نسائها) أي: بأقل مهر مثلها من قراباتها. (من سواهن) أي: سوى اليتامى. (بعد) أي: بعد نزول الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾. (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾) في نسخة: " ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ " بلا واو. (في هذه أن) في نسخة: "في هذه الآية أن". (ولم يلحقوها) في نسخة: "ولو يلحقوا بها"، ومرَّ شرح الحديث في باب شركة اليتيم وأهل الميراث (١).
٢٢ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ، وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا، لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ، وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٦، ٧] ﴿حَسِيبًا﴾ يَعْنِي كَافِيًا.
[فتح: ٥/ ٣٩١]
(باب قول الله تعالى) في نسخة: "قول الله ". (﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾)
أي: اختبروهم. (﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾) أي: صاروا أهلًا له بالاحتلام أو بالسِّنِّ. (﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾) أي: أبصرتم. (﴿إِسْرَافًا﴾) أي: بغير حق. (﴿وَبِدَارًا﴾) أي: مبادرة إلى انتفاعكم بها مخافة. ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ رُشْدًا فيلزمكم تسليمها إليهم. (﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾) أي: يعف عنها. (﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾) أي: بقدر أجرة عمله، ومذهب الشافعي بأقل الأمرين من أجرته ونفقته. (﴿مَفْرُوضًا﴾) أي: مقدرًا، وفي نسخة: عقب قوله: " ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ
стр. 3082
أَمْوَالهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ". ﴿حَسِيبًا﴾ قال البخاريُّ: (يعني: كافيًا) وقال غيره: حافظًا لأعمال خلقه ومجازيًا عليها، ولفظ: (يعني) ساقط من نسخة.
باب وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته
(وما للوصي) في نسخة: "باب ما للوصي" وفي أخرى: "وللوصي". (أن يعمل في مال اليتيم وما يُأكل منه بقدر عمالته) بضم العين، أي: بقدر أجرته على ما مرّ.
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ وَكَانَ نَخْلًا، فَقَال عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ"، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي القُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ.
[انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٢]
(حدثنا هارون) في نسخة: "حدثني هارون". (ابن الأشعث) ساقط من نسخة. (أبو سعيد) هو عبد الرحمن بن عبد الله الحافظ.
(ذلك) في نسخة: "تلك". ومرّ شرح الحديث في باب: الشروط في الوقف (١).
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، قَالتْ: "أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ
стр. 3083
مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ".
[انظر: ٢٢١٢ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٥/ ٣٩٢]
(أبو أسامة) هو حماد بن أسامة.
(في والي اليتيم) في نسخة: "في والي مال اليتيم" [(أن يصيب) أي: والي اليتيم] (١) وفي نسخة: "أن يصيبوا" أي: أولياءه.
٢٣ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال اليَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]
(باب قول الله تعالى) في نسخة: "قول الله ". (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾) أي: بيان حال أَكَلَةِ أموال اليتامى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ إلخ.
٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ المَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَال: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ".
[٥٧٦٤، ٦٨٥٧ - مسلم: ٨٩ - فتح: ٥/ ٣٩٣]
(المدني) ساقط من نسخة. (عن أبي الغيث) اسمه: سالم. (اجتنبوا السبع الموبقات) أي المهلكات. (والسحر) هو لغة: صرف الشيء عن وجه. (والتولي يوم الزحف) أي: الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين. والتنصيص على السبع، لزيادة عظمتها ولأن
стр. 3084
التنصيص على عدد لا ينافي أزيد منه، وإلا فسيأتي زيادة على ذلك كالزنا بحليلة الجار، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس.
٢٤ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى، قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] " لَأَعْنَتَكُمْ: لَأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ، وَعَنَتِ: خَضَعَتْ
(باب قول الله تعالى) لفظ: (قول الله تعالى) ساقط من نسخة: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾) أي: باب في ذكر قول الله تعالا: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾) إلخ (﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾) معناه: لأحرجكم وضيق، أي: عليكم. وعنت في قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ [طه: ١١١] معناه: خضعت وذكر هذا هنا استطرادًا لقربه لفظًا من قوله ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
٢٧٦٧ - وَقَال لَنَا سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَال: مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَكَانَ طَاوُسٌ: "إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَى قَرَأَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وَقَال عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ: "يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ".
[فتح: ٥/ ٣٩٤]
(سليمان) أي: ابن حرب. (حماد) هو أبو أسامة بن أسامة (عن أيوب) أي: السختياني. (ما رد ابن عمر على أحد وصيته) أي: قصدًا لإعانة من أوصى هو عليه، ليكون الله هو في عونه. نعم يكره الدخول
стр. 3085
في الوصاية عند خشية التهمة أو الضعف عن القيام بحقها.
(وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه) بنصب (أحب) خبر (كان)، وبرفعه مبتدأ خبره، قوله: (أن يجتمع إليه إلخ) والجملة خبر (كان)، وفي نسخة: "أن يخرج إليه" ولفظ (إليه) ساقط من نسخة. (فينظروا) بالنسب عطف على مدخول أن، وفي نسخة: "ينظرون" بإثبات النون خبر لمبتدإٍ محذوف، أي: فهم ينظرون. (طاوس) أي: ابن كيسان. (في يتامى) في نسخة: "في اليتامى". (الصغير والكبير) أي الوضيع والشريف، وهما مجروران على البدلية مما قبلهما، ومرفوعان على الابتداء والخبر ما بعدهما، الجملة من المبتدإِ والخبر مقول القول على الثاني، ومقول القول على الأول جملة: (ينفق الولي) إلخ، وفي نسخة "الوالي". (على كل إنسان) أي: منهما. (بقدره) أي: اللائق بحاله.
٢٥ - بَابُ اسْتِخْدَامِ اليَتِيمِ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، إِذَا كَانَ صَلاحًا لَهُ، وَنَظَرِ الأُمِّ وَزَوْجِهَا لِلْيَتِيمِ
(باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان) أي: الاستخدام. (صلاحًا له) وعطف على استخدام اليتيم قوله: (ونظر الأم أو زوجها لليتيم أي: في أموره).
٢٧٦٨ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَال: "فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، مَا قَال لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟ " [٦٠٣٨، ٦٩١١ - مسلم: ٢٣٠٩ - فتح: ٥/ ٣٩٥]
стр. 3086
(ابن عليَّة) هو إسماعيل بن إبراهيم وعليَّة: اسم أمه. (عبد العزيز) أي: ابن صهيب. (كيّس) أي عاقل.
ومطابقة الحديث للترجمة: باستخدام اليتيم في السفر والحضر ظاهرة، وينظر الإمام في أمره من جهة أن أبا طلحة لم يفعل ذلك إلا بعد رضي الأم وينظر زوجها من قوله: (فأخذ أبو طلحة بيدي) إلخ.
٢٦ - بَابُ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ
(باب إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود) أي: حدودها مع كونها معروفة. (فهو جائز، وكذلك الصدقة) أي: الوقف بلفظها مع نيته فإنه جائز.
٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَال أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَال: "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ - شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ - وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ"، قَال أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ، وَفِي بَنِي عَمِّهِ، وَقَال إِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى: عَنْ مَالِكٍ: "رَايِحٌ".
[انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٥/ ٣٩٦]
стр. 3087
(أكثر أنصاري) في نسخة: "أكثر الأنصار". (قال أبو طلحة) في نسخة: "فقال أبو طلحة". (أفعل ذلك) لفظ: (ذلك) ساقط من نسخة: (وفي بني عمه) لفظ: (في) ساقط من نسخة: (وقال إسماعيل) أي: ابن أبي أويس، ومرَّ الحديث في باب الزكاة على الأقارب وغيره (١).
٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَال لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ"، قَال: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا.
[انظر: ٢٧٥٦ - فتح: ٥/ ٣٩٦]
(حدثنا محمد) في نسخة "حدثني محمد". (أن رجلًا) هو سعد بن عبادة. (وأشهدك) في نسخة: "وأنا أشهدك". (تصدقت عنها) في نسخة: "تصدقت به عنها".
٢٧ - بَابُ إِذَا أَوْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ
(باب إذا أوقف) في نسخة: "وقف" وهو الفصيح كما مرَّ.
(جماعة أرضًا مشاعًا) فهو جائز كما لو لم تكن مشاعًا.
٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَال: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَال: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا"، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إِلَى اللَّهِ.
[انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥/ ٣٩٨]
(مسدد) أي: ابن مسرهد. (عبد الوارث) أي ابن سعيد التنوري.
(عن أبي التّياح) هو يزيد بن حمير الضبعي.
стр. 3088
(ثامنوني) بالمثلثة أي: قرروا ثمنه وبيعونيه به (إلا إلى الله) الأصل إلا من الله، لكن ضمن (نطلب) معنى: الصرف فعدّاه بإلى (١)، أي: لا نطلب ثمنه مصروفًا إلا إلن الله، فعليه الاستثناء متصل، وإن قدر لا نطلب ثمنه من أحد، لكنه مصروف إلى الله، فهو منقطع، وسبق الحديث في الصلاة في باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية (٢).
ووجه مطابقته للترجمة: من حيث أن ظاهره أنهم لما تصدقوا بحائطهم لله تعالى أقرهم النبي ﷺ على ذلك، كان وقف كل منهم وقف مشاع، لكن في "طبقات ابن سعد" أنه ﷺ اشتراه من ابن عفراء بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر (٣)، وهو يدل على أنه ملك النبي ﷺ وأنه الواقف له فلا يكون وقف مشاع.
٢٨ - بَابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ ؟
(باب الوقف كيف يكتب؟) في نسخة: "وكيف يكتب؟ " بواو.
٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَال: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَال: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَال: "إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا
стр. 3089
يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.
[انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٩]
(ابن عون) هو عبد الله.
(أصلها) أي: أصل الأرض بجعل الإضافة بيانية (وتصدقت بها) أي: بالأرض أو بغلتها، فالصيغة على الأول محتملة للوقف وللتمليك، وعلى الثاني للتمليك فقط، لكن المراد أحد شقي الأول: وهو الوقف بقرينة قوله: (فتصدق عمر أنه) إلى آخره أي: فتصدق بها عمر وضمير (أنه) للشأن وقوله: (أنه إلخ) ظاهره: أنه من كلام عمر، ويحتمل أنه من كلام النبي ﷺ ، بجعل ما قبله اعتراضًا بين الكلامين، ليوافق ما مرّ في باب قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] وغيره، ومرَّ الحديث في باب قوله الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (١).
ومطابقته للترجمة: في قوله: (إن شئت حبست أصلها) إلا آخره، إذ فيه شروط تكتب في كتاب الوقف، وقد كتب معيقيب لعمر ﵁ بأمره في زمن خلافته كتاب وقفه الذي وقفه في زمن النبي ﷺ .
٢٩ - بَابُ الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَالضَّيْفِ
(باب الوقف للغني والفقير والضيف) أي: عليهم، وعطف الضيف على الغني من عطف العام على الخاص.
стр. 3090
٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ قَال: "إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا"، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضَّيْفِ.
[انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٩]
(أبو عاصم) هو الضحاك بن مخلد.
(أن عمر وجد مالًا بخيبر) إلخ مرّ مرارًا (١).
٣٠ - بَابُ وَقْفِ الأَرْضِ لِلْمَسْجِدِ
(باب وقف الأرض للمسجد) أي: لأجل أن يبنى عليها المسجد.
٢٧٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَال: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، قَال: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، وَقَال: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا" قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إِلَى اللَّهِ.
[انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥/ ٤٠٤]
(حدثنا) في نسخة: "حدثني إسحاق" أي: "ابن منصور" كما في نسخة وهو الكوسج. (حدثنا) في نسخة: "أخبرنا" (عبد الصمد) أي: ابن عبد الوارث بن سعيد العنبري.
(أمر بالمسجد) في نسخة: "أمر ببناء المسجد". (بحائطكم) في نسخة: "حائطكم" بالنصب وحذف الباء. (قالوا) في نسخة: "فقالوا" ومرّ الحديث مرارًا (٢).
стр. 3091
٣١ - بَابُ وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالكُرَاعِ وَالعُرُوضِ وَالصَّامِتِ
وَقَال الزُّهْرِيُّ: فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدَفَعَهَا إِلَى غُلامٍ لَهُ تَاجِرٍ يَتْجِرُ بِهَا، وَجَعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبْحِ ذَلِكَ الأَلْفِ شَيْئًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً فِي المَسَاكِينِ، قَال: "لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا".
(باب وقف الدواب والكراع) بضم الكاف أي: الخيل، والعطف فيه من عطف الخاص على العام. (والعروض) بضم العين: وهي ما عدا النقد من الأموال، والعطف فيه من عطف العام على الخاص.
(والصامت) أي: النقد. أي: باب بيان وقف الدواب إلخ. (قال) في نسخة: "وقال". (يتجرْ) بسكون الفوقية وضم الجيم. (ربحه) أي: ربح ما أتجر فيه. (هل للرجل) أي للجاعل (ذلك الألف) ذكرها باعتبار اللفظ، وفي نسخة: "تلك الألف". (ليس له أن يأكل منها) أي: من الدراهم المربوحة (والأولى منه) أي: من الربح ومحله، إذا لم يتصف بصفة المتصدق عليه كنظيره في الوقف.
٢٧٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلًا، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَهَا، فَقَال: "لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ".
[انظر: ١٤٨٩ - مسلم: ١٦٢١ - فتح: ٥/ ٤٠٥]
стр. 3092
(مسدد) أي: ابن مسرهد. (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (عبيد الله) أي: ابن عمر العمري.
(حمل على فرس) أي: حمل غيره عليها. (أعطاها رسول الله) بالرفع فاعل أعطى، وبالنصب مفعوله، أي: أعطاها رسول الله عمرَ، أو أعطاها عمرُ رسولَ الله. (فأخبر عمر) بالبناء للمفعول (أنه) أي: الرجل. (قد وقفها) أي وقف بها. (يبيعها) في السوق. (لا تبتعها) بالجزم بلا الناهية، وفي نسخة: "لا تبتاعها" بالرفع بجعل لا نافية، ومرَّ الحديث في كتاب الهبة (١).
ومطابقته للترجمة: في قوله: (حمل على فرس في سبيل الله).
٣٢ - بَابُ نَفَقَةِ القَيِّمِ لِلْوَقْفِ
(باب نفقة القيم للوقف) أي بيان حكم نفقة العامل على الوقف.
٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي، وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ".
[٣٠٩٦، ٦٧٢٩ - مسلم: ١٧٦٠ - فتح: ٥/ ٤٠٦]
(عن أبي الزناد) أي عبد الله بن ذكوان. (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز.
(لا يقتسم) بالجزم بـ (لا) الناهية، وبالرفع بجعل (لا) نافيه. (ورثتي) سماهم ورثة له مجازًا، وإلا فقد قال: "إنا معاشر الأنبياء لا
стр. 3093
نورث" (١) (دينارًا) زاد في نسخة "ولا درهمًا". (ما تركت بعد نفقة نسائي) وجه استثناء نفقتهن: بأنهن في معنى المعتدات؛ لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبدًا، فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن للسكنى. (ومؤنة عاملي) أي: قيمي على وقفي.
٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ، أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ، وَيُؤْكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا".
[انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٤٠٦]
(حماد) أي ابن زيد بن درهم. (عن أيوب) أي: السختياني.
(من وليه) أي: الوقف. (ويوكل) أي يطعم، ومرَّ الحديث في مواضع أولها باب الشروط في الوقف (٢).
ومطابقة الحديث الأول للترجمة: في قوله: (مؤنة عاملي) والثاني في قوله: (اشترط) إلى أخره.
٣٣ - بَابُ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا، وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلاءِ المُسْلِمِينَ
وَأَوْقَفَ أَنَسٌ دَارًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَهَا نَزَلَهَا وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ،
стр. 3094
وَقَال: لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوي الحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ.
(باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا واشترط) في نسخة: "أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين" أي: مثل ما شرطه للمسلمين من أخذ الماء بالدلاء من ماء الأرض أو البئر وجواب (إذا) محذوف، أي: هل يجوز ذلك أو لا؟. (وأوقف) الفصيح "ووقف" كما في نسخة. (دارًا) أي: بالمدينة (فكان إذا قدم) أي: المدينة. (وقال) أي: أنس في شرط وقفه. (للمردودة من بناته) أي: للمطلقة منهن (أن تسكن) بفتح (أن)، وهي مع من حولها مبتدأ خبره: (للمردودة من بناته)، وعلى هذا فقوله: (من بناته) بضمير الغيبة تفسير من البخاريِّ، أو من قول الزبير على الالتفات من التكلم إلى الغيبة وفي نسخة بدلًا من (بناته): "من نسائه" قال البرماوي: وهو أصوب. (فليس لها حق) أي: في السكني. (لذوي الحاجات) في نسخة: "لذوي الحاجة".
٢٧٧٨ - وَقَال عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، وَقَال: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، وَلَا أَنْشُدُ إلا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ"؟ فَحَفَرْتُهَا، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَال: "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"؟ فَجَهَّزْتُهُمْ، قَال: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَال وَقَال عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: "لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَقَدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ فَهُوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ".
[فتح: ٥/ ٤٠٦]
(عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي. (عن شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي. (عن عبد الرحمن) هو عبد الله بن حبيب السلمي.
стр. 3095
(أن عثمان) أي ابن عفان. (حيث) في نسخة: "حين". (أنشدكم الله) لفظ: (الله) ساقط من نسخة. (من حفر رومة فله الجنة فحفرتها) لا ينافي ما في الترمذي وغيره، أنه اشتراها (١)، لاحتمال أنه اشتراها أولًا ثم حفر فيها بئرًا، فأخبر بالشراء ثم بالحفر، (العسرة) بضم العين وسكون السين المهملتين: وهي غزوة تبوك. (فجهزتم) في نسخة: (فجهزته) بالإفراد باعتبار لفظ: الجيش. (لا جناح) أي الإثم. (على من وليه) إلى آخره استدلَّ به البخاري على جواز اشتراط الواقف لنفسه منفعة من وقفه ومحله: إذا كانت المنفعة عامة كصلاته في بقعة جعلها مسجدًا، أو شربه من بئر، وطبخه في قدر وقفهما على المسلمين، وقيل: استدلاله بذلك على ما ذكر غلط؛ لأنَّ عمر جعل الولاية لغيره فكيف يليه الواقف؟
ومطابقته للترجمة: في قوله: (فحفرتها) مع تمام القصة وهو دلوي فيها كدلاء المسلمين.
٣٤ - بَابُ إِذَا قَال الوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إِلَى اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ
(باب إذا قال الواقف لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) أي: منه. (فهو جائز) أي: القول المذكور.
٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ"، قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ، إلا إِلَى اللَّهِ.
[انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥/ ٤٠٩]
стр. 3096
(مسدد) أي ابن مسرهد. (عبد الوارث) أي ابن سعيد العنبري.
(عن ابن التياح) هو يزيد بن حميد الضبعي.
(لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) مرَّ بيانه في باب: وقف الأرض للمسجد (١)، ولا يصير الملك وقفًا بهذا اللفظ، لكن قيل: إن مراد البخاري: أن الوقف يصح بأي لفظ دل عليه إما بمجرده أو بقرنية، وألفاظ الوقف مذكورة في كتب الفقه.
٣٥ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ، إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ، أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ، فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ، فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ، فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا، فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ، فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا، أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]
﴿الأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧] وَاحِدُهُمَا أَوْلَى وَمِنْهُ أَوْلَى بِهِ، عُثِرَ: أُظْهِرَ ﴿أَعْثَرْنَا﴾ [الكهف: ٢١] أَظْهَرْنَا]
(باب قول الله تعالى) في نسخة: " ". (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾) أي: حضرته إمارات الموت (﴿حِينَ
стр. 3097
الوَصِيَّةِ﴾) بدل من (إذا حضر). (﴿اثْنَانِ﴾) خبر (شهادة) أو فاعلها بمعني: شهادة بينكم شهادة اثنين، أو بمعنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان. (﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾) أي: من المسلمين. ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من أهل الكتاب عند فقد المسلمين المشار إليه بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي: سافرتم فيها ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ أي: قاربتموه صفة (آخران) أي: تمسكونهما لليمين ليحلفا. (﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾) أي: صلاة العصر (﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: شككتم في شهادتهما. (﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾) أي: بالقسم (﴿ثَمَنًا﴾) أي: عوضًا نأخذه بدله من الدنيا، بأن نقسم به، أو نشهد كاذبين لأجله. (﴿وَلَوْ كَانَ﴾) أي: المقسم له، أو المشهود له (﴿ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾) أي: التي أمرنا بإقامتها. ﴿ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أي: إن كتمناها. ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ أي: اطلع. ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: استوجباه بالخيانة، والحنث في القسم. (﴿فَآخَرَانِ﴾) أي: شاهدان آخران. (﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾) أي: في توجيه القسم عليهما. (﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ﴾) أي: جُني (﴿عَلَيْهِمُ﴾) وهم الورثة (﴿الأَوْلَيَانِ﴾) بالرفع خبر مبتدإِ محذوف، أو بدل من (آخران) أي: الأقربان إلى الميت. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: على خيانة الشاهدين ويقولان (﴿لَشَهَادَتُنَا﴾) أي: يميننا (﴿أَحَقُّ﴾) أي: أصدق (﴿مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾) أي يمينهما. (﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾) أي: في اليمين. ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنا كذبنا عليهم. قال البيضاوي: ومعنى الآيتين: أن المختضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عليها عدلين من ذوي نسبه أو دينه، أو يوصي إليهما احتياطًا، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثم إن وقع نزل وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليط في الوقت، فإن
стр. 3098
اطلع على أنهما كذبا بأمارة ومظنة، حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين، فإنه لا يحلف الشاهد ولا تعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت إن كانا وصيين، ورد اليمين إلى الورثة إما لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته، أو لتغيير الدعوى (١). انتهى. والحكم منسوخ أيضًا في شهادة غير أهل الملة (﴿ذَلِكَ﴾) أي: الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة ﴿أَدْنَى﴾ أي: أقرب إلى ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ أي: الشهود بالشهادة أي: التي تحمَّلُوها (﴿عَلَى وَجْهِهَا﴾) أي: من غير تحريف فيها (﴿أَوْ يَخَافُوا﴾) أي: أو أدنى إلى أن يخافوا. (﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾) أي: على الورثة المدعين، والحاصل: أن ما حكم به من رد اليمين أقرب إلى إتيان الشهود بالشهادة على وجهها، أو إلى أن يخافوا رد اليمين على ورثة الميت بعد إيمانهم. فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم. فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم، وجمع الضمير في الآيات مع أن مرجعه اثنان؛ لأن الحكم يعم الشهود كلَّهم. (﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾) أي: بترك الخيانة والكذب (﴿وَاسْمَعُوا﴾) أي: ما تؤمرون به سماعَ قبول. (﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾) أي: الخارجين عن طاعته. وفي نسخة عقب قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ". (الأوليان: واحدهما أَوْلى ومنه أولى به أحق به، ﴿عُثِرَ﴾: ظهر. ﴿أَعْثَرْنَا﴾: أظهرنا) من كلام البخاري وهو ساقط من نسخة.
٢٧٨٠ - وَقَال لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
стр. 3099
ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، "فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَال: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦].
[فتح: ٥/ ٤٠٩]
(ابن أبي زائدة) نسبة إلى جده وإلا فهو يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، واسم أبي زائدة: ميمون الهمداني.
(خرج رجل) هو بزيل مصغرًا وهو بزاي، وقيل: بدال مهملة أي: ابن أبي مارية. (الداري) نسبة إلى الدار بطن من لخم. (ابن بداء) بتشديد المهملة والمد تأنيث الأبدّ فهو ممنوع من الصرف. (فقدوا) بفتح القاف. (جاما) بالجيم وتخفيف الميم، أي: إناء. (من فضة مخوصا من ذهب) بضم الميم، وفتح الخاء، والواو المشددة، أي: عليه صفائح الذهب، طوال رقاق كالخوص. (فقالوا) أي: الذين وجد الجام معهم. (فقام رجلان) هما عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة. (من أولياء) أي: من أولياء الرجل المسمى ببزيل. (فحلفا) أي: كل منهما. ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ زاد في نسخة: " ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ ".
٣٦ - بَابُ قَضَاءِ الوَصِيِّ دُيُونَ المَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ
(باب قضاء الوصي ديون) في نسخة: "دين". (والميت بغير محضر من الورثة) أي: باب بيان جواز ذلك بغير حضور بعضهم.
٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَو الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْهُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاويَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، قَال: قَال الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 3100
عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الغُرَمَاءُ، قَال: "اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَتِهِ"، فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: "ادْعُ أَصْحَابَكَ"، فَمَا زَال يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللَّهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلِمَ وَاللَّهِ البَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً.
[قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "أُغْرُوا بِي: يَعْنِي هِيجُوا بِي] ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤].
[انظر: ٢١٢٧ - فتح: ٥/ ٤١٣]
(عنه) أي: عن محمد بن سابق. (شيبان) أي: ابن عبد الرحمن. (عن فراس) بفاء مكسورة وسين مهملة أي: ابن يحيى الهمداني. (الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (جداد النخل) بفتح الجيم وبمهملتين، وفي نسخة: بكسرها وبمعجمتين، أي: قطعة. (فبيدِر) أمر من بيدر يبيدر، والبيدر: المكان الذي يداس فيه الطعام، وفي نسخة: "فبادر".
(كل تمر) أي: كل صنف منه. فقوله: (بيدر) أي اجعل كل صنف من التمر في بيدر يخصُّه. (ثم دعوت) أي: رسول الله ﷺ ، وفي نسخة: "ثم دعوته" وفي أخرى: "فدعوته". (فلما نظروا) أي: الغرماء. (إليه) أي: إلى رسول الله ﷺ . (أغروا بي) بالبناء للمفعول أي: "هيَّجوا بي" كما يأتي في نسخة، أو ألجوا في مطالبتي وألحوا على كما قاله ابن الأثير (١). (طاف) في نسخة: "أطاف" بهمزة. (أصحابك) أي: غرماء
стр. 3101
أبيك. (بتمرة) في نسخة: "تمرة" بالنصب وحذف الموحدة (قال أبو عبد الله أغروا بي يعني: هيجوا بي ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ ساقط من نسخة، ومرَّ الحديث في الصلح وغيره (١).
стр. 3102
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
стр. 3103
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ]
(كتاب الجهاد والسير) ساقط من نسخة، ومؤخر في أخرى عن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (والجهاد) بكسر الجيم: مصدر جاهدت العدو مجاهدةً وجِهَادًا، وأصله جيهادًا كقيتالًا، فخفف بحذف الياء، وهو مشتق من الجهاد بفتح الجيم: وهو التعب والمشقة، وبضمها: وهو الطاقة. (والسير) بكسر المهملة جمع سيرة: وهي الطريقة.
١ - بَابُ فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ، بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "الحُدُودُ الطَّاعَةُ".
(باب فضل الجهاد والسير) لفظ: (باب) ساقط من نسخة فـ (فضل) مرفوع بالابتداء، (وقول الله) معطوف على فضل. (تعالى) في نسخة:
стр. 3104
" ". ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ أي بأن يبذلوها في طاعته كالجهاد. ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الباء للمعارضة. ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ﴾ استئناف مبين للاشتراء. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف. ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أوفى منه. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ فيه التفات عن الغيبة. ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١ - ١١٢] أي: بالجنة وفي نسخة: عقب قوله ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ "إلى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآيتين إلا قوله ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وساق أخرى الآيتين بتمامهما نَّبه على ذلك شيخنا (١). (الحدود) أي: في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: الطاعة تفسير باللازم؛ لأن من أطاع الله تعالى امتثل أمره واجتنب نهيه، وإلا فحدود الله أحكامه.
٢٧٨٢ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَال: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بْنَ العَيْزَارِ، ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَال: قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَال: "الصَّلاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: "ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
[انظر: ٥٢٧ - مسلم: ٨٥ - فتح: ٣/ ٦]
(عن أبي عمرو) هو سعد بن أبياس. (على ميقاتها) على بمعنى:
стр. 3105
في (١)، ومرّ شرح الحديث في مواقيت الصلاة (٢).
٢٧٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
[انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ (وسيأتي بعد الحديث ١٨٦٣) - فتح ٦/ ٣]
(سفيان) أي: الثوري. (منصور) أي: ابن المعتمر. (عن مجاهد) أي: ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة.
(لا هجرة) إلى آخره مرَّ شرحه في كتاب: الحج في باب: لا يحل القتال بمكة (٣).
٢٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَال: "لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".
[انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٦/ ٤]
(خالد) أي: ابن عبد الله الطحان.
(نرى) بنون مضمومة، أو مفتوحة، وبفوقية كذلك، فهو بمعنى: الظن أو الاعتقاد، ومَرَّ شرح الحديث في الحج (٤).
стр. 3106
٢٧٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ، أَنَّ ذَكْوَانَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ، قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَال: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قَال: "لَا أَجِدُهُ" قَال: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ "، قَال: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟، قَال أَبُو هُرَيْرَةَ: "إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ".
[مسلم: ١٨٧٨ - فتح: ٦/ ٤]
(إسحاق بن منصور) في نسخة: "إسحاق" فيحتمل أنه ابن منصور، أو ابن راهويه. (عفان) أي: ابن مسلم الصفار. (همام) أي: ابن يحيى دينار. (أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين: هو عثمان بن عاصم الأسدي.
(أن ذكوان) أي الزيات. (ليستن) من الاستنان: هو العَدْوُ. (في طِوله) بكسر المهملة، وفتح الواو، أي: حبله المشدود به المطول له، ليرعى. (فيكتب) أي: الاستنان.
٢ - بَابٌ: أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢].
(باب أفضل الناس مؤمن يجاهد) في نسخة: "مجاهد" بالميم (بنفسه وماله في سبيل الله وقوله) بالرفع عطف على أفضل. ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ استفهام لفظًا إيجاب معنى ﴿عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم
стр. 3107
(﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾) استئناف مبين للتجارة، وهو خبر بمعنى الأمر. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] أي: أنه خير، وجواب [الشرط محذوف، أي ففعلوه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ بالجزم جواب] (١) للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر. ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ في نسخة عقب قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
٢٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، حَدَّثَهُ قَال: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: "مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ".
[٦٤٩٤ - مسلم: ١٨٨٨ - فتح: ٦/ ٦]
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (في شعب) هو بكسر المعجمة، وسكون المهملة: الطريق في الجبل (يقول) في نسخة: "قال".
٢٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ".
[انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦/ ٦]
(والله أعلم) جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها (توكل الله)
مُعَاويَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ.
٢٧٨٨ - [٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١ - مسلم: ١٩١٢]
٢٧٨٩ - [٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦/ ١٠]
(تفلي رأسه) بفتح الفوقية من فَلَى يفلي كضرب يضرب، وإنما كانت تفلي رأسه؛ لأنها كانت محرمًا له من قبل خالته من النسب أو الرضاع. (ثَبَجَ هذا البحر) بفتح المثلثة والموحدة وبجيم، أي: معظمه أو وسطه، أو ظهره أو هوله. (قال: أنت من الأولين) أي: وهم شهداء البحر لا من الآخرين وهم شهداء البر، إذ قيل: إن رؤياه الأولى كانت في شهداء البحر، والثانية في شهداء البر كذا قيل، وفي جعل أم حرام من شهداء البحر مع أنها هلكت بعد خروجها منه تجوز حسَّنه قرب موتها من خروجها منه، ففي الكلام استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهو جائز عند الشافعي ﵁ هذا مع أن تفسير الآخرين بشهداء البر خلاف ظاهر قوله في الحديث، كما قال في الأول من أنهم كالأولين. فالوجه تفسيرهم بأنهم شهداء البحر أيضًا بأن يكونوا هم الأولين أو غيرهم، غايته في الأول: أنه أخبر عن مرتين فقوله: (أنت من الأولين) أي: من الذين أخبرت عنهم أولًا -ومرّ الحديث في باب: علامات الإيمان وغيره. وسيأتي أيضًا (١).
стр. 3110
٤ - بَابُ دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يُقَالُ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وَهَذَا سَبِيلِي.
[قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]: وَاحِدُهَا غَازٍ، ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣]: لَهُمْ دَرَجَاتٌ]
(باب درجات المجاهدين في سبيل الله). قال البخاري: (يقال: هذه سبيلي، وهذا سبيلي) أراد به أن السبيل يؤنث ويذكر، وكان الأولى تأخير هذا عن قوله: (قال أبو عبد الله) أي: البخاري (غُزّا) أي في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ وقال: (هُمْ دَرَجَات) أي في قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، (لَهُمْ دَرَجَات) أي: منازل، وقال غيره: ذو درجات، وكلام البخاري في ﴿غُزًّى﴾ استطرادًا تبعًا لكلامه في الدرجات، لكونهما في سورة واحدة، وقوله: (قال أبو عبد الله) إلى آخره، ساقط من نسخة.
٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَال: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ" قَال مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ: وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ.
[٧٤٢٣ - فتح: ٦/ ١١]
(فليح) هو عبد الملك بن سليمان.
(قال رسول الله) في نسخة: "قال النبي". (من آمن بالله وبرسوله) هذا بمجرده مدخل للجنة، فذكر الصلاة والصيام للاهتمام بشأنهما
стр. 3111
وبيان شرفهما، وعدم ذكر الزكاة والحج لعدم وجوبهما حينئذ، أولم يجيبا على السامع. (في أرضه التي ولد فيها) في نسخة: "في بيته الذي ولد فيه". (فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة). لا منافاة بينهما، إذ المراد بالأوسط الأفضل أو السعة، وبالأعلى الأرفع. (أراه) بضم الهمزة، أي: أظنه (فوقه) أي: فوق الفردوس، قيل: ومقتضى الظاهر فوقها أي: فوق الجنة كلها. (ومنه) أي: من الفردوس (تفجّر) أي: تتفجر بحذف إحدى التاءين تخفيفًا. (أنهار الجنة) أي: الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى آخره [محمد: ١٥]. (قال محمد بن فليح، عن أبيه: وفوقه عرش الرحمن) أي: فلم يشك كما شك يحيى بن صالح حيث قال: أراه.
٢٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ، قَال النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ".
[انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٦/ ١١]
(موسى) أي: ابن إسماعيل. (جرير) أي: ابن حازم. (أبو رجاء) هو عمران بن ملحان العطاردي. (عن سمرة) أي: ابن جندب. (رجلين) أي: ملكين: وهما جبريل وميكائيل. (فأدخلاني) في نسخة: "وأدخلاني". (دارًا هي أحسن وأفضل) أي: من الأولى المذكورة في هذا الحديث المسوق مطولًا في الجنائز (١). (قالا) أي: الملكان، وفي نسخة: "قال" أي: كل منهما، أو أحدهما بحضرة الآخر.
стр. 3112
٥ - بَابُ الغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَابِ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ
(باب: الغدوة) بفتح الغين: المرة الواحدة من الغُدُوّ: وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه. (والروحة) بفتح الراء المرة الواحدة من الرواح: وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها. (سبيل الله) تنازعه (الغدوة) و (الروحة) (وقاب) بالجر عطف على (الغدوة) أي: وقدر (قوس أحدكم من الجنة) في نسخة: "في الجنة" والقاب: ما بين المقبض والسِّيَةِ وهي ما عطف من طرفي القوس، وقيل: القاب: ما بين الوتر والقوس.
٢٧٩٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
[٢٧٩٦، ٦٥٦٨ - مسلم: ١٨٨٠ - فتح: ٦/ ١٣]
(وهيب) أي: ابن خالد. (حميد) هو الطويل. (للغدوة) اللام للتأكيد أو للقسم، وفي نسخة: "الغدوة". (أو روحه) (أو) للتقسيم، والمعنى: أن الزمن القليل في الجنة. (خير) أي: أفضل. (من الدنيا وما فيها) كما أن معنى قوله في الحديث الآتي: "لقاب قوس أحدكم" إلى آخره: إن ما صغر في الجنة من المواضع كلها من بساتينها وغيرها خير من مواضع الدنيا وما فيها. والحاصل: أن المراد تعظيم أمر الجهاد.
واختلف في الدنيا، فقيل: إنها كل المخلوقات من الجواهر، والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة، وقيل: إنها ما على الأرض من الهواء والجو. والثاني هو الموافق للعطف في قوله: (من الدنيا وما فيها).
стр. 3113
٢٧٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَقَابُ قَوْسٍ فِي الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
[٣٢٥٣ - مسلم: ١٨٨٢ - فتح: ١٣/ ٦]
(وقال) أي النبي ﷺ . (لغدوة) في نسخة: "الغدوة".
٢٧٩٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الرَّوْحَةُ وَالغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
[٢٨٩٢، ٣٢٥٠، ٦٤١٥ - مسلم: ١٨٨١ - فتح: ٦/ ١٤]
(قبيصة) أي: ابن عقبة. (سفيان) أي: الثوري. (عن أبي حازم) هو سلمة بن دينار المدني.
٦ - بَابُ الحُورِ العِينِ، وَصِفَتِهِنَّ
يُحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، شَدِيدَةُ سَوَادِ العَيْنِ، شَدِيدَةُ بَيَاضِ العَيْنِ
﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ [الدخان: ٥٤] بِحُورٍ: أَنْكَحْنَاهُمْ.
(باب: الحور العين وصفتهن) لفظ: (باب) ساقط من نسخة، فـ (الحور) مبتدأ، (والعين) وصف له، (وصفتهن) عطف على المبتدإ والخبر محذوف أي: الحور العين وصفتهن يأتي بيانهما، وقد استأنف لبيان ذلك فقال: (يحار) بفتح الياء أصله: يَحُور، قلبت الواو ياء تخفيفًا، ثم قلبت الياء ألفًا فهو واويٌّ، فسقط ما قيل: إن البخاري ظن أنه يأئي مع أنه واوي.
(فيها الطرف) أي: البصر. (شديدة سواد العين، شديدة بياض العين) كلاهما تفسير للعين في قوله: (الحور العين) وفسرهن غيره
стр. 3114
بواسعات العيون. (وزوجناهم بحور عين) أي قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] معناه (أنكحناهم) بحور: وهنَّ نساء أهل الجنة، واحدتهن: حوارء، وواحدة العين عينًا، وكان القياس في جمعها ضم العين، لكنها كسرت لمناسبة الياء، ولفظ: (بحور) ساقط من نسخة.
٢٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاويَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إلا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".
[٢٨١٧ - مسلم: ١٨٧٧ - فتح: ٦/ ١٤]
(أبو إسحاق) هو إبراهيم بن محمد الفزاري. (عن حميد) أي الطويل.
(خير) أي: ثواب. (وأن له الدنيا وما فيها) بفتح الهمزة عطف على (أن يرجع) وبكسرها على أنه جملة حالية.
٢٧٩٦ - قَال: وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
[انظر: ٢٧٩٢ - مسلم: ١٨٨٠ - فتح: ٦/ ١٥]
(وسمعت) في نسخة: قال: وسمعت، (ولقاب قوس أحدكم) مرَّ شرحه آنفًا. (قيد) بكسر القاف وسكون التحتية منونًا أي: قدر، وتفسير البخاري له بالسوط في قوله: (يعني: سوطه). غير معروف حتى قيل: إن (قيد) تصحيف عن قد بكسر القاف وتشديد الدال: وهو
стр. 3115
السوط المتخذ من الجلد. (ما بينهما) أي: بين السماء والأرض.
(وملأته ريحًا) أي عطرًا طيبًا. (ولنصيفها) (١) أي: خمارها.
٧ - بَابُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ
(باب: تمني الشهادة) أي بيان جواز تمنيها.
٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ".
[انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦/ ١٦]
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي ابن أبي حمزة.
(تغزوا) في نسخة: "تغدوا" بدال مهملة. (عن سرية) أي: قطعة من الجيش. (لوددت) أي: تمنيت، قيل: قاله قبل نزول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقيل: بعده، والخبر على معنى: التغالي في فضل الجهاد والقتل فيه، وهذا أوجه لعلمه بأنه لا يقتل، وتمني الشيء لا يستلزم وقوعه. (ثم أقتل) في نسخة: "فأقتل" بالفاء في الألفاظ الثلاثة، ومرّ الحديث في باب: الجهاد من الإيمان (٢).
٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَال: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَال:
стр. 3116
"أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ"، وَقَال: "مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا" قَال أَيُّوبُ أَوْ قَال: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ".
[انظر: ١٢٤٦ - فتح: ٦/ ١٦]
(عن أيوب) أي: السختياني.
(خطب النبي ﷺ ) أي: بعد أن أرسل سرية إلى مؤتة، واستعمل عليهم زيدًا، وقال: "إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة" فاقتتلوا مع الكفار فأصيب زيدٌ. (فقال) أي: في خطبته. (أخذ الراية زيد فأصيب) أي: قتل. (عن غير إمرة) بكسر الهمزة، أي: من غير أن يأمره أحد لما رأى من المصلحة في ذلك. (وقال) أي: النبي ﷺ . (ما) نافية (يسرنا أنهم) أي: الذين أصيبوا. (عندنا) أي: أحياء لعلمه بما صاروا إليه من الكرامة. (أو قال: ما يسرهم أنهم عندنا) أي: لعلمهم. خيرية ما حصل لهم من السعادة العظمى. (وعيناه تذرفان) بكسر الراء، أي: تسيلان دمعًا على فراقهم، والجملة حالية، ومرّ الحديث في الجنائز (١) وفيه: معجزة ظاهرة له ﷺ .
٨ - بَابُ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] " وَقَعَ: وَجَبَ".
(باب: فضل من يصرع) أي: يطرح على الأرض بداءٍ:
стр. 3117
عرض له. (في سبيل الله) أي: في الجهاد. (فمات) ساقط من نسخة. والإنسب بـ (يصرع) فيموت. (فهو منهم) أي: من المجاهدين. قيل: والجملة جواب (من) الموصولة، لتضمنها معنى الشرط، والأوجه أنها استئنافية لبيان حصول فضل الجهاد لمن ذكر، كأنه قيل: كيف يحصل فضله له مع أنه لم يقتل فيه؟ فقيل: لأنه من المجاهدين. (وقول الله) بالجر عطف على فضل. (تعالى) في نسخة: " " (وقع: وجب) ساقط من نسخة.
٢٧٩٩، ٢٨٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، قَالتْ: نَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَال: "أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ" قَالتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا فَقَالتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَال: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ"، فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاويَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوهِمْ قَافِلِينَ، فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ.
[انظر: ٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦/ ١٨]
(يحيى) أي ابن سعيد الأنصاري.
(الأخضر) صفة لازمة للبحر لا مخصصة له، إذ كل البحار خُضْرٌ، ولا يشكل عليه قول بعض الحكماء: الماء لا لون له! لأن الخضرة تتوهم مع انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه، قاله الكرماني (١). وقيل: المراد بالأخضر الأسود (ففعل مثلها) أي: من التبسم (فقالت مثل
стр. 3118
قولها) أي ما أضحكك؟ (فأجابها مثلها) أي: مثل الأولى من الغرض. (لتركبها فصرعتها) يقتضي أن صرعها قبل ركوبها، لكن مرّ في باب الدعاء بالجهاد. فصرعت عن دابتها (١)، وجمع بينهما: بأن الفاء هنا فصيحة فركبتها فصرعتها. ومعنى عن دابتها أي: بسببها وجهتها.
٩ - بَابُ مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(باب: من ينكب) أي: يُصاب في عضو من أعضائه (في سبيل الله) زاد في نسخة: "أو يطعن" وفي نسخة بدل (ينكب): "تنكب" بوزن تفعل، والمراد بيان فضل ذلك.
٢٨٠١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرُ الحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَال: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَال لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ، فَأَنْفَذَهُ، فَقَال: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلُوهُمْ إلا رَجُلًا أَعْرَجَ صَعِدَ الجَبَلَ، قَال هَمَّامٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ، "فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ ، أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَأَرْضَاهُمْ"، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا، وَأَرْضَانَا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ .
[انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٦/ ١٨]
(همام) أي ابن يحيى البصري. (عن إسحاق) أي: ابن عبد الله بن أبي طلحة.
стр. 3119
(بعث النبي ﷺ أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين) هم المشهورون بالقراء لأنهم كانوا أكثر قراءة من غيرهم، وما قاله البخاري: قال الدمياطي: إنه وَهْمٌ فإن بني سليم مبعوث إليهم، والمبعوث هم القراء نقله عنه شيخنا ثم قال: قلت: التحقيق إن المبعوث إليهم بنو عامر، وأمَّا بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين. قال: والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري ثم ذكر ما يتعلق بذلك، وأطال فيه (١). (فلما قدموا) أي بئر معونة (خالي) هو حرام بن ملحان. (أومؤا) أي: أشاروا. (إلى رجل منهم) هو عامر بن الطفيل. (فأنفذه) بفاء فمعجمة أي طعنه في أحد جنبيه حتى خرج من الآخر. (إلا رجلًا أعرج) هو: كعب بن يزيد الأنصاري، وفي نسخةٍ: "رجل أعرج" بالرفع (فأراه) بضم الهمزة، أي: أظنه، وفي نسخة: "وأراه" بالواو. (آخر معه) هو عمرو بن أمية الضمري. (نقرأ) أي: في جملة القرآن. (ثم نسخ) أي: لفظه. (فدعا عليهم) أي: في القنوت. (على رِعل) بكسر الراء وسكون المهملة: بطن من بني سليم. (وذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف. (وبني لحيان) بكسر اللام وسكون المهملة. (وعُصية) بالتصغير.
٢٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَال:
هَلْ أَنْتِ إلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ.
[٦١٤٦ - مسلم: ١٧٩٦ - فتح: ٦/ ١٩]
стр. 3120
(أبو عوانة) هو الوضاح اليشكري. (ابن قيس) في نسخة: "هو ابن قيس" (عن جندب بن سفيان) نسبة إلا جده، وإلا فهو جندب بن عبد الله بن سفيان.
(المشاهد) أي: المغازي؛ لأنها مواضع المشاهدة (١) (دميت أصبعه) أي: جرحت فظهر منها الدم. (إلا أصبع دميت) بفتح الدال صفة للإصبع، والمستثنى منه أعم عام الصفة، أي: ما أنت يا أصبع موصوفة بشيء إلا بأن دميت، كأنها لما توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة تسليّة لها، أي: تثبتي فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع إلا أنك دميت. قيل: هذا شعر نطق به النبي ﷺ ، والله تعالى نفى عنه ذلك بقوله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وأجيب: بأنه رجز، والرجز ليس بشعر، وبأن الشعر لا بد فيه من قصد بخلاف ما يقع اتفاقًا، وبأن البيت الواحد لا يسمى شعرًا، وهذا بناء على أنه من إنشائه ﷺ ، أما على القول بأنه تمثل به، وأنه من إنشاء غيره، فلا إشكال ولا حاجة إلى أجوبة.
١٠ - بَابُ مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(باب: من يجرح في سبيل الله ) (٢) أي: بيان فضله.
٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ".
[انظر: ٢٣٧ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦/ ٢٠]