ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾) هي ذو القعدة أي: واعده أن يكلمه بعد صومها فصامها، فلما تمت أنكر خلوف فمه فاستاك، فأمره اللَّه بصيام عشرة أخرى ليكلمه بخلوف فيه كما قال. (﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾) أي: من ذي الحجة. (﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾) أي: وقت وعده بكلامه إياه. (﴿أَرْبَعِينَ﴾) حال. (﴿لَيْلَةً﴾) تمييز. (﴿وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ﴾) عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة. (﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾) أي: أمرهم. (﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾) أي: للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه. (﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَال رَبِّ أَرِنِي﴾) أي: نفسك. (﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَال لَنْ تَرَانِي﴾) أي: في الدنيا، والتعبير به دون لن أرى يفيد إمكان رؤيته، كيف لا وقد تواترت الأخبار أن المؤمنين يرونه في الآخرة (١)، ورآه نبينا ﷺ في الدنيا في الإسراء (٢).
(﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾) الذي هو أقوى منك. (﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾) أي ثبت. (﴿مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾) أي: تثبت لرؤيتي وإلا فلا طاقة لك. (﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾) أي: أظهر من نوره قدر أنملة الخنصر كما في حديث صححه الحاكم (٣). (﴿لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾) أي: مدكوكًا مستويًا بالأرض. (﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾) أي: مغشيًّا عليه لهول ما رأى. (﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ﴾) تنزيهًا لك. (﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾) أي: من سؤال
стр. 3643
ما لم أؤمر به. (﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾) أي: في زماني، وفي نسخة: عقب قوله: (﴿قَال لَنْ تَرَانِي﴾: "إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ".
(يقال: دكه) أي: (زلزله). (﴿فَدُكَّتَا﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا﴾ معناه: (فدككن) ثنى أولًا باعتبار اللفظ، وجمع ثانيًا باعتبار المعنى، وإلى ذلك أشار بقوله: (جعل الجبال كالواحدة) كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ ولم يقل: كن رتقًا ملتصقتين).
(﴿وَأُشْرِبُوا﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ معناه: خالط صاحب العجل قلوبهم كما يخالط الصبغ الثوب كما أشار إليه بقوله (ثوب مشرَّب: مصبوغ) أي: ليس أشربوا من شرب الماء، بل من الشرب بمعنى: الاختلاط، أي: اختلط حب العجل بقلوبهم كما يختلط الصبغ بالثوب (﴿فَانْبَجَسَتْ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ معناه: (انفجرت). (﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾) معناه: (رفعناه).
٣٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ".
[انظر: ٢٤١٢ - مسلم: ٢٣٧٤ - فتح ٦/ ٤٣٠]
(سفيان) أي: ابن عيينة. (يصعقون) إلى آخره، مرَّ شرحه في باب: ما يذكر في الإشخاص والملازمة (١).
стр. 3644
٣٣٩٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ".
[انظر: ٣٣٣٠ - مسلم: ١٤٧٠ - فتح ٦/ ٤٣٠]
(عبد الرازق) أي: ابن همام. (معمر) أي: ابن راشد. (همام) أي: ابن منبِّه.
(لولا بنو إسرائيل) إلى آخره، مرَّ شرحه في باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١).
٢٦ - باب طُوفَانٍ مِنَ السَّيْلِ .
يُقَالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ طُوفَانٌ، القُمَّلُ: الحُمْنَانُ (٢) يُشْبِهُ صِغَارَ الحَلَمِ، ﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]: حَقٌّ، ﴿سُقِطَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ".
[فتح ٦/ ٤٣١]
(باب: طوفان من السيل) ساقط من نسخة، وسقط من أخرى: (طوفان من السيل)، فبان كالفصل مما قبله، وما بعده ليس بترجمة، وفسر البخاري الطوفان في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. بما يكون من السيل، وفسره غيره بكثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزرع والثمار، وبكثرة الموت، وبالماء والطاعون (٣).
стр. 3645
(﴿وَالْقُمَّلَ﴾) أي: في الآية معناه: (الحمنان) بفتح المهملة وسكون الميم: قراد. (يشبه صغار الحلم) بفتح الحاء واللام جمع حلمة: وهي القراد العظيم، وقيل: دودة تقع في جلد الشاة (١) وفسر غير البخاري القمل بالسوس الذي يخرج من الحنطة وبالبراغيث (٢).
(﴿حَقِيقٌ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ معناه: (حق) وفسره غيره: بحريص.
(﴿سُقِطَ﴾). أي: في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ معناه: ندموا على عبادة العجل كما أشار إليه بقوله: (كل من ندم فقط سقط في يده).
٢٧ - بَابُ حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉
(باب: حديث الخضر مع موسى ﵉ لفظ: (باب) ساقط من نسخة، والمراد بيان ذلك.
٣٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الفَزَارِيُّ، فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَال: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَال: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَال: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجُعِلَ لَهُ الحُوتُ آيَةً، وَقِيلَ
[الكهف: ٧٥ - ٧٧] مَائِلًا، أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، - وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ، فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مَائِلًا إلا مَرَّةً -، قَال: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ، لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَال: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، قَال النَّبِيُّ ﷺ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، - قَال سُفْيَانُ -، قَال النَّبِيُّ ﷺ "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوْ كَانَ صَبَرَ لَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا" وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا" وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ " ثُمَّ قَال لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ، قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو، أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟، فَقَال: مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ، وَرَوَاهُ أَحَدٌ، عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ".
[انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح ٦/ ٤٣١]
(سفيان) أي: ابن عيينة. (أن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل) إلى آخره، مرَّ شرحه في كتاب: العلم، في باب: ما يستحب للعالم إذا سئل، أي: الناس أعلم (١).
٣٤٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ابْنُ الأَصْبِهَانِيِّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ".
[فتح ٦/ ٤٣٣]
(ابن المبارك) هو عبد اللَّه. (أنه) في نسخة: "لأنه".
(على فروة بيضاء) قيل: هي جلدة وجه الأرض جلس عليها الخضر فأنبتت وصارت خضراء بعد أن كانت جرداء. واختلف في نبوته، وفي اسمه، واسم أمه، وفي حياته، ومرَّ بيانها في كتاب: العلم.
стр. 3649
(قال الحموي) هو أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن حمويه. (عن سفيان) أي: ابن عيينة، وقوله: (قال الحموي) إلى آخره ساقط من نسخة.
٢٨ - باب .
(باب) ذكره بلا ترجمة فهو كالفصل مما قبله.
٣٤٠٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿ادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ".
[٤٤٧٩، ٤٦٤١ - مسلم: ٣٠١٥ - فتح ٦/ ٤٣٦]
(﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾) أي: باب القرية المذكورة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ واسمها: إيليا من بيت المقدس، أو بيت المقدس أو أريحا، أو مصر، أو بلقاء، أو الرملة. (﴿سُجَّدًا﴾) أي: منحنين ركوعًا، وقيل: خضوعًا. (﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾) أي: مغفرة، أو لا إله إلا اللَّه، أو حُطّ عنا ذنوبنا. (﴿فبدلوا﴾) أي: غيروا لفظ: (حطة) بقولهم: حنطًا سمقاتًا. أي: حنطة حمراء استخفافًا بأمر اللَّه تعالى. (يزحفون على أستاههم) أي: مستلقين وروي "على أوراكهم" (١) أي: منحرفين، واستاه جمع ستة كحمل وأحمال. وستة أصل است وهو العجز، وقد يراد به حلقة الدبر قاله الجوهري (٢). (وقالوا حبة في شعرة) بفتح
اسم امرأة فرعون: آسية كما سيأتي (١): وهي بنت مزاحم وآمنت لما غلب موسى سحرة فرعون.
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".
[٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨ - مسلم: ٢٤٣١ - فتح: ٦/ ٤٤٩]
(كمل) بتثليث الميم. (ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران) قيل فيه دلالة على نبوتهما؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، ورد ذلك بأنه لا يلزم من لفظ الكمال نبوتهما؛ لأنه يقال لتمام الشيء وتناهيه، فالمراد تناهيهما في جميع الفضائل التي للنساء، وقد نقل الإجماع على عدم نبوتهن، لكن نقل عن الأشعري: أنه نُبيَّ من النساء ستّ: حواء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية (٢).
(وإن فضل عائشة على النساء). أي: نساء أمته ﷺ . (كفضل الثريد على سائر الطعام) أي: لأنه أفضل طعام العرب ولا يكون غالبًا إلا باللحم، وهذا لا تصريح فيه بأفضلية عائشة على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسر المؤنة وسهولة الإساغة وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من
стр. 3657
جهات أخرى، وقد بسطت الكلام على بيان أفضل النساء في "شرح البهجة" وغيره.
٣٣ - باب ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الآيَةَ [القصص: ٧٦]
﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦]: لَتُثْقِلُ " قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] لَا يَرْفَعُهَا العُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ. يُقَالُ: ﴿الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]: المَرِحِينَ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٨٢]: مِثْلُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]: وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ".
[فتح: ٦/ ٤٤٨]
(باب: ﴿إنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾) الآية. قارون هو ابن عم موسى، أو ابن خالته، أو عمه؛ وهو غير منصرف؛ للعلمية والعجمة.
(﴿لَتَنُوءُ﴾) معناه: (لتثقل). ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ معناه: (لا يرفعها) أي: المفاتيح. (العصبة من الرجال). أي: الجماعة منهم، وحاصل معنى الآية: وآتينا قارون ما إن مفاتحه لتئقل بالجماعة أصحاب القوة أي: تثقلهم، فالباء في ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ للتعدية، أو الكلام مقلوب أي: لتنوء بها العصبة. (﴿الْفَرِحِينَ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: (المرحين) أي: البطرين. ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ معناه: (مثل) معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ في أن كلأ منهما للتعجب؛ لأن ويكأن مركب عند البصريين من وي للتعجب وكأن للتشبيه.
(﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾) معناه: (ويوسع عليه ويضيق) فيه لف ونشر مرتب وواو (ويوسع) زائدة، وقوله: (قال ابن عباس: إلى آخره) ساقط من نسخة.
стр. 3658
٣٤ - باب ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]
إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]: وَاسْأَلْ ﴿العِيرَ﴾ [يوسف: ٧٠]: يَعْنِي أَهْلَ القَرْيَةِ وَأَهْلَ العِيرِ، ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، يُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرْتَ حَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا. قَال: الظِّهْرِيُّ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ، مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ، ﴿يَغْنَوْا﴾ [الأعراف: ٩٢]: يَعِيشُوا، ﴿يَيْأَسُ﴾ [يوسف: ٨٧] يَحْزَنْ. ﴿آسَى﴾ [الأعراف: ٩٣]: أَحْزَنُ " وَقَال الحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الحَلِيمُ﴾ [هود: ٨٧] يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَقَال مُجَاهِدٌ: (لَيْكَةُ) [الشعراء: ١٨٩] الأَيْكَةُ، ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: إِظْلالُ الغَمَامِ العَذَابَ عَلَيْهِمْ.
[فتح: ٦/ ٤٤٩]
(باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾) الآية). وفيها إضمار بيَّنه بقوله مع تعليله بقوله: (إلى أهل مدين) إلى آخره.
(﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾) يعني في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: لم تلتفتوا إليه وكسر الظاء في (ظهريا) من تغيرات النسب، كما تقول: في الأمس إمسى بكسر الهمزة، من ظهرت بفتح الهاء، نسيت وتركت كما أشار إليه بقوله: (ويقال) إلى آخره.
(قال): أي: البخاريّ. (الظهري) إلى آخره أشار به إلى أن الظهري يقال: أيضًا لمن يأخذ معه دابة، أو وعاء يستظهر به، أي: يتقوى به. (﴿مَكَانَتِهِمْ﴾ ومكانهم واحد) كذا وقع وإنما هو في قصة شعيب ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ في قوله: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ فكان
стр. 3659
الأَوْلى أن يقول: مكانتكم ومكانكم واحد. (﴿يَغْنَوْا﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ معناه: (يعيشوا) ويقيموا فيها. (تأس) المأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ معناه: (تحزن. وقال الحسن) أي: البصري. ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ معناه: (يستهزئون به) يعني أنهم عكسوا على سبيل الاستعارة التهكمية؛ إذ غرضهم أنت السفيه الغوي لا الحليم الرشيد.
(﴿الْأَيْكَةِ﴾ أي: في قراءة من قرأ به في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ معناه: (الأيكة) وهي منازل قوم شعيب. (﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ معناه: (إظلال) أي: يوم إظلال. (الغمام) أي: (العذاب عليهم) روي أنه حبس عنهم الهواء وسلط عليهم الحر فأخذ بأنفاسهم، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية؛ فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردًا ونسيمًا فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا، وكان شعيب ﵇ مبعوثًا إلى أصحاب مدين وإلى أصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل ﵇ وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة (١).
٣٥ - باب قَوْلِ اللَّه تعَالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨] .
﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] كَظِيمٌ: وَهْوَ مَغْمُومٌ.
(باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ إلى قوله:
стр. 3660
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾). (قال مجاهد: معنى مليم: مذنب). (﴿الْمَشْحُونِ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ معناه: (الموقر).
(﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ الآية) أي: معناه: فلولا أنه كان من المنزهين الذاكرين اللَّه تعالى في الرخاء للبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون.
(﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾) معناه: طرحناه (بوجه الأرض) وقيل: طرحناه بالفضاء (﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾) أي: عليل (﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾) أي: له، أو عنده (﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾) أي: شجرة (من غير ذات أصل) أي: من غير ساق (الدباء) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، وبالجر بدل من (يقطين) أو عطف بيان له. (ونحوه) عطف على (الدباء) أي: نحو الدباء كالقثاء والبطيخ واليقطين، والدباء: القرع، وحكمته أن الذباب لا يجتمع عليه. (﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾) أي: بل يزيدون (١) على مائة ألف بعشرين، أو ثلاثين، أو سبعين ألفًا.
(﴿فَآمَنُوا﴾) أي: قوم يونس عند معاينتهم العذاب. (﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾) أي: أبقيناهم متمتعين. (﴿إِلَى حِينٍ﴾) أي: إلى حين انقضاء آجالهم.
стр. 3661
(﴿وَلَا تَكُنْ﴾) أي: يا محمد. (﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾) في الضجر والعجلة وهو يونس ﵇. (﴿إِذْ نَادَى﴾) أي: دعا ربه في بطن الحوت. (﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾) أي: كظيم فهو تفسير لفظي لمكظوم، وقوله: (وهو مغموم) تفسير معنوي لجملة (وهو مكظوم).
٣٤١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَال: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، ح حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ " زَادَ مُسَدَّدٌ: "يُونُسَ بْنِ مَتَّى".
[٤٦٠٣، ٤٨٠٤ - فتح: ٦/ ٤٥٠]
٣٤١٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ".
[انظر: ٣٣٩٥ - مسلم: ٢٣٧٧ - فتح: ٦/ ٤٥٠]
(مسدد) أي: ابن مسرهد. (عن يحيى) أي: القطان. (عن سفيان) أي: الثوري. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة. (عن عبد اللَّه) أي: ابن مسعود.
(لا يقولن أحدكم) إلى آخره، مرَّ مع الحديث بعده في باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ (١).
٣٤١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ، أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ، فَقَال: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، فَسَمِعَهُ
стр. 3662
رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَقَال: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَال: أَبَا القَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، فَمَا بَالُ فُلانٍ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَال: "لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ" فَذَكَرَهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَال: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي.
[انظر: ٢٤١١ - مسلم: ٢٣٧٣ - فتح: ٦/ ٤٥٠]
٣٤١٥ - وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
[٣٤١٦، ٤٦٠٤، ٤٦٣١، ٤٨٠٥ - مسلم: ٢٣٧٣، ٢٣٧٦ - فتح: ٦/ ٤٥١]
(بينما يهودي) إلى آخره، مرَّ في باب: وفاة موسى، وقوله: (فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي) (١)، قال الكرماني فيه: فإن قلت إن موسى قد مات فكيف تدركه الصعقة، وأيضًا قد ورد النص به فأجمعوا أيضًا على أن رسول اللَّه ﷺ -هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة (٢)، قلت: المراد من البعث الإفاقة بقرينة الروايات الأخر حيث قال: أفاق قبلي وهذه الصعقة هي غشية بعد البعث: عند نفخة الفزع الأكبر (٣).
٣٤١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى".
[انظر: ٣٤١٥ - مسلم: ٢٣٧٣، ٢٣٧٦ - فتح: ٦/ ٤٥١]
(أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. (شعبة) أي: ابن
стр. 3663
الحجاج. (لا ينبغي لأحد) إلى آخره، مرَّ شرحه في باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ أيضًا (١).
٣٦ - باب ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] .
يَتَعَدَّوْنَ: يُجَاوزُونَ فِي السَّبْتِ ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: شَوَارعَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦].
(باب: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
قوله: (﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾) إلى آخره ساقط من نسخة، والقرية أيلة على شاطئ بحر القلزم، وقيل: طبرية، وقيل: مدين، وقيل: غير ذلك (٢) و (﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾) أي: يعتدون فيه بمخالفتهم أمر اللَّه، وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه، ومعنى الاعتداء: المجاوزة كما ذكره البخاري بعد و (﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾) بدل اشتمال من القرية، و (﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾) ظرف ليعدون، و (﴿شُرَّعًا﴾) أي: ظاهرة على الماء و (﴿نَبْلُوهُمْ﴾) أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم الصيد فيه.
(﴿يَعْدُونَ﴾) أي: المأخوذ من قوله تعالى: ﴿يَعْدُونَ﴾
стр. 3664
معناه: (يجاوزون). ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أي: (شوارع) فسر به شرعا تفسيرًا لفظيًّا (إلى قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾) متعلق بمحذوف، أي: أقوامًا بعد قوله: (شرعا) إلى قوله المذكور. (﴿بَئِيسٍ﴾) يعني في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي: شديد.
٣٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] .
الزُّبُرُ: الكُتُبُ، وَاحِدُهَا زَبُورٌ، زَبَرْتُ كَتَبْتُ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ " قَال مُجَاهِدٌ: "سَبِّحِي مَعَهُ ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] الدُّرُوعَ، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] المَسَامِيرِ وَالحَلَقِ، وَلَا يُدِقَّ المِسْمَارَ فَيَتَسَلْسَلَ، وَلَا يُعَظِّمْ فَيَفْصِمَ ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١١].
(باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾) أي: كتابًا مشتملا على مائة، وخمسين سورة بالعبرانية، خمسون منها فيما يلقونه من بخت نصَّر، وخمسون منها فيما يلقونه من الروم، وخمسون منها مواعظ وحكم وليس فيه شيء من الأحكام الشرعية.
(﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾) أي: نبوة وكتابًا وصوتًا بديعًا، وقوة وقدرة وتسخير الجبال والطير. (﴿يَا جِبَالُ﴾) بدل من قوله: ﴿فَضْلًا﴾ بإضمار قولنا. (﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾) فسر به (أوبي معه) وأوبي: أمر من التأويب وهو الترجيع، أي: رجعي معه التسبيح. (﴿وَالطَّيْرَ﴾) بالنصب
стр. 3665
عطف على محل الجبال، أو على (فضلا) أو هو مفعول معه. (﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾) أي: صيرناه له كالشمع. (﴿أَنِ﴾) مفسرة تمييز له (﴿اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾) أي: (الدروع). (﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾) أي: في (المسامير والحلق) أي: جررتهما، أو معناه: المسامير والحلق إن رفعتهما وهذا تفسير من البخاري، وفسره بعضهم بقوله: لا تجعل المسامير دقاقًا ولا غلاظًا (١)، وبعضهم ينسج الدرع وهو تداخل الحلق بعضها في بعض، وإلى الأولين الإشارة بقوله: (ولا تدق) بضم الفوقية [من الدقة] (٢) (المسمار فيتسلسل) في نسخة: "فيتسلل" [وفي أخرى: "فيسلس"] (٣) أي: فيسهل. (ولا تعظم) أي: ولا تغلظه. (فيفصم) أي: فيقطع (﴿أَفْرِغْ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ معناه: (أنزل) هذا وإن كان في قصة طالوت، لكن فيها قصة داود فكأنه ذكر ذلك؛ لأن قصتهما واحدة (﴿بَسْطَةً﴾). يعني في قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ أي: (زيادة وفضلًا)، (﴿وَاعْمَلُوا﴾) أي: آل داود (﴿صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾) أي: فأجازيكم عليه أحسن جزاء.
٣٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال "خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ ﵇ القُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[انظر: ٢٠٧٣ - فتح: ٦/ ٤٥٣]
مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٦/ ٤٥٤]
(مسعر) أي: ابن كدام.
(ألم أنبأ) أي: ألم أخبر. (هجمت العين) أي: غارت. (ونقهت النفس) بكسر القاف، أي: صعقت، ومرَّ الحديث في كتاب: الصوم، في باب: حق الأهل في الصوم، وفي كتاب: التهجد (١).
٣٨ - بَابٌ: أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ
كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا.
[١١٣٣]
(باب: أحب الصلاة إلى اللَّه صلاة داود، وأحب الصيام إلى اللَّه صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا). (قال علي) قال شيخنا: أظنه علي بن المديني شيخ البخاري (٢).
(وهو) أي: النوم. (سدسه) أي: السدس الأخير، أي: المراد به (قول عائشة ﵂ ما ألفاه السحر) بالرفع، أي: ما وجده (عندي إلا نائمًا) ومرَّ الحديث في كتاب: التهجد، في باب: من نام عند السحر.
(باب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾) قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: راجع كما ذكره في الباب الآتي، وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع.
(الفهم في القضاء) أي: فصل الخطاب: هو الفهم في القضاء. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ معناه: (لا تسرف) والشطط: مجاوزة الحد. (﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾) أي: إلى وسط الطريق.
(﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾) أي: في الدين، أو في الخلطة. (﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾) أي: امرأة كما ذكره بقوله: (ويقال للمرأة: نعجة، ويقال لها أيضًا: شاة) والعرب توري عن النساء بالظباء والشاة والبقر.
(﴿فَقَال أَكْفِلْنِيهَا﴾) أي: (ضمها) إلى (مثل) (﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾) أي: (ضمها) إليه. ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي: (غلبني) أو (صار اعزَّ مني)، ويقال: (أعززته) أي: (جعلته عزيزًا) (﴿فِي الْخِطَابِ﴾) ثم فسَّر الخطاب بقوله: (يقال: المحاورة) بمهملة، أي: الخطاب (المحاورة) أي: المجاوبة. (﴿قَال﴾) أي: داود. ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ قصد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه. (اختبرناه) تفسير لـ (فتناه) بتخفيف التاء، وفيه قراءة شاذة ذكرها بقوله: (وقرأ عمر: فتَّناه) بتشديد التاء.
(﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾) أي: ساجدًا وعبَّر عن السجود بالركوع بجامع الانحناء. (﴿وَأَنَابَ﴾) أي: رجع إلى اللَّه بالتوبة؛ لأنه وَدَّ أن يكون له ما لغيره وكان له أمثاله، فقد قيل: إنه اتفق له أن عينه قد وقعت على امرأة رجل فأحبها، فسأله النزول عنها على عادة أهل زمانه، فاستحيا أن يرده، ففعل فتزوجها: وهي أم سليمان، فنبهه اللَّه بقصة الخصمين على ذلك فاستغفر وأناب.
(﴿وَلِسُلَيْمَانَ﴾) أي: وسخرنا له (﴿الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾) أي: مسيرها شهر في غدوته، وشهر في روحته، قال مجاهد: كان سليمان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر (١) ويروح من اصطخر فيقيل بكابل وكان بين دمشق واصطخر مسيرة شهر، وكذا بين اصطخر وكابل (٢).
(﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾) معناه: (أذبنا له عين الحديد).
(﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾) أي: وسخرنا له من الجن.
(بنيان ما دون الفصور) تفسير للمحاريب، وفسرها أبو عبيدة بأنها مقدم كل بيت، و (ما) زائدة.
(﴿وَتَمَاثِيلَ﴾) أي: في الآية جمع تمثال: وهو الصور وكان عملها في الجدران ونحوها سائغًا في شريعتهم. (﴿وَجِفَانٍ﴾) جمع جفنة. (﴿كَالْجَوَابِ﴾) جمع جابية. (كالحياض) التي تجمع فيها الماء، وحاصل ذلك: أن الجفان شبهت بالجوابي. والجوابي بالحياض. (﴿رَاسِيَاتٍ﴾) أي: ثابتات لا تتحركن لعظمهن (﴿إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾) أي: (الأرضة) وهي دويبة تأكل الخشب. (﴿مِنْسَأَتَهُ﴾) أي: (عصاه). (﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾) أي: سقط ميتًا، وجواب لما: (﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾) أي: انكشف لهم (﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾) الغيب. إلى آخره (﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾) أي: (من ذكر ربي) والخير هنا بمعنى:
стр. 3673
الخيل، وإليها يعود ضمير (﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾). (﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾) أي: (يمسح أعراف الخيل وعراقيبها). (﴿الْأَصْفَادِ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ معناه: (الوثاق) (﴿الصَّافِنَاتُ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ مأخوذة من (صفن الفرس) إلى آخره والصافنات جمع صافنة.
(﴿الْجِيَادُ﴾) معناه (السِّراع) بكسر المهملة، أي: المسرعة.
(﴿جَسَدًا﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي: شيطانًا، اسمه: آصف بفاء، أو آصر براء، أو صخر، جلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الطير وغيرها فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال: للناس أنا سليمان فأنكروه.
(﴿رُخَاءً﴾) أي: (طيبة)، وقال غيره: لينة. (﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾) أي: (حيث شاء).
(﴿فَامْنُنْ﴾) أي: (أعط). (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾) أي: (بغير حرج).
٣٤٢٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا" ﴿عِفْرِيتٌ﴾ [النمل: ٣٩] مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَانٍّ، مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَةُ".
(شعبة) أي: ابن الحجاج.
(إن عفريتًا من الجن) إلى آخره، مرَّ شرحه في كتاب: الصلاة (١)
стр. 3674
(عفريت) أي: متمرد من إنس أو جان (مثل زبنية) بكسر الزاي، وسكون الموحدة، وكسر النون، وفتح الياء، قال شيخنا: ومراده بهذا أنه قيل في عفريت: عفرية، وهي قراءة شاذة، أي: فكأنه قال عفريه مثل زبنية، وإلا فعفريت ليس مثل زبنية (١). (جماعتها) أي: الزبنية. (الزبانية) فالزبانية جمع زبنية، وقيل: جمع زبني، وقيل: زابن، وقيل: زباني، وقيل: زبنيت وقيل: لا واحد له من لفظه، والزبانية في الأصل: اسم أصحاب الشرطة مشتقة من الزبن، وهو الدفع، وأطلقت على الملائكة؛ لأنهم يدفعون الكفار في النار، قال ابن عبد البر: الجن على مراتب والأصل: جني فإن خالط الإنس، قيل: عامر وأن تعرض للصبيان، قيل: روح ومن زاد في الخبث، قيل: شيطان، فإن زاد على ذلك قيل: مارد [فإن زاد على ذلك قيل: عفريت] (٢)(٣).
٣٤٢٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: قَال: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَال لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إلا وَاحِدًا، سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ قَالهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
[٢٨١٩، ٥٢٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩ - مسلم: ١٦٥٤ - فتح: ٦/ ٤٥٨]
قَال شُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: تِسْعِينَ وَهُوَ أَصَحُّ.
(لأطوفن) من طاف وفي نسخة: "لأطيفن" من أطاف والطواف هنا كناية عن الجماع.
(قال شعيب) أي: ابن أبي حمزة الحمصي، ومرَّ شرح الحديث
стр. 3675
في كتاب: الجهاد، في باب: من طلب الولد (١).
٣٤٢٥ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَال: "المَسْجِدُ الحَرَامُ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ (٢)؟، قَال: "ثُمَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى" قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَال: "أَرْبَعُونَ، ثُمَّ قَال: حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ، وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ".
[انظر: ٣٣٦٦ - مسلم: ٥٢٠ - فتح: ٦/ ٤٥٨]
(الأعمش) هو سليمان بن مهران. (إبراهيم) أي: ابن يزيد بن شريك.
(أي مسجد وضع؟) إلى آخره، مرَّ شرحه في باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣).
٣٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ.
[٦٤٨٣ - مسلم: ٢٢٨٤ - فتح: ٦/ ٤٥٨]
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (أبو الزناد) هو عبد اللَّه بن ذكوان.
(مثلي ومثل الناس) بفتح ميمهما وثانيهما، أي: مثل دعائي إياهم إلى الإسلام المنقذ لهم من النار، ومثل ما زيَّنت لهم أنفسهم من التمادي على الباطل (كمثل رجل استوقد) أي: أوقد. (نارًا) هي جوهر
стр. 3676
لطيف مضيء حار محرق. (فجعل الفراش) بفتح الفاء جمع فراشة وهي التي تطير وتتهافت في النار. (وهذه الدواب) عطف على الفراش وهي جمع دابة وأراد بها هنا، مثل: البرغش والبعوض والجندب. (تقع في النار) خبر جعل لأنها من أفعال المقاربة فتعمل عمل كان، وسبب وقوع الفراشة ونحوها في النار قيل: ضعف بصرها فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج مثلًا كوة فترمي بنفسها إليه، وهي من شدة طيرانها تجاوزه فتقع في الظلمة فترجع إلى أن تحترق، وقيل: ضررها لشدة النور، فتقصد إطفاءها، فلشدة جهلها تورط نفسها فيما لا قدرة لها عليه.
٣٤٢٧ - وَقَال: كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَال: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى " قَال أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إلا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إلا المُدْيَةُ.
[٦٧٦٩ - مسلم: ١٧٢٠ - فتح: ٦/ ٤٥٨]
(وقال) أي: أبو هريرة فهو موقوف عليه، أو النبي ﷺ فهو مرفوع إليه كما عند النسائي (١).
(فتحاكما) في نسخة: "فتحاكمنا". (فقضى به للكبرى) أي: لأنه كان في يدها وعجزت الأخرى عن إقامة البينة. (فقضى به للصغرى) أي: لما رآه من جذعها الدال على عظم شفقتها، ولم يلتفت إلى إقرارها.
стр. 3677
(إن أي: ما (سمعت بالسكين) إلى آخره السكين تذكر وتؤنث، وسميت بالسكين لأنه تسكن حركة الحيوان، وبـ (المدية) بتثليث الميم؛ لأنها تقطع مدى حياة الحيوان.
٤١ - باب قَوْلِ اللَّه تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ [لقمان: ١٢ - ١٨] .
﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ [لقمان: ١٨] الإعْرَاضُ بِالْوَجْهِ.
(باب) ساقط من نسخة. (قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾) قوله: (﴿أَنِ اشْكُرْ﴾) إلى آخره ساقط من نسخة.
(الإعراض بالوجه) تفسير لـ ﴿تُصَعِّرْ﴾.
٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَال أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
[انظر: ٣٢ - مسلم: ١٢٤ - فتح: ٦/ ٤٦٥]
(أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك. (شعبة) أي: ابن الحجاج.
(عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن إبراهيم) أي: النخعي.
(عن علقمة) أي: ابن قيس النخعي. (عن عبد اللَّه) أي: ابن مسعود.
(لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) إلى آخره مر شرحه وما بعده في كتاب: الإيمان، في باب: ظلم دون ظلم (١).
إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥] ﴿حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]: لَطِيفًا، ﴿عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥] الذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ".
(باب: قول اللَّه تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾) قوله (﴿ذِكْرُ﴾) خبر ﴿كهيعص (١)﴾ إن أُوِّل بالسورة أو بالقرآن، أو خبر محذوف، أي: المتلو ذكر رحمة ربك، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما أوحي إليك ذكر رحمة ربك: (﴿عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾) فيه أربع لغات المد، والقصر مع بقاء الألف، وحذفها مع تشديد الياء، وتخفيفها وهو مصروف في التشديد ممنوع الصرف في غيره (﴿إِذْ﴾) متعلق برحمة. (﴿نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾) أي: سرًّا في جوف الليل؛ لأنه أسرع للإجابة، ولأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص.
(﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ﴾) أي: ضعف. ﴿الْعَظْمُ مِنِّي﴾ المراد: ضعف جميع بدني، وإنما خصَّ العظم؛ لأنه كالأس للبناء، فإذا ضعف الأس ضعف البناء، ولأنه أصلب ما في الإنسان فإذا ضعف ضعف غيره بالأولى (﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾) شبه الشيب في بياضه بشواظ النار، وانتشاره في الشعر باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان محل الشيب مبالغة، وجعل الشيب مميزًا إيضاحًا للمقصود، وقوله: (﴿إِذْ نَادَى﴾) إلى آخره ساقط من نسخة.
(إلى قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾) قال ابن عباس: أي: (مثلًا) لأنه كان سيدًا وحصورًا، أي: مبالغًا في حبس نفسه عن الشهوات والملاهي، وقال في رواية أخرى: أي: لم يسم أحد قبله بيحيى، وفيه فضيلة ليحيى إذ تولى اللَّه تسميته باسم لم يسبق إليه ولم يكلها إلى أبويه. (﴿رَضِيًّا﴾) يعني في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ
стр. 3680
رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيا أي: لك ولعبادك. (عتيا) يعني في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي: عصيا بالصاد، وقال: الزمخشري، أي: يبسًا في المفاصل والعظام (١)، وقيل: صوابه عسيا بالسين، يقال: عسى الشيخ إذا انتهى سنه وكبر وعلى التصويب جرى شيخنا (٢). (﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾) ساقط من نسخة.
(﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾) أي: متتابعات، ويقال: أي: صحيحا أي: ما بك من خرس ولا بكم، وهذا أوجه؛ لأنه لم يقدر أن يتكلم من الناس إلا بذكر اللَّه.
(﴿مِنَ الْمِحْرَابِ﴾) أي: من المصلى. ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ أي: صلوا ونزهوا ﴿فَأَوْحَى﴾ أي: (فأشار). (﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾) هو التوارة. (﴿حَفِيًّا﴾) يعني في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ أي: (لطيفا) (﴿عَاقِرًا﴾) معناه: (الذكر والأنثى سواء) أي: في التسمية، فيقال: لكل منهما عاقر.
٣٤٣٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ " ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَال: نَعَمْ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالةٍ، قَال: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".
[انظر: ٣٢٠٧ - مسلم: ١٦٤ - فتح: ٦/ ٤٦٧]