وحذف (في) وفي أخرى: (كتاب الغصب، باب: في المظالم) هي جمع مظلمة بكسر اللام أكثر من فتحها: وهي ما أخذ بغير حق. و (الغصب) الاستيلاء على حق الغير عدوانًا. (وقول الله) بالجرِّ عطف على المظالم. (﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾) أي: يؤخر عذابهم. (﴿مُهْطِعِينَ﴾) أي: مسرعين -كما سيأتي- مع زيادة في كلامه (﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾) أي: رافعيها. (المقنع والمقمح واحد) ساقط من نسخة، والمراد: أن معناهما واحد وهو رفع الرَّأس.
(مديمي النَّظر) في نسخة: "مدمني النَّظر". (﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾) أي: هيبةً وخوفًا. (﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ﴾) أي: قلوبهم (﴿هَوَاءٌ﴾). (يعني جوفًا) بضمِّ الجيم أي: خالية من العقل والى ذلك أشار بقوله: (لا عقول لهم) أي: لفزعهم وشدَّة دهشتهم. (﴿أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾) أي: أخِّر العذاب عنَّا وردَّنا إلى الدُّنيا وأمهلنا إلن زمن قريب؛ لنتدارك ما فاتنا (﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٤]) أي: فيقال لهم توبيخًا: أولم تكونوا حلفتم (﴿مِنْ قَبْلُ﴾) أي: في الدُّنيا (﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾) أي: عن الدُّنيا إلى الآخرة و (من) زائدة. ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] أي: وإن كان مكرهم ليبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال فإنَّ الله لا يعبأ به، والمراد بالجبال: آيات الله وشرائعه؛ لأنها كالجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكنًا، وقيل: جبال الأرض مبالغةً. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ساق الآية كلها، وفي نسخة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧].
стр. 2732
١ - بَابُ قِصَاصِ المَظَالِمِ
(باب: قصاص المظالم) ساقط من نسخة، والمراد: بيان [يوم] (١) قصاص المظالم.
٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَال: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا، وَقَال يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ.
[٦٥٣٥
- فتح ٥/ ٩٦]
(عن قتادة) أي: ابن دعامة. (عن أبي المتوكل) هو علي بن دؤاد (٢). (فيتقاصُّونَ) بصاد مهملة مشددة مضمومة، وفي نسخة: بضاد معجمة مفتوحة (نقوا) بضم النون والقاف المشددة، أي: خلصوا من التبعات، وفي نسخة: "تقصوا" بفتح الفوقية والقاف المهملة والمشددة، أي: أكملوا التقاص (أدلُّ بمنزله). في نسخة: "أدل بمسكنه" وإنما كان أول؛ لأنه عرف مسكنه بعرضه عليه بالغداة والعشي.
(شيبان) أي: ابن عبد الرحمن التيمي. (عن قتادة) أي: ابن دعامة. (أبو المتوكل) هو الناجي.
стр. 2733
٢ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]
(باب: قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾) المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨].
٢٤٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَال: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ المَازِنِيِّ، قَال: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي، مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ، إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَال: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَال: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ".
[٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤ - مسلم: ٢٧٦٨ - فتح ٥/ ٩٦]
(همَّام) أي: ابن يحيى. (أخبرني) في نسخة: "حدَّثني".
(بينما) في نسخة: "بينا". (أنا أمشي مع ابن عمر ﵄ آخذٌ بيده) بمدِّ همزة (آخذ) وبرفعه بدل من (أمشي) لشبهه به؛ لقول النُّحاة: سُمِّي المضارع مضارعًا؛ لشبهه باسم الفاعل في الحركات والسَّكنات. (في النَّجوى) في نسخة: "يقول في النَّجوى" أي: التي تقع بين الله وعبده المؤمن يوم القيامة وهو فضل من الله [حيث] (١) يذكر لعبده معاصيه سرًّا. (يدني المؤمن) أي: يقرِّبه. (كَنَفه) بفتحات، أي: ستره فيحفظه (ويستره) به، أي: عن أهل الموقف؛ ليصونه عن الخزي، والتَّفضيح مستعار من كنف الطائر: وهو جناحه يصون به نفسه ويستر به
стр. 2734
بيضته (إذا) ساقطة من نسخة. (والمنافق) في نسخةٍ: (والمنافقون بالجمع (﴿الْأَشْهَادُ﴾) جمع شاهد وشهيد أي: حاضر من الملائكة والنبيين وسائر الإنس والجن.
وفي الحديث: حُجَّة عل المعتزلة حيث منعوا مغفرة ذنوب غير الكفَّار، وعلى الخوارج حيث كفروا بالمعاصي.
٣ - بَابٌ: لَا يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ
(باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يُسلمُه) بضمِّ الياء وسكون المهملة، وكسر اللَّام، أي: لا يخلله ولا يلقيه إلى هلكة، بل يحميه منها، وذكر المسلم تبع فيه الحديث وهو جريٌ على الغالب إذ مثله الذِّمي والمؤمن.
٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ".
[٦٩٥١ - مسلم: ٢٥٨٠ - فتح ٥/ ٩٧]
(عن عقيل) أي: ابن خالد الأيلي.
(أخو المسلم) أي: في الإسلام. (لا يظلمه ولا يسلمه) كلُّ منهما خبر بمعنى النَّهى. (كربة) بضمِّ الكاف وسكون الرَّاء: هي الغم الذي يأخذ النَّفس. (ومن ستر مسلمًا) إلى آخره محله: في معصية وقعت لا في معصية متلبس بها فاعلها؛ لأن من رآه حينئذٍ يلزمه الإنكار فإن انتهى وإلَّا رفعه إلى الحاكم.
وفي الحديث: الحثُّ على التَّعاون على البرِّ وحسن المعاشرة.
стр. 2735
٤ - بَابٌ: أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
(باب: أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا) المراد بالأخ: الأخ في الإسلام، وذكر الأخ تبع فيه الحديث، وهو جريٌ على الغالب كما مرَّ نظيره (١).
٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، وَحُمَيْدٌ الطَّويلُ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا".
[٢٤٤٤، ٦٩٥٢ - فتح ٥/ ٩٨]
(حدَّثنا عثمان) في نسخة: "حدَّثني عثمان". (هُشيم) أي: ابن بُشير بالتَّصغير. (الطَّويل) ساقط من نسخة.
(سمع) أي: كل منهما، وفي نسخة: "سمعا" (قال رسول الله) في نسخة: "قال النَّبي". (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) سيأتي بيانه في الحديث الآتي.
٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَال: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ".
[انظر: ٢٤٤٣ - فتح ٥/ ٩٨]
(مسدَّد) أي: مسرهد. (معتمر) أي: ابن سليمان بن طرخان. (عن حُميد) أي: الطَّويل.
(قالوا) في نسخة: "قال". (يأخذ فوق يديه) أي: يمنعه من الظُّلم، ولفظ: (فوق) مقحم، أو إشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوَّة.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن النَّصر هو الإعانة. قال ابن بطال: النَّصر عند العرب: الإعانة، وقد فسَّر النَّبي ﷺ أنَّ نصر الظَّالم
стр. 2736
منعه من الظُّلم؛ لأنك إذا تركته على ظلمه أداه ذلك إلى أن يقتصَّ منه فمنعك له من وجود القصاص نصرة له، وهذا من باب الحكم للشيء وتسميته بما يؤول إليه وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة (١).
٥ - بَابُ نَصْرِ المَظْلُومِ
(باب: نصر المظلوم) أي: الأمر به.
٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، قَال: سَمِعْتُ مُعَاويَةَ بْنَ سُوَيْدٍ، سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄، قَال: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ فَذَكَرَ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلامِ، وَنَصْرَ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ المُقْسِمِ؟ [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ٥/ ٩٩]
(شعبة) أي: ابن الحجاج. (المقسم) أي: الحالف، وفي نسخة: "القسم". أي: الحلف، وذكر الحديث هنا مختصرًا، ومرَّ بتمامه في الجنائز (٢).
٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
[انظر: ٤٨١ - مسلم: ٢٥٨٥ - فتح ٥/ ٩٩]
(أبو أسامة) هو حمَّاد بن أسامة. (عن يزيد) أي: ابن عبد الله بن أبي بردة. (عن أبي بردة) هو الحارث، أو عامر. (يشد بعضه بعضًا) بيان لوجه التَّشبيه، وفي نسخة: "يشد بعضهم بعضًا".
(﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ﴾) أي: إلى الدُّنيا (﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾) [الشورى: ٤٤].
أي: من طريق.
٨ - بَابٌ: الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ
(باب: الظُّلم ظُلمات يوم القيامة) بضمِّ لام الظلمات وفتحها وسكونها.
٢٤٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ".
[مسلم: ٢٥٧٩ - فتح ٥/ ١٠٠]
(أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس.
(الظُّلم) أي: في الدُّنيا. (ظلمات يوم القيامة) قيل: لا تعرف هذه الظلمات أهي عمى القلب، أو عمى البصر؟ حتى لا يهتدي سبيلًا، لكن يدل للثاني قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].
٩ - بَابُ الاتِّقَاءِ وَالحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ
(باب: الاتِّقاء والحذر من دعوة المظلوم) الاتقاء: الاجتناب، والحذر: التحرز والخوف وهو بمعنى: التحرز مساوٍ للاتقاء، وبمعنى الخوف لازم له.
٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ المَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَال: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ".
[انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح ٥/ ١٠٠]
стр. 2739
(وكيع) أي: ابن الجراح الرؤاسي. (عن أبي معبد) هو نافذ بنون وفاء ومعجمة، أو مهملة.
(فإنها) أي: دعوة المظلوم، وفي نسخة: "فإنَّه" أي: الشأن. (ليس بينها وبين الله حجاب) كناية عن الاستجابة، ومرَّ شرح الحديث في باب: أخذ الصَّدقة من الأغنياء (١).
١٠ - بَابُ مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ ؟
(باب: من كانت له مظلمة) بكسر اللَّام أشهر من فتحها وضمِّها. (عند الرَّجل) في نسخة: "عند رجل". (فحللها له) أي: حلله منها بأن قال: جعلتك في حلٍّ منها بمعنى: أبرأتك منها. (هل يبيِّن مظلمته) أي: هل يحتاج إلى بيانها؛ ليصح تحلله منها أو لا؟ مشهور من مذهب الشَّافعي احتياجه إلى ذلك.
٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ"، قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "قَال إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيَّ لِأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ"، قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "وَسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ: هُوَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ".
[٦٥٣٤ - فتح ٥/ ١٠١]
(ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرَّحمن.
(لأحد) في نسخة: "لأخيه". (عرضه) بكسر أوله موضع الذَّم
стр. 2740
والمدح منه. (أو شيء) أي: مما يتعلق به، كقريبه وزوجته ومملوكه. (فليتحلله منه) أي: يسأله أن يجعله في حلٍّ منه بمعنى أن يبرئه منه.
(إن كان له عمل). إلى آخره مرتب على مقدَّر، وهو فإذا لم يكن ثمّ دينار ولا درهم فماذا يؤخذ منه بدل مظلمته. (فحمل عليه) أي: على الظَّالم ما أخذ من سيئات صاحبه؛ ليعاقب به ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأنَّه إنما عوقب بسبب ظلمه، فلَّما فرغت حسناته أخذت من سيئات خصمه فوضعت عليه. (قال أبو عبد الله: قال إسماعيل) إلى آخره ساقط من نسخة (١).
стр. 2741
١١ - بَابُ إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ
(باب: إذا حلَّلَه من ظلمه فلا رجوع فيه) أي: في تحلله.
٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالتْ: "الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ".
[٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦ - مسلم: ٣٠٢١ - فتح ٥/ ١٠٢]
(محمد) أي: ابن مقاتل. (عبد الله) أي: ابن المبارك.
(عن عائشة ﵂ في هذه الآية) لفظ: (في هذه الآية) ساقط من نسخة. (ليس بمستكثر منها) أي: ليس بطالب كثرة صحبتها إمَّا؛ لكبرها، أو لسوء خلقها، أو لغير ذلك.
ومطابقة الحديث للترجمة: في قولك أجعلك من شأني في حلٍّ؛ لأنَّه إذا نفذ الإسقاط في الحقِّ المتوقع المذكور في الحديث فنفوذه في الحقِّ المتحقق المذكور في التَّرجمة أولى.
стр. 2742
١٢ - بَابُ إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ
(باب: إذا أذن له) أي: شخص لآخر في استيفاء حقِّه. (أو أحلَّه) في نسخة: "أو أحلَّه له". (ولم يبيِّن كم هو) أي: مقدار المأذون في استيفائه أو المحلل منه.
٢٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَال لِلْغُلامِ: "أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟ "، فَقَال الغُلامُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَال: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ.
[انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح ٥/ ١٠٢]
(أن رسول الله) في نسخة: "أنَّ النَّبي". (بشراب) أي: لبن خلط بماء. (غلام) هو ابن عبَّاس. (فتلَّه) أي: دفعه بقوَّة. قيل: ومطابقته للترجمة: تؤخذ من معنى الحديث؛ لأنَّ الغلام لو أذن للنَّبي ﷺ في دفع الشراب إلى الأشياخ لكان مقدار التَّحلل والشرب غير معلوم، ومرَّ الحديث في أوائل كتاب: الشُّرب (١).
١٣ - بَابُ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ
(باب: إثم من ظلمَ شيئًا من الأرض) ذكر (الأرض) تبع فيه الحديث ولا يختص الحكم بها، لكن خصَّها بالذِّكر إشارة إلى رد قول من قال: إن الغصب لا يتحقق فيها؛ لعدم نقلها.
٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ
стр. 2743
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ﵁، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
[٣١٩٨ - مسلم: ١٦١٠ - فتح ٥/ ١٠٣]
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (طوّقه) بالبناء للمفعول. (من سبع أرضين) بفتح الرَّاء وقد تسكَّن، ولتطويقه معنيان أحدهما: أن يكلَّف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى الحشر -كما في حديث الطبراني وغيره (١) ثانيهما: أن يخسف به الأرض المغصوبة -كما في الحديث الآتي- فيصير في عنقه، كالطوق ويطول عنقه حتى يسع ذلك، كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه (٢).
وفي الحديث: أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى سبع أرضين (٣).
٢٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ، كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 2744
أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَالتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
[٣١٩٥ - مسلم: ١٦١٢ - فتح ٥/ ١٠٣]
(أبو معمر) هو عبد الله بن عمرو بن الحجاج. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد. (حسين) هو المعلِّم. (أن أبا سلمة) هو عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف.
(فذكرت) أي: ذلك. (قيد شبر) بكسر القاف، أي: قدره (١).
٢٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ".
[٣١٩٦ - فتح ٥/ ١٠٣]
(عبد الله) أي: (ابن المبارك). (قال أبو عبد الله) إلى آخره ساقط من نسخة، وحاصله: أنَّ البخاري أراد أنَّ ابن المبارك صنَّف كتبه بخراسان وحدَّث بها ثم حمَّلها عنه أهلها إلَّا هذا الحديث فإنَّه أملاه عليهم بالبصرة، وقوله: (في كتاب ابن المبارك) في نسخة: "في كتب ابن المبارك". وقوله: (أملاه) أي: الحديث. وفي نسخة: "إنَّما أملى".
стр. 2745
١٤ - بَابُ إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لِآخَرَ شَيْئًا جَازَ
(باب: إذا أذن إنسان لآخر شيئًا) أي: في شيء. (جاز) أي: إذنه.
٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ، كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ فَأَصَابَنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إلا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ".
[٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح ٥/ ١٠٦]
(شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن جبلة) أي: ابن سحيم.
(سنَةٌ) أي: غلاءً وجدبًا. (يرزقنا) أي: يطعمنا. (نهى عن الإقران) بكسر الهمزة وصوابه: القرآن، كما قاله القاضي عياض (١) وهو أن يقرن تمرة بتمرة عند الأكل؛ لأنَّ فيه إجحافًا برفيقه، والنَّهي للتنزيه إلَّا أنَّ يكون شركة بينهم، وأمَّا خبر الطبراني: "كنت نهيتكم عن الإقران في التَّمر فأقرنوا، فإنَّ الله قد وسَّع عليكم" (٢). ففي سنده: اضطراب وإن صحَّ فهو محمول على بيان الجواز، وهو لا ينافي كراهة التنزيه، وقيل: إنَّه ناسخ لها.
٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ، كَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ، فَقَال لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ، فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا، أَتَأْذَنُ لَهُ؟ "، قَال: نَعَمْ.
[٢٠٨١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح ٥/ ١٠٦]
(أبو النُّعمان) هو محمد بن الفضل السّدوسي. (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة. (قد اتبعنا) بتشديد التَّاء، وفي نسخة: "تبعنا" ومرَّ شرح
стр. 2746
الحديث في باب: ما قيل في اللحام والجزار من كتاب: البيوع (١).
١٥ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]
(باب: قول الله تعال: (﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾) أي: الجدال والألد: أشد الجدال إن جعل للتفضيل، وشديد الجدال إن جعل لغير التفضيل بل بمعنى: فاعل والإضافة بمعنى في، وجعل الخصام ألد مبالغة فهو مصدر خاصم، وقال الزجاج: أنَّه جمع خصم كصعب وصعاب.
٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ".
[٤٥٢٣، ٧١٨٨ - مسلم: ٢٦٦٨ - فتح ٥/ ١٠٦]
(أبو عاصم) هو النبيل الضحاك. (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز. (ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة: زهير.
(الخصم) بفتح الخاء وكسر الضَّاد، أي: المولع بالخصومة الماهر فيها، فإن قلت: الأبغض هو الكافر، قلت: الَّلام في الرجال للعهد، فالمراد بالألد: الأخنس بن شريق الثَّقفي الذي نزلت فيه الآية وهو منافق (٢)، أو للجنس فالمراد به: الألد في الباطل المستحلّ له، أو هو تغليظ في الزجر.
стр. 2747
١٦ - بَابُ إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ
(باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه) أي: يعلم بطلانه.
٢٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ ﵂، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَال: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا".
[٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥ - مسلم: ١٧١٣ - فتح ٥/ ١٠٧]
(عن صالح) أي: ابن كيسان.
(إنَّما أنا بشر) أي: لا أعلم الغيب وبواطن الأمور، كما تقتضيه الحالة البشرية، بل أحكم بالظاهر، والله يتولى السَّرائر ولو شاء الله لأطلعه على بواطن الأمور حتى يحكم باليقين، لكن لمَّا أمر الله أمته بالاقتداء به أجرى أحكامه على الظَّاهر لتطيب نفوسهم للانقياد. (فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض) أي: أحسن إيراد للكلام، وهو كاذب.
(فأحسب) بفتح السين وكسرها وبالنَّصب عطف على (يكون) وبالرفع خبر مبتدإِ محذوف، أي: فأنا (بحق مسلم) ذكر المسلم جريٌ على الغالب إذ مثله الذِّمي والمؤمن. (فإنَّما هي) أي: القصة. (قطعة من النَّار) أي: مآلها إلى النَّار. (فليأخذها أو فليتركها). في نسخة: (أو ليتركها) بحذف الفاء، قال النووي: ليس معناه التخيير بل هو للتهديد والوعيد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وكقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] (١).
стр. 2748
وفي الحديث: أنَّ الحاكم يحكم بما ثبت عنده. وإنَّه ليس كل مجتهد مصيبًا.
١٧ - بَابٌ: إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ
(باب: إذا) أي: بيان إثم من إذا (خاصم فجر) أي: عدل عن طريق الحق.
٢٤٥٩ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا - أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ - حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ".
[انظر: ٣٤ - مسلم: ٥٨ - فتح ٥/ ١٠٧]
(محمد) أي: "ابن جعفر" كما في نسخة. (عن شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن سليمان) أي: ابن مهران.
(أربع) أي: أربع خصال. (من كنَّ فيه كان منافقًا) أي: نفاق عمل لا نفاق إيمان. (من أربعة) في نسخة: "من أربع". (إذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر) (١) أي: نقض العهد، وزاد في كتاب الإيمان: "وإذا ائتمن خان" (٢)، لكنه حذف: (وإذا وعد أخلف)؛ لأن المحذوف في الموضعين داخل تحت المذكور فيهما فحصل من ذلك خمس، وفي رواية ثَمَّ أيضًا: "آية المنافق ثلاث إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" (٣) وسبق توجيه الاقتصار على الثَّلاث في باب: علامة
стр. 2749
المنافق من كتاب: الإيمان.
وقال الكرماني: الحق أنها خمسة؛ لتغايرها عرفًا وصفة، ووجه الحصر فيها: أنَّ إظهار خلاف الباطن إمَّا في الماليات: وهو إذا اؤتمن خان، أو في غيرها فهو إما في حالة الكدورة: وهو إذا خاصم فجر، أو في حالة الصفاء فهو إما مؤكَّد باليمين: وهو إذا عاهد غدر، أولًا فهو إمَّا بالنظر إلى المستقبل: وهو إذا وعد أخلف، وبالنظر إلى الحال: وهو إذا حدث كذب (١) ومرَّ أستيفاء شرحِ الحديث في باب: علامة المنافق.
١٨ - بَابُ قِصَاصِ المَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَال ظَالِمِهِ
وَقَال ابْنُ سِيرِينَ: "يُقَاصُّهُ، وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
(باب: قصاص المظلوم) أي: بأخذ ماله. إذا وجد مال ظالمه هل يأخذ منه بقدر ما أخذ منه ولو بغير حكم حاكم أو لا؟ فيه خلاف، المشهور عند الشَّافعيَّة: أن له ذلك بشروط مذكورة في كتب الفقه. (يُقاصُّه) بتشديد الصَّاد أي: يأخذ مثل ماله.
٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالنَا؟ فَقَال: "لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ".
[انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح ٥/ ١٠٧]
стр. 2750
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة.
(مسيك) بكسر الميم وتشديد المهملة على المشهور عند المحدثين وبالفتح والتخفيف في كتب اللّغة أي: بخيل شديد المسك لما في يده. (من حرج) أي: إثم. (أن أطعم) بضم الهمزة وكسر العين.
وفي الحديث: وجوب نفقة الأولاد وأنها مقدَّرة بالكفاية، وجواز سماع كلام الأجنبيَّة، وذكر الإنسان بما يكره للحاجة، وأن للمرأة مدخلًا في كفالة أولادها، وجواز خروج المرأة من بيتها بغير إذن زوجها للحاجة، ومرَّ الحديث مرارًا (١).
٢٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَال: قُلْنَا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَال لَنَا: "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ".
[٦١٣٧ - مسلم: ١٧٢٧ - فتح ٥/ ١٠٧]
(يزيد) أي: ابن أبي حبيب. (عن أبي الخير) هو مرثد بن عبد الله اليزني.
(لا يقرونا) بفتح أوَّله وحذف نون الجمع، وفي نسخةٍ: "لا يقروننا" بإثباتها على الأصل، أي: لا يضيفوننا (فخذوا منهم) في نسخةٍ: "فخذوا منه" أي: من مالهم. (حق الضيف) ظاهره: الوجوب بحيث لو امتنعوا من فعله أخذ منهم قهرًا وحكى القول به عن اللَّيث مطلقًا، وعن أحمد في حقِّ أهل البادية، ومذهب الشَّافعي وكثير: أن ذلك سُنَّة مؤكَّدة، وأجابوا عن الحديث: بحمله على أخذ المضطرين أخذ ضمان، أو كان القوم من أهل الجزية، وشرط عليهم ضيافة
стр. 2751
الضيف، أو كان ذلك في أوَّل الإسلام ثم نسخ لخبر: "جائزته يوم وليلة" (١) والجائزة مواساة وتفضل لا واجبة.
١٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ
وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
[انظر: ٢٢٥٦]
(باب: ما جاء في السَّقائف) جمع سقيفة: وهي المكان المظلل، كالصفة والساباط والحوانيت بجانب الدَّار، وأشار بالترجمة وحديثها إلى أن الجلوس في الأمكنة المقصود منها عموم النَّفع جائز، وأن اتخاذ صاحب الدَّار ساباطًا أو مستظلًا جائز إذا لم يضر المارَّة. (في سقيفة بني ساعدة) نسبت إليهم؛ لأنَّهم كانوا يجتمعون فيها، أو لأنهم بنوها.
٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ عُمَرَ ﵃، قَال حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ : "إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ".
[٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣ - مسلم: ١٦٩١ - فتح ٥/ ١٠٩]
(ابن وهب) هو عبد الله المصري. (وأخبرني يونس) أي: ابن يزيد الأيلي.
(انطلق بنا) أي: إلى إخواننا من الأنصار.
стр. 2752
٢٠ - بَابٌ: لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ
(باب: لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً) بالإفراد، وفي نسخةٍ: "خشبه" بالجمع والإضافة. (في جداره) متعلِّق بيغرز. (لا يمنع) بالجزم على أن (لا) ناهية، وبالرَّفع على أنها نافية والخبر بمعنى النَّهي.
٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ".
[٥٦٢٧، ٥٦٢٨ - مسلم: ١٦٠٩ - فتح ٥/ ١١٠]
(جاره) أي: الملاصق له (خشبة) بالإفراد والجمع كما مرَّ. (في جداره) احتج به للقول بأن الجار لا منع جاره من وضع خشبة على جداره؛ لحاجته لذلك، والمشهور عند الشَّافعي وأصحابه: أنَّه يمنعه؛ لخبر ابن حبَّان، والحاكم في صحيحيهما: "لا يحل مال امرئ مسلم بغير طيب نفس منه" (١) وأجابوا: بأن ما هنا محمول على النَّدب، وبأنَّ الضَّمير في (جداره) لجاره. (لقربه) أي: لا يمنعه أن يضع خشبه على جدار نفسه وإن تضرر هو به من جهة منع الضوء والهواء ورؤية الأماكن المستطرقة ونحوها. (عنها) أي: عن هذه المقالة، أو السنة. (بها) أي: بالسنة. (بين أكتافكم) بفوقية، وفي رواية: "بين أكنافكم" بنون (٢): جمع
стр. 2753
"كنف" بفتح النُّون، وهو الجانب والمعنى: لأصرخنَّ بها بينكم وأوجعنكم بالتقريع، كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه أو جانبيه.
٢١ - بَابُ صَبِّ الخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ
(باب: صبّ الخمر في الطَّريق) في نسخة: "في الطُّرق".
٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: "أَلا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ" قَال: فَقَال لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَال بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
[٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣ - مسلم:. ١٩٨٠ - فتح ٥/ ١١٢]
(حدَّثنا محمد) في نسخة: "حدَّثني محمد". (عفَّان) أي: ابن مسلم الصفار، وهو من شيوخ البخاري، روى عنه في الجنائز بغير واسطة وهنا بها. (ثابت) أي: ابن أسلم البناني. (الفضيخ) بفتح الفاء وخفة المعجمة وخاء معجمة: شرابٌ يتَّخذ من البسر من غير أن تَمسَّه النَّار. (في سكك المدينة) بكسر السِّين أي: طرقها وأزقتها. (فأهرقها) بقطع الهمزة وبوصلها أي: صبها. (فهرقتها) بفتح الرَّاء وأصله: أرقتها أبدلت الهمزةُ هاءً، وقد يجتمعان -كما مرَّ- وهو نادر. (فجرت في سكك المدينة). إنَّما صبت في السكك وإن آذت المار فيها؛ للإعلان برفضها، وليشتهر تركها وذلك مصلحة عامة راجحة على مصلحة عدم التأذِّي بصبها، وقيل: كان ذلك أوَّل الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، فأما الآن فلا ينبغي صبُّ النَّجاسات في الطرق؛ لئلا
[أي:] (١) من البراز، (قال) أي: "الله " كما في نسخة.
(﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾) زاد في نسخة: " ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (واعجبي لك) بياء بعد الموحَّدة وفي نسخة: "واعجبًا" بالتنوين نحو: يا رجلًا، وفي أخرى: "واعجبا" بلا تنوين نحو: وازيدا. قال الكرماني: كأنَّه يندب على التَّعجب، وهو إمَّا تعجب من جهله بذلك وهو كان مشهورًا بينهم بعلم التَّفسير، أو من حرصه على سؤاله عمَّا لا يتنبّه له إلَّا الحريص على العلم من تفسير ما لا حكم فيه من القرآن. قال ابن مالك: (وا) في "واعجبا" اسم فعل إذ نون "عجبًا" بمعنى: أعجب، ومثله: وي، وجيء بعده بقوله: عجبًا توكيدًا، وإذا لم ينون فالأصل فيه: واعجبي فأبدلت الياء ألفًا، وفيه: شاهد على استعمال (وا) في غير الندبة، كما هو رأي المبرّد (٢)، وقال في "الكشَّاف ": قاله تعجبًا كأنَّه [كره ما] (٣) سأله عنه. انتهى كلام الكرماني (٤). (كنت وجار) بالرَّفع عطف على الضَّمير المتَّصل في (كنت) بلا فاصل على مذهب الكوفيين واسم الجار: أوس بن خولى بن عبيد الله بن الحارث، وقيل: عتبان بن مالك بن عمرو العجلاني الخزرجي. (وهي) أي: أمكنتهم عوالي المدينة، أي: قراها التي حولها. (إذا هم) في نسخة: "إذ هم" وكلاهما للمفاجأة. (من أدب نساء الأنصار) بدال مهملة أي: من سيرتهن
стр. 2762
وطريقتهنَّ. (فصحت على امرأتي) أي: رفعت صوتي عليها. (فراجعتني) أي: ردَّت علي الجواب. (حتى اللَّيل) بالجرَّ. (فأفزعني) أي: كلامها، وفي نسخة: "فأفزعتني" أي: هي. (خابت) في نسخة: "خاب" وفي أخرى: "جات" بالجيم. (بعظيم) متعلَّق بالفعل المذكور أي: بسبب أمر عظيم، وفي نسخة: "لعظيم" بلام مكسورة بدل الباء أي: لأجله ومن فتحها ورفع ثالثها قدّر قبلها: (أنه).
(ثم جمعت على ثيابي) أي: لبست جميعها (فقلت: خابت وخسرت) أي: من غاضبته. (فتهلكين) بكسر اللَّام وإثبات النون بتقدير: فأنت تهلكين وإلَّا فالقياس: فتهلكي بحذفها. (لا تستكثري على رسول الله) أي: لا تطلبي منه الكثير (وأسأليني) في نسخة: "وسليني" بفتح السين وحذف الهمزة بعدها. (أن كانت) بالفتح مصدرية (جارتك) أي: ضرّتك. (أوضأ) أي: أجمل وهو و (أحبّ) مرفوعان خبران لـ (هي) وفي نسخة: بنصبهما على الخبرية لـ (كان) وهي ضمير الفصل. (تحدَّثنا) في نسخة: "حدثنا". (غسان) قوم من قحطان نزلوا بماءٍ من جهة الشَّام يُسمى غسَّان فنسبوا إليه. (تنعل النِّعال) بضم الفوقية [أي: تنعل الدَّواب النَّعال] (١)، وفي نسخة: "تنتعل" بفوقيتين مفتوحتين بينهما نون. (أنائم هو؟) في نسخة: "أثمّ هو؟ " أي: أهو في البيت. (ففزِعت) بكسر الزَّاي، أي: خفت؛ لأجل شدَّة الضرب. (طلّق رسول الله) إلى آخره جزم به بحسب ما سمعه ممن أشاعه وإن كان وهمًا. (يوشك أن يكون) أي: يقرب كونه أي: وجوده؛ لأنَّ المراجعة قد تفضي إلا الغضب المفضي إلى الفُرقة. (مشرُبة) بضم الرَّاء وقد تفتح
стр. 2763
أي: غرفةٌ. (لغلام) اسمه: رباح بموحَّدة. (له) ساقط من نسخة [(فصمت) بفتح الميم أي: سكت. (فجئت) زاد في نسخة:] (١) "فقلت للغلام". (على رمال حصير) بكسر الرَّاء والإضافة أي: على ما رمل، أي: نسج من حصير. (من أدم) بفتح الهمزة والدَّال أي: جلد مدبوغ. (أستأنس) أي: أتبصر أن أقول قولًا أطيب به قلبه وأسكِّن به غضبه. (فذكره) أي: ما ذكر من القصَّة. (فتبسَّم النَّبي) في نسخة: "فتبسّم رسول الله".
(أوضأ منك وأحبُّ) برفعهما وفي نسخة: بنصبهما -كما مر- بتوجيههما. (غير أهبة) بفتح الهمزة والهاء جمع أهاب: وهو الجلد قبل أن يدبغ. (ادع الله فليوسع) تقديره كما قال الكرماني: أدع الله ليوسع فليوسع كرر لفظ الأمر الذي بمعنى الدُّعاء؛ للتوكيد (٢). (أو في شك أنت) بفتح الهمزة وواو العطف على مقدَّر للإنكار التوبيخي أي: أنا كما رأيت وأنت في شك في أنَّ التوسع في الآخرة خيرٌ من التوسع في الدُّنيا. (استغفر لي) أي: عن جراءتي بهذا القول بحضرتك، أو عن اعتقادي أنَّ التجملات الدُّنيوية مرغوب فيها (من أجل ذلك الحديث) أي: أن اعتزاله إنَّما كان؛ لإفشاء ذلك الحديث وهو أنَّه ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك فقال لها النَّبي ﷺ اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي ففشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النَّبي ﷺ أنَّه لا يقربها شهرًا وهو معنى قوله: (ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدّة مَوجِدته) بفتح الميم وكسر الجيم
стр. 2764
مصدر ميمي أي: غضبه. (حين) في نسخة: "حتى". (عاتبه الله) أي: بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] ومما ذكر علم أنَّ الذي حرَّمه ﷺ [على نفسه] (١) هو مارية، وفي خبر "الصَّحيحين": أنَّه العسل -كما سيأتي (٢) مع زيادة في تفسير سورة التحريم- فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشيئين معًا. (لتسع وعشرين) في نسخة: "بتسعٍ وعشرين" بالباء بدل اللَّام (وكان ذلك الشَّهر تسع وعشرون) في نسخة: "تسعًا وعشرين" فالأولى على أن كان تامة، والثَّانية على أنها ناقصة. (فقال) في نسخة: "قال". (ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك) أي: لا بأس عليك في عدم التَّعجيل [أو (لا) الثانية زائدة، أي: ليس عليك التعجيل] (٣) والاستئمار (بفراقه) في نسخة: "بفراقك" (إلى قوله عظيمًا). لفظ: (قوله) ساقط من نسخة. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (فدخل مشربة له).
وفي الحديث: أنَّ تخيير النِّساء المذكور في الآية ليس طلاقًا، والحرص على التعلم، وخدمة العالم، والكلام في العلم في الطرق، وموعظة الرَّجل لبنته، والاهتمام بما يهمّ النَّبي ﷺ ، والاستئذان والحجابة والانصراف بغير صرف من المستأذن منه، والتكرار بالاستئذان، وتقلله ﷺ من الدُّنيا، وصبره على ألم ذلك، وعدم ذم من قال: وَهْمًا كوهْمِ الأنصاري الطَّلاق، والقيام بين يدي السُّلطان والجلوس بغير إذنه، والاستغفار من التسخط، وسؤال الدُّعاء،
стр. 2765
والاستغفار من أهل الفضل، وأن أحدًا لا يستحقر حاله ونعمة الله التي عنده، وأن المرأة تعاقب على إفشاء سرِّ زوجها، وأن الرَّجل يبدأ بمن شاء من الزَّوجات، وأن الرَّشيدة تشاور أبويها في أمرها، وجواز الحلف على أن لا يدخل على أمرأته شهرًا ولا يكون بذلك موليًا الإيلاء المعروف إذ ذاك حرام، وفيه غير ذلك.
٢٤٦٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَال: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتْ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَجَلَسَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَال: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَال: "لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ".
(حدَّثنا) في نسخة: "حدَّثني ابن سلَّام" هو محمد. (حدَّثنا) في نسخة: "أخبرنا". (الفزاري) هو مروان بن معاوية بن الحارث. (آلى) بهمزة ممدودة، أي: حلف. (فمكث) بضم الكاف وفتحها. (على نسائه) في نسخة: "على عائشة".
٢٦ - بَابُ مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى البَلاطِ أَوْ بَابِ المَسْجِدِ
(باب: من عقل بعيره) أي: شدَّه بالعقال. (على البلاط، أو باب المسجد) أي: باب بيان جواز اعتقاله ثَمَّ.
٢٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ، قَال: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَال: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ البَلاطِ، فَقُلْتُ: هَذَا جَمَلُكَ، فَخَرَجَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ، قَال: "الثَّمَنُ وَالجَمَلُ لَكَ".
[انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ١٥/ ١١٧]
(مسلم) أي: ابن إبراهيم. (أبو عقيل) بفتح وكسر القاف بشير بن عقبة الدَّورقي.
стр. 2766
(في ناحية البلاط) بفتح الموحَّدة أي: الحجارة المفروشة عند باب المسجد. (يُطيف بالجمل) بضم أوَّله أي: يلم [به] (١) ويقاربه ويروى: يطوف أي: يدور.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (وعقلت الجمل في ناحية البلاط)، وقوله: (أو باب المسجد) مستنبط من ذلك و (أو) فيه للتنويع إن لم يرد بمدخولها ما قررته، ومعنى: بل إن أريد به ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧].
٢٧ - بَابُ الوُقُوفِ وَالبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
(باب: الوقوف والبول عند سُباطة قوم). أي: جوازهما عندها، وهي بضم المهملة وخفة الموحَّدة: الكناسة، أو المزبلة.
٢٤٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَال: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَال: "لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَال قَائِمًا".
[انظر: ٢٢٤ - مسلم: ٢٧٣ - فتح: ٥/ ١١٧]
(شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن منصور) أي: ابن المعتمر. (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة.
(فبال قائمًا) فعله لبيان الجواز، أو لغيره كما مرَّ في باب: البول قائمًا من كتاب: الوضوء (٢).
٢٨ - بَابُ مَنْ أَخَذَ الغُصْنَ، وَمَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ، فَرَمَى بِهِ
(باب: من) أي: ثواب من (أخذ) في نسخة: "من أخَّر" بخاء معجمة مشدَّدة وراء. (الغصن) أي: المؤذي (وما يؤذي النَّاس) عطف
стр. 2767
على (الغصن) من عطف العام على الخاص.
(في الطَّريق) في نسخة: "في الطرق". (فرمى به) أي: من غير الطَّريق، والغصن مفرد الأغصان والغصون: وهو أطراف الشَّجر ما دامت فيها ثابتة، قاله ابن الأثير (١).
٢٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ [عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ".
[انظر: ٦٥٢ - مسلم: ١٩١٤ - فتح: ٥/ ١١٨]
(عبد الله بن يوسف) لفظ: "ابن يوسف" ساقط من نسخة. (عن سُمَى) هو مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن المغيرة بن هشام. (عن أبي صالح) هو ذكوان الزَّيات.
(غصن شوك) زاد في نسخة: "على الطَّريق". فأخذه) في نسخة "فأخره".
٢٩ - بَابُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ: وَهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا البُنْيَانَ، فَتُرِكَ مِنْهَا الطَّرِيقُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ
(باب: إذا اختلفوا في الطريق الميتاء) بكسر الميم والمد وفي نسخة: بالقصر وجواب (إذا) محذوف تقديره: جعل قدر الطَّريق المشتركة سبعة أذرع على ما في الحديث وقدر الحاجة على مذهب الشَّافعي، بحمل ما في الحديث على الغالب. وفسر الأرض الميتاء بقوله: (وهي الرَّحبة تكون بين الطَّريق) أي: بين أجزائها وفسَّرها
стр. 2768
بعضهم: بأنها أعظم الطُّرق وهي التي يكثر مرور النَّاس بها وبعضهم بغير ذلك. (ثم يريد أهلها) أي: أصحابها. (البنيان) فيها. (فترك) في نسخةٍ: "فيترك". (منها للطَّريق سبعة) في نسخة: "سبع". (أذرع) لتسلكها الأحمال والأثقال ولتسع ما لا بد من طرحه عند الأبواب.
٢٤٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ [الميتاء] بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ".
[مسلم: ١٦١٣ - فتح: ٥/ ١١٨]
(قضى) أي: حكم. (تشاجروا) أي: تخاصموا. (في الطَّريق الميتاء) لفظ: (الميتاء) ساقط من نسخة. (بسبعة أذرع) متعلق بقضى.
٣٠ - بَابُ النُّهْبَى بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ
وَقَال عُبَادَةُ: بَايَعْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ لَا نَنْتَهِبَ.
[انظر: ١٨]
(باب: النهبى) بضمِّ النون: اسم ما انتهب. (بغير إذن صاحبه) أي: صاحب ما انتهب. (عبادة) أي: ابن الصَّامت.
٢٤٧٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ، - وَهُوَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ - قَال: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ".
[٥٥١٦ - فتح: ٥/ ١١٩]
(عبد الله بن يزيد) في نسخة: "عبد الله بن زيد". قال شيخنا: وهو تصحيف (١). (والمثلة) هي بضم الميم وسكون المثلَّثة، ويجوز فتح الميم وضم المثلَّثة: العقوبة الفاحشة في الأعضاء، كجدع الأنف، وقطع الأذن، وفقء العين وغيرها.
стр. 2769
٢٤٧٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ"، وَعَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ "إلا النُّهْبَةَ".
[قَال الفِرَبْرِيُّ: وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي جَعْفَرٍ: قَال أَبُو عَبْدِ الله: تَفْسِيرُهُ: أَنْ يُنْزَعَ مِنهُ، يُريدُ الإيمَانَ]
[٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠ - مسلم: ٥٧ - فتح: ٥/ ١١٩]
(لا يزني الزَّاني حين يزني) بنصب (حين) على الظَّرفية. (وهو مؤمن) حال، ويأتي مثل ذلك في قوله: (ولا يشرب الخمر) إلى آخره، وفاعل (يشرب) ضمير مستتر راجع إلى الشَّارب الدَّال عليه (يشرب) مع موافقته لما قبل، لا إلي الزّاني؛ لفساد المعنى. (والنَّهبة) بفتح النُّون مصدر، وبالضم: المنهوب، والمراد: المنهوب بغير إذن صاحبه بقرينة قوله: (يرفع النَّاس إليه فيها أبصارهم) وقوله فيما ذكر: (وهو مؤمن) أي: كامل، أو المراد: من فعل ذلك مستحلًّا له، أو هو من باب الإنذار بزوال إيمان من استمرَّ على هذه المعاصي، وقيَّد الجميع بالظرف بحمل الفعل بعده على إرادته، كما هو كثير في كلامهم، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] أي: لا يزني الزَّاني جمن إرادته الزِّنا وهو مؤمن؛ لتحقق مراده بزناه وانتفاء وقوعه منه سهوًا أو جهلًا، وكذا البقيَّة، فذكر القيد؛ لإفادة كونه متعمدًا عالمًا.
(وعن سعيد) أي: ابن المسيب. (وأبي سلمة) أي: ابن عبد الرَّحمن. (الفربري) هو محمد بن يوسف. (وجدت بخط أبي جعفر) هو
стр. 2770
ابن أبي حاتم ورّاق البخاري. (قال أبو عبد الله) أي: البخاري (تفسيره) [أي: تفسير:] (١) (لا يزني الزَّاني) إلى آخره. (أن ينزع منه) يريد الإيمان من الإرادة كذا رأيته في نسخ، وقال شيخنا كغيره: بدل ذلك أن ينزع منه نور الإيمان، والإيمان: التصديق بالجنان والإقرار باللِّسان، ونوره الأعمال الصَّالحة، واجتناب المعاصي فإذا فعل شيئًا مما ذكر ذهب نور إيمانه وبقى صاحبه في ظُلمة (٢).
٣١ - بَابُ كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ
(باب: كسر الصليب وقتل الخنزير) أي: بيان أن النَّبي ﷺ أخبر عن كسر عيسى بن مريم عند نزوله صلبان الذِّميين، وأوثان المشركين، وقتل خنازيرهما لا بيان جواز كسر صليب الذميين والمُؤَمَّنِيْن، وقتل خنازيرهم، فإنا أمرنا بتركهم وما يدينون، وأمَّا كسر صليب أهل الحرب وقتل خنازيرهم فجائز، والصَّليب: المربع المشهور للنصارى، يزعمون أنَّ عيسى ﵇ صُلب على خشبة على تلك الصورة، وقد كذَّبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ، حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ".
[انظر: ٢٢٢٢ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٥/ ١٢١]
(سفيان) أي: ابن عيينة.