذ دخل رجل". (فأناخه في المسجد) أي: في رحبته، أو ساحته بقرينة رواية أحمد والحاكم: فأناخ بعيره على باب المسجد (١). (ثم عقله) بفتح القاف أي: أثنى ساقه على ذراعه، وشدَّهما معًا في وسطِهما. (متكئٌ) بالهمز. (بين ظهرانيهم) بفتح الظاءِ المعجمةِ والنونِ، أي: بينهم. وإقحام لفظ الظهر؛ للدلالة على أن إقامته فيهم للاستظهارِ بهم، وعلى أنَّ ظهرَا منهم قُدَّامَهُ، وظهرَا وراءَهُ، فهو محفوفٌ بهم من جانبيه، وهو مما أريدَ بلفظ التثنيةِ فيه معنى الجمع، والألفُ والنونُ فيهِ للتوكيد في النسبة، كما يقال في النسبة إلى النفسِ نفساني، وتوسع في ثبوت نون التثنية مع الإضافة؛ لأنَّ الأصلَ عدم ثبوتها معها. (الأبيض) المراد بالبياض: المشرب بالحمرة، فلا ينافي ذلك ما يأتي في صفة النبيِّ ﷺ أنه ليسَ بالأبيضِ؛ لأنَّ المنفى ثمَّ البياضُ الخالصُ كلونِ الجصِّ، والمثبتُ هنا بياضٌ نيِّرٌ أَزْهَرُ. (فقال له) أي: للنبيُّ ﷺ . (الرجل) أي: الداخل. (أبنَ عبد المطلب) بفتحِ الهمزةِ للنداءِ بقرينةِ روايةِ أبي داود (٢) يا ابن ويل بكسرِ الهمزةِ، ونونُ ابن مفتوحةٌ في الوجهين إما على الأوَّلِ فلأنه: منادى مضاف، وإما على الثاني:

стр. 257

فمنصوب بمقدر، كأَعْني أو على حذف حرف النداءِ. (قد أجبتك) أي: سمعتُ كلامك، إذ لم يسبق منه جواب يخبر به، وهو إن شاءَ للإجابة، أو نزل تقريره للصحابة، في الإعلام عنه منزلة الجواب، وإنما لم يجبه بالصريح؛ لأنه أخلَّ برعاية التعظيم والأدب، حيث قال: أيُّكم محمدٌ؟ (فلا تجد عليَّ) بكسر الجيم والجزم على النهي من الموجدة أي: لا تغضب، أما في غير الغضب فلا يقال: موجدة، بل يقال في المطلوب: وجده وجودًا، وفي الضالة: وجدها وَجَدَانًا، وفي الحزن: وجد وَجْدًا، وفي المال: وجد جدةً أي: غنى. (سلْ عمَّا بدا) أي: ظهر. (آلله) بهمزة الاستفهام، والمد والرفع على الابتداء كما مرَّ. (فقال اللهمَّ) في نسخة: "قال اللهمَّ" وميمه عوض من حرف النداءِ فلا يجتمعان إلا شذوذًا، وذلك من خصائص هذا الاسم الشريف، ليتميز نداؤه عن نداءِ غيره، وإنما كان ميمًا، لقربها من حروف العلة، وشُدِّدَتْ، لأنَّها عوضٌ من حرفين. (نعم) هو الجواب فذكر اللهم، للتبرك أو للاستشهاد، في ذلك (بالله) توكيد الصدقة. (قال: أنشدك) بفتح الهمزة، وفي نسخةٍ: "فقال: أنشدك". (أن تصلِّيَ) بتاء الخطاب، وفي نسخة: بنون الجمع وكذا الحكم في (أن تصوم). (الصلوات) في نسخة: "الصلاة". (هذا الشهر) أي: رمضان. (من السنة) أي: من كلِّ سنة، فاللام فيها للجنس، والإشارة لنوع الشهر لا لعينه (فتقسمها) بتاء الخطاب والنصب عطفًا على تأخذ. (فقرائنا) خصهم بالذكر؛ لأنَّهم أغلبُ أصنافِ الزكاةِ، أو ليقابلَ به ذكرَ الأغنياءِ، ولم يذكر الحجَّ، لعدم تكرره، بخلاف المذكورات، أو لأن السائل غيرُ مستطيعٍ له، أولم يكن فُرِضَ إذ ذاك وهو غريب.

стр. 258

(آمنت بما جئت به) يحتمل أن يكونَ ذلك إخبارًا عن إيمانٍ صادق، رجَّحه القاضي عياضُ (١)، وأن يكونَ إنشاءً لإيمانه، ورجَّحه القرطبيُّ (٢)، والقلبُ إليه أميلُ. (من ورائي) بفتح الميم. (من قومي) بكسرها. (وأنا ضمام بن ثعلبة) فائدةُ ذكرِه: بيانُ شرفِ إيمانه؛ لأنَّه من المشاهيرِ؛ ولأنَّ إيمانَه سببُ إيمانِ قومِه فضُمَّ إليه. (أخو بني سعدِ) تتميمًا لبيان شرفه وقولُه: (وأنا ضمام) إلى آخره ساقطٌ من نسخة. والمراد ببني سعدٍ: بنو سعدِ بن بكر بن هوازن. وفي العرب سعود أُخَرُ، كسعد تميم، وسعد هزيل، وسعد قيس. (رواه) وفي نسخةٍ: "ورواه". (موسى) أي: "ابن إسماعيل" كما في نسخة. (وعليُّ بنُ عبدِ الحميد) أي: ابن مصعب المعني بفتح الميم. وسكون العين المهملة وكسر النون، بعدها ياء نسبةً إلى معن بن مالك. (عن سليمان) في نسخةٍ: "وأخبرنا سليمانُ بن المغيرة". (عن ثابت) أي: البُنَانَيِّ. (بهذا) ساقطٌ من نسخة، وفي أخرى: بدل (بهذا) "بمثلهِ". وفي الحديث: دليلٌ لما قالَهُ العُلَمَاءُ: إِنَّ العَوَامَّ المقلِّدِينَ مؤمنونَ يُكْتَفَى منهم بمجردِ اعتقادِ الحق جزمًا، خلافًا للمعتزلةِ. ٧ - بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ . وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إلى

стр. 259

الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . [فتح: ١/ ١٥٣] (باب: ما يذكر في المناولة) أي: المقرونة بالإجازة: بأن يأتيَ الشيخ بأصلِ سماعه فيناوله للطالب ويقول: هذا سماعي جزت لك روايته عني، أما المناولةُ المجرَّدةُ عنِ الإجازةِ فلا تجوزُ الرواية بها على الصحيح. (وكتاب أهل العلم) بالجرِّ عطف على ما، أو على المناولةِ. (إلى البلدانِ) أي: أهلِها، وذكرها مثال فمثلها القُرى والصَّحَاري وغيرُهما، ثم المكاتبة إن قرنت بالإجازةِ جازتِ الروايةُ بها قطعًا وإلا فكذلك على الصحيح، وقد بسطتُ الكلامَ على المناولةِ والمكاتبةِ في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (١). (وقال أنسٌ) وصله البخاريُّ في فضائل القرآن وغيرها (٢) وفي نسخة: "وقالَ أنسُ بنُ مالك". (فنسخَ عثمانُ المصاحفَ) أي: أمرَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبدَ الله بن الزبيرِ، وسعيدَ بن العاصِ، وعبد الرحمن بن الحارثِ بنِ هشامِ بنسخها، أي: كتابتها، وفي نسخة: "عثمان بن عفان".

стр. 260

(فبعث بها إلى الآفاق) مصحفًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وأمسكَ بالمدينة واحدًا، وقيل: آخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة. (ورأى عبد الله بن عمر) أي: ابن عاصم ابن عمر بن الخطاب. (ومالك) وفي نسخة: "ومالك بن أنس". (ذلك) أي: ما ذكر من المناولة والكتابة. (بعض أهل الحجاز) هو الحميديُّ شيخ البخاريِّ، والحجاز: مكة والمدينة وقراهما، كخيبر للمدينة، والطائف لمكة، سميت بذلك؛ لأنها حجزت بين نجد والغور. (في المناولة) أي: في جوازها. (حيث كتب) أي: أمر بالكتابة، أو كتب خرقًا للعادة، وسيأتي في الجهاد أنه كتب بيده. (لأمير السَّرِيَّة) في نسخة: "أمير السَّرِيَّة" وفي أخرى: "لأمير الجيش" وفي أخرى: "إلى أمير الجيش" هو: عبد الله بن جحش، كما في "سيرة ابن إسحاق" (١)، و"الطبراني الكبير" (٢). (ذلك مكان) هو نخلة بين مكة والطائف (٣). ٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ" [٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤ - فتح: ١/ ١٥٤]

стр. 261

(إبراهيمُ بنُ سعدِ) أي: ابن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ. (بعثَ بكتابهِ رَجُلًا) اسمُه: عبدُ الله بنُ حذافةَ السَّهميُّ. (عظيم البحرين) هو المنذر بن ساوى، بسين مهملة وواو مفتوحة، وعبَّرَ بالعظيمِ دونَ ملك؛ لأنَّهُ لا ملكَ ولا سلطنة لكافرٍ، (والبحرين) بلفظ التثنية: بلد بين البصرة وعمَان (١). (فدفعه) عطف على مقدر أي: فذهب إلى عظيم البحرين، ودفعه إليه، ثم بعثه العظيم. (إلى كسرى) وهو بكسر الكاف أَفصح من فتحها، لقب لكلِّ من ملك الفرسَ، كما أن قيصر: لقب لكلِّ من ملك الروم. (فلما قرأه) في نسخة: "فلمَّا قرأ" بحذف الهاءِ، أي: قرأ الكتاب. (مزَّقه) أي: خرَّقه وفرَّقه. (فحسبت) أي: ظننت. (كلَّ ممزق) بفتح الزاي مصدر، كالتمزيق، أي: كلُّ نوعٍ من التمزيق. ووجه الدلالة من الحديث على الترجمة: أنه ﷺ لم يقرأ على رسوله الكتاب، بل ناوله له، وأجاز له أن يسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله. ٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ. [٢٩٣٨، ٣١٠٦، ٥٨٧٠، ٥٨٧٠، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٥٨٧١، ٧١٦٢ - مسلم: ٢٠١٢ - فتح: ١/ ١٥٥] (أبو الحسن) في نسخةٍ: "أبو الحسن المَرْوَزِيُّ". (أخبرنا عبدُ

стр. 262

الله) أي: ابن المبارك، وفي نسخةٍ: "حدثنا عبد الله". (عن أنس بن مالك) وفي نسخةٍ: "عن أنس" بدون ابن مالك. (كتب النبيُّ) أي: أمر بالكتابة، أو كتب بنفسه كما مرَّ. (كتابًا) أي: إلى العجم، أو إلى الروم، كما صرَّح بهما في كتاب: اللباس (١). (أو أراد أن يكتب) شكٌّ من أنس. (أنهم) أي: الروم، أو العجم على الروايتين. (لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا) أي: خوفًا من كشف أسرارهم. (فاتخذ خاتمًا) بفتح التاءِ وكسرها، ويقال فيه: خاتام، وختَّام وختام، وختم. (في يده) أي: إصبع يده وهو: حال من المضافِ أو المضافِ إليه، (إلى بياضه في يده)، وفيه: قلب إذ الأصل أن الإصبع في الخاتم لا الخاتم في الإصبعِ. وفي الحديثِ: ختم الكتاب، واتخاذ الخاتم من فضة للرجال، ونقشه، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم الله تعالى فيه، وجواز الكتابة، بل يُنْدَبُ ذلك كلُّه. ٨ - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا ٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ:

стр. 263

فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ". [٤٧٤ - مسلم ٢١٧٦ - فتح: ١/ ٥٦] (باب: منْ قعدَ حيثُ ينتهي بهِ المجلسُ) أي: حكمُ ذلك من الجوازِ أو الأدبِ أو نحوهِ، ومناسبةُ هذا البابِ لكتابِ العلمِ من جهة أنَّ المراد بالحلقة: حلقة العلم. (ومن رأى ... إلخ) عطف على من قعدَ، (والفرجة) بضمِّ الفاءِ وفتحِها: الخللُ بين الشيئين، ويقالُ: بالضّمِّ ذلك، وبالفتحِ: الراحة من الهم ويقالُ: بتثليثِ الفاء: الراحة من الهم. (والحلقة): بسكونِ اللامِ أشهرُ من فتحها: كلُّ مستديرٍ خالي الوسط، والجمع: [حلق] (١) بفتح الحاء واللام، وعبَّر عنها تبعًا للحديث بالحلقة. وفي الترجمة بالمجلس؛ إشارةً إلى أن حكمها واحدٌ. (أبا مُرَّة) اسمه: يزيد. (عقيل) بفتح العين. (أبي واقد) بالقاف، اسمُ الحارثِ بنِ مالكِ أو ابن عوف الصحابي. (في المسجد) أي: النبويّ. (ثلاثة نفرٍ) النفر بفتح الفاءِ عدة رجال من الثلاثة إلى العشرة: وهو اسم جمع تمييز للثلاثة، بمعنى أنَّ الثلاثة نفر، لا أنَّ كلًّا منها نفرٌ، وإلَّا لكان المقبلون تسعة، وليس كذلك، بل كانوا ثلاثة فقط. (فأقبل اثنان) ذكره بعد فاقبل ثلاثة؛ لأنَّ التقدير: فأقبل اثنان منهم؛ أو لأن إقبالَ الثلاثة: إقبالٌ إلى المجلس، أو إلى جهة أهله، وإقبال الاثنين: إقبالٌ إلى رسول الله ﷺ .

стр. 264

(فوقفا على رسول الله) أي: على مجلسه. (وأما الآخر) بفتح الخاءِ، أي: الثاني. (فأدبر) أي: ولَّى. (ذاهبًا) أي: حال كونه ذاهبًا، فذاهبًا حالٌ مقدرة؛ إذ الإدبار لا يستلزمُ الذهابَ فسقط ما قيل: إن معنى "ذاهبًا" استمرَّ في ذهابه، وإلَّا أدبرَ مغنٍ عن "ذاهبًا". (فلمَّا فرغ رسولُ الله) أي: مما كان مشتغلًا به، من تعليم العلم، أو الذكر، أو الخطبة، ونحوها. (ألا) بالتخفيف حرف تنبيه، وفي الكلام طيٌّ، كأنهم قالوا: أخبرنا عنه، فقال (أما أحدهم فأوى ... إلخ). فقوله: (فأوى) بالقصرِ أكثر من المدِّ، أي: لجأ إلى الله، أو إلى مجلس ذكره. ومصدر المقصور: أويا على فعول، ومصدر الممدود: إيواء على إفعال. وقوله (فآواه الله) بالمدِّ أكثر من القصرِ، أي: جازاه بنظيرِ فعله بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، وهذا تفسير باللازم؛ إذ معناه الحقيقيُّ وهو الإنزال عند الله مستحيل في حقَّه تعالى، فهو من باب المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وكذا القول في قوله: (فاستحيا فاستحيا الله منه) وفي قوله: (فأعرض فأعرض الله عنه) إذ الاستحياء: وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يذمُّ به، والإعراض: وهو الألتفات إلى جهة أخرى مستحيلانِ في حقه تعالى. وفي الحديث: أن السنَّةَ: الجلوسُ على وضعِ الحلقة، وأن يجلس الداخلُ حيث ينتهي إليه المجلس، وألا يزاحم الجلاسَ، إن لم يجد فُرْجَةً، وإن الإعراضَ عن مجلس العلم مذموم، وهو محمولٌ على من ذهبَ معرضًا لا لعذر.

стр. 265

٩ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ " ٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا"، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ" قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا" فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ" قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ". [١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧ - مسلم: ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٥٧] (باب: قول النبيِّ ﷺ : رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من سامعٍ) أي: أَفْهَم منهُ لما أقولُ، وفي رُبَّ: سبعونَ لغةً بينتها معَ زيادةٍ في: "شرحِ المنفرجةِ الكبير" وهي حرفٌ لا اسم، خلافًا للكوفيين، لكنها في الأصل للتقليل، وفي الاستعمالِ للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا. ومن بخصائصها إذ لم تكفّ بما عن العمل إنها لا تدخل إلَّا على نكرة ظاهرة أو مضمرة، وأن الفعلَ الذي تسلط على مجرورها يجب تأخيره عنها؛ لأنها لإنشاء التكثير أو التقليل ولها صدر الكلام، وفعلها يجيء محذوفًا، وماضيًا في الأكثر، وهو هنا محذوف، كعلمت ولقيت .. ومبلغ بفتح اللام أي: مبلغ إليه، وهو على القول بأن رُبَّ اسم مجموعهما كلام إضافيٌّ مبتدأ وأوعى من سامعٍ خبره، وعلى القولِ بأنها حرفُ محل مبلغ رفعَ بالابتداء وأوعى صفة له والخبر الفعل المحذوف أما إذا ذكر الفعل: فقد يكون محل مجرور رب نصبًا على

стр. 266

المفعولية نحو رب رجلٍ لقيت [وقد يكون محله رفعًا، أو نصبًا نحو: رب رجلٍ لقيته. (ابن عون) اسمه: عبد الله بن أرطبان البصري] (١). (ابن أبي بكرة) اسم أبي بكرة: نقيع بن الحارث. (قال) ساقط من نسخةٍ أي: قال أبو بكرة وقد (ذكر النبيُّ) ببنائه للفاعل وهو أبو بكرة وللمفعول وهو النبيُّ فهو منصوب: على الأول، ومرفوع: على الثاني، وقوله: (ذكر النبيّ) حال بقرينة رواية النسائي (٢)، وذكر بالواو. وقوله: (قعد على بعيره) مقول القول وفي نسخة: "عن أبيه: أن النبيَّ ﷺ قعد على بعيره" وكان ذلك بمنى يوم النحرِ في حجَّةِ الوداعِ وإنما قعد على البعير لحاجته إلى إسماع الناس كلامه، فالنهيُ عن اتخاذ ظهور الدَّوَابِّ سائر، محمولٌ على: ماذا إذا لم تدعُ الحاجة إليه. (وأمسك إنسانٌ بخطامه أو بزمامه) شكٌّ من أبي بكرةَ، والخطام بكسر الخاءِ المعجمة: الزمام، وهو الذي يشدُّ في البُرَة، ثمَّ يشدُّ في طرفه المقودُ، وقد يسمَّى المقودُ: زمامًا، وزممتُ البعير: خطمتُه. والبرى: بضم الموحدة وتخفيف الراءِ، حلقة من صفر تجعل في أَحَدِ جانبي المنخرين، والإنسان المُمْسِك، قيل: بلالٌ، وقيل: عمرو بن خارجة، وقيلَ: أبو بكرةَ، وفائدةُ الإمساكِ: صونُ البعيرِ عن الاضطرابِ والإزعاجِ لراكبهِ. (فقالَ) في نسخةٍ: "قالَ". (سيسميه سوى اسمِه) فيه: إشارةٌ إلى

стр. 267

تفويض الأمورِ إلى الشارعِ. (أليس يوم النحر؟) الاستفهام فيه وفيما بعده للتقرير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. (قلنا بلى) في نسخةٍ: "فقلنا بلى" وبَلَى: حرف مختص بالنفي، ويفيد إبطاله. (فقال: أليس بذي الحجة؟) بكسر الحاء وفتحها، وفي نسخة: "قال" بدل (فقال). (فإن دماءكم ... الخ) أي: انتهاكها؛ لأنَّ الذوات لا تحرم، والأعراض: جمع عرض بكسر العين: وهو موضع المدح والذمِّ من الإنسان وقيل: الحسب. وفي هذا الحديث كما قال النوويُّ: استحباب ضرب الأمثالِ (١)، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا. (ليبلغ) أمر، وكسرت الغينُ فيهِ لالتقاءِ الساكنين. (الشاهدُ) أي: الحاضرُ في المجلسِ، والمراد: تبليغ تحريم ما ذكر، أو جميع الأحكام. (من هو أوعى له منه) أي: من الشاهدِ، و (منه) صلة أفعل التفضيل، وفصل بينهما بـ (له)؛ لأنه يتوسعُ في الجارِّ والمجرور، كالظرفِ ما لا يتوسع في غيرهما، بل يجوز الفصلُ بينهما بغير ذلك أيضًا، إذا لم يكن أجنبيًّا من كلِّ وجه، كقوله تعالى في قراءةِ ابن عامرٍ: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ببناءِ زين للمفعول ورفع قتل ونصب أولادهم وجرِّ شركائهم، واستنبط من الحديث: أنَّ حامل الحديث يؤخذ منه، وإن كان جاهلًا بمعناه.

стр. 268

١٠ - بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ . لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ "وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ" وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا العَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ " وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: "لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ" [فتح: ١/ ١٥٩] (باب) ساقطٌ من نسخةٍ. (العلم قبل القولِ والعملِ) أي: يطلب قبلهما؛ إذ الشيءُ يعلم ثم يعملُ به، فهو مقدَّم بالذاتِ وكذا بالشرف؛ لأنه عملُ القلبِ، الذي هو أشرفُ الأعضاءِ، وبيَّن البخاريُّ بالترجمةِ مكانة العلم؛ لئلا يسبق إلى الذهن أن العلم لا ينفع إلا بالعملِ، فبيَّن أنَّه شرطٌ في القولِ والعملِ، مقدم عليهما، لا يعتبران إلا به.

стр. 269

(تعالى) في نسخةٍ: " ". (فبدأ بالعلم) أي: قبل قوله في الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] المشار به إلى القولِ والعملِ والخطاب. بقوله: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد: ١٩] وإن كان للنبي ﷺ ، فالمراد: ما يتناولُ أمته، أو هو خاصة والأمر للدوام والثبات، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]. أي: دُمْ على التقوى، واثْبَتْ عليها. (وأنَّ العلماء) بفتح الهمزة عطفٌ على قولِ الله، أي: ولأنَّ العلماءَ وبكسرِها على سبيل الاستئنافِ، وقيل على سبيل الحكايةِ (ورثوا) بتشديد الراءِ مفتوحةً، أي: الأنبياءُ، وبتخفيفها مكسورةً أي: العلماءُ. (بحظٍّ وافرٍ) أي: بنصيب كاملٍ من ميراث النبوة. (طريقًا) نكرة ليتناول أنواع الطرقِ الموضلةِ إلى تحصيل العلوم الدينية. (علمًا) نكرة ليتناول القليل، والكثير. (سهَّل الله له) أي: في الآخرة، وفي الدنيا بأن يوفقَهُ للأعمالِ الصالحةِ الموصلة إلى الجنةِ. (﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾) أي: الأمثالُ المضروبةُ، وحسنُها وفائدتُها. (من يردِ الله به خيرًا يفقهه) أي: "يفهِّمه" كما في نسخةٍ. (في الدِّين) علقه هنا ورواه قريبًا مسندًا (١). (وإنما العلم بالتعلم) في نسخةٍ: "بالتعليم" وهذا التعليقُ رواه الطبراني، وغيرُه مرفوعًا (٢)، (وقال أبو ذرٍّ) اسمُه: جُنْدُبُ بنُ جنادةَ. (الصمصامه) بفتح الصادين المهملتينِ: السيفُ الصارمُ. (إلى قفاه) في نسخةٍ: "إلا القفا" وهو مقصورٌ يذكَّرُ ويؤنَّثُ (أُنفِذُ) بضم الهمزة، وكسر

стр. 270

الفاء وبذالٍ معجمةٍ، أي: أُمضي، أو أُبلغ. (من النبيِّ) في نسخةٍ: "من رسولِ الله". (تُجيز) بضم أولهِ وبزايٍ أي: تمرُّ الصمصامةُ. (عليَّ) بتشديد الياء أي: على قفاي، والمعنى. قبل أنْ تقطعُوا رأسيَ. (لأنفذتها) بفتح الهمزةِ، والفاء، وتسكين الذالِ المعجمةِ، ولو هنا لمجردِ الشرط، كـ (إن)، لا لمعناها الأصلي، وهو امتناعُ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ، أو هي مثلُ لو لم يخف الله لم يعصه حتى يكونَ الحكمُ ثابتًا في النقيضِ بطريق الأولى. هذا التعليقُ وصلَهُ الدارميُّ وغيره من حديثِ ابن مَرْثدٍ قال: جلستُ إلى أبي ذر والناسُ إليه عند الجمرةِ الوسطى يستفتونه فوقفَ عليه رجلٌ فقال: ألم ينهك أميرُ المؤمنين عنِ الفتوى، فقال: لو وضعتم الصمصامة على هذه الخ (١)، وإنما قال أبو ذرٍّ ذلك؛ حرصًا على تعليمِ العلمِ؛ طلبًا للثوابِ، وفي نسخةٍ: عقب لأنفذتُها لقولِ النبيّ ﷺ "ليبلغِ الشاهدُ الغائبَ". (ربَّانيين) جمع ربَّاني، نسبةً إلى الربِ بزيادة الألف والنون، والرَّبَّاني: الكاملُ في العلم والعمل، ووجه النسبةِ: إخلاصهُم للرَّبِّ تعالى. (حلماءَ) جمعُ حليمٍ باللام، والحُلمُ: الطمأنينةُ عند الغضب وفي نسخةٍ: "حكماء" جمع حكيم بالكاف، والحكمةُ: صحةُ القولِ، والقصدِ، والفعل، وقيل: الفقهُ في الدينِ، وقيل: معرفةُ الأشياءِ على ما هي عليه. (فقهاء) في نسخةٍ: "علماءُ" وهذا التعليقُ وصلَهُ الخطيبُ،

стр. 271

وغيرُه بإسنادٍ حسنٍ. (بصغار العلم قبل كباره) أي: بجزيئات العلِم قبلَ كلياتِه، أو بفروعِه قبل أصولِه، أو بوسائِله قبل مقاصده، أو بما وضح مِن مسائِله قبل ما دقَّ منها. والربَّانيُّ على هذا القولِ منسوبٌ إلى التربية. ١١ - بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا . ٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ "يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" [٧٠، ٦٤١١ - مسلم: ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٢] (باب: ما كان النبيُّ ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا) أي: يتباعدوا عنه، و (ما) مصدرية، أي: باب كون النبيِّ ﷺ يتخَّول أصحابه، بخاءٍ معجمة مع لام أو نون، أي: يتعهدهم، وصوَّب بعضهُم أنه بحاءٍ مهملةِ ولامٍ أي: يطلبُ أحوالَهم التي ينشطون فيها للموعظةِ، فيعظهم بها ولا يكثر عليهم فيملوا الموعظة: النصحُ، والتذكير بالعواقبِ، وعطفُ العلمِ على الموعظةِ من عطفِ العامِّ على الخاصِّ. (محمدُ بنُ يوسف) أي: ابن واقدٍ الفريابي. (أخبرنا سفيان) في نسخةٍ: "حدثنا سفيان" وهو الثوريُّ. (كراهة) بالنصب مفعولٌ له أي: لأجلِ كراهةٍ. (السآمة) أي: الملالةُ من الوعظِ. (علينا) أي: لا على النبيِّ ﷺ ، وفي نسخةٍ: "كراهيَّهِ". بياءٍ مشددة، وسأم: يتعدى بمِن، وهي محذوفة هنا أي: السآمة من الوعظ، و (علينا) متعلقٌ بالسآمة بتضمينها معنى المشقةِ أي: صفة لها، أي: كراهة السآمةِ الطارئة علينًا، أو حالٌ منها، أي: كراهةُ السآمة حال كونها طارنةً علينا.

стр. 272

٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا". [٦١٢٥ - مسلم ١٧٣٤ - فتح: ١/ ١٦٣] (يحيى) في نسخةٍ: "يحيى بنُ سعيد". (أبو التياح) بفتح المثناة، وتشديدِ التحتية، وبالحاء المهملةِ. اسمه: يزيد بنُ حميدٍ الضبعيُّ. (يسِّروا) من اليُسر، ضدَّ العسر. (ولا تُعسِّروا) ذكر تأكيدًا، وإلَّا فالأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه؛ ولأنَّه لو اقتصر على اليُسرِ صدق على من أتى به مرَّة، وبالعسرِ: بعض أوقاته، فلمَّا قال: ولا تعسروا انتفى التعسير في كل الأوقات. (وبشِّروا) من البشارةِ: وهي الإخبارُ بالخير ضدُّ النذارة. (ولا تنفروا) قابلَ به بشِّروا مع أنَّ ضدَّ البشارةِ: النذارة؛ لأنَّ القصد من النذارةِ: التنفير فصرَّح بالمقصود منها. ١٢ - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" [انظر: ٦٨ - مسلم ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٣] (باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة) في نسخة: "معلومات" وفي أخرى: "يومًا معلومًا". (عثمان بن أبي شيبة) اسمُ أبي شيبةً: محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي عثمانَ العبسيِّ. (جرير) هو ابن عبد الحميدِ الضبي. (منصور) هو ابن المعتمرِ بنِ عبدِ الله. (عبد الله) هو ابن مسعود.

стр. 273

(رجلٌ) قال شيخنا: يشبه أن يكون يزيد بن معاوية النخعيَّ (١). (لوددتُ) أي: أحببتُ، وهو جوابُ قسمِ محذوفٌ. (أما) بالتخفيفِ: حرفُ تنبيهٍ، أو بمعنا حقًّا. (إنه) بكسر الهمزة: على الأول وبفتحها: على الثاني، والضمير للشان. (أملكم) بضمِّ الهمزة، أي: أوقعكم في الملل. (وإنِّي) بكسر الهمزة، عطف على (إنه) على الأول، واستئنافٌ على الثاني. (علينا) متعلق بمخافة، أو بالسآمة، أو صفة للسآمة، أو جارٌّ منها، كما مرَّ. ١٣ - بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ . ٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاويَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ". [٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠ - مسلم: ١٠٣٧ - فتح: ١/ ١٦٤] (باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه) أي: يُفَهمه، كما مرّ. (في الدين) ساقطٌ من نسخةٍ. (عفير) بضمِّ المهملة وفتح الفاءِ وسكون التحتية. (ابن وهب) بسكون الهاء، اسمه: عبد الله بن وهب [بن مسلم القرشي] (٢). (عن يونس) أي: ابن يزيد الأيليِّ. (معاوية) أي: ابن أبي سفيان صخر بن حرب. (خطيبًا) حال من معاوية. (النبيُّ) في نسخة: "رسولُ الله". (يرد الله) بضمِّ التحتية مِنَ الإرادةِ، وهو تخصيص أحد طرفي الجائز بالوقوع.

стр. 274

(خيرًا) أي: منفعة ونكره للتعميم؛ لأنه في سياق الشرط أو للتعظيم لاقتضاءِ المقامِ إيَّاه. (وإنما أنا قاسم) الواو للحال من فاعل (يفقهه) أو من مفعوله. أي: وأنا أقسم بينكم بتبليغ الوحي من غير تخصيص. (والله يُعطي) أي: كلَّ واحدٍ منكم منَ الفهم على قدرِ ما تعلقتْ به إرادتُه تعالى فالتفاوت في أفهامكم منه تَعالَى، وتقديم المسند إليه فيما ذكرة للتقوية، أو للاختصاص، أي: الله يعطي لا غيره، والجملة حال، أي: إنما أنا قاسم، في حال إعطاء الله تعالى لا في حالٍ غيره، والحصر في كونه ﷺ قاسمًا: ليس حقيقيًّا إذ له صفات أخر، بل هو إما ردٌّ على من اعتقد أنه يعطي ويقسم، فهو قصر إفراد، أو يعطي ولا يقسم، فقصر قلب. (ولن تزال) فعلٌ ناقصٌ ملازم للنفي، بخلاف زال يزول أي: ذهب، وبخلاف زال يزيل أي: ميز. (على أمرِ الله) أي: على الدين الحق. (حتَّى يأتيَ أمرُ الله) أي: القيامة، إذ لا تكاليف فيها، فالمراد من الدين الحق: التكاليف، أو هو باق على معناه، والغاية لتأكيد التأييد على حدِّ قوله تعالى ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨]. أو هي غاية لقوله: (لا يضرهم) ويكون المعنى حتَّى يأتيَ بلاء الله. (فيضرهم) فسقط ما قيل: إنه يلزم من الحديث أن تكون الأمة يوم القيامة على غير الحقِّ؛ لأن ما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها. وفي الحديث: حجة الإجماع، وفضل العلماء على سائر الناس، وفضل الفقه في الدين على سائر العلوم. وأن هذه الأمة آخر الأمم. وأن عليها تقوم الساعة، وخبر: "لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد الله

стр. 275

الله" (١)، وخبر: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" (٢) فجوابها: أن العموم فيهما أريد به خصوص، من حيث إن أهل الحق منحازون عن غيرهم، أو المعنى: لا تقوم على أحد يوحد الله تعالى إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق، ولا تقوم إلا على شرار الناس. والمراد كما قال النوويُّ بأمرِ الله: الريح اللينة التي تأتي قرب القيامة فتأخذ روح كلِّ مؤمن ومؤمنة، والخبران المتقدمان على ظاهرهما. ١٤ - بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ . ٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ"، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ". [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فقح: ١/ ١٦٥] (باب: الفهم في العلم) الفهم: جودة الذهن، والذهن: قوة يتصور بها الصور والمعاني. والعلم: إدراك الشيءِ، فظرفيته للفهم صحيحة؛ لتغايرهما، وفسر الجوهريُّ الفهم: بالعلم (٣) فلزم ظرفية الشيءِ لنفسه، وأجيب عنه: بأن العلم بمعنى المعلوم. (عليّ) هو ابن عبد الله، أي: المدينيّ، وسقط من نسخة: (هو ابن عبد الله). (ابن أبي نجيح) اسمه: عبد الله، واسم أبي نجيح:

стр. 276

يسار. (مجاهد) أي: ابن جبر، وقيل: ابن جبير، بالتصغير. (إلا المدينة) أي: النبوية. (إلا حديثًا واحدً) هو الحديث الذي ذكره عقبة، وإن اقتصر على الواحدة لعدم نشاطه؛ ولعدم سؤاله، وقيل؛ لأنه كان مستوفيًا للحديث. ورُدَّ بأنه كان من المكثرين. (فأُتِيَ) بضم الهمزة. (بجُمَّار) بضم الجيم وتشديد الميم قلب النخلة وشحمتها. (مثلها كمثل المسلم) بفتح الميم والمثلثة فيهما على المشهور، أي: صفتها العجيبة، كصفة المسلم كما مرَّ، مع زيادة في باب: قول المحدث: حدثنا، وأخبرنا (١). (أن أقولَ) أي: في جواب ذلك. (فسكتُ) بضم التاء، أي: حياءً وتعظيمًا للأكابر. (قالَ النبيُّ) في نسخةٍ: "فقال النبيُّ". ووجه مناسبة الحديث للترجمة: أن ابن عمرَ لمَّا ذكر النبيُّ ﷺ المسألة عند إحضار الجمَّار إليه، فهم أن المسئول عنه النخلة؛ بقرينة الإتيان بجُمَّارها. ١٥ - بَابُ الاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ . وَقَالَ عُمَرُ: "تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا". ٧٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا حَسَدَ إلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا". [١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦ - مسلم ٨١٦ - فتح: ١/ ١٦٥]

стр. 277

(باب: الاغتباط في العلم والحكمة) الاغتباط: افتعالٌ من الغبطة: وهي تمني مثل ما للمغبوط، من غير زوال عنه [بخلاف الحسد فإنه مع تمني الزوال عنه] (١) والحكمة: معرفة الشيء على ما هو عليه، فهو بمعنى: العلم، وعطفه عليه عطف تفسير، إلا أن يفسر أحدهما بما يشملُ الظنَّ، فيكون من عطف العام على الخاص، أو عكسه. (تفقهوا) أي: "تفهموا" كما في نسخة. (قبل أن تسودوا) بضم الفوقية وتشديد الواو المفتوحة، أي: تصيروا سادة فتمنعكم الأنفة من الأخذ عن غيركم فتبقوا جهالًا، وفي نسخة: عقب (تسودوا). "وقال أبو عبد الله" وبعد أن تسودوا: "وقد تعلم أصحاب رسول الله ﷺ في كبر سنهم". (لا حسد) أي: جائز. (إلا في اثنتين) بتاء التأنيث أي: خصلتين. (رجل) بالجرِّ: بدل من اثنتين على حذف مضاف أي: خصلة رجلٍ، وبالنصب بأعني، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف. (فسلط) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "فسلطة" بالبناء للفاعل. (على هلكته) بفتح اللام، أي: هلاكه. (في الحق) أي: لا في التبذير، ووجوه المكاره. (أتاه الله الحكمة) أي: القرآن، أو كلُّ ما منع من الجهل والبقبيح، والاستثناءُ منقطع؛ لأن المستثنى في الحقيقة غبطةٌ، والمستثنى منه حسد، فإن حمل الحسد على الغبطة كان الاستثناء متصلًا، لكن يلزم عليه أن الغبطة حرام في غير المستثنى، وهو باطل، وإنما نكَّر مالًا وعرَّف الحكمة؛ لأن المراد بها: معهود، وهو ما جاء به الشرع.

стр. 278

وفي الحديث: الترغيب في التصدق، وتعلم العلم، وأن الغنيَّ إذا قام بشروط المال، وفعل فيه ما يرضي ربه كان أفضل من الفقير العاجز عن ذلك. ١٦ - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) [الكهف: ٦٦]. [فتح: ١/ ١٦٧] (باب: ما ذكر في ذهاب موسى) أي: ابن عمران. (في البحر إلى الخضرِ) هو بفتح الخاءِ وكسر الضاد المعجمتين أشهر من فتحها، أو كسرها مع سكون الضاد فيهما، لقب له لُقِّبَ به، كما سيأتي في كتاب الأنبياء، أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هيَ تهتزُّ من خلفه خضراء (١)، والفروة: وجه الأرض، وقيل: نباتٌ مجتمع يابس، وكنيته: أبو العباس، واختلف في اسمه، فقيل: بليا بفتح الموحدة وسكون اللام، وبتحتية، وهو ما اقتصر النوويُّ على نقله، وقيل: إبليا، وقيل: خضرون، وقيل: أحمد، وقيل: عامر، وقيل: إرثا، وقيل: غير ذلك. واختلف فيه، أهو نبيٌّ؟ أو رسولٌ أو وليٌّ أو ملكٌ؟ والصحيح: أنه نبيٌّ، واختلفَ في حياته، والجمهور: على أنه حيُّ إلى يوم القيامة، لشربه من ماءِ الحياة، واختلف في اسم أبيه، فقيل: ملكانُ بفتح الميم وسكون اللام وبالكاف، وقيل: فرعونٌ صاحب موسى، وقيل: مالكٌ أخو إلياس، وقيل: بعضُ من آمن بإبراهيم، وقيل: آدم: عيصو، وقيل: فارس

стр. 279

٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ" [٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ١٦٨] (حدثني) وفي نسخةٍ: "حدثنا". (غُريرٍ الزهري) بضم المعجمة، وبرائين مهملتين، أي: ابن الوليد القرشيُّ. (يعقوبُ بنُ إبراهيم) أي: ابن سعد القرشيُّ. (قال: حدثني) في نسخةٍ: "قال: حدثنا". (حدَّث) في نسخة: "حدَّثه". (تمارى) أي: تنازعا. (والحُرُّ) بضم الحاءِ، وتشديد الراءِ. (الفزاري) نسبةً إلى فزارة بن شيبان. (أُبَيُّ بنُ كعبِ) أي: ابن منذرٍ الأنصاريُّ. (فدعاه) أي: ناداه. (سمعتَ رسولَ الله) في نسخة: "سمعتَ النبيَّ" (في ملإِ) بالقصر أي: جماعة، أو أشراف. (بني إسرائيل) أي:

стр. 280

يعقوب، فإسرائيل: لقبُ يعقوبَ، وبنوه اثنى عشر وهم الأسباط، وسمُّوا به؛ لأنَّ كلًّا منهم ولد قبيلةً، وجميعُ بني إسرائيلَ من هؤلاء المذكورين. (قال موسى) في نسخة: "فقال موسى". (لا) أي: لا أعلم أحدًا أعلمُ مني، وفيه: زيادةٌ تأتي في التفسيرِ (١). (فأوحى الله) زاد في نسخةٍ: " ". (بلى) في نسخةٍ: "بل". (عبدنا) الأصلُ فيه: أنْ يقالَ عبدُ الله، لكن هذا على سبيل الحكاية عن قوله الله تعالى. (خضر) في نسخة: "الخضر"، والمعنى: بلى عبدنا خضرٌ أعلمُ منك بما أعلمته من الغيوب، وحوادثِ القدرةِ مما لا يعلمُ الأنبياءُ منه، إلَّا ما أُعلموا به، وإلَّا فلا ريب أن موسى لله أعلمُ بوظائفِ النبوةِ، وأمورِ الشريعة، وسياسةُ الأمةِ. (آية) أي: علامة لمكانِ الخضرِ، ولقيه حيث قال له الله تعالى: اطلبه على ساحلِ البحرِ عند الصخرة، قال: كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل فحيث فقدتَه فهو هناك، فقيل: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: (إذا فقدت الحوت) فأخبرني، فاضطرب الحوتُ، فوقع في البحر، وقيل: نزلَ على شاطئٍ عين من عينِ الحياةِ، فلمَّا أصابَ السمكةَ رَوْحُ الماء وتردده عاشتْ، وقيل: توضأ يوشع من تلك العينِ،

стр. 281

فانتضح الماء على الحوتِ فعاش، ووقع في الماء، وقيل كان الحوتُ مشويًّا، وحياتُه بما ذكر معجزة لموسى، أو الخضرِ ﵉. (وكان) في نسخةٍ: "لكان". (يتبع أثر الحوت) بتشديد الفوقيةِ، أي: ينتظرُ فقدانه. (فقال لموسى فتاه) أي: صاحبُه، وهو يوشعُ بنُ نونٍ، وإنَّما قيل: فتاه؛ لأنَّه كان يخدمه، ويَتَّبِعُه، ويأخذُ العلمَ عنه (أرأيت) أي: تنبَّه. (إلى الصخرةِ) هي التي رقد عندها موسى ﵇ -أو التي دون نهرِ الزيتِ بالمغربِ. (نسيت الحوت) أي: نسيت تفقُّدَ أمرِه مما جعل أمارةً. (أن أذكره) بدل من هاء أنسانيه. (قال ذلك ما كنا نبغي) أي: قال موسى: فقدانُ الحوتِ: البغيةُ. (فارتدَّا) أي: رجعا (على آثارهما) أي: في الطريق الذي جاءا فيه. (قصصًا) أي: يقصَّان قصصًا، أي: يتبعان آثارهما اتباعًا. (الذي قصَّ الله في كتابه) أي: من قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك) [الكهف: ٦٦] ... الخ): ذلك. وفي الحديث: جواز التماري في العلم إذا كان كلٌّ يطلب الحقَّ لا التعنتَ، والرجوعُ إلى قول أهلِ العلمِ عند التنازع، والرغبةُ في المزيد في العلم، والحرصُ عليه، ووجوبُ التواضعِ، فإنه تعالى عاتبه حين لم يردِّ العلَمَ إليه، وأراه من هو أعلم منه، وحمل الزَّادِ، وإعدادُهُ في السفر، وإنَّه لا بأس على العالم أنْ يخدمه المفضولُ. ١٧ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ ". ٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ" [١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠ - مسلم ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ١٦٩]

стр. 282

(باب: قول النبي ﷺ : اللهم علِّمه الكتاب) أي: حفِّظه، أو فهمه، وهاء علمه لابن عباس بقرينةٍ الحديثِ الآتي والسابقِ في الباب قبلَه و (الكتابُ): القرآن. (أبو معمر) اسمه: عبدُ الله بنُ أبي الحجاجِ البصريُّ. (عبد الوارث) أي: ابن سعيدٍ بنِ زكوان التيميُّ. (خالد) هو ابنُ مهران. (عكرمة) هو أبو عبد الله المدني. (ضمني رسولُ الله) في نسخة: "ضمني النبيُّ" أي: ضمني إلى نفسهِ، أو صدرهِ. (علمه الكتاب) أي: القرآن، وعلمه هنا بمعنى: عرِّفه، فلا يتعدى إلا إلى مفعولين، وهما هنا: الضمير والكتابُ، ودعوة النبيُّ ﷺ مستجابة، فقد كان ابن عباس بحر العلم وحبر الأمة. وفي الحديث: جواز الضمِّ، أي: المعانقة، وهي جائزة للطفل وللقادم من سفر ونحوه، بلا كراهة ولغيرهما بها، وهذا كلُّه في غير الأمرد: الحسن الوجه، أمَّا فيه فالظاهر كما قال النوويُّ: إنه حرام، وفيه أيضًا: الحثُّ على تعليم القرآن، والدعاء إلى الله تعالى في ذلك. ورواه البخاريُّ في: فضائل الصحابة بلفظ: "علمه الحكمة" (١)، وفي الوضوءِ: "فقهه في الدين" (٢)، وكلٌّ صحيح، فلقد كان ابن عبَّاس عالمًا بكلٍّ منها.

стр. 283

١٨ - بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ؟ ٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ". [٤١٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢ - مسلم ٥٠٤ - فتح: ١١/ ١٧١] (باب: متى يصح سماعُ الصغير) في نسخةٍ: "الصبيُّ". (إسماعيل) هو ابن أبي أويس. (أتان) بمثناة أي: أنثى الحمير، ولا يقال: أتانة على المشهورِ، بخلاف حمارة، وهو بالجرِّ بدلٌ من حمار، أو وصفٌ على معنى أنثى، وروي بإضافةِ حمار إلا أتان، أي: حمار هذا النوعِ. (ناهزت) أي: قاربت. (الاحتلام) أي: البلوغُ الشرعيُّ، وهو مشتقٌّ من الحلم بضمِّ اللام: وهو ما يراه النائم، واختلف في سنِّ ابن عبَّاسِ عندِ وفاة النبيِّ ﷺ ، فقيلَ: عشر (١)، وقيل: ثلاث عشرة (٢)، وقيل: خمس عشرة (٣). (بمنى) بالصرفِ وعدمهِ، باعتبارِ كونهِ علمَ المكانِ. أو العقبة،

стр. 284

كما جرى عليه النوويُّ (١)، وغيره، واقتصر الجوهريُّ (٢) على الأوَّل، حيث قال: ومنى: موضع بمكة، وهو مذكر يصرف، وسمِّي منى لما يُمنَى به، أي: يراقُ فيه من الدِّماءِ. (إلى غير جدارٍ) يعني: إلى غير سترة، بقرينة السياق؛ لأن ابن عبَّاس أورده في معرض الاستدلال، على أن المرور بين يدي المصلِّي لا يقطع صلاته، وبقرينة خبر البزار: والنبيّ ﷺ يُصَلِّي ليس شيءٌ يستره. (بينَ يدي بعضِ الصفِّ) أي: قدامُه، والصفُّ يحتملُ: الجنس، أي: بعض الصفوفِ، والوحدة أي: بعضُ صفٍّ واحدٍ. (ترتع) أي: تأكل، والجملة: حالٌ من الأتانِ مقدرة؛ لأن الإرسالَ ليسَ حالَ الرتعِ. (ودخلت الصفِّ) في نسخة: "فدخلت في الصفِّ". (ينكر) بفتح الكاف، وأدخل البخاريُّ هذا الحديث في ترجمة سماع الصبيِّ، مع أنه لا سماع فيه، لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة السماع حينئذٍ. وفي الحديث: صحة صلاة الصبيِّ، وأن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، والاحتجاج بعدم إنكار النبيِّ ﷺ على جواز نقل الحديث، والركوب إلا صلاة الجماعة، وأن الإمام يصلِّي إلى غير سترة، وصحة تحمل الصغير، وتأديته بعد البلوغ، وكذا شهادته بما تحمله قبل البلوغ، ويلحق به في ذلك العبد، والفاسق، والكافر.

стр. 285

٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: "عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ". [١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢ - مسلم: ٣٣ سيأتي ٦٥٧ - فتح: ١/ ١٧٢] (حدَّثني محمد) في نسخة: "حدثنا محمد". (أبو مُسْهِرٍ) بوزن مسلم، واسمه: عبد الأعلى بن مسهر الغسَّانيُّ. (حدثني محمد) في نسخةٍ: "حدَّثنا محمدٌ" كنيتُه: أبو عبدِ الله بنُ حَرْبٍ بفتح المهملةِ وسكونِ الراءِ، وبالموحدةِ. (الزبيديُّ) بضمِّ الزايِ وفتحِ الموحدةِ: هوَ أبوُ الهذيلِ محمدُ بن الوليدِ، فالزبيديُّ: لقبُه، وأبو الهذيلِ: كنيتُه، ومحمدٌ: اسمهُ. (محمودِ بنِ الربيعِ) بفتحِ الراءِ وكسرِ الموحدةِ، أي: ابن سراقَة الأنصاريّ. (عَقَلْتُ) بفتح القافِ، أي: عرفتُ أو حفظت. (مجَّها) أي: رمى بها مع نفخٍ. (في وجهي) حال، وضميرُ مجَّها: مفعول مطلق، أو مفعول به. (من دلوٍ) أي: من مائها من بئرٍ كانتْ في دارهم. وفي الحديث: إِباحةُ مجّ الريقِ على الوجهِ لمصلحة، وطهارته، وثبوت الصحبة بذلك، وجواز مداعبة الصغير. ١٩ - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ . وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. ٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا
следующие страницы →