وتقدم شرح الحديث في باب: من رفع صوته بالعلم (١)، وأعاده؛ للتصريح هنا بصلاة العصر؛ ولاختلاف بعض رجال السند؛ لأنه هناك عن النعمان عن أبي عوانة، وهنا عن مسدد عن أبي عوانة.
٣١ - بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ .
(باب: تعليم الرجل أمته وأهله) عطف الأهل على الأمة من عطف العام على الخاص؛ إذ أمة الرجل: من أهل بيته.
٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ"، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ.
[٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣ - مسلم: ١٥٤ - فتح: ١/ ١٩٠]
(أخبرنا محمد) في نسخة: "حدثنا محمد هو ابن سلام" وفي أخرى: "حدثني محمد بن سلام". (حدثنا المحاربيُّ) في نسخةٍ: "أخبرنا المحاربيُّ" وهو: بضمِّ الميم، وبالحاءِ المهملة، وكسر الراءِ، وبالموحدة: عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفيُّ.
(صالح بن حيَّان) بفتح المهملة، وتشديد المثناة التحتية، ونسبة صالح إلى جدِّه لشهرته به إذ هو صالح بن مسلم بن حيان، وليس هو صالح بن حيَّان القرشيَّ الضعيف. (قال: قال عامر) أي: قال صالحٌ:
стр. 317
قال عامرٌ، وعامر هو: ابن شرحبيل.
(ثلاثة لهم أجران) مبتدأ وخبر. (رجلٌ) بدل تفصيل من ثلاث، أو بدل بعض وهو مع ما عطف عليه بدل كل، أو خبر مبتدأ محذوف. (الكتاب) أي: التوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط على القول بأنَّ النصرانية ناسخة لليهودية، وخرج بالكتاب من لا كتاب له، كالحربيّ. (والعبد المملوك) قيد العبد بكونه مملوكًا، أي: للناس ليخرج غيره؛ لأن كلَّ الناس عبادُ الله، وإنما عرف العبد ونُكِّرَ الرجلُ في الموضعين؛ لأن (ال) فيه للجنس، والمعرف بلام الجنس، كالنكرة في المعنى.
(حق الله) أي: من صلاة وصوم وغيرهما. (وحقَّ مواليه) أي: من خدمتهم وجمعه لأنَّ المراد بالعبدِ: جنس العبيد، كما مرَّ وليدخل ما لو كان العبدُ مشتركًا بين موالٍ، فالمولا هنا السيد، ويطلقُ أيضًا على المعتق والعتيق، وابن العمِّ، والناصر، والجار، والحليف، ومن ولي أمرَ غيره، والمراد: ترجيح العبد المؤدي للحقين علىل العبد المؤدي لأحدهما، وإلا فالسيد قد يكون أرجح من العبد لجهات أُخرِ، فإن قيل فالصحابيُّ الذي كان كتابيًّا يلزم أن يزيد أجره على أكابر الصحابة، قيل: خرجوا بالإجماع.
(يطؤها) ساقط من نسخة، أي: يطؤها بالفعلِ، أو بالقوَّةِ، بأن يتمكن من وطئها شرعًا. (فأدبها) أي: علمها الأدب، وهو حسن الأحوال والأخلاق. (فأحسن تأديبها ... إلخ) أي: أدبها وعلمها ما ينفعها من غير عنفٍ وضرب، بل بالرفق، وإنما عطف التعليم على التأديب، مع أنه داخل فيه؛ لتعلق التأديب بالمروءات، والتعليم بالشرعيات، وأراد بالأول العرفيَّ أو الدنيويَّ، وبالثاني: الشرعيَّ أو الأخرويَّ.
стр. 318
(ثم أعتقها) عطف أعتق بثم، والبقية بالفاءِ؛ لأن الإعتاق نقلٌ من صنف إلى صنف آخر، ولا يخفى ما بين الصنفين من البعد، بل من الضدية في الأحكام، والمنافاة في الأحوال فناسب لفظًا يدلُّ على التراخي، بخلاف البقية من التأديب والتعليم وأحسنيتهما، والتزوج نظرًا لشدة تشوف النفسِ إليها.
(فله) أي: لكلِّ من الثلاثة. (أجران) وخصَّ الثلاثة، مع أن من صام وصلَّى، أو أدى حقَّ الله، وحق والده، له أجران؛ لأن كلًّا من الثلاثة فاعلُ الضدين، بخلاف من ذكر ونحوه. ووجه الضدية في الثالث: الإعتاق منافٍ لجميع ما ذكر معه، وإلا فكان القياسُ: أن يكون له أكثر من أجرين؛ لتعدد مقتضى الأجر من التأديب والتعليم وأحسنيتهما والإعتاق والتزوج، أو المراد: فله أجران ولو مع زيادة.
(ثمَّ قال عامر) الشعبيُّ: (أعطيناكها) أي: المسألة أو المقالة، والخطاب لصالح. (من غير شيءٍ) أي: من غير أجرٍ دنيوي. (قد كان يركب) أي: يرحل، وفي نسخة: "وقد كان يركب"، وفي أخرى: "فقد كان يركب". (إلى المدينة) أي: النبوية.
ولم يذكر في الحديث الأهل مع أنه مذكور في الترجمة كأنه قاسه على الأمة، وأراد أن يورد فيه حديثًا، فلم يتفق له.
وفي قول الشعبيّ ذلك: جواز قول العالم مثله للتحريضِ على العلمِ، وبيان ما كان السلفُ عليه من الرحلة البعيدة في المسألة الواحدة، وفضلُ المدينة؛ لأنها معدن العلم، وكان يرحلُ إليها في طلبه.
стр. 319
٣٢ - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ .
(باب: عظة الإمام النساءَ وتعليمهن) أي: أمور الدين، والعظة والموعظة وهي: التذكير بالعواقب، ولفظ: (باب) ساقط من نسخةٍ.
٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "خَرَجَ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
[٨٦٣، ٩٦٣، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥، مسلم: ٨٨٤ - فتح: ١/ ١٩٢]
(عطاء) بن أبي رباح: براءٍ مفتوحة، وموحدة مخففة ومهملة آخره القرشيُّ الفهريُّ المكيُّ.
(على النبيِّ) في نسخة: "على رسول الله". (أو قال عطاء: أشهد) الشكُّ من أيوب، هل قائل أشهد عطاءٌ أو ابن عبَّاس، وذكر ما قاله في لفظ الشهادة؛ تأكيدًا لتحقيقه؛ وبيانًا لوثوقه بوقوعه، وكذا القولُ في ذكره (على)؛ لأنها تدلُّ على الاستعلاءِ بعلمه بوقوع ذلك.
(خرج) أي: من صفوف الرجال، إلا صفوف النساءِ. (ومعه بلال) جملة حالية، وكذا على ما، في نسخة: "معه" بدون واو كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦].
(أنه لم يسمع) النساء: حلَّ محل مفعولي ظنَّ، ولفظ: (النساءِ) ساقط من نسخة. (بالصدقة) أي: النفلية. (وأمرهن) بها لما رآهنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ. (القرط) بضمِّ القافِ وسكون الراءِ وطاءٍ مهملة: ما يعلق في
стр. 320
شحمة الأذن، أما الخرص بضمِّ المعجمة فحلقة صغيرة.
(وبلال يأخذ في طرف ثوبه) أي: يلقينه؛ ليصرفه ﷺ في مصارفه؛ لأنه يحرم عليه الصدقة.
(وقال إسماعيل) أي: ابن علية وفي نسخةٍ: "قال أبو عبد الله وقال إسماعيل".
(وقال ابن عبَّاس) في نسخة: "قال ابن عبَّاس" وهو مقول قال إسماعيل، والغرض: أنه رواه لا بلفظ سمعت، وأنه جزم بالشهادة على النبيِّ ﷺ من غير شكِّ في المشهودِ عليه. وهذا من تعاليق البخاريِّ؛ لأنه لم يدرك إسماعيل ابن علية؛ لأنه مات في عام ولادته.
وفي الحديث: أنه يجب على الإمام افتقاد رعيته وتعليمهم، وأن الصدقة تُنَجِّي من النَّار، وأنه يجوز للمرأة العطية من مالها بلا إذن زوجها، وأما نحو خبر "لا يحل لامرأة عطية إلا بإذن زوجها" (١) فليس بثابت، وليس سلم فهو محمول على الأولى، والأدب مع أنه لا يقاوم حديث البخاريّ، وفيه أيضًا: استحباب وعظِ النساءِ، وحثهن على الصدقة، وأن الصدقة لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، وأن الأصل في الناسِ العقل وفي التصرفات الصحة لعدم سؤاله ﷺ عن ذلك.
стр. 321
٣٣ - بَابُ الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ .
(باب: الحرص على الحديث) أي: على تحصيلِ الحديثِ النبويّ.
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ".
[٦٥٧٠ - فتح: ١/ ١٩٣).
(عبد العزيز بن عبد الله) ابن يحيى الأويسيّ: (سليمان) أي: ابن بلال. (عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما، أبو عثمان مولى المطلب.
(قيل) في نسخة: "قال" أي: أبو هريرة، وهو الصواب. (بشفاعتك) من الشفع وهو: ضمَّ الشيءِ إلى مثله؛ لأن المشفوع له كان فردًا فصار شفعًا بالشافع. (لقد) اللام؛ للتأكيد، أو جواب قسمٍ محذوف. (يا أبا هريرة) في نسخة: "يابا هريرة" بحذف الهمزة تخفيفًا. (يسألني) بالنصب بأن، وبالرفع لوقوع أن بعد الظن، كما في قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ﴾ [المائدة: ٧١]. (أوَّلُ) صفة لأحد أو بدلٌ منه، وبالنصبِ على الظرفية، أو الحال. (لمَّا رأيت) أي: رأيته، (من حرصك) من: تبعيضية، أو بيانية، أو معدية. (يوم القيامة) ساقط من نسخة.
(من قال) أي: ولو عاصيًا. (لا إلله إلا الله) أي: مع محمد رسول الله. (خالصًا) في نسخة: "مخلصًا" وخرج به المنافق وبما قبله
стр. 322
المشرك، لكن لا سعادة لهما، فأفعل التفضيل ليس على بابه المشاركة، بل معناه: سعيد الناس، أو هو على بابه لكن معناه: أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد بذكر القلب بعده، لأنه معدن الإخلاص، كما في أبصرته عيني وسمعته أذني. (من قلبه) متعلقٌ بـ (خالصًا) أو حال من ضمير قال ذلك ناشئًا من قلبه (أو نفسه) شكٌّ من أبي هريرة، أو من غيره من الرواة.
٣٤ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ ؟
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إلا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : "وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا" حَدَّثَنَا العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ.
(باب: كيف يقبض العلم) أي: باب: كيفية قبض العلم، أي رفعه، ولفظ (باب) ساقط من نسخة، (وكتب) في نسخةٍ: "قال" أي: البخاريُّ "وكتب". (عمر بن عبد العزيز) أحد الخلفاء الراشدين، إلى نائبه في الإمرة والقضاءِ على المدينة. (أبي بكر) هو: ابن محمد بن عمرو (بن حزم) أي: الأنصاريِّ. (ما كان) أي: ما وجدته. وفي نسخة: "ما كان عندك " فكان على النسخة الأولى: تامة، وعلى الثانية: ناقصة.
стр. 323
(فاكتبه ... الخ) أمر بكتبه، لأن فيه ضبطًا له وإبقاء، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنما هو على الحفظ، فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المائةِ الأولى، من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك.
(ولا تقبل) بفتح الفوقية والجزم، فلا ناهية، وفي نسخة: بضم التحتية والرفع فلا نافية، فحديث في قوله: (إلا حديث النبيِّ) بالنصب: على الأولى، وبالرفعِ: على الثانية. (وليفشوا العلم، وليجلسوا) بضمِّ التحتية في الأوَّلِ، وفتحها في الثاني، مع سكون اللام وكسرها فيهما، وفي نسخة: بضمِّ التحتية في الأول، وفتحها في الثاني.
(حتَّى يعلم) بضمِّ التحتية وفتح العين وتشديد اللام المفتوحة، وفي نسخة: "يعلم" بفتح التحتية وسكون العين، وتخفيف اللام المفتوحة. (من لا يعلم) بفتح أوَّلهِ على البناء للفاعل (يهلك) بفتح أوَّله، وكسر ثالثة، وقد تفتح. (حتَّى يكون سرًّا) أي: خفية، كاتخاذها في الدور دون المساجد ونحوها.
١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.
[٧٣٠٧ - مسلم: ٢٦٧٣ - فتح: ١/ ١٩٤]
(حدثنا إسماعيل ... إلخ) في نسخة: "حدثنا العلاء بن عبد الجبَّار إلى قوله: وذهاب العلماءِ".
(ينتزعُه) في نسخةٍ: "ينزعه". (بقبض العلماءٍ) أقام فيه الظاهر مقام المضمر؛ تعظيمًا له، كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾
стр. 324
[الإخلاصُ: ٢] بعد قول: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
(حتَّى) ابتدائية. (إذا لم يُبق عالمًا) بضم الياءِ وكسر القاف، أي: لم يبق الله عالمًا، وفي نسخة: "لم يبق عالم" بفتح الياء والقافِ، ورفع عالم، فإن قلت: لم يبق للمضيِّ، فكيف وقعت بعد إذا وهيَ للاستقبال؟ قلنا: تعارضا فتساقطا فبقي الفعلُ على أصلهِ مضارعًا، مع أنه لا مانع من ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، و ﴿إذا جاء نصر الله﴾ [النصر: ١]؛ لأن أداة الشرط تقلب الماضي مضارعًا، قيل قد يقال الشرط يقتضي أن اتخاذ رءوس جُهَّالٍ إنما هو حينَ لم يبق عالم، مع أنه يجوز اتخاذهم مع وجودِ العلماءِ، وأجيب: بأنَّ الشرط خرج مخرج الغالب فلا يعملُ بمفهومه.
(اتخذ) أصله: ائتخذ فقلبت الهمزة الثانيةُ تاءً، وأدغمت في التاءِ بعدها. (رءوس) بضمِّ الراءِ والهمزة، والتنوين: جمع رأس، وفي نسخة: "رؤساء" بفتح الهمزة والمدّ، جمع رئيس. (فسئلوا) بضمِّ السين.
(فضلُّوا) من الضلال، مقابل الهداية، أي: فضلوا في أنفسهم. (وأضلُّوا) أي: غيرَهم.
(قال الفِرَبْريُّ) ساقط من نسخة، بل هو مع ما بعده إلى. (نحوه) ساقط من أخرى. وهو بكسر الفاءِ وفتحها، نسبة إلا فربر، قرية من قرى بخارى على طرفِ جيحون (١)، وكنيته: أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر وهو أنه سمع من البخاريّ صحيحه مرتين، شاركه في الرواية عن قتيبة بن سعيد، قال شيخنا: وهذا من زيادات الراوي عن البخاريّ في بعض الأساليب، وهي قليلة (٢). (عبَّاسٌ) بموحدة، وسين مهملة.
стр. 325
(نحوه) أي: نحو حديث مالك.
ولا تنافي بين ما هنا وبين حديث: "ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، حتى يأتي أمر الله" (١) وأمثالُ ذلك؛ لأن ما هنا بعد إتيان أمرِ الله، إن لم يفسر أمر الله بالقيامة، أو عدم بقاءِ العلماءِ، إنما هو في بعض المواضع، كفي عين بيت المقدسِ مثلًا إن فسرناه بها جمعًا بين الأدلة.
وفي الحديث: التحذير من اتخاذ الجهال رءوسًا، وأن الزمان يخلو عن المجتهد، كما قال الجمهور، خلافًا للحنابلة، وأنَّ الله يهب العلم لخلقه ثمَّ ينزعه بلا سبب تعالى أن يسترجع ما وهب من علمه الذي يؤدي إلى معرفته، والإيمان به دائمًا، وإنما يكون قبض العلم بقبض العلماءِ.
٣٥ - بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ ؟
(باب: هل يجعل) بالبناء للفاعل، أي: يجعل الإمام (للنساءِ يومًا) وفي نسخة: "يجعل للنساءِ يومٌ" والبناءِ للمفعولِ، ورفعُ يوم. (على حِدة) بكسر الحاءِ، وفتح الدال المهملتين، أي: انفراد في العلمِ، متعلق بيجعل.
стр. 326
١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إلا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ" فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: "وَاثْنَتَيْنِ".
[١٢٤٩، ٧٣١٠ - مسلم: ٢٦٣٣ - فتح: ١/ ١٩٥]
(ابن الأصبهاني) بفتح الهمزة، أشهر من كسرها، وقد تبدل باؤه فاءً: عبد الرحمن بن عبد الله الكوفيُّ. (قال: قال النساء) قال الأولى ساقطة من نسخة، وفي أخرى: "قالت النساءُ". (فاجعل) أي: صيِّر بمعنى عيِّن. (يومًا) مفعولٌ به، لا مفعولٌ فيه. (من) ابتدائية متعلقة باجعل. (نفسك). أي: اختيارك لا اختيارنا.
(لَقِيَهُنَّ) صفةُ "يومًا". (فَوَعَظَهُنَّ) عطف على محذوفٍ، أي: فوَفَّى بوعدهِنَّ ولقيهُنَّ فوعظهُنَّ أي: بأمورٍ دينيةٍ. (ما منْكُنَّ أمرأةٌ) في نسخة: "ما منكن من امرأة" ومنكنَّ: حالٌ مقدمة على ذيها. (إلا كان) خبر امرأة؛ لأنَّ الاستثناء مفرغ، أي: إلا كان تقديمهم. (لها حجابًا) بالنصبِ خبر كان، وفي نسخةٍ: "حجاب" بالرفعِ: فاعلُ (كانَ) بجعلِها تامةً.
(فقالت امرأة) اسمها: أم سليم، وقيل: غيرها. (واثنين) في نسخة: "واثنتين" بتاء التأنيث، وهو عطف على ثلاثة، عطف تلقين، أو على مقدر، دل عليه ما قبله، أي: قالت، ومن قدم اثنين؟ قال: ومن قدم اثنين.
стр. 327
١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "ثَلاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ".
[١٢٥٠ - مسلم: ٢٦٣٤ - فتح: ١/ ١٩٦]
(حدثنا محمد) في نسخة: "حدثني محمد". (غندر) هو: محمد بن جعفر البصريُّ. (عن أبي سعيد) في نسخة: "عن أبي سعيد الخدري". (وعن عبد الرحمن) عطف على قوله: أولًا (عن عبد الرحمن)، والحاصل: أن (شعبة) يرويه عن (عبد الرحمن) بإسنادين (عن أبي هريرة قال) في نسخة: "وقال" بواو عطف على مقدر تقديره، كما قال شيخنا مثله، أي: مثل حديث أبي سعيد (١). (وقال: ثلاث لم يبلغوا الحنث) بكسر المهملة وبالمثلثة، أي: الإثم، فزاد هذا على الرواية الأولى، والمعنى: أنهم ماتوا قبل البلوغ، فلم يكتب عليهم إثم.
٣٦ - باب مَنْ سَمِعَ شَيئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ .
(باب: من سمع شيئًا). زاد في نسخة: "فلم يفهمه" وفي أخرى: "فلم يفهم". (فراجع) أي: راجع من سمعه منه، وفي نسخة: "فراجع في "، وفي أخرى: "فراجعه". (حتى يعرفه) بالنصب بأن مقدرة بعد حتى.
١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ، إلا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ
стр. 328
أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ".
[٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧ - مسلم: ٢٨٧٦ - فتح: ١/ ١٩٦]
(سعيد بن أبي مريم) أي: الجمحيَّ، ونسبه لجدِّ أبيه، وإلا فأبوه إنما هو: الحكم بن محمد بن أبي مريم. (نافع مولى ابن عمر) في نسخة: "نافع بن عمر" أي: الجمحي.
(كانت لا تسمع) في نسخة: "لا تستمع " وأتى به مضارعًا مع إن كان للماضي؛ استحضارًا للصورة الماضية. (إلا راجعت) استثناء متصل، وراجعت صفة لمحذوف، أي: لا تسمع شيئًا مجهولًا موصوفًا بصفة إلا موصوفًا بأنَّه مرجوع إليه.
(وأن النَّبي) عطف على (أن عائشة) وهو من كلام ابن أبي مليكة مرسل ولم يسنده إلى صحابي. (أو ليس) بفتح الواو عطف على مقدر، أي: أكان ذلك، و (ليس) واسم ليس: ضمير الشان، وخبرها: (يقول الله)، أو ليس بمعنى: لا أي: أو لا. (يقولُ الله تعالى) في نسخة: " " (يسيرًا) أي: سهلًا لا مناقشة فيه.
(ذلك) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب لمؤنث. (نوقش) المناقشة: الاستقصاء في الحساب. (الحساب) بالنصب بنزع الخافض. (يهلك) بكسر اللام أشهر من فتحها، وهو لازم عند الحجازيين، متعدٍ عند تميم، وهو مرويٌّ بالجزم والرفع، لأن الشرط إذا كان ماضيًا، والجواب مضارعًا جاز فيه الوجهان، وفي نسخة: "عذب" بدل يهلك.
وفي الحديث: بيان فضل عائشة، وحرصها على التعليم والتحقيق، وأنه ﷺ لم يكن يتضجَّر من مراجعته، وإثبات الحساب، والعرض والعذاب، وجواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب.
ابنُ عمرِ بنِ صخرٍ الخزاعيُّ. (لعمرو بن سعيد) أي: ابن العاصِ بنِ أميةَ القرشيُّ، قال شيخنُا وغيرُه: وليس بصحابيّ ولا تابعيّ (١).
(يبعث البعوث) بضمِّ الموحدة: جمع بعث بمعنى: مبعوث، أي: كان عمرو يُرسلُ الجيوشَ إلى مكةَ لقتالِ عبد الله بنِ الزبيرِ؛ لكونه امتنع من مبايعةِ يزيد بنِ معاويةَ، وكان عمرو واليًا بالمدينة الشريفةِ.
(ائذن لي أَيُّها الأمير أحدثك) بالجزمِ جوابًا للأمرِ. (قولًا) مفعولٌ ثانٍ لأحدثك. (قام به النبيُّ) في نسخةٍ: "قام به رسولُ الله". (الغد) بالنصبِ على الظرفيةِ أي: غد يومِ الفتحِ. (سمعته أذناي ... إلخ) فيه: تأكيدٌ ومبالغةٌ في تحقيق ما قبله، و (أذناي) أصله: أذنان لي وسقطت النونُ واللام؛ لإضافته لياء المتكلم، وهذه الجملةُ وجملةُ قام به النبيُّ صفتان لقولًا. والمعنى: أنه لم يكن اعتماده على الصوت فقط، بل عليه مع التثبت والمشاهدة. والتاءُ في سمعته وفي أبصرته للتأنيث، لأنَّ كل ما ثُنِّيَ في الإنسانِ من الأعضاءِ، كاليدِ، والعين والأذن فهو مؤنث؛ بخلافِ الأنف والقلب ونحوهما.
(حين) ظرفٌ لقام وما بعده (حمد الله وأثنى عليه) بيان لقوله: (تكلَّم به) أي: بالقولِ، والعطفُ في ذلك من عطف العامِ على الخاصّ. (حرَّمها الله) أي: يوم خلق السمواتِ والأرضَ من غير سبب يعزى لأحدٍ، وهذا لا ينافيه حديثُ: "أن إبراهيم ﵇ حرَّم
стр. 331
مكة" (١) لأنَّ المرادَ: أنه بلغ حرمَ الله، وأظهره بعد أنْ رفعَ البيتَ إلى السماءِ وقت الطوفانِ، واندرست حرمتها، وإلا فهي محرمةٌ من يومِ خلقِ الله السموات والأرض.
(يؤمنُ بالله واليومِ الاخر) إشارة إلى المبْدَأ والمُعَاد، وكل ما يجب الإيمانُ به لا يخرجَ عنهما، وقيد بالمؤمن؛ لأنه الذي ينقادُ للأحكام وينزجرُ، وإلَّا فالكافر أيضًا مخاطبٌ بفروعِ الشريعةِ.
(أنْ يسفك) بكسرِ الفاءِ أشهرُ من ضمِّها، والسفكُ: صبُّ الدماء، أشار بذلك إلى القتل (بها) في نسخةٍ: "فيها". (ولا يعضد) بكسرِ الضادِ أشهرُ من ضمها، وزيدت لا للتوكيدِ (شجرة) أي: ذات ساقٍ، سواء أنبتها الآدميُّ أمْ لا.
(فإن أحدٌ ترخَّص) برفعِ (أحد) بفعلٍ مقدر يفسره ما بعده، والترخُّص من الرُّخصةِ، وهي ما غيِّر من الحكمِ تخفيفًا لعذرِ مع قيامِ الموجب الأولِ لولا العذر. (لِقتال رسولِ الله) تمسَّك به من قال: فتحت مكةُ عنوةً، جوابه عند القائلِ: فتحتْ صُلحًا: أن المعنى ترخَّص بحل القتالِ؛ لأنَّه أحل له ساعة، ولا يلزم من حل الشيءِ وقوعه.
نعم هو ﷺ دخلها متأهبًا للقتال لو احتاج إليه، ولا يعرف أنه ﷺ نصب لهم حربًا فطعن برمحٍ، أو رمى بسهمٍ، أو ضرب بسيفٍ، أو نحو ذلك. وأما قَتْلُه من استحق القتلَ خارج الحرمِ في الحرمِ، فليس من معنى القتالِ في شيءٍ.
(وإنما أَذن لي) بفتحِ الهمزةِ وضمِّها. وليس عدولُه عن قوله له التفاتًا؛ لأنَّ السياق في (لقتال رسولِ الله) حكايةُ قولِ المترخِّص. وسياقُ هذا هو: تضمينه جواب المترخِّص، وقضيةُ الالتفاتِ تقتضي اتحادَ السياقِ.
стр. 332
(ساعة) أي: في ساعة من نهارٍ، وهي من طلوعِ الشمسِ إلى العصرِ. وسيأتي ماله بما ذكر تعلق في بابِ: كتابة العلمِ. (ثم عادتْ حرمتُها اليوم) أي: تحريمُها المقابلُ للإباحةِ المفهومةِ من الإذن. (في اليوم) أي: في الزمنِ الحاضرِ، أو في اليوم المعهود. وهو يوم الفتحِ. (كحرمتها بالأمس) أي: الذي قبل يوم الفتحِ.
(وليبلِّغ) بسكون اللامِ وكسرِها. (ما قال عمرو) أي: في جوابِك (أنا أعلمُ منك) أي: بمعنى الحديث. والجملةُ معترضةٌ بين القولِ ومقولهِ أعني (لا تعيذُ) وهو خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي: مكة. وهو: بفوقيةٍ وذالٍ معجمةٍ أي: لا تعصمْ. وفي نسخة: "بتحتية"، وفي أخرى: "إنَّ الحرمَ لا يعيذُ" فضمير تعيذ في الأولى لمكةَ. وفي الثانيةِ للحرمِ، كالثالثةِ.
(عاصيًا) أي: بظلمٍ أو نحوه. (ولا فارًّا بدمه) أي: ملتجئًا إلى الحرمِ ملتبسًا بدمِ غير حق خوفًا من القصاصِ. (ولا فارًّا بخربة) أي: بسببِها وهي بفتح المعجمةِ، وسكون الراءِ، وبموحدة: السرقة، وأصلها: سرقة الإبلِ، وفي نسخةٍ: "بخربة" بضمِّ الخاءِ يعني: السرقةَ، فزاد فيها التفسيرَ، وفي نسخةٍ: "بخربة" بضم الخاءِ أي: الفسادَ، وفي أخرى: "بخربة" بكسر المعجمةِ، وسكون الراءِ، وفي أخرى: بجيم مكسورةٍ، وياء تحتية، وفي أخرى: "بجنايةٍ وبلية". وقد حاد عمروُ عن الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهره الحقُّ وهو (لا تعيذ ... إلخ) لكنَّه أراد به الباطلَ. فإن أبا شريح الصحابي أنكر عليه بعثَ الخيلِ إلى مكةَ واستباحة حرمتها بنصبِ الحربِ عليها، فأجابه: بأنه لا يمتنع من إقامةِ القصاصِ، وهو الصحيحُ.
إلَّا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءُ، بل هو
стр. 333
أولى بالخلافةِ من يزيد بن عبد الملك، لأنه بويع قبلَه، وهو صحابيٌّ.
وفي الحديثِ: دعايةُ الرفقِ في الإنكار، كما أستأذن عمروُ أبا شريح، وتقديمُ الحمد على المقصود، وشرفُ مكةَ، وإثباتُ القيامةِ، واختصاصُ الرسولِ بخصائص، وجواز النسخ، إذ نسختْ الإباحةُ للرسولِ بالحرمةِ، وجوازُ المجادلة، ومخالفةُ التابعيِّ للصحابيِّ بالاجتهادِ.
١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ". وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ ذَلِكَ "أَلا هَلْ بَلَّغْتُ" مَرَّتَيْنِ.
[انظر: ٦٧ - مسلم ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٩٩]
(عبد الله بن عبد الوهاب) هو: ابن محمد الحجبيُّ: بفتح المهملةِ والجيم، وبالموحدةِ. (حمَّاد) أي: ابن زيدِ البصريُّ. (عن أيوب) أي: السختيانيّ. (عن محمد) هو: ابن سيرين. (عن أبي بكرة) اسمُه: عبدُ الرحمن. (ذكر النبيّ) بضم الذالِ، وكسر الكافِ. وفي نسخةِ: بفتحها فالنبيُّ مرفوعٌ على الأولِ، ومنصوبٌ على الثاني. (قال) في نسخة: "فقال" وهو بدل اشتمال من النَّبي بتأويله بالمصدر.
(فإن دماءكم) الفاءُ: عاطفةٌ؛ لمدخولها على مثل مقولِ القولِ السابق عليها في باب: (رُبَّ مبلِّغٍ) واقتصر هنا على المعطوفِ؛ لأنه المقصود من بيانِ التبليغ. (قال محمد) أي: ابن سيرين. (وأحسبه) أي: وأظن ابن أبي بكرةَ.
(وأعراضكم) بالنصبِ عطفٌ على (دماءكم) والجملةُ بينهما معترضةٌ، والمراد بالعرضِ: الحسبُ، وقيل: الأخلاقُ النفسانيةِ، وظن
стр. 334
محمدٍ هنا ذلك لا ينافي جزمه به في رواية أخرى لاحتمال تقدم أحدهما على الآخرِ. (عليكم حرام) معلومٌ بالعقلِ أن أموال الشخص لا تُحرَّم عليه فالمراد: أن أموالَ كلِ واحدٌ منكم حرام على غيرهِ، ويؤيده روايةُ: "بينكم" (١) بدل عليكم. كان ذلك بيانًا لقوله.
(صدق) أي: كان إخبارُه ﷺ بأنه سيقع التبليغُ بعد، فيكون الأمرُ في (ليبلِّغ) بمعنى الخبر؛ لأنَّ التصديقَ إنما يكونُ للخبرِ، لا للأمرِ. (ألا هَلْ بلغت) بتخفيف ألا أي: ألا يا قومِ هل بلغت، أي: امتثلت قولَه تعالى: (بلغ ما أنزل إليك) [المائدة: ٦٧] وهل للاستفهام على أصلِها، أو بمعنى: قد، كما في قولهِ تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١].
(مرتين) متعلقٌ بقال مقدرة أي: قال ﷺ : ألا هل بلغت مرتين. لا أنه قال جميع ما ذكر مرتين؛ لأنَّه لم يثبت، فقوله (كان محمد ... إلخ) اعتراض بين كلامه ﷺ .
وفي الحديث: بيانُ حرمةِ مكةَ، وتحريمُ القتل، والغصب، والغيبة، وفيه تكرار الكلام.
٣٨ - بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
(باب: من كذب على النَّبي ﷺ ) أي: بابَ بيانِ ذلك.
١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَكْذِبُوا
стр. 335
عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ".
[مسلم: ١ - فتح: ١/ ١٩٩]
(عليُّ بنُ الجعدِ) بفتح الجيمِ، وسكون العين، وبالدال المهملتين (منصور) هو ابن المعتمر. (رِبْعي) بكسر الراء وسكونِ الموحدةِ (ابن حراش) بكسر المهملةِ وبالراء الخفيفةِ، والشين المعجمةِ: ابن جحشٍ الغطفانيُّ.
(لا تكذبوا عليَّ) الكذبُ: عدمُ مطابقة الخبرِ للواقعِ سواءً طابق الاعتقادَ أم لا، وقيل: عدم مطابقته للاعتقادِ، وقيل: عدمُ مطابقتهِ لهما، ولا فرق بين الكذبِ عليه، والكذب له، فمعنى قوله (عليَّ): نسبةُ الكلامِ إليه كذبًا، سواءُ كان عليه أم له.
(فليلج النار) أي: فليدخلها. قيل: الشرطُ سببُ الجزاءِ، فكيف يتصور سببيةِ الكذب للأمر بالولوج؟ وإنَّما هو سببٌ للولوجِ، وأجيب: بأنه سببٌ للازمِ الأَمرِ بالولوجِ، وهو الإلزام به، أو هو الأمرُ، ومعناه الخبرُ، ويؤيده خبرُ مسلمٍ: "من يكذبُ علي يلج النار" (١)، والمرادُ كما قال النوويُّ: إنَّ هذا جزاؤه، وقد يُجازى به، وقد يعفو الله عنه، ولا يقطع له بدخولِ النَّارِ، كسائر أصحابِ الكبائرِ غير الكفرِ ثم إن جُوزيَ وأدُخلَ فلا يخلدُ فيها، بل لا بدَّ من خروجه منها بفضلِ الله ورحمتهِ (٢).
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
[فتح: ١/ ٢٠٠]
стр. 336
(لا أسمعك) في نسخةٍ: "إني لَاسمعك تُحدِّث ... الخ" المعنى: لأسمع تحدثيك عن رسول الله ﷺ ، كتحديث فلانٍ وفلانٍ. (أما إني لم أفارقه) بتخفيف ميم أما وهي حرف تنبيه، وبكسر همزة إني، والمرادُ: نفيُ المفارقةِ العرفيةِ. أي: الملازمة حضرًا وسفرًا على عادةِ ملازمةِ الملوكِ، فلا تضرُّ مفارقته له بعض الأحيانِ.
(ولكن سمعته يقول) في نسخةٍ: "ولكني" وفي أخرى: "ولكنني" ووجهُ الاستدراكِ: أن من لازم عدمَ المفارقة السماع، ولازم السماعَ التحديث، ولازم ما رواه في الجواب أن لا يحدّث، فبين الملازمتين منافاةٌ، وعبَّر بيقول مع أنَّ المناسبَ لسمعت: قال، لاستحضارِ صورة القولِ للحاضرين، والحكاية عنها. (فليتبوأ) بسكون اللام أشهر من كسرِها أي: فليتخذ مقعدَه. (من النارِ) من بيانية أو ابتدائية، أو بمعنى في، وفي وقوع فليتبوأ جوابًا للشرط ما مرَّ في فليلج النار، أو هو أمرُ تهديدٍ، أو دعاء أي؛ بوأه الله.
وفي الحديثِ: أنَّه لا يجوز التحدُّث عنه ﷺ بالشد وغالبِ الظنِّ حتى يتيقن سماعُه.
١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
[مسلم: ٢ - فتح: ١/ ٢٠١]
(أبو معمر) اسمُه: عبدُ الله بنُ عمرو المنقريُّ. (عبد الوارث) أي: ابنُ سعيد التيمي. (عبد العزيز) أي: ابن صُهيب البصريُّ.
(ليمنعني أن أحدثكم ... إلخ) ومعنى كون الحديث الذي ذكره يمنعه من الحديثِ الكثيرِ وإنْ كان لا يمنع الصادقَ أنه قد يجر إلى الوقوعِ في كذبٍ، فإنَّ من حام حول الحمى يوشك أنْ يقع فيه وإنْ لم
стр. 337
يكن بالقصدِ. (كذبًا) نكرة في سياق الشرط، كما في سياقِ النفيّ، فيعمُّ تحريمُ الكذبِ جميعَ أنواعهِ، ولو في النومِ.
وقد ذهب الشيخُ أبو محمدِ الجوينيُّ (١) إلى كفر من كذب عليه ﷺ متعمدًا وردَّه عليه ولده إمام الحرمين، وقال: إنه من هفواته.
١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
[فتح: ١/ ٢٠١]
(حدثنا المكيّ) في نسخةٍ: "حدثني المكيّ" وفي أخرى: "حدثني مكيّ". (عن سلمة) هو: ابن الأكوع، واسمه: الأكوع سنانُ بنُ عبد الله.
(ما لم أقل) أي: أقله، وكقوله: فعله ونحوه.
١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
[٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣ - مسلم: ٣، ٢١٣٤، ٢٢٦٦ - فتح: ١/ ٢٠٢]
(حدثنا موسى) في نسخةٍ: "حدثني موسى" هو: أبو عوانة. أي:
стр. 338
الوضَّاحُ اليشكريّ (عن أبي حصين) بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين: عثمانُ بن عاصم. (عن أبي صالحٍ) اسمه: ذكوانُ السَّمانُ المدنيُّ.
(تسموا) بفتح التاءِ، والسينِ، والميمِ المشددة: أمرٌ بصيغةِ الجمعِ من باب التفعلِ. (باسمي) أي: كمحمدٍ وأحمدَ. (ولا تكتنوا) بفتح التاءين بينَهما كافٌ ساكنةٌ. وفي نسخةٍ: "ولا تكنَّوا" بفتح التاء والكاف وبنون مشددةٍ مفتوحةٍ من باب التفعلِ. (بكنيتي) أي: بأبي القاسم، وتحريمُ التكني به محله فيمن اسمَه محمد، ولو في غير زمنه، لخبر: "من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي. ومن تكنّى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" رواه ابن حبان وصححه، وقال البيهقي: إسناده صحيح (١)، والذي نصَّ عليه الشافعيُّ: المنعُ مطلقًا لخبر "الصحيحين": "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي".
ورجَّح ابن أبي الدمِ والرافعيُّ الأول بعد نقلهما النصَّ المذكور، وما رجحاه فيه جمع بين الخبرينِ بخلافِ النصّ، وأما تكنيةُ عليٍّ ﵁ ولدَه محمدَ بنَ الحنفيةِ بذلك فرخصةٌ من النبيِّ ﷺ ، كما قاله ابن أبي الدمِ.
стр. 339
قال شيخنا: وأما ما رواه أبو داودَ عن عائشةَ قالتْ: جاءت امرأة إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله إني قد ولدتُ غلامًا، فسميته محمدًا، وكنيته أبا القاسم، فذُكِرَ لي أنك تكره ذلك. فقال: "ما الذي أحل اسمي وحرَّم كنيتي، أو ما الذي حرّم كنيتي وأحل اسمي" فيشبه أنْ يكونَ قبل النهي؛ لأنَّ حديث النهي أصح. انتهى (١).
وضعَّف النوويُّ الأول وقال: الأقربُ أن النهي مختصٌّ بحياتهِ ﷺ لما في الحديثِ (٢) من سبب النهي، وهو أنَّ اليهودَ تكنوا به، وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي ﷺ قالوا: لم نعنك. إظهارًا للإيذاءِ وقد زال ذلك المعنى. انتهى.
وما قال أنه أقرب أخذًا من سببِ النهي مخالفٌ لقاعدةِ إنَّ العبرة بعمومِ اللفظِ، لا بخصوصِ السببِ، بل الأقرب ما رجحه الرافعيُّ، وقال الأسنويُّ: إنه الصوابُ؛ لما فيه من الجمع بين الخبرينِ السابقين، كما مرَّ.
(ومن رآني في المنام فقد رآني) جواب الشرط لازمُ الرؤيةِ، وهو السرورُ لا الرؤية؛ لئلا يتحد الجواب مع الشرط، فيستسر؛ بأنه قد رآني، أو المعنى على التشبيه أي: فكأنَّه رآني في اليقظةِ، ومعنى رؤيته
стр. 340
قيل: رؤية مثاله لا رؤيةَ شخصهِ، والأقربُ كما قال الكرمانيُّ: ما قيل إنها رؤيته حقيقةً، إذ العقلُ لا يحيلهَا، فلا حاجةَ إلا تأويلها، وأما قولهم فأنه قد يُرى على خلافِ صفته، أو في مكانين، فإنه تغييرٌ في صفاتِه، لا في ذاتِه، فتكونُ ذاتُه مرئيةً وصفاتُه متخيلةً، والرؤيةُ: أمرٌ يخلقها الله في الحيِّ، لا بشرطِ مواجهةٍ ولا تحديقِ بصر، ولا كونَ المرئيّ ظاهرًا، بل الشرط: كونه موجودًا فقط حتى يجوز رؤيةُ أعمى الصينِ بقةَ الأندلسِ، ولم يقُمْ دليلٌ على فناءِ جسمِه ﷺ ، بل جاء في الحديثِ ما يقتضي بقاءَهُ (١).
(لا يتمثل في صورتي) أي: لا يتمثل بها.
٣٩ - باب كتَابَةِ العِلْمِ .
(باب: كتابة العلم) أي: بيانها.
١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: "لَا، إلا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ".
[١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦١٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح: ١/ ٢٠٤]
(ابن سلام) في نسخةٍ: "محمد بن سلام". (وكيع) هو: ابن الجرَّاح. (عن سفيان) هو: ابن عيينة، أو الثوريُّ، وكلٌّ صحيح، لأنَّ وكيعًا يروي عن كل منهما. (عن مطرف) بضم الميم وتشديد الراءِ المكسورة: ابن طريف بطاءٍ مهملة. (عن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح
стр. 341
الحاءِ المهملةِ. اسمه: وهب بنُ عبد الله السوائيُّ. (قال: قلت لعلى) في نسخةٍ: "لعليّ بن أبي طالب".
(هل عندكم؟) خاطب به عليًّا بالجمعِ تعظيمًا؛ أو لإرادته مع أهلِ البيت. (كتاب) أي: مكتوب عن النبيِّ ﷺ من أسرارِ علم الوحى، خصكم به، كما تزعم الشيعة. (إلا كتاب الله) بالرفع على الاستثناءِ من معمول لا المقدر، وهو استثناءٌ متصلٌ. (أو فهم) مستثنى أيضًا. أي: مفهوم بالاستنباط من فحوى الكلام.
(أُعطيه) بالبناءِ للمفعولِ. (أو ما في هذه الصحيفةِ) مستثنى أيضًا.
أي: ما في هذه الورقةِ وكانت معلقةً بقبضة سيفه احتياطًا أو استحضارًا، أو لانفراده بسماعها، أو للإشعارِ بأنَّ مصالحَ الدنيا ليست بالسيفِ وحده، بل بالقتلِ، أو الدِّية، أو العفو (وما) في نسخةٍ: "فما". (العقل) أي: الدِّية؛ لأنَّ إبلها تعقل بفناءِ دارِ المستحقِّ والمرادُ: بيان أحكام ذلك.
(فكاك) بكسر الفاء وفتحها: ما يفتك به أي: يخلِّص. يقال: فكَّه وأفتكه بمعنى. (الأسير) فعيل بمعنى مأسور من أسره: شدَّه بالإسار وهو القِد. أي: السير من جلدٍ بكسر القاف وبالمهملة؛ لأنهم كانوا يشدون الأسير به، ثم سمي كل مأخوذٍ أسيرًا، وإن لم يشدُّ به.
(ولا يقتل مسلم بكافر) في نسخةٍ: "وأن لا يقتل" فالعطف عليها عطف مفرد تقديرًا على مفرد، وعلى الأولى عطف جملة على مفرد، كما في نحو قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] والمعني في الصحيفة حكم العقل، وفكاك الأسير وحرمة قتل المسلم بالكافر، وهو مذهب الشافعي وغيره، وخالفه الحنفية فجوزوا قتله بالذمي تمسكًا بما روي أنه ﷺ قتل مسلمًا بذمي،
стр. 342
وقال: "أنا أكرم من وفى بذمته" (١) وأجيب عنه: بأنه ضعيف، ومتروك بالإجماع؛ لأنه روي أن الكافر كان رسولًا فيكون مستأمنًا، وهو لا يقتل به المسلم اتفاقًا وإن صحَّ فمنسوخ؛ لأن ذلك كان قبل فتح مكة، وقد قال ﷺ يوم فتحها في خطبته: "ولا يقتل مؤمن بكافرِ، ولا ذو عهد في عهده" (٢).
١١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا
стр. 343
حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ.
[٢٤٣٤، ٦٨٨٠ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح: ١/ ٢٠٥]
(عن يحيى): هو: ابن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي.
(أن خزاعة) بضم المعجمة وبالزاي حيٌّ من الأزد سميت بذلك؛ لأن الأزد لما خرجوا من مكة وتفرقوا خزعت أي: تخلفت، وأقامت بمكة. (قتلوا رجلًا) اسمه: جندب بن الأكوع الهذلي، واسم قاتله: خراش بن أمية الخزاعي، ففي قوله: قتلوا تجوز حيث عبَّر عن الواحد بالجمع. (بقتيلٍ منهم) أي: من خزاعة، واسم هذا القتيل: أحمس فأخبر بالبناء للمفعول. (راحلته) هي الناقة التي تصلح أن يرحل عليها، ويقال: هي المركوب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى.
(حبس عن مكة القتل) بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية. (أو الفيل) بالفاء المكسورة والمثناة التحتية الحيوان المشهور.
(قال محمد) في نسخة: "قال أبو عبد الله" أي: البخاري. (واجعلوه) بصيغة الأمر، أي: أنتم، وفي نسخةٍ: "وجعلوا" وفي أخرى: "وجعلوه لما بصيغة الخبر فيهما، وبضمير النصب: في ثانيتهما، أي: وجعل الرواة اللفظ على الشك، كذا قال أبو نعيم: القتل أو الفيل، أي: على الشك، فالشك من أبي نعيم وغيره أي: غير أبي
стр. 344
نعيم. يقول: الفيل بالفاء من غير شك، والمراد بحبس الفيل: حبس أصحابه الذين غزوا مكة به، فمنعها الله عنهم، كما أشار إليه تعالى في القرآن، وفيما قاله البخاري تلويح بأن الجمهور على رواية الفيل بالفاء من غير شك وفي نسخة: بدل (قال محمد ... إلخ) "شك أبو عبد الله"، أي: البخاري، فالشك من البخاري نفسه.
(وسلط) بالبناء للمفعول، وهو عطف على حبس عن مكة، وفي نسخة: "وسلط عليهم رسول الله ﷺ ، والمؤمنين" ببناء سلط للفاعل أي: سلط الله. (ألا) بالتخفيف: حرف تنبيه. (وإنها) بكسر الهمزة عطف على مقدر أي: ألا إن الله حبس عن مكة الفيل، (وإنها) في نسخة: "فإنهما".
(لم تحل ... إلخ) المراد به: عدم حل القتال فيها في الزمنين ومحله كما قال النووي: في قتال بما يعم كمنجنيق إذا أمكن إصلاح الحال بدونه، وإلا فقتال أهل البغي أو طائفة تحصنت بمكة، جائز فيها، كما نصّ عليه الشافعي والجمهور (١)، وفي نسخة: بدل (ولا تحل) "ولم تحل" واستشكل بأن "لم" تقلب المضارع ماضيَا، وبعد الاستقبال، فيتنافيان، وأجيب: بأن المعنى: لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل. (ألا وأنها) أي: مكة.
(ساعتي هذه) أي: فيها. (حرام) خبر أن وهو في الأصل خبر مكة وجاز الإخبار به عنها مع أنه مذكر وهي مؤنث لأنه مصدر فيجوز الإخبار به عن المؤنث، كغيره. (لا يختلي) أي: لا يجز شوكها أي: غير المؤذي واليابس.
стр. 345
(ولا يعضد) أي: لا يقطع. (شجرها) أي: غير اليابس. (إلا لمنشد) أي: لمعرف اللقطة أما طالبها فناشد فعلم أن التقاطها للتملك حرام، وهو مذهب الشافعي وغيره، وخالف الإمامان مالك وأحمد وغيرهما، فجوزوا التقاطها في الحرم، كغيره.
(فمن قتل) بالبناء للمفعول، أي: "فمن قتل له قتيل" كما في نسخة. (فهو بخير النظرين) أي: أفضلهما، وقوله: فهو راجع إلى من قتل له قتيل. (إما أن يعقل) بالبناء للمفعول أي: يعطى العقل وهو الدية. (وإما أن يقاد) بالبناء للمفعول. أي: ينقاد قاتل قتيله أي: يقتص منه، فنائب فاعل يقاد: مضمر، ونائب فاعل يعقل قاتل القتيل، وإن كان في تقريرنا ضميرًا مستترا، ففيه: إقامة الظاهر مقام المضمر مع أنه لا يحتاج مع تقريرنا إلى هذا الظاهر.
وجعل بعضهم ذلك من باب التنازع وهو صحيح، لكن مع تعسف زائد، وفي نسخة: بدل (يقاد) "يفاد" بالفاءِ أي: يعطى فداؤه وهو محمولٌ على إعطاء الدية التي لا تتحملها العاقلة، ويعقل على التي تتحملها العاقلة؛ لئلا يلزم التكرار، وفيما ذكر جواز القصاص في الحرم، وهو مذهب الشافعي، فإنكار النَّبي ﷺ على خزاعة ليس لكون القصاص في الحرم بل لجواز أنهم قتلوا غير القاتل على عادة الجاهلية، وفيه بالنظر إلى الجمع بين الأحاديث: أن المستحق مخير بين أن يأخذ حقه بعينه، وأن يعفو على الدية، إذ لم يرد القصاص، وأن يعف مطلقًا وهذا لا يستلزم أن الواجب أحدهما لا بعينه، كما قال به جماعة.
(فجاء رجل من أهل اليمن) هو: أبو شاهٍ بشين معجمة وهاء منونة. (وقال: اكتب لي) أي: الخطبة التي سمعتها منك. (لأبي فلان)
стр. 346
أي: لأبي شاه. (فقال رجل من قريش) هو العباس بن عبد المطلب.
(إلا الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال، وكسر الخاءِ المعجمتين وهو نبت معروف طيب الرائحة، ونصبه على الاستثناءِ وجوز بعضهم رفعه على أنه بدل بعض مما قبله، وكأنه جعل إلا بمعنى غير.
(فإننا نجعله في بيوتنا) أي: نسقف به فوق خشبها. (وقبورنا) أي: نسد به فرج لحدها المتخللة بين اللبنات.
(فقال النبيّ ﷺ : إلا الإذخر) قاله اجتهادًا أو أوحي إليه في الحال باستثناء ذلك أو قبله بأنه إن طلب منك أحدٌ استثناء شيءٍ فاستثنه، وفي نسخة: "إلا الإذخر مرتين" فالثانية للتأكيد.
وفي الحديث والذي بعده غير ما مرَّ: جواز كتابة العلم خلافًا لمن كرهه محتجًا بخبر مسلم: "لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب غير القرآن فليمحه" (١)، قال الكرماني: وكان في ذلك خلاف ثم أجمعوا على الجواز بل على الاستحباب، وحملوا النهي على أنه في حقّ من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة، وحديث أبي شاه على من لا يوثق بحفظه أو كان النهي عند خوف الاختلاط بالقرآن وقد أمن ذلك أو النهي عن كتابة القرآن والحديث في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشبته على القارئ أو النهي للتنزيه أو منسوخ (٢). وبالجملة فقد كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا حفظه لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونه، وأول من دون الحديث ابن
стр. 347
شهاب الزهريّ على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم أكثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير.
١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: "مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إلا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ" تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[فتح: ١/ ٢٠٦]
(سفيان) أي: ابن عيينة. (حدثنا عمرو) هو: ابن دينار المكي.
(عن أخيه) اسمه: همام بن منبه.
(أكثر حديثًا) بنصب أكثر خبر ما، وهو أفعل تفضيل، وجاز وقوع الفاصلة بينه وبين من في قوله: "منِّي"؛ لأنها ليست أجنبية وفي نسخة: "أكثر" بالرفع صفة، أحد (فما) مهملة، و (أحد) مبتدأ وخبره من أصحاب النبي.
(إلا ما كان من عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاص وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمله؛ لأنه سكن مصر وكان الوار دون إليها قليلًا، وأبو هريرة سكن المدنية، وهي مقصد المسلمين من كلِّ جهة، والاستثناء كما قال الكرماني يحتمل الانقطاع، أي: لكن الذي كان من عبد الله أي: الكتابة لم تكن منِّي، والخبر محذوف بقرينة باقي الكلام، ويحتمل الاتصال؛ نظرًا إلى المعنئ؛ لأن حديثًا وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه فكأنه قال، ما أجد حديثه أكثر من حديثي، إلا أحاديث حصلت من عبد الله (١).
(تابعه) أي: وهب بن منبه في روايته هذا الحديث. (معمر عن همام) أي: ابن منبه.
стр. 348
١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ" قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ" فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ".
[٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦ - مسلم: ١٦٣٧ - فتح: ١/ ٢٠٨]
(يحيى بن سليمان) أي: ابن يحيى الجعفي. (عن وهب) هو عبد الله المصري. (يونس) هو: ابن يزيد الأيلي. (عن عبيد الله بن عبد الله) أي: ابن عتبة بن مسعود.
(وجعه) أي: الذي توفى فيه. (ائتوني بكتاب) أي: بما من شأنه أنه يكتب فيه، كالكاغد وعظم الكتف، أو بأدوات كتاب: كقلم ودواة فالمراد بالكتاب: الكتابة.
(أكتب) بالجزم جواب الأمر ومعنى كتابته مع أنه أميٌّ: أنه يأمر بها، أو أنه يأتي بها؛ لأن الأميَّ من لا يحسن الكتابة لا من لا يقدر عليها، وقد ثبت في الصحيح أنه كتب بيده. (لا تضلوا) بفتح التاءِ وبالجزم، بدل من جواب الأمر، وفي نسخة: "لن تضلوا".
(حسبنا) خبر مبتدأ محذوف أي: وهو حسبنا أي: كافينا، فلا نكلف رسول الله ﷺ ما يشق عليه، وهذا تتمة كلام عمر، والأمر في ائتوني للإرشاد والندب، لا للوجوب. وإلا لما ساغ لعمر الاعتراض على أمر الرسول، ولما ترك الرسول الإنكار عليه.
(وكثر اللغط) بفتح اللام وبالمعجمة ساكنة، ومفتوحة، أي: الصوت، بسبب اختلاف الصحابة. (قال) في نسخة: "فقال" وفي
стр. 349
أخرى: "وقال". (قوموا عنِّي) أي: اذهبوا عنِّي.
(إن الرزيئه) بفتح الراءِ وكسر الزاي بياء ساكنة ثم همزة، أي: المصيبة، وكثيرًا ما تقلب الهمزة ياءً وتدغم فيها الياء قبلها. (كل الرزية) بالنصب على التوكيد. (ما حال) أي: حجز.
٤٠ - بَابُ العِلْمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيْلِ .
١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ".
[١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤، ٦٢١٨، ٧٠٦٩ - فتح: ١/ ٢١٠]
(باب: العلم والعظة بالليل) في نسخة: "واليقظة بالليل" وفي نسخة: تأخير هذا الباب عن الباب الآتي.
(صدقة) هو ابن الفضل المروزي. (عن ابن عيينة) هو سفيان. (عن هند) هي بنت الحارث الفراسية بكسر الفاءِ وبالسين المهملة، وفي نسخة: "عن امرأة". (عن أمّ سلمة) هي من أمهات المؤمنين واسمها: هند بنت سهل بن المغيرة.
(وعمرو ويحيى) بالجر عطف على معمر وبالرفع استئناف والمعنى: أن ابن عيينة حدث عن معمر عن الزهريّ أيضًا، لكنه حذف صيغة الأداءِ على عادته، وفي نسخة البخاري: "وعمرو ويحيى" وعمرو هو ابن دينار. (عن هند) في نسخة: "عن امرأة".
(استيقظ) أي: تيقظ من النوم.
(النبيُّ) في نسخة: "رسول الله". (ذات ليلة) بزيادة ذات للتوكيد،
стр. 350
وقال الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه. (سبحان الله) بمعنى التنزيه، ضمن هنا معنى التعجب.
(ماذا) استفهام ضمن معنى التعجب والتعظيم. (أنزل الليلة) في نسخة: "أنزل الله الليلة".
(من الفتن) أي: العذاب، وعبر بها عنه؛ لأنها سببه. (من الخزائن) أي: خزائن الرحمة أخذا من قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] والمراد: أنه ﷺ أوحي إليه في المنام، أو في اليقظة أنه سيقع بعده فتن، وتفتح لهم الخزائن، وهلذا من معجزاته، فقد وقع بعده الفتن.
وفتحت الخزائن من فارس والروم، وغيرهما. (أيقظوا) أي: نبهوا. (صواحب الحجر) في نسخة: "صواحبات الحجر" وهنَّ أزواجه ﷺ والحجر بضم المهملة وفتح الجيم: منازلهن، وخصهن بالذكر؛ لأنهنَ الحاضرات حينئذ.
(فَرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا) أثوابًا رقيقة لا تمنع إدراك لون البشرة لغير زوجها أو نفسه. (عارية في الآخرة) من الثواب ندبهنَّ بذلك إلى الصدقة، وترك السرف، والاقتصار على أقلّ الكفاية فهو بيان موجب الاستيقاظ، أي: لا ينبغي لهن أن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أزواج النبيّ ﷺ قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ورب هنا للتكثير وإن كانت أصلها للتقليل والتحقيق فيها أنها ليست للتقليل دائما خلافًا للأكثرين دلالة للتكثير دائمًا خلافًا لابن درسويه وجماعة بل ترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا، وهي متعلقة وجوبًا بفعلٍ ماضٍ مقدرٍ متأخرٍ، كعرفتها ويجوز في عارية الجر صفة لكاسية المجرورة بربَّ والرفع خبر مبتدأ محذوف.
стр. 351
٤١ - باب السَّمَرِ بِالْعِلْم .
(باب: السمر بالعلم) بفتح السين والميم: الحديث بالليل، وفي نسخة: "في العلم" وفي أخرى: "باب في العلم والسمر".
١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ".
[٥٦٤، ٦٠١ - مسلم ٢٥٣٧ - فتح: ١/ ٢١١]
(حدثني الليث) في نسخة: "حدثنا الليث". (عن عبد الرحمن بن خالد) في نسخة: زيادة "ابن مسافر" وفي أخرى: بعد (حدثني الليث) "حدثه عبد الرحمن". (عن سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر. (أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة.
(صلى بنا) في نسخة: "لنا". (النبي) في نسخة: "رسول الله ﷺ ". (العشاء) أي صلاة العشاء. (في آخر حياته) أي: قبل موته بشهر.
(أرأيتكم) بهمزة استفهام، وتاء الخطاب، والرؤية هنا بصرية، وكم: حرف خطاب بمنزلة تنوين أو تأنيث لا محل له من الإعراب، إذ لو كان ضميرًا لقال أرأيتموكم؟ لأن الخطاب لجمع، والمعنى: أخبروني فهو من إطلاق السبب على المسبب؛ لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها ففيه: كما قال الزمخشري تجوزان إطلاق الرؤية، وإرادة الإخبار، لأنها سببه، وجعلوا الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب.
(ليلتكم) أي: شأن ليلتكم أو خبرهما بما يحدث بعدها. (فإن رأس) في نسخة: "فإن على رأس" وعليها فاسم (إن) ضمير الشأن وخبرها على النسختين (لا يبقى ... إلخ).
стр. 352
(منها) أي: من تلك الليلة. (لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) أي: ممن هو موجود عليها الآن، فخرج من في السماء، كعيسى، ومن في السحاب، كالخضر، ومن في الهوى والنار، كإبليس، ومن يولد بعد.
١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الغُلَيِّمُ" أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ.
[١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ١/ ٢١٢]
(الحكم) أي: ابن عتينة. (خالتي) لأنها أخت أمه: لبابة الكبرى بنت الحارث. (فصلى العشاء) أي: في المسجد، وفاء فصلى هي التي تدخل بين المجمل والمفصل، كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] لا المرتبة لما بعدها على ما قبلها؛ لأن مدخولها كان قبل كونه ﷺ عند ميمونة لا بعده.
(نام الغُليم) أي: ابن عباس، والتصغير فيه للشفقة نحو: يا بُني، ونام استفهام حذفت همزته لقرينة المقام، قيل: أو إخبار منه لله لميمونة بنومه.
(أو كلمة تشبهها) أي: تشبه كلمة نام الغليم، والشك من ابن عباس، وأراد بالكلمة الكلام على حد كلمة الشهادة.
(عن يساره) بفتح الياءِ أشهر من كسرها. (فصلى) في نسخة:
стр. 353
"وصلّى". (ثم صلى ركعتين) فصلهما عن الخمس إما لأنهما بسلام [والخمس بسلام] (١) أو لاقتداء ابن عباس به في الخمس فقط. (غطيطه) أي: شخيره: وهو صوت أنفه عند استثقال نومه. (أو خطيطه) هو الممدود من صوت النائم، وقيل هو بمعنى: الغطيط، والشك من ابن عباس.
(ثم خرج إلى الصلاة) أي: ولم يتوضأ؛ لأن من خصائصه أن نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، ولا يعارضه حديث نومه لله في الوادي إلا أن طلعت الشمس؛ لأن الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب.
ووجه مناسبة الحديث للترجمة: أن قوله: نام الغليم مع ما جرت به العادة عند اجتماع الأقارب والأضياف من وقوع المؤانسة والإكرام بالتحدث، وحديثه ﷺ لا يخلو عن علم فكان سمرًا بالعلم وأيضًا من عادة البخاري أن يذكر حديثًا لا يدل بنفسه على الترجمة، بل بباقي طرقه فقد جاء في بعض طرق الحديث: أنه ﷺ كان يحدث أهله وابن عباس حاضر وحديثه لا يخلو من علمٍ كما مرَّ.
وفي الحديث: بيان حذق ابن عباس وفضله على صغر سنه حيث رصد النبي ﷺ طول ليله، وقيل إن أباه أوصاه بذلك ليطلع على عمله بالليل، وفيه: جواز الجماعة في النافلة وجواز المعمل اليسير في الصلاة، وجواز الصلاة خلف من لا ينوي الإمامة، وجواز بيتوتة الأطفال عند المحارم، وإن كانت عند زوجها والإشعار بقسمه ﵇ بين زوجاته، وجواز التصغير على وجه الشفقة، وبيان أن موقف
стр. 354
المأموم الواحد عن يمين الإمام وأن صلاة الصبي صحيحة، ونوم الرجل مع امرأته في غير مواقعةٍ بحضرة بعض محارمها ولو كان مميزًا، وجواز الرواية عند الشك بشرط التنبيه عليه وغير ذلك.
٤٢ - باب حِفْظِ العِلْمِ .
(باب: حفظ العلم) لفظ: (باب) ساقط من نسخة.
١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ".
[١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤ - مسلم: ٢٤١٢ - فتح: ١/ ٢١٣]
(عبد العزيز بن عبد الله) أي: الأويسي.
(أكثر أبو هريرة) أي: من رواية الحديث، وهو حكاية كلام الناس، أو وضع الظاهر موضع المضمر، وإلا لقال: أكثرت. (ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثنا) بقية كلام أبي هريرة، وحذف اللام من جواب (لولا) وهي جائز، والمعنى: لولا أن الله ذمَّ كاتم العلم لما حدثتكم فإن كتمان العلم حرام. (ثم يتلو) بقية كلام الأعرج وذكر المضارع استحضارًا لصورة التلاوة، وفي نسخة: "ثم تلا".
(إن إخواننا) ترك فيه العاطف؛ لأنه استئناف، كالتعليل للإكثار؛ جوابًا للسؤال عنه، وإنما لم يقل: إخوانه أي: إخوان أبي هريرة قصدًا للالتفات وجمع الضمير ولم يقل: إخواني قصدًا لإدخال نفسه وغيره
стр. 355
من أهل الصفة، والمراد: أخوة الإسلام.
(يشغلهم الصفق) بفتح أوله وثالثه، وحكي بضم أوله وكسر ثالثه وهو غريب، والصفق بسكون الفاء، كناية عن التبايع؛ لأنهم كانوا يضربون فيه يدًا بيد عند المعاقدة. (بالأسواق) أي: فيها والسوق يذكر ويؤنث سمي بذلك لقيام الناس فيه على سوقهم.
(العمل في أموالهم) أي: القيام على مصالح زرعهم. (وإن أبا هريرة) عدل عن قوله: و (إني)؛ لقصد الالتفات. (بشبع) بفتح الموحدة أشهر من سكونها، وفي نسخة: "لشبع" باللام بدل الباء، وكلاهما للتعليل، وفي أخرى: "ليشبع بطنه" والمعنى: أنه كان يلازم النبي قانعًا بالقوت لا يتجر ولا يزرع. (ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون) أشار بالأول: إلى المشاهدات، وبالثاني: إل المسموعات، ولا ينافي ذلك ما مرَّ في خبر أبي هريرة: ما من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثًا عنه منِّي إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (١)؛ لأن عبد الله كان أكثر تحملا وأبا هريرة أكثر رواية.
١١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ضُمَّهُ" فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ.
[انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ١/ ٢١٥]
(أحمد بن أبي بكر) زاد في نسخة: "أبي مصعب" وهو كنية