← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18106

منحة الباري بشرح صحيح البخاري

زكريا الأنصاري

Полный текст (6 339 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٦٩ - الإعلام والاهتمام لجميع فتاوى شيخ الإسلام. وهو ترتيب المسميات بعد الفروع، مخطوط جوتا ١١٤٥. (١) ٧٠ - تبيان ما في أحكام النون والتنوين. مخطوط- رامبو ١/ ٤٥ / ٩. (٢) ٧١ - تحفة الراغبين في بيان أمر الطواعين. مخطوط الإسكندرية فنون ١/ ١٤٤. (٣) ٧٢ - تحفة نجباء العصر في أحكام النون الساكنة والتنوين والمد والقصر. مخطوط أول رقم ٧/ ٦٠ (٤). ٧٣ - تعريفات. وهي عبارة عن تعريفات قصيرة لمصطلحات أصول الدين والفقه مخطوط برلين ٣٤٦٣. (٥) ٧٤ - تهذيب الدلالة، مخطوط دمشق العمويمة ٧٧/ ١٦٧. (٦) ٧٥ - الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة. مخطوط- القاهرة ثان ٢/ ١٢. (٧) وعليه شرح: "قرة عيون ذوي الأفهام" للشنواني ١٠١٩ هـ. ٧٦ - الدقائق المحكمة. (٨) مخطوط الإسكندرية- فنون ١٧٤/ ١٩٠, ٢٠/ ٢.

стр. 37

٧٧ - ذكر آيات القرآن والمتشابهات (١). ٧٨ - رسالة في البسملة والحمد لله (٢). ٧٩ - رسالة في تعريف الألفاظ التي يتداولها محققو الصوفية. مخطوط القاهرة أول رقمه ١٤٩. (٣) ٨٠ - عقيدة- مخطوط آصفية (٢/ ١٣١٨/ ١٤٨ - مخطوط جاريت ١/ ١٨١). (٤) ٨١ - عماد الرضا بآداب القضاء- مخطوط ١٠٤٥ في القاهرة ١/ ٥٣٥. (٥) ٨٢ - غاية الوصول إلى الأصول- مخطوط- دمشق العمومية ٥٩/ ٧٣. (٦) ٨٣ - غاية الفصول إلى علم الأصول- مخطوط- رامبو ١/ ٢٦٧ / ٥٠. (٧) ٨٤ - الفتوحات الإلهية في نفع أرواح الذات الإنسانية، وهو عبارة عن وصف مختصر للتصوف- مخطوط- برلين ٣٠٣٥/ ٦. (٨)

стр. 38

٨٥ - نبذة في بيان الألفاظ المصطلح عليها عند الأصوليين. مخطوط ١/ ٣٠٠. (١) ٨٦ - النجفة العليا (السنية) في الخطب المنبرية- مخطوط- القاهرة أول ١٤٩ العملية القاهرة ١٢٨١ (٢). ٨٧ - نهج الطالب لأشرف المطالب. مع شرح تحفة الراغب. مخطوط باريس ١٠٤٩. (٣) ٨٩ - هداية المتنسك وكفاية المتسمك (حديث) مخطوط. وفاته: توفي الشيخ زكريا الأنصاري يوم الأربعاء ثالث شهر ذي القعدة سنة ستُ وعشرين وتسعمئة عن مائة وثلاث سنوات، وغُسل في صبيحة يوم الخميس، ولما بلغ ملك الأمراء وفاته أرسل إليه ثوبًا بعلبكيًا وخمسين دينارًا على يد الأمير جالم الحمزاوي، وحضر غسله وتكفينه والصلاة عليه، وأخرجت جنازته من عند المدرسة السابقية، ومشى في جنازته قضاة القضاة وأعيان الناس، وصلوا عليه في سبيل المؤمنين، ونزل ملك الأمراء وصلى عليه بالجامع الأزهر مع العلماء والفضلاء وخلائق لا يُحصون (٤)، وحُمِل نعشه من سبيل المؤمنين أول ما طلعوا وكانت جنازته حافلة، فلما صلوا عليه توجهوا به إلى مقام الإمام الشافعي رحمة الله عليه بالقرافة الصغرى، ودفن عند الشيخ محمد الخبشاني تجاه قبر الإمام الشافعي.

стр. 39

وقد قيل في رثائه (١): لقد عَظمت رَزِيتُنا فنبه ... لها عمرًا ونم جنحَ الليالي فلا زالت ذوو الأقدار تلقى ... من الأيامِ أنواعَ النكالِ وكم جنت المنونُ على رجال ... وجندلت الكماة بلا قتال ودائي ليس يشفيه داء ... وجُرْحي لا يئول إلى أندمال به الأيام قد كانت قصارا ... فويلي مِنْ لياليها الطوال وكان زخيرتي فيها وكنزي ... وكان هدايتي عند الضلال ودق الناس أبواب الفتاوى ... وقد وصلوا إلى باب الصيال بكى العلمُ حتى النحو أضحى ... مع التصريفِ بعدكَ في جدال بكت أوراقُه بيض المواصي ... دمًا ويراعه سمر العوالي وعينُ دواته عمشت وآلت ... يمينًا لا تداوي باكتحال تنكرت المعارفُ في عياني ... وتمييزي غدا في سوء حال وما عوضت من بدل وعطف ... سوى توكيد سقمي واعتلالي فيا قبرًا ثوى فيه تهنى ... فقد حُزْتَ الجميلَ مع الجمال سقاهُ الله عينًا سلسبيلًا ... وأسبغ ما عليه من الظلال وبوأه من الفردوسِ فضلًا ... ورقاه إلى الغرفِ العوالي

стр. 40

كتاب "منحة الباري بشرح صحيح البخاري" أو "تحفة الباري " وهو شرح نفيس كثير الفوائد جدًّا، عمدة الطالب، جذل العبارة، تفرد بأشياء لم يأت بها سابقوه مع أنَّه عبارة عن ملخص لعشرة شروح على الصحيح كما قال الغزي، وهو سفر عظيم في غاية الأهمية للمبتدي، وللمنتهي أيضًا. وذكر الحنفي أنَّه من أجل مؤلفاته وفي الحقيقة فإن هذا السفر المبارك يكشف عن معاني الصحيح، ويبرز عن مبانيه إعرابه كما ذكر مصنفه نفسه في مقدمته، فقال: "قد سنح لي أن أضع على صحيح الإمام الحافظ العالم العلامة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه شرحًا يحل صعابه، ويكشف عن وجه معانيه نقابه، ويبرز عن مبانيه إعرابه ويغني عن غيره طلابه، ضامًّا إليه من الفوائد المستجدات والقواعد المحررات ما تقر به أعين أولي الرغبات راجيًا بذلك جزيل الأجر والثواب من فيض مولانا الأكرم الوهاب وسميته: "منحة الباري بشرح صحيح البخاري". وبالفعل لقد قرّت بهذا الشرح أعيننا فجزى الله صاحبه الأجر والثواب. وقد طُبع هذا الشرح مع إرشاد السَّاري في مصر عام ١٣٢٦ هـ، وهي طبعة جيدة بالنسبة لوقتها وفيها عناية بالنص، لكن مواضع الخلل والاضطراب في هذه الطبعة عديدة، أضف إلي ذلك خلوها من الضبط والترتيب، وهما من الأشياء التي لا يمكن تجاهلها، وقد اعتمدنا في تحقيقنا هذا على أكثر من نسخة خطية مختلفة مما زاد

стр. 41

في وضوحها وانجلى من نقابها، ونسأل الله أن يتقبل هذا العمل المبارك. اسم الكتاب: تقدم في ترجمة المؤلف أن كتبه يكون لها أحيانًا أكثر من اسم للكتاب الواحد، وهذا هو الحال في كتابنا هذا، فالكتاب له عدة أسماء: منحة الباري بشرح صحيح البخاري: وهو الاسم الموجود على النسخة (أ) ووجدناه أيضًا في فهارس خاصة لمصورات مجموعة من المخطوطات الهندية. تحفة الباري: وهو الاسم الموجود على النسخة (ب) وكذا المطبوعة (م)، وفي "معجم المؤلفين" لكحالة ١/ ٧٣٣. تحفة القاري بشرح صحيح البخاري: وجدنا هذا الاسم في الفهارس الهندية المذكورة. شرح الجامع الصحيح أو شرح صحيح البخاري، وهو اسم متداول كثيرًا كما في "كشف الظنون" ٥/ ٣٧٤.

стр. 42

عملنا في كتاب المنحة ١ - نسخنا الكتاب من النسخ المخطوطة. ٢ - قابلنا النص على هذه النسخ مع المطبوع القديم وأثبتنا فروق النسخ. ٣ - وضعنا نص "صحيح البخاري" كل حديث قبل شرحه. وقد ضبطنا نص الصحيح بطريقة سنصفها بعد نهاية كلامنا هذا. ٤ - ضبطنا الكلمات التي تحتاج إلى ضبط، وميزنا كلام البخاري (في الشرح) بوضعه بين قوسين هكذا ()، وميزنا فروق النسخ التي يذكرها المصنف بوضعها بين أقواس صغيرة هكذا "". ٥ - عزونا الأقوال لمصادرها، ووثقنا التراجم والبلدان. ٦ - خرجنا الآيات والأحاديث والشعر. ٧ - علقنا على ما يحتاج إلى تعليق (وخاصةً المسائل اللغوية، والتي اعتنى بها الدكتور / جمال محمد عبد العزيز المدرس بكلية التربية بالفيوم)، وربما ذكرنا بعض فوائد حديث الباب من شروح مختلفة (ومنها شرح ابن عثيمين على رياض الصالحين) إذا أهمل الشارح الكلام على الحديث. ٨ - قمنا بعمل الفهارس اللازمة للكتاب.

стр. 43

عملنا في كتاب صحيح البخاري وهو عمل مستقل تمامًا عن الشرح، قام به الشيخ خالد الرباط والدكتور جمعة فتحي والأخ أحمد روبي، وذلك بغرض خدمة كتاب الصحيح، وقد أخذنا هذا النص ووضعناه مع عملنا في شرح الشيخ الأنصاري، وقد اضطررنا لتعديل بعض الألفاظ الناتجة عن اختلاف النسخ بما يوافق الشرح، إلا أننا لم نفعل ذلك إلا في أضيق الحدود. منهج ضبط متن صحيح البخاري: ١ - تم الاعتماد على الطبعة اليونينية، بالنشرة التي أصدرتها دار طوق النجاة مؤخرًا، مع الاستفادة بالهوامش التي توضح الفروق بين النسخ. كما رجعنا إلى بعض مخطوطات الصحيح عند الحاجة. ٢ - رقمنا الأحاديث والأبواب بترقيم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي ﵀. ٣ - عزونا كل حديث إلى: - مواضع رواياته (أطرافه) في صحيح البخاري نفسه. - موضعه في صحيح مسلم إن وجد. - موضعه من "فتح الباري" الطبعة السلفية المعتمدة لدى معظم الباحثين. ٤ - هذا كله مع ضبط النص بصورة شبه كاملة. والله تعالى نسأل أن يتقبل هذا العمل، وأن يعييننا على خدمة هذا الدين، إنه سميعٌ مجيب الدعاء.

стр. 44

وصف النسخ الخطية ١ - نسخة الإفتاء (أ): واعتمدناها أصلًا في الجزء الذي تمثله. عليها ختم مكتبة الرياض العامة السعودية رقم التسجيل العام ٥١٥ والخاص ٨٦، وهي مكتبة الإفتاء وغالب ظننا أنها انتقلت الآن إلى مكتبة الملك فهد بالرياض. وعلى ظهرية النسخة تملك مؤرخ سنة ١٢٧١ هـ باسم / عبد الوهاب محمد الحريمي. وختم (وقف الشيخ محمد بن عبد اللطيف) والختم متأخر (حديث). وقد نُسخت في القرن الثالث عشر الهجري تقديرًا. مقاسها ٣١ × ٥.٢١ سم، وخطها نسخ قريب من الجيد، والمتن بالحمرة، والورقتان الأولتان بأطرافهما تآكل. ٦٠٨ صفحة (٣٠٤ ورقة) وعدد الأسطر في الصفحة ٢٩ س وقد حصلنا على مصورتها من مكتبة جامعة الملك سعود. وتبدأ من أول الكتاب وتنتهي بنهاية كتاب المكاتب (حديث ٢٥٦٥). ٢ - نسخة دار الكتب المصرية (ب) واعتمدناها أصلًا بعد نهاية (أ) وهي في الدار برقم ١٣٨ وتقع في ٢٩٢ ورقة (٥٨٤ صفحة) ٢٣ س، وتبدأ من كتاب الحج (حديث ١٥١٣) وتنتهي بمناقب الأنصار (حديث ٣٩٤٨). وخطها نسخ واضح لكن ليس بجيد ٣ - نسخة أخرى من دار الكتب المصرية (ج) رقم ١٣٧ وتقع في ٦٢٦ ورقة (١٢٥٢ صفحة) ٢٢ س وتبدأ من حديث ١١٧٤ من كتاب الصلاة (التطوع) وتنتهي بحديث (٤٦٤٤)

стр. 45

في التفسير (سورة الأعراف). وعليها وقف (المرحوم الشيخ عبد الحي الشرنبلاتي الحنفي بقناطر السباع بجامع الجنيد) وقناطر السباع هذه موضع بالقاهر القديمة (انظر: المقفي ١/ ٧٤٤). ٤ - نسخة ثالثة (د) من دار الكتب المصرية برقم ١٣٩ ولم يتيسر الحصول عليها من الدار فحصلت على مصورتها من مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود: واعتمدناها أصلًا بعد نهاية النسخة (ب). وتقع في ١٧٠ ورقة (٣٤٠ صفحة) ٣١ س وتبدأ من حديث ٣١٩١٠ (كتاب بدء الخلق) وتنتهي بحديث ٦٠٦٥ (كتاب الأدب). وعليها تملك: (انتقل بالملك الشرعي إلى نوبة الفقير إلى الله تعالي محمد بن علي بن عبد الوهاب العرايشي المالكي). ووقف: (أوقف هذا الكتاب السيد أحمد عبد السلام ومقره بزاوية العربي بالحوادرية). ٥ - النسخة (س) مصورة من الأصل المحفوظ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم (٣٩٢٩)، وهي مشتراه من "رضوان دعبول" وتبدأ من حديث (٢٣٥١) وتنتهي بحديث (٧٥٤٤) وهي بذلك تكملة للنسخة (أ) لكن الناسخ مختلف، وخطها أقرب ما يكون لخط النسخة (ج) وتقع في ٣٦٤ ورقة مقاس ٢٧ × ١٨ سم ومسطرتها مختلفة لكنها تتراوح بين ٣١ إلى ٣٤ س، وعلى ظهريتها كُتب العنوان: الجزء الثاني من تحفة الباري بشرح صحيح البخاري تأليف قاضي القضاة شيخ مشايخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، سيبويه زمانه وفريد عصره وأوانه، زين الدين لسان المتكلمين، حجة المناظرين، محيي سنة سيد المرسلين، زكريا الأنصاري الشافعي،

стр. 46

تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان، وأسكنه بحبوحة الجنان، بمنه وكرمه، والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء والأموات، آمين آمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين .. وبالهامش تصحيحات وتعليقات، ومتن البخاري بالحمرة. وقد اعتمدناها أصلًا بعد نهاية النسخة (د). ٦ - الطبعة الميمنية (م) المطبوعة عام ١٣٢٦ هـ كحاشية على إرشاد الساري وبالهامش شرح النووي، وفيها خاتمة لرئيس لجنة التصحيح بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر محمد الزهري الغمراوي، وقد أثنى على هذا الشرح قائلا: " .. وهو شرح مرصع بدرر التحقيقات موشى بحلى الكشف عن المدلهمات بعبارات موجزة رائقة، وطريقة سهلة فائقة". واستفدنا منها في بعض المواضع ومنها أكملنا النقص الموجود في نهاية الكتاب في النسخ المخطوطة وهو نحو عشرين حديثًا. وقد وضعنا بعض النماذج من نسخ الكتاب بعد هذا الوصف، وقد نلحق صورًا أخرى في المجلد الأخير من الكتاب، وذلك لأننا استخدمنا قاريء الميكروفيلم مباشرة في النسخ والمقابلة لبعض النسخ ولم يتيسر لنا تصوير نماذج منها أثناء إعداد المقدمة. أخيرا هذا جهدنا نقدمه للقارئ الكريم, فما كان فيه من توفيق وسداد فمن الله , وما كان فيه من نقص فمن أنفسنا ومن الشيطان, ونسأل الله المغفرة والعفو, والله حسيبنا وعليه التكلان.

стр. 47

نماذج من نسخ الكتاب

стр. 48

ظهرية النسخة (أ) واسم الكتاب فيها: "منحة الباري بشرح صحيح البخاري"

стр. 49

ورقة من النسخة (أ)

стр. 50

ظهرية النسخة (ب) وعليها اسم الكتاب "تحفة الباري"

стр. 51

صفحة من النسخة (ب)

стр. 52

الصفحة الأولى من (ج)

стр. 53

غلاف الملجد الرابع من المطبوع (م)

стр. 54

صفحة من المطبوع (م) وكتاب المنحة (التحفة) في المربع الأسفل

стр. 55

منحة الباري بشرح صحيح البخاري المسمى «تحفة الباري» تأليف شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري المصري الشافعي اعتنى بتحقيقه والتعليق عليه سليمان بن دريع العازمي بالتعاون مع مركز الفلاح للبحوث العلمية [المجلد الأول]

стр. 56

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال [سيدنا ومولانا وشيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى: شيخ مشايخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، سلطان الفقهاء والأصوليين، علم النحاة والمفسرين، رحلة المحدثين] (١) سيبويه زمانه، فريد عصره وأوانه، زين الملة والدين لسان المتكلمين حجة الناظرين محيي سُنَّةِ سَيِّدِ المرسلين، أبو يحيى زكريا الأنْصاريّ الشَّافعيّ، تغمده الله برحمته، ونفعنا والمسلمين ببركته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله الذي شَرَحَ صُدُورنَا لشرْحِ مسنوناتِهِ، ووفَّقَ جوارحَنَا للاشتغالِ بطاعتِهِ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شريك له، عَدَدَ معلوماتِهِ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المؤيَّد بمعجزاته ﷺ وعلى [آله و] (٢) إخوانه من النبيِّين وآل كلٍّ وسائر الصالحين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يَوْمِ الدِّين، آمين. وبعد: فقد سَنَحَ لي أَنْ [أضع] (٣) عَلَى صحيحِ الإمامِ الحافظِ العالمِ العلامةِ مُحمد بْنِ إسماعيل البخاريّ، طيَّبَ الله ثراه، وجَعَلَ الجنَّةَ مأْواه

стр. 57

شرحًا يحلُّ صِعَابَهُ ويكشفُ عن وَجْهِ معانيه نِقَابَهُ، ويبرزُ عن مبانيه إعرابَهُ، ويغني عن غيرِهِ طلابَهُ، ضامًّا إليه من الفوائد المستجادات، والقواعدِ المحَّرراتِ ما تَقَرُّ به أعينُ أُولي الرَّغباتِ، راجيًا بذلك جزيلَ الأجرِ والثوابِ من فَيْضِ مولانا الأكرمِ الوهَّابِ، وسميتُه: "مِنْحةُ البارِيّ بِشَرْحِ صَحيح البُخاريّ" والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجههِ الكريمِ، ووسيلةً للفوزِ بجنَّاتِ النعيم.

стр. 58

١ - كتاب بدء الوحي

стр. 59

قَالَ الشَّيْخُ الإمَامُ الحَافِظُ أبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل بْنِ إبراهيم بن المُغِيرَةِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى آمينَ ١ - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلَى رَسُولِ الله ﷺ -. وَقَوْلِ الله جل ذِكْرُهُ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] [فتح: ١/ ٨] قال المصنف ﵀: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أي: أبتدئ أو أؤلِّفُ؛ إذْ كلُّ فاعلٍ يبدأُ في فعلِه ببسم الله يُضمِرُ ما جعلَ التسميةَ مبدأ له (١)، كما أنَّ المسافرَ إذا حلَّ أو ارْتحلَ، فقالَ باسمِ الله كان المعنى: باسم الله أحلُّ، أو بسم الله أرتحل. والباءُ للمصاحبةِ (٢)؛ ليكونَ ابتداءُ التأليفِ مصاحِبًا لاسم الله تعالى المتبرك بذكره. وقِيلَ: للاستعانةِ، نحو: كتبتُ بالقلمِ. والاسْمُ مشتقٌّ مِنَ السُّموِّ (٣)، وهو: العُلُوُّ، وقيلَ: مِنَ

стр. 60

الوَسْمِ (١)، وهو: العلامة؛ لأنَّ كل ما سمِّي فقد نُوِّهَ باسمه ووُسِمَ و (الله): علَمٌ للذات الواجب الوجود، وأصلُه (٢): الإله حُذِفَت همزته وعوِّض عنها حرف التعريف، ثم جعل علمًا، وهو عربي عند الأكثرِ (٣)، وزعمَ البلخيُّ من المعتزلة أنه معرَّب، فقيل: عبري. وقيل: سرياني. و (الرحمن) (٤) و (الرحيم) (٥): اسمانِ بنُيا للمبالغةِ من: رَحِمَ،

стр. 61

والرحمة لغةً: رقة القلب تقتضي التفضل، فالتفضل غايتها، وأسماء الله تعالى المأخوذة من نحو ذلك إنما تُؤخذ باعتبارِ الغاية دون المبدأ، والرحمن أبلغُ منَ الرحيم؛ لأنَّ زيادةَ البناء تدلُّ على زيادةِ المعنى، كما في قطع وقطَّع، وفيه: كلام ذكرته مع جوابه في "شرح البهجة". وبدأ كتابَه بالبسملةِ (١) اقتداءَ بالكتابِ العزيز، وعملًا بخبر: "كُلُّ أمرِ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أقطعُ". أي: للبركة. ورواه أبو داود وغيرُه، وحسَّنه ابن الصلاح وغيره (٢). (باب) ساقطٌ من نسخة، وهو لغةً (٣): ما يتُوصلُ به إلى غيره،

стр. 62

وعرفًا: اسمٌ لجملة مختصة من العلم مشتملة غالبًا على فصول، ويُقرأُ بالتنوين وتركه، وبالوقف عليه على سبيلِ التعداد للأبواب، فعليه: لا إعراب له، وعلى الأولين: خبرٌ لمبتدإ محذوف، لكنه على الثاني: مضاف إلا ما بعده بتقدير مضاف أي: هذا باب جواب (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ) ابتدأ كتابه بذلك؛ لأنَّ الوحي مادة الشريعة إذ قَصْدُه: جمع حديث النبي وهو وحْيٌ. و (كَيْفَ): في محلِّ نصب خبر (كان) إن جُعلت ناقصةً، وحالًا إن جُعلت تامة، وتقديمها واجب؛ لأنها في الأصل للشرط (١)، نحو: كيف تصنع أصنع وللاستفهام حقيقة كما هنا، أو تجوزا نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] لأنها فيه بمعنى الإنكار والتعجب وكل مِنَ الشرط والاستفهام له صدرُ الكلامِ / ١ / والضابطُ في إعرابها: أنَّها إنْ وقعَتْ قبل مالا يستغنا عنها فمحلها بحسب الافتقار إليها، ففي نحو: كيف أنت؟ رُفِعَ لأنَّها خبرُ المبتدإ، وفي نحو: كيف تصنعْ أصنعْ، نُصِبَ مفعولًا لتصنع، وفي نحو: كيف كنتَ؟ نصب إن قدرت كان

стр. 63

ناقصةً خبرًا لها، وفي نحو: كيف ظننت زيدًا؟ نصب مفعولًا ثانيًا لظنَّ، وإن وقعت قبل ما ويستغني عنها، نحو: كيف جاء زيد؟ فمحلها: نصب على الحال، وقد تأتى مفعولًا مطلقًا نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] لاقتضاء الكلام ذلك. و (بدءُ): بفتح الباء وسكون الدال وبالهمز مصدر بدأ بمعنى: الابتداء، وبضم الباء والدال وتشديد الواو مصدر بدا بمعنى: ظهر، قيل: والأحسن الأولُ؛ لجَمْعِهِ المعنيين. وقيل بالعكس؛ لأنه الأظهرُ في المقصود. وقال العلامةُ الشمسُ البرماويُّ (١): والظاهرُ: أنَّ أحدَهما

стр. 64

لا يستلزمُ الآخر، والمرادُ ببدءِ الوحي: حالُه مع كلِّ ما يتعلقُ بهِ أيَّ تعلقٍ كانَ. فلا يردُّ الاعتراض بأنه لم يتعرض في الحديث لبيان كيفية بدء الوحي فقط. بل لبيان كيفية الوحي على أنه قد تعرض له بعدُ في حديث عائشة، حديث ذكر فيه أن ابتداءه كان رؤيا منام، ولا يضره نقص الترجمة عن المترجم له، إنما يُعاب العكس. و (الوحي) لغةً (١): يقال للإعلام بخفاء، وللكتاب، وللمكتوب وللبعث، وللإلهام، وللأمر، وللإيماء، وللإشارة، وللتصويت شيئًا بعد شيء. وشرعًا: الإعلام بالشرع بكتاب، أو رسالة ملك، أو منام، أو إلهام، أو نحوها. وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي: الموحى وهو كلام الله المنزَّلُ على النبي ﷺ . والرسول: إنسانٌ أُوحي إليه بشرعٍ وأُمِرَ بتبليغه، فهو أَخصُّ من النبيِّ؛ لأن النبيَّ إنسان أُوحي إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه. و (قول الله): بالرفع مبتدأ خبره ما بعده، وبالجر عطفًا على كيف إن أضيف إليها (باب) أي: باب بيان كيف كان بدءُ الوحي، وباب معنى قول الله أو على كان بتقدير مضاف أي: كيف كان نزول قول الله، وإنما قلت:

стр. 65

بتقدير مضاف؛ لأن العطف بدونه [على كان] (١) يقتضي أن لكلام الله كيفيةً، ولا كيفيةَ له. وكثيرًا ما يذكر البخاريُّ في الترجمة آيةً فأكثر من القرآن؛ للاستشهاد بها على ما قبلها أو ما بعدها. (جلَّ ذكره) في نسخة: " ". ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]. عادةُ البخاري ﵀ أن يضمَّ إلى بعض التراجم والحديث ما يناسبه من قرآن وتفسير له، أو حديثٍ على غير شرطه، أو أثر عن بعض الصحابة، أو عن بعض التابعين، بحسب ما يليق عنده ذلك بالمقام، وأراد بذكر هذه الآية في أوَّلِ هذا الباب؛ الإشارة إلى أن الوَحْي سنة الله تعالى في أنبيائه ﵈، وإلى أن الوَحْي إلى نبيِّنا محمد شبيه بالوحي إلى بقية الأنبياء في أنه وحيُ رسالةٍ لا وَحْيَ إلهام. ولما كان كتابه لجمع وحي السنة، وكان الوَحْيُ لبيان الأحكام الشرعية صدَّره بباب الوحي؛ لأنه مادة الشريعة كما مرَّ ثم بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" الآتي لمناسبته للآية السابقة؛ لأنه أوحي إلى الجميع الأمر بالنية، بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاص: النية، قيل: قدم ذكر نوح لأنه أوَّلُ نبيٍّ أُرسل، أو أوَّلُ نبيٍّ عوقب قومه. ١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ

стр. 66

اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". [٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣ مسلم: ١٩٠٧ - فتح: ١/ ٩] (حدثنا الحُمَيْدِيُّ) بالتصغير أبو بكر عبد الله بن الزبير مكيّ، منسوب إلى حميد بن أسامة بطن من بني أسد بن عبد العزى بن قصي. (حدثنا سُفْيَان) هو بضمِّ السين أَفْصَحُ من فتحها وكسرها ابن عيينة بن أبي عُمْران الهلالُّي مكيُّ، حدثنا (يَحْيى بنُ سعيد) اسم جدَّه قيس بن عمرو مدني (الأنصاري) نسبة إلى الأنصار جدهم نَصير، كشريف وأشراف، وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب، وهو وصف لهم بعد الإسلام وهم قبيلتان الأوس والخزرج / ٢ / ابنا حارثة بن ثعلبة (قال: أخبرني محمد بن إبراهيم) اسم جده الحارث، ويحيى ومحمد تابعيَّان (التيميِّ) نسبة لتيم قريش. (أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي) بالمثلثة نسبة إلى ليث بن بكر ذكره ابن منده في الصحابة وغيره في التابعين، (سمعت عمر بن الخطاب) اسم جدّه نفيل أي: سمعته حال كونه (على المنبر) بكسر الميم من النبر: وهو الارتفاع، (قال) في نسخة "يقول" (سمعت رسول الله ﷺ ) هو مفعول سمعت (يقول) حال دالة على محذوف مضاف للمفعول أي: سمعت كلامه؛ لأن الذوات لا تسمع، وقيل: مفعول ثانِ لسمعت (١)، وأتى به مضارعًا بعد سمع الماضي حكاية لحال وقت السماع، أو لإحضار ذلك في ذهن السامع، وأتى في السند بحدثنا، وأخبرني، وسمعت؛ ليفيد أنها كلها تفيد السماع والاتصال، كما نبه

стр. 67

عليه بعدُ في باب: العلم، وقد بينت ذلك مع زيادةٍ في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (١). (إنما) مركبة من إنَّ المشددة وما الكافة (٢). (الأعمال) البدنية أقوالها وأفعالها الصادرة من المؤمنين أي: إنما صحتها منهم كائنة. (بالنيات) في رواية: "بالنية" (٣)، وفي أخرى: "العمل بالنيات" وفي أخرى: "العمل بالنية" (٤)، وفي أخرى لابن حبان: "الأعمال بالنيات" (٥) بحذف إنما، وكلها تفيد الحصر، أما في الأخيرة فبعموم المبتدأ أو خصوص الخبر على حد: صديقى زيد، وأما في البقية فبكلٍ من: إنما وما بعدها، والحصر بإنما بالمنطوق لا بالمفهوم؛ لأنه لو قال: ما له عليَّ إلا دينار كان إقرارًا بالدينار، ولو كان بالمفهوم لم يكن مقرًا لعدم اعتبار المفهوم في الأقارير، ثم الحصر فيما ذكر أكْثَرِيٌّ لا كُليُّ إذ قد يصح العمل بلا نية كالأذان والإقامة (٦) كما يصح ترك العمل

стр. 68

بدونها، كترك الزنا وإن افتقر حصول الثواب فيه إليها بأن يقصد بتركه امتثال الشرع وإزالة النجاسة من قبيل الترك، والحصر فيها ذكر من حصر المبتدأ في الخبر. والنيةُ لغةً (١): القصد، وشرعًا: قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه كان عزمًا. وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح البهجة" وغيره. (وإنما لكل امرئٍ ما نوى) وكذا لكلِّ امرأةٍ، والحصر في هذا عكس ما قبله؛ لأنه حصر الخبر في المبتدأ إذ المحصور فيه بإنما المؤخر دائمًا والحصر هنا مُفاد بكلٍّ من إنما وتقديم الخبر، ثم المراد من هذه غير المراد من التي قبلها بأن يقال المراد من تلك: حَصْرُ المبتدأ في الخبر ومن الثانية عكسه كما مرَّ، أو أن المراد من تلك: بيان توقف الصحة على النية ومن هذه: بيان توقف الثواب عليها، أو أن تلك لم تفد تعيين العمل بالنية وهذه أفادته؛ لأنه لو نوى صلاة إن كانت فائتة وإلا فهي تطوع لم تجزئه عن فرضه؛ لأنه لم يمحص النية ولم يعين بها شيئًا. (فمن كانت هجرته إلى دنيا) بضم الدال وبالقصر بلا تنوين للتأنيث والعلمية وحكي الكسر والتنوين، وسميت بذلك؛ لدنوها بسبقها على الدار الآخرة، واستشكل استعمالها منكرة؛ لأنها في الأصل مؤنث أدنى، وأدنى أفعل تفضيل فحقها أن تستعمل باللام نحو: الكبرى والحسنى، وأجيب: بأن دنيا خلعت عن الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفًا مما وزنه فُعْلى اسمًا، كرُجْعَى، وبُهْمَى.

стр. 69

(يصيبها) صفة لدنيا. (أو إلى امرأة) في نسخة: "أو امرأة" وخُصَّت بالذكر مع دخولها في دنيا؛ لأنها فتنة عظيمة، فنبه على التحذير منها ففي الحديث: "ما تركت بعدي فتنة أضرَّ على الرجل من النساء" (١) ولأنها سبب ورد عليه الحديث وهو الرجل الذي هاجر إلى امرأة لينكحها يقال لها: أم قيس واسمها: قيلة (٢) (ينكحها) أي: يتزوجها كما في رواية (٣). (فهجرته إلى ما هاجر إليه) جواب مَنْ (٤)، وأسقط من روايته هنا تنافى بقية الروايات عقب قوله: نوى، وهو (فمن كانت هجرته إلا الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله). وأبدل (واو فمن كانت هجرته إلى / ٣ / دنيا) بفاء. والهجرة فِعْلَة من الهَجْرِ: وهو الترك، والمراد هنا: ترك الوطن إلى غيره؛ لأن المقصود هجرة من هاجر من مكة إلى المدينة وقد وقع قبل هجرة النبي ﷺ ، لذلك هجرة بعض الصحابة للحبشة مرتين، وبالجملة فحكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمر على التفصيل المذكور في الفقه، وقد تطلق الهجرة، كما في بعض الأحاديث على هَجْرِ ما نهى الله عنه، وعلى هجر المسلم أخاه، وهجر

стр. 70

المرأة في المضجع، وغير ذلك. ومناسبة ذكر الهجرة هنا أنها من قاعدة الأعمال بالنية. وفاء فهجرته: داخلة في جواب (مَن) إن قدرت شرطية وفي خبرها إن قدرت موصولة لتضمنها معنى الشرط، لكن الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر لا بد من تغايرهما وظاهر الكلام هنا اتحادهما، فلا بد من تأويل للتغاير فقيل: تقديره فيما سقط من الحديث. (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) نيةً وقصدًا. (فهجرته إلى الله ورسوله) شرعًا وحكمًا، وقيل: حذف من الثاني الخبر أي: فهجرته إلى الله ورسوله مقبولة، أو صحيحة، وقيل: التقدير فيه: فله ثواب مَنْ هاجر إلى الله ورسوله فأقيم السبب مقام المسبب، وقيل: التقدير فيه: ما عُهد في الذهن. وفي الأول: المشخص في الخارج مثل أنا أبو النجم وشعري شعري (١)، أي: شعري الذي سمعتموه هو شعري، أي: [المستقر] (٢) المعهود في الأذهان، ثم ما ظاهره الاتحاد يقصد به المبالغة إما في التعظيم، كما في قوله: (ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)، وإما في التحقير، كما في قوله: (ومن كانت هجرته إلى

стр. 71

دنيا ... إلخ)، وإنما قال: إلى الله ورسوله، ولم يقل: إليهما. وإن كان الأصل الربطَ بالضمير لكونه أخصر، إما لأن الظاهر استلذاذًا بذكره صريحًا ولذلك لم يأت مثله في الجملة بعده إعراضًا عن تكرار لفظ الدنيا، وإما لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير، بل يفردان، كما في حديث: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (١) واعلم أن الجملة الأولى من هذا الحديث تضمنت المدح وهو ظاهرٌ والثانية منه الذم؛ لأن مضمونها خرج في صورة الطالب لفضل الهجرة وباطنه خلاف ظاهره، وأن نية المؤمن خير من عمله، لخبر ورد فيه بذلك؛ ولأن نية الحسنة يثاب عليها بخلاف عملها بلا نية، ولأن النية لكونها بالقلب لا يدخلها رياء، بخلاف الأعمال الظاهرة؛ ولأن القلب أشرف من غيره فكذا فعله؛ وأن هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث (٢): الأعمال بالنيات، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه (٣)، ولا يكون المؤمن

стр. 72

مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه (١)، والحلال بين والحرام بين (٢). وسيأتي في باب: من استبرأ لدينه ماله بهذا تعلق. ٢ - باب ٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. [٣٢١٥ - مسلم: ٢٣٣٣ - فتح: ١/ ١٨] (حدثنا عبد الله بن يوسف) وهو تنِسيُّ المنزل، دمشقي الأصل، و (يوسف) مثلث السين مع الهمز وبتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه. و (أخبرنا مالك) أي: ابن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة. (عن هشام بن عروة) أي: ابن الزبير بن العوام القرشيُّ التابعيُّ. (عن أبيه) هو أبو عبد الله عروة المدنيُّ أحد الفقهاء السبعة. (عن عائشة) بالهمز، وعوام المحدثين يبدلونها ياء. (أم المؤمنين) قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: في الاحترام، وتحريم نكاحهن، لا في غيرهما كجواز الخلوة، والمسافرة، والنظر وتحريم

стр. 73

نكاح بناتهن، وإنما قيل لهنَّ: أمهات المؤمنين للتغليب وإلا فلا مانع من أن يقال لهن: أمهات المؤمنات على الراجح (أن الحارث) قد يكتب بدون ألف تخفيفًا. (سأل رسول الله ﷺ ) يحتمل: أن تكون عائشة حضرت ذلك وهو المشهور، فيكون من مسندها وأن يكون الحارث أخبرها بذلك فيكون من مرسل الصحابة وهو محكوم / ٤ / بوصله عند الجمهور. (كيف يأتيك الوحي؟) أي: صفته، أو صفة حامله، أو حامله، أو ما هو أعمُّ من ذلك، وبكل تقدير فإسناد الإيمان إلى الوحي مجاز، لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله، (فقال) في نسخةٍ: "قال" بلا فاءٍ (أحيانًا) أي: أوقاتًا، ونصبه على الظرفية وعامله يأتي في قوله: (يأتيني مثل صلصلة الجرس) أي: صوته، والصوت المشبه بذلك قيل: صوت الملَكِ، وقيل صوت حفيف أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه: أن يُقْرعَ سَمْعَ النَّبِيِّ الوَحْيُ، فلا يبقى فيه مُتَّسَعٌ لغيره. ولا ينافي تشبيهُ صوتِ الملكِ هُنَا لصلصلةِ الجرسِ تشبيهَهُ بِدَويِّ النحلِ المرويِّ في أبي داود، بلفظ: كنا نسمعُ عنده مثلَ دويِّ النحل (١). لأن ذاك بالنسبة إلى الصحابة لبعدهم وهذا بالنسبة إلى النبيِّ ﷺ لقربه.

стр. 74

و (مثل) منصوب نعتًا لمصدر محذوف أي: إتيانًا مثل، أو حال أي: مشابهًا صوته صلصلة الجرس وهو بفتح الراء: الجلجل الذي يُعلَّق في الدواب، قيل: إنما كان ينزل كذلك فيما هو وعيد أو تهديد لا يقال: صوت الجرس مذموم؛ لصحة النهي عنه؛ ولأن الملائكة تنفر عنه، فكيف يشبه به ما يفعله الملك به؛ لأنَّا نقول لا يلزم من تشبيه الشيء بآخر تساويهما في الصفات كلها، بل اشتراكهما في صفةٍ ما، والمقصود به هنا: بيان الجنس، فذكر ما أَلِفَ السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم، والحاصل: أن للصوت جهتين: جهة قوة، وجهة طنين، فمن حيث القوة: وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين: وقع التنفير عنه، (وهو) أي: الوحي بصفته المذكورة (أَشَدُّ) أي: أَشَدُّ إتيانه عليَّ. فائدة هذه الشدة المستلزمة للمشقة ما يترتب عليها من زيادة الزُّلْفَى ورفع الدرجات، والجملة حال (١). (فَيُفْصَم) بفتح الياء أي: الوحي أو المَلَك، من الفَصم وهو: القطع بلا إبانة، بخلاف القصم بالقاف فإنه: قطع بإبانة. وذكر هنا بالفاء؛ إشارةً إلى أن الوحيَ، أو الملك يعود فكأنه قال: لا انفصال له. ويُروى بضم الياء، بالبناء للفاعل وبالبناء للمفعول، والمراد: قطع الشدة أي: ينجلي ما يغشاني من الكرب والشدة. (وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: فهمت، أو حفظت، أو جمعت، وأصله: الوعاء، ومنه: أذن واعية، فاسم الفاعل منه واعٍ، ويقال في المال والمتاع: أوعيت، فاسم الفاعل منه موعٍ (٢) (يتَمَثَّل) أي: يتصور

стр. 75

لي أي: لأجلي. (المَلَكُ) أي جبريل. (رجلًا) بالنصب على التمييز من النسبة أو على المصدرية أي: مثل رجلٍ، كدِحية، أو على الحالية أي: هيئة رجل، ولا يرد على الأول أن تمييز النسبة لا بد أن يكون محولًا عن الفاعل أو عن المفعول، وذلك غير متأت هنا؛ لأن ذلك أَكْثَرِيٌّ لَا كُلَّيٌّ، بدليل امتلاء الإناءِ ماءً، والملك: واحد الملائكة، والملائك بحذف التاء ولا ينافيه قول الزمخشري (١): إن الملائك جمع ملأك على الأصل، كالشمائل جمع شمأل؛ لأن مراده بالأصل، الأصل الثاني: وهو تأخير الهمز عن اللام، والأول: بنى على الأول وهو تقديمه عليها، وأصل ملك: مألك حذفت همزته؛ لكثرة الاستعمال. وتمثله رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه بما يعهد من البشر والملائكة، كما قال المتكلمون: أجسام علوية لطيفة تتشكل بأيّ شكل شاءت. (فَأَعِي) أتى بالفعل هنا مضارعًا، وفيما مرَّ ماضيًا؛ لأن الوعْيَ فيما مرَّ: حصل قبل الفصم ولا يُتصور بعده، وهنا حال المكالمة لا يتصور قبلها، أو أنه فيما مرَّ عند غلبة التلبس بالصفات الملكية، فلما
следующие страницы →