في الصلاةِ (١).
(العنزة: عصا عليه زُجّ) ساقط من أكثر النسخ.
١٨ - بَابُ النَّهْيِ عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ .
١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ".
[١٥٤، ٥٦٣٠ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٥٣]
(باب النهي عن الاستنجاء باليمين) أي: فلا يستنجي إلَّا باليسارِ؛ لأن اليمينَ لما شرُفَ وعلا، واليسارُ لما خسَّ ودنا.
(حدثنا معاذ) في نسخةٍ: "حدثني معاذ". (عن أبيه) هو أبو قتادةَ، واسمه الحارث، أو النعمان، أو عمرو بنُ ربعي الأنصاريُّ (٢).
(فلا يتنفس) بجزمه مع الفعلين بعده على النهي، وبرفعه معهما؛ على النفي بمعنى النهي، والنهي في الثلاثة للتنزيه، وحكمته في الأول
стр. 422
المبالغةُ في النظافةِ؛ لأنه ربما يخرجُ منه ريق فيخالط المشروب، فيعافه الشارب، وربمَّا تروَّح المشروبُ من بخار ردئ بمعدتهِ فيفسده، فالسُّنَّةُ: أن يبين الإناءَ عن فمهِ ثلاثًا، مع التنفسِ كل مَّرة (١)، وحكمته في الأخيرين: تشريفُ اليمنى عن مماسة ما فيه الأذى، وعن استعمالهِا في إزالتِه، وربما يتذكرُ عند تناولِ الطعامِ ما باشرته يدُه من الأذى، فينفر طبُعه عن تناوله.
واستُشكل النهيُ عن مسّ الذكرِ، والاستنجاءِ فيه باليمين؛ لأنه إذا استجمر باليسارِ استلزم مسَّ الذكر باليمين، وإذا مسَّ باليسارِ استلزم الاستجمارَ باليمين، وكلاهما منهي عنه، وأجيبُ عن ذلك: بأن يُمرَّ الذكر بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه، وهي قارة، فلا يعدّ مستجمرًا باليمين، ولا مسا للذكرِ بها، فهو كمن صبَّ الماءَ بيمينهِ على يسارهِ في الاستنجاء، ويجوزُ في سين (يمسُّ) ثلاثة أوجه: فتحها لخفته، وكسرُها على الأصلِ في تحريكِ الساكنِ، وفكِ الإدغامِ وحينئذٍ يظهرُ الجزمُ، لزوالِ مانِعه، وهو الإدغام (٢).
١٩ - بَابٌ: لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ .
١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ".
[انظر: ١٥٣ - مسلم ٢٦٧ - فتع: ١/ ٢٥٤]
стр. 423
(باب لا يمسك) في نسخةٍ: "لا يمس" وفائدةُ هذه الترجمة مع ما تقدَّم معناها في الباب قبله: اختلاف الإسناد مع ما وقع في لفظ المتن من الخلافِ الآتي فيه، وخالف ترجمتي البابين مع اتحادِ مؤدي حديثيهما؛ جريًا على عادته في تعدد التراجم بتعدد الأحكامِ المجموعةِ في الحديثِ الواحدِ، كما هنا.
(فلا يأخذنَّ) بنون التوكيد، وفي نسخةٍ: "فلا يأخذ" بحذفها. (ولا يستنج بيمينه، ولا يتنفَّس في الإناء) النهيُ عنهما ليس مقيدًا بما إذا بال. فالجملتانِ معطوفتانِ على الجملةِ الشرطيةِ، لا على جزاء الشرط؛ لئلا يلزم أنَّ النهيَ عن الأمرين مقيّد بما إذا بال مع أنه ليس كذلك.
٢٠ - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالحِجَارَةِ .
(باب: الاستنجاء بالحجارة) قُيد بها كالحديث؛ جريًا على الغالب، وإلَّا فالاستنجاءُ يحصل بكل طاهرٍ قالعٍ غيرِ محترمٍ، كما هو معلوم في كتب الفقه.
١٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو المَكِّيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ - وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْثٍ، فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ».
[٣٨٦٠ - فتح: ١/ ٢٥٥]
(أحمد بن محمد) أي: ابن عونٍ.
(أتبعت) بهمزة قطعٍ رباعيًّا، أي: لحقته، وبهمزة وصلٍ خماسيًّا، أي: مشيتُ خلفه، وكذا تبع ثلاثيًّا وهذا ما في "الصحاحِ" (١)، ولا
стр. 424
ينافيه قولُ "المحكم": تبع واتَّبع وأتْبع بمعنى؛ لأن اتحاد المعنى بالنظر للمادة، وتفاوته بالنظرِ إلا الصيغة، كنظيره في: وفَّى، وأَوْفى، ووفي (وخرج) حالٌ بتقدير قد (١) (فكان) في نسخةٍ: "وكان". (فدنوت) أي: قربتُ منه؛ لأستأنس به كما في رواية، وزاد فيها "فقال: من هذا؟ " فقلت أبو هريرة (٢).
(فقال ابغني) همزة وصلٍ ثلاثيًّا، أي: اطلب لي، وبهمزة قطعٍ رباعيًّا مزيدًا فيه أي: أعني على الطلب. يقال: أبغيتك الشيء، أي: أعنتك على طلبهِ، وفي نسخةٍ: "ابغ لي". (أحجارًا) في نسخة: "حجارةً" (أستنفض) بالرفع صفةً لـ (أحجارًا) أو بالجزم؛ جوابٌ للأمر، وهو بنون وفاءٍ مكسورةٍ، وضادٍ معجمةٍ من النفض: وهو هزُّ الشيء؛ ليطير غباره، والمراد هنا: أستنظف بها، أي: أنظف نفسي بها من الحدثِ، فكنى به عن الاستجمار. (أو نحوه) بالنصب، أي: أو قال نحو هذا القول كأستنجي أو أستنظف، ففيه: جوازُ الرواية بالمعنى،
стр. 425
والشكُّ فيه من بعض رواته.
(ولا تأتني) في نسخةٍ "ولا تأتيني" بياء قبل النون، وفي أخرى: "ولا تأتي" وفي أخرى: "ولا تأت لي" بلامٍ بدل النون. (بعظم ولا روث) أي: لأنهما مطعومان للجن؛ ولأنَّ العظم لزجٌ، فلا يقلع النجاسة، والروث نجس فيزيد ولا يزيل، ويؤخذ مما ذكر: أنَّ ما في معنى الحجرِ من كل طاهرٍ قالعٍ غيرِ محترمٍ يستنجى به، كما مرَّ. (بطرفِ ثيابي) أي: في طرفها. (فوضعتها) في نسخةٍ: "فوضعها". (وأعرضت) في نسخةٍ: "واعترضت". (فلمَّا قضى) أي: حاجته. (أتبعه) أي: المحلّ (بهن) أي: بالأحجار.
وفي الحديث: جواز اتباعِ السادات بغيرِ أذنهمِ، واستخدامُ المتبوعِ إياهم، وندبُ الإعراضِ عن قاضي الحاجةِ، وإعدادُ المزيل للاستنجاءِ قبل القعودِ، لئلا يتلوث إذا قام بعد الفراغ لطلبهِا، ومشروعية الاستنجاء.
٢١ - [بَابٌ: لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ] .
١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: - لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ - وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ" وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
[فتح: ١/ ٢٥٦]
(باب لا يُستنجى بروثِ) ببناء (يستنجى) للمفعول، والباب مع ترجمتهِ ساقط من نسخةٍ.
стр. 426
(عن أبي إسحق) اسمه: عمرو بنُ عبد الله السبيعيُّ. (قال) أي: أبو إسحق. (ليس أبو عبيدة) عامر بن عبد الله بنُ مسعود. (ذكره) أي: حدثني به. (ولكن) ذكره لي (عبد الرحمن بن الأسود) أي: لست أرويه عن أبي عبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن. (عبد الله) أي: ابن مسعود.
(بثلاثة أحجار) فيه دليل على اعتبارِ الثلاثِ، وإلا لما طلبها، صرَّح به في حديثِ مسلم "لا يستنجي أحدُكم بأقلِ من ثلاثةِ أحجارِ" (١).
(والتمست) أي: طلبت. (فلم أجده) في نسخة: "فلم أجد روثة" أي: روثة حمار، كما رواها ابن خزيمة (٢). (فأتيته بها) أي: بالثلاثة. (هذا ركس) في نسخة: "هذه ركس" وهو بكسر الراء: الرجيع؛ لرجوعه من حال الطهارة إلى حال النجاسة، ويروى: "رجس" (٣) بالجيم، أي: نجس، وأخذ بظاهر الحديث جماعة فاكتفوا بدون الثلاث؛ حيث وُجِدَ الإنقاءُ فالمدار عليه لا على العدد،، وأجيب: باحتمال حضور ثالث، لكن لم يعلمه، فطلب الثلاث فلمّا علمه اكتفى بالحجرين معه، وبأنه أمر عبد الله بإحضار ثالث، واكتفى في المسحات الثلاث بأطراف الحجرين عن ثالث.
стр. 427
وأما احتمال مسح المخرجين بالثلاث، فقد يمنع باحتمال: أن الحاجة في أحدهما فقط، وأن مسح الأرض يكفي في القبل، فالثلاثة للدبر.
(وقال إبراهيم بن يوسف) أي: ابن إسحاق السبيعي. (عن أبيه) يوسف بن إسحق. (عن أبي إسحق) جد إبراهيم. (حدثني عبد الرحمن) ابن الأسود بن يزيد بالإسناد السابق. وأراد البخاريُّ بهذا التعليق الردَّ على من زعم أن أبا إسحق دلَّس هذا الخبر، وهذه متابعة ناقصة (١) ذكرها تعليقًا، وهي ساقطة من نسخة على أن إبراهيم هذا متكلم فيه؛ لكن يغتفر مثله في المتابعة.
стр. 428
٢٢ - بَابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً .
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً".
[فتح: ١/ ٢٥٨]
(باب: الوضوء مرة مرة) أي: لكل عضوٍ. (مرةً مرةً) بنصبهما مفعول مطلق مبين للكمية، أو ظرف، أي: توضأ في زمان واحد.
٢٣ - بَابٌ: الوُضُوءُ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ .
١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ".
[فتح: ١/ ٢٥٨]
(باب: الوضوء مرتين مرتين) أي: لكلِّ عضو.
(حدثنا حسين) في نسخة: "الحسين" وفي أخرى: "حدثني حسين". (ابن عيسى) أي: ابن حُمران بضم المهملة. (حدثني فليح) في نسخة: "أخبرنا فليح" واسمه: عبد الملك. (عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم) في نسخة: زيادة "ابن محمد" بين أبي بكر وعمرو. (عن عَبّاد بن تميم) أي: ابن زيد. (عن عبد الله بن زيد) أي: ابن عبد ربه.
(مرتين مرتين) في إعرابه: ما مرَّ.
٢٤ - بَابُ: الوُضُوءُ ثَلاثًا ثَلاثًا .
١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ
стр. 429
ثَلاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
[١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ١/ ٢٥٩]
(باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا) أي: لكلِّ عضوٍ، وفي إعرابه ما مرَّ (١).
(دعا بإناء) أي: فيه ماء للوضوءِ. (فأفرغ على كفيه) أي: صبَّ عليهما ماءً. (ثلاث مرار) في نسخة: "ثلاث مرات". (فمضمض) أي: أدخل الماء في فيه، وفي نسخة: "فتمضمض". (واستنشق) أي: أدخل الماء في أنفه، وفي نسخة: بدل هذا "واستنثر" أي: أخرج من أنفه، وجمع بينهما في رواية (٢)، وفي رواية أبي داود وغيره: (فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا) (٣) والاستنثار: يستلزم الاستنشاق من غير عكس، وهي مأخوذة من النثرة: وهي الأنف، أو طرفه أو الفرجة بين الشاربين على الخلاف فيه، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مستحق، وقيل: مستحب.
стр. 430
(إلى المرفقين) تثنية مرفق، بفتح الميم وكسر الفاءِ وبالعكس، وسمي مرفقًا؛ لأنه يرتفق به في الاتكاءِ. (ثم مسح برأسه) زاد أبو داود: ثلاثًا (١). (ثم غسل رجليه ثلاث مرات) قال النوويُ: أجمع العلماءُ على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة، وان الثلاث سنة (٢).
وقد جاءت الأحاديثُ بالغسل مرة ومرتين وثلاثة، وبعض الأعضاءِ ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، واختلافها دليلُ جواز الكلِّ، والثلاث هي الكمال، أو يحمل الاختلاف على أن بعض الرواة حفظ، وبعضهم نسي، فيؤخذ بما زاده البقية وتثليث مسح الرأس قال به الشافعي؟ لمجيئه في خبر أبي داود (٣)، وقياسًا على بقية الأعضاءِ، وأن رواية المسح مرة إنما هي؛ لبيان الجواز.
(إلى الكعبين) هما العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم. (نحو وضوئي هذا) رواه في الرقاق بلفظ: "مثل" (٤)، وتقدم التنبيه على أن نحو دون مثل، وأن المماثلة لا يشترط فيها المماثلة من كلِّ وجه، فلا يرد على التعبير بالمثل ان وضوءه لا يقدر على مثله أحد.
(لا يحدث فيهما نفسه) أي: بشيءٍ من أمور الدنيا، فلا يؤثر حديث نفسه في أمور الآخرة، ولا التفكر في معاني ما يتلوه من القرآن، ولا ما يهجم من الخطرات فيعرض عنه فهو معفوٌّ عنه؛ لعدم كسبه له الملوح له التعبير بـ (يحدث). نعم هو بلا ريب دون من سلم من ذلك،
стр. 431
كما لا يخفى.
(غفر له ما تقدم من ذنبه) أي: من الصغائر دون الكبائر صرَّح به في مسلم (١)، وفي نسخة: "غفر الله له ما تقدم من ذنبه".
١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ، وَلَكِنْ عُرْوَةُ، يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلاةَ، إلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا" قَالَ عُرْوَةُ: "الآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٧ - فتح ١/ ٢٦١]
(وعن إبراهيم) أي: ابن سعد، السابق أول الباب وهو معطوف على قوله: (حدثني إبراهيم). (ولكن عروة) أي: ابن الزبير بن العوام. (يحدث عن حمران) هذا استدراك من ابن شهاب، ويعني أن شيخه عطاء وعروة اختلفا في روايتهما عن حمران، فحدث به عطاء على صفة وقد تقدمت، وعروة على صفة وهي ما ذكرها بقوله: (فلما توضأ عثمان ... إلخ) وهو معطوف على محذوف تقديره: عن حمران: أنه رأى عثمان دعا بماء فأفرغ على كفيه إلى ان قال: إلى الكعبين، فلما توضأ قال: (إلا أحدثكم) في نسخة: "لأحدثنكم". (لولا آية) سيأتي بيانها. (ما حدثتكموه) أي: ما كنت حريصًا على تحديثكم به.
(لا يتوضأ) في نسخة: "لا يتوضأنَّ" بنون التوكيد الثقيلة. (يحسن) في نسخة: "فيحسن". (إلا غفر له) أي: من الصغائر كما مرَّ. (ما بينه) أي: بين ما صلَّاه بالوضوءِ. (وبين الصلاة) أي: التي تلي ما
стр. 432
صلَّاه بالوضوء. (حتَّى يصليها) أي: يفرغ منها؛ ليشمل غفران صغيرة وقعت فيها، كنظرة محرمة.
وتفسير شيخنا له بالشروع فيها مخالف لظاهر اللفظ (١)، و (حتَّى) غايةُ لتحصيل المقدر العامل في الظرف، لا للغفران؛ إذ لا غاية له، والتقدير: إلا غفر له الذنب الذي حصل بين الصلاتين. وفائدة ذكره مع علمه مما قبله: دفع احتمال ان المراد: ما بين الوضوء وبين الشروع فيها.
(قال عروة: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾) [البقرة: ١٥٩] زاد في نسخة: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾، وفي أخرى: "الآية" وهذه الآية وإن نزلت في أهل الكتاب عامة لهم ولغيرهم، لما تقرَّر من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وعورض هذا الحديث المقيد للغفران بالصلاة بحديث أبي هريرة: "إذا توضأ العبد خرجت خطاياه" (٢) الحديث؛ حيث أفاد أن الغفران لا يتقيد بالصلاة، وأجيب باحتمال أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فربَّ متوضِّيء يحضره من الخشوع ما يستقل وضوءه بالغفران، وآخر ليس كذلك، فلا يستقل وضوؤه بالغفران إلَّا مع الصلاة الأخرى.
стр. 433
٢٥ - بَابُ الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ .
ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[انظر ١٥٩، ١٨٥]
(باب الاستنثار في الوضوء) تقدم بيانه في الباب السابق ذكره أي: الاستنثار.
(عثمان) أي: بن عفان. (وابن عباس) في نسخة: "وعبد الله بن عباس". (عن النبي ﷺ ) أي: أن أمر بذلك، كما رواه أبو داود والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا" (١).
١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ".
[١٦٢ - مسلم: ٢٣٧ - فتح: ١/ ٢٦٢]
(عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن يزيد. (أبو إدريس) أي: عائذ الله الخولاني. (قال: من توضأ) في نسخة: "أنه قال: من توضأ". (فليستنثر) أي: لما فيه من تنقية مجرى النَّفَسِ الذي به تلاوة القرآن؛ ولإزالة ما فيه من الثفل؛ لتصح مجاري الحروف، ولما فيه من طرد الشيطان؛ لخبر البخاري في بدء الخلق: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه" (٢) والأمر فيه للندب، كما في الاستنشاق، ولخبر الترمذي وحسنه "من توضأ كما
стр. 434
أمر الله" (١)، وليس في الآية ذكر الاستنثار.
(ومن استجمر) أي: مسح محل النجو بالجمار: وهي الأحجار الصغار. (فليوتر) أي: بثلاث، أو خمس، أو غير ذلك، والواجب عند الشافعي ثلاث، فإن لم ينق بها وجب زيادة، واستحب الإيتار وإن حصل الإنقاء بشفع، وقيل: يجب الإيتار مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث، ورده الجمهور بخبر: "من أستجمر فليوتر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (٢) وحملوا هذا الخبر على الوجوب في الثلاث، وعلى الندب فيما زاد عليه، فالأمر مستعمل في حقيقته ومجازه، وهو جائز عند الشافعي ﵁.
٢٦ - بَابُ الاسْتِجْمَارِ وتْرًا .
١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ".
[انظر: ١٦١ - مسلم: ٢٣٧، ٢٧٨ - فتح: ١/ ٢٦٣]
(باب: الاستجمار) أي: بالأحجار. (وترًا) حال. (إذا توضأ) أي: أراد أن يتوضأ. (فليجعل في أنفه) أي: "ماء" كما في نسخة. (ثم لينثر) بمثلثة مضمومة بعد نون ساكنة، وفي نسخة: "ثم لينتثر" بفوقية قبل المثلثة، وأراد به الاستنثار وبما قبله الاستنشاق. (فليوتر) أي: بثلاث،
стр. 435
أو خمس أو سبع، أو غير ذلك كما مرَّ مع زيادة. (استيقظ) أي: تيقظ. (فليغسل يده) أي: ندبًا. (قبل أن يدخلها في وضوئه) بفتح الواو، وفي نسخة: "في الإناءِ" أي: الذي فيه ماء الوضوء.
(فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) أي: هل لاقت مكانًا طاهرًا أو نجسًا؟ كبثرة أو جرح، والتعليل بذلك جري على الغالب؛ إذ لو نام نهارًا، أو درى أنَّ يده لم تلق نجسًا، كأن لف عليها خرقة، أو شك في نجاستها بلا نوم، ندب غسلها أيضًا، فقد صحَ عنه ﷺ : أنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء في حال اليقظة مع تيقن طهارة يده، فندب غسلها بعد النوم، أو بعد الشك بدونه أَوْلى.
٢٧ - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ .
١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا.
[انظر ٦٠ - مسلم: ٢٤١ - فتح: ١/ ٢٦٥]
(باب: غسل الرجلين) زاد في نسخة: "ولا يمسح على القدمين" (حدثنا موسى) هو ابن إسماعيل التبوذكي، وفي نسخة: "حدثني موسى". (حدثنا أبو عوانة) في نسخة: "أخبرنا أبو عوانة". (يوسف بن ماهك) بكسر الهاء وفتحها منصرفًا وغير منصرفٍ.
(في سفرة) أي: من مكة إلى المدينة في حجة الوداع، أو عمرة القضية، وفي نسخة: "في سفرة سافرناها". (فأدركنا) بفتح الكاف أي: لَحِقَ بنا. (وقد أرهقنا) بسكون القافِ أي: أخرنا، وفي نسخة: "أرهقتنا" بفتح القاف وبتاءٍ ساكنة أي: أدركتنا. (العصر) مفعول على
стр. 436
النسخة الأولى، وفاعل على الثانية.
(ويل) كلمة عذاب، أو وادٍ في جهنم، وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة؛ لأنه دعاء وموصوف بما يأتي. (للأعقاب) أي: لأصحابها. المقصرين في غسلها، والعقب: مؤخر الرجل. (من النار) صفة لـ (ويل) وفيه: ردٌّ على الشيعة القائلين: بأن الواجب المسح؛ أخذًا بظاهر قراءة: (وأرجُلِكم) بالجر؛ إذ لو كان الفرض المسح لما توعد عليه بالنار.
٢٨ - بَابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ .
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [انظر ١٤٠، ١٨٥]
(باب: المضمضة في الوضوء) بإضافة (باب) وفي نسخة: "باب المضمضة من الوضوء" بلا إضافة (باب)، وإبدال (في) بـ "مَنَ".
(قاله) أي: ما ذكر من المضمضة. (ابن عباس، وعبد الله بن زيد) علق البخاري عنهما، ذلك، وقد أسنده عن ابن عباس قبل في باب: غسل الوجه (١)، وعن عبد الله بن زيد بعدُ، في باب: من مضمض واستنشق (٢).
١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ
стр. 437
تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
[انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ١/ ٢٦٦]
(أنه رأى عثمان) في نسخة: "عثمان بن عفان". (دعا بوضوء) بفتح الواو أشهر من ضمها. (ثم تمضمض) في نسخة: "ثم مضمض".
(ثم مسح برأسه) زاد أبو داود وابن خزيمة ثلاثًا (١). (ثم غسل كل رجل) في نسخة: "ثم غسل كل رجله" وفي أخرى: "كل رجليه" وفي أخرى: "كلتا رجليه". (وقال) في نسخة: "ثم قال". (وصلَّى) في نسخة: "ثم صلَّى". (غفر الله له) في نسخة: "غفر له" وتقدم بيان معنى الحديث.
٢٩ - بَابُ غَسْلِ الأَعْقَابِ .
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ: "يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ".
١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ المِطْهَرَةِ، قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ".
[مسلم ٢٤٢ - فتح: ١/ ٢٦٧]
(باب: غسل الأعقاب) أي: وما يلتحق بها مما قد يتساهل في إسباغه من الأعضاء؛ ولهذا قال: (وكان ابن سيرين يغسل موضع
стр. 438
الخاتم إذا توضأ) أي: يفرده بالغسل، ومذهب الشافعي وكثير: إن كان الخاتم واسعًا يدخل الماء تحته أجزأ من غير تحريك، وإن كان ضيقًا فليحرك.
(وكان يمرُّ بنا) حال من (أبي هريرة) و (يمرُّ بنا) خبر كان. (والناس يتوضئون) حال من اسم (كان) فهي مع الحال السابقة كما قال الكرماني (١) حالان متداخلتان، وإن احتمل أن يكونا مترادفتين. (من المطهرة) بفتح الميم أجود من كسرها: الإناء المعد للتطهير. (قال) حالٌ من فاعل سمعتُ، وفي نسخة: "فقال" بالفاءِ التفسيرية؛ لأنها تفسر (قال) المحذوفة بعد قوله: "أبا هريرة" لأن التقدير حينئذٍ: سمعت أبا هريرة قال: وكان يمرُّ بنا إلخ. وهنا احتيج إلى تقدير (قال) لأن الذات لا تسمع حتَّى اعتبر في وقوعها مفعولًا لفعلِ السماع، أن يكون مقيدًا بالقول أو نحوه، كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣] فالمراد بسمعت أبا هريرة سمعت قوله. (أسبغوا) بفتح الهمزة من الإسباغ، وهو الإتمام. (أبا القاسم) كنية رسول الله ﷺ . (ويل للأعقاب من النار) تقدم بيانه.
٣٠ - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ .
١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ
стр. 439
الأَرْكَانِ إلا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْويَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ "أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إلا اليَمَانِيَّيْنِ"، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا"، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا"، وَأَمَّا الإِهْلالُ: فَإِنِّي "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ".
[١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥٨٥١، ١٥٥٤ - مسلم: ١١٨٧، ١٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٦٨]
(باب: غسل الرجلين في النعلين) سيأتي بيان ذلك. (ولا يمسح على النعلين) ردَّ به ما رُوي عن علي وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم ثم صلَّوا، ويمكن تأويله بأنهم مسحوا عليها مع غسل أرجلهم فيها، وأمَّا حديث: مسحهما المروي في أبي داود فضعيف (١)، وإن سلم صحته فمؤول بما مرَّ.
(عن عبيد بن جريج) بالتصغير فيهما.
(رأيتك) يحتمل البصرية والعلمية. (تصنع أربعًا) أي: أربع خصالٍ. (من أصحابك) في نسخة: "من أصحابنا" والمراد: من أصحاب النبي ﷺ . (يصنعها) أي: مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها، أو المراد: الأكثر منهم.
(إلا اليمانيين) بتخفيف الياءِ، بجعل الألف عوضًا عن إحدى يائي النسب، وبتشديدها في لغة؛ بجعل الألف زائدة، وفي تعبيره بذلك تغليب، وإلا فالذي فيه الحجر الأسود عراقي؛ لأنه إلى جهة العراق
стр. 440
وهما الباقيان على قواعد إبراهيم، ومن ثَمَّ خصَّ الآن بالاستلام حتَّى لو بنى البيت على قواعد إبراهيم، استلمت الأركان كلها اقتداءَ به ولهذا لما ردها ابن الزبير على القواعد استلمها.
وظاهر الحديث: انفراد ابن عمر باستلام اليمانيين، وأن غيره كان يستلم الأربعة، لكن اتفق الفقهاء اليوم، كما قال الكرماني وغيره (١)، على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة، وبين بعض التابعين، ثم زال الخلاف.
(تلبس) بفتح الموحدة. (السبتية) بكسر المهملة، وسكون الموحدة، نسبة إلى السِبْت بالكسر: وهو جلد البقر المدبوغ، وإنما اعترض على ابن عمر في ذلك؛ لأنه لباس أهل النعمة، وإنما كانوا يلبسون النعال بالشعر غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره.
(تصبغ) بتثليث الباء، أي: الثياب، وقيل: الشعر. (إذا كنت بمكة إلخ) كان يحتمل أنها ناقصة، أو تامة، و (إذا) في الموضعين تحتمل الشرطية والظرفية، أو الأولى شرطية، والثانية ظرفية، وهو الظاهر.
(رأوا الهلال) أي: هلال ذي الحجة، والإهلال لغة: رفع الصوت، وسمي الهلال هلالًا؛ لرفع الصوت عند رؤيته، واصطلاحًا: رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام. (حتى كان يوم التروية) وهو ثامن ذي الحجة، وهو بالرفع فاعل كان فهي تامة، وبالنصب
стр. 441
خبرها فهي ناقصة (١)، واسمها: الزمان الدال عليه السياق، وسمي يوم التروية؛ لأنهم يتروون فيه من الماء ما يستعملونه في عرفات شربًا وغيره، وقيل: لرؤية إبراهيم ﵇ رؤيا ذبح ولده في ليلته، وقيل: لأنه تروى أي: تفكر في رؤياه التي رآها، ثم كان قياس ما ذكر من الأمور الأربعة أن يقول هنا. رأيتك لم تهل.
(حتَّى كان يوم التروية) فيقال: إنه محذوف، والمذكور دليل عليه أو تجعل الشرطية قائمة مقامه. (ويتوضأ فيها) أي: حال كون النعل في الرجل؛ بأن يغسل غير الرجلين قبل نزعهما من النعلين، ثم الرجلين بعد نزعهما منهما، ثم يدخلهما رطبتين فيهما.
(وأمَّا الصفرة، فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها) المراد: صبغ ثيابه لحديث ورد فيه في "سنن أبي داود" وقيل: صبغ شعره لما في "سنن أبي داود" وغيره أيضًا، أنه كان يصفر بها لحيته، وأجاب الأول عن هذا باحتمال: أنه كان يتطيب بها، لا أنه كان يصبغ بها (٢).
(حتَّى تنبعث به راحلته) كناية عن ابتداءِ السير في أفعال الحج وانبعاثها، واستوائها قائمة، والإحرام عند انبعاثها مذهب الشافعي ومالك واحمد، وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة جالسًا، وهو قولٌ عندنا، وقيل يحرم من أول يوم من ذي الحجة، والخلاف في الأفضلية، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا، كان أو أنثى.
стр. 442
٣١ - بَابُ التَّيَمُّنِ فِي الوُضُوءِ وَالغَسْلِ .
(باب: التيمن في الوضوءِ والغسل) أي: أخذ الماءِ فيهما باليمين، والوضوء والغسل، بالضمِّ فيهما على الأشهر: الفعل.
١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا".
[١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ١/ ٢٦٩]
(إسماعيل) أي: ابن علية. (خالد) هو الحذاء. (عن أم عطية) اسمها: نسيبة -بالتصغير- بنت كعب، أو بنت الحارث.
(لهن) أي: لأمِّ عطية ومن معها. (في غسل ابنته) أي: زينب. (ومواضع الوضوء) إن جُوِّز العطف على الضمير المجرور (١)، فهو دليل التيامن في مواضع الوضوء، وإلا فيؤخذ من عموم ميامنها.
стр. 443
١٦٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ "يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ".
[٤٢٦، ٥٣٨٠، ٥٨٥٤، ٥٩٢٦ - مسلم: ٢٦٨ - فتح: ١/ ٢٦٩]
(عن مسروق) أي: ابن الأجدع.
(يعجبه التيمن) أي: الأخذ باليمين. فيما يأتي ذكره. (في تنعله) أي: لبسه النعل (وترجله) أي: تمشيطه الشعر. (وطهوره) بضمِّ الطاءِ؛ لأن المراد: تطهره. (في شأنه كله) أي: في حاله كله، والمراد: جميع حالاته مما هو من باب التكريم، والتزيين كلُبْسِ السراويل، والخُفِّ وتقليم الأظافر، وقصِّ الشارب، نعم الكفان والخدان والأذنان يطهران دفعة واحدة.
أَمَّا ما ليس من غير باب ما ذُكر، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد فإنه باليسار، وفي نسخة: "وفي شأنه كله" بواو العطف، وهو من عطف العام على الخاص، ووجه حذف العاطف: (١) أنه جائز عند بعضهم حيث دلَّت عليه قرينة، أو أن (ما) بدلٌ مما قبله بدلُ اشتمال، والشرط فيه: أن يكون المبدل منه مشتملًا على الثاني أي: متقاضيًا له بوجه ما، وهنا كذلك، أو هو بدل كلٍّ من بعض (٢) على ما جوزه
стр. 444
بعضهم، وعليه قوله:
نضر الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان (١) طلحة الطلحات (٢)
أو يقدر قبله: يعجبه التيمن فتكون الجملة بدلًا من الجملة.
وفي الحديث: شرف اليمين على اليسار.
٣٢ - بَابُ التِمَاسِ الوَضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلاةُ . (٣)
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "حَضَرَتِ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ المَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ".
(باب: التماس) أي: طلب. (الوَضوء) بفتح الواو على الأشهر.
(إذا حانت الصلاة) أي: قَرُبَ وقتها.
стр. 445
(حضرت الصبح) أي: صلاته. (فالتمس) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "فالتمسوا" بالبناء للفاعل، فقوله: (الماء) مرفوع على الأولى، منصوب على الثانية. (فنزل التيمم) أي آيته (١). وهذا التعليق وصله البخاري في كتاب: التفسير (٢).
١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ قَالَ: "فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ".
[١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥ - مسلم: ٢٢٧٩ - فتح: ١/ ٢٧١]
(رأيت رسول الله) في نسخة: "رأيت النبي". (وحانت صلاة العصر) حال. (فلم يجدوه) أي: الماء، أي: لم يصيبوه، وفي نسخة: "فلم يجدوا" بدون هاء. (فأُتي) بالبناء للمفعول. (بوَضوء) أي: بماء والمراد: بإناء فيه ما يتوضأ به؛ لقوله: (فوضع رسول الله لم ﷺ في ذلك الإناء يده) أي: اليمنى فيما يظهر، ولفظ: (الإناء) ساقط من نسخة. (منه) أي: من الماء الذي فيه يده المباركة (ينبع) بتثليث الموحدة، أي: يخرج، والجملة حال.
(من تحت أصابعه) وفي رواية: "يفور من بين أصابعه" (٣) وأكثر
стр. 446
العلماء على أنه كان يخرج من نفس أصابعه، وقيل: كثر الله الماء بنفسه فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها، وكلاهما معجزة ظاهرة.
(حتَّى توضئوا من عند آخرهم) حتى: حرف ابتداء دالة على التدريج، و (من) للبيان، أو لانتهاء الغاية (١) في لغة، كما قال النووي (٢). أي: توضأ الناس من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، والشخص الذي هو آخرهم منهم؛ لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة بجعل (عند) لمطلق الظرفية بمعنى في لا لظرفية خاصة بالحضور، فكأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم، وأنسٌ منهم أيضًا، بناءً على الأصح من أن المتكلم يدخل في عموم كلامه.
وفي الحديث: استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، وطلب الإعانة له عند حاجته [ممن معه ماء فاضل عن حاجته، (٣)، والرد على من أنكر المعجزة من الملاحدة، واغتراف المتوضِئ من الماء القليل.
٣٣ - بَابُ المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ .
وَكَانَ عَطَاءٌ: "لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ وَالحِبَالُ. وَسُؤْرِ الكِلابِ
стр. 447
وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ" وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: "إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ" وَقَالَ سُفْيَانُ: "هَذَا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذَا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ".
[فتح: ١/ ٢٧٢]
(باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان) أي: باب بيان حكمه، أهو طاهر أم لا؟
(وكان عطاء بن أبي رباح لا يرى به) أي: بالانتفاع بشعور الناس التي تحلق بعد غسلها بمنى. (بأسًا) وفي نسخة: "لا يرى بأسًا" بإسقاط به. (أن يتخذ) محله: (١) جُر على الأول، بدل من ضمير به، ونصبه على الثانية بدل من (بأسًا). (منها) أي: من الشعور، وفي نسخة: "منه" أي: من الشعر. (الخيوط والحبال) يفترقان بالرقة والغلظ، وأراد البخاري بكلام عطاء: الرد على من نجس شعر الإنسان بانفصاله؛ لاقتضائه تنجس الماء المنفصل معه؛ إذ لو كان نجسًا لما اتخذ منه الخيوط والحبال.
(وسؤر الكلاب وممرها في المسجد) بالجرِّ فيهما؛ عطف على الماء في الترجمة، والسؤر بالهمز وبتركه على قلة: بقية مما في الإناء بعد الشرب، وفي نسخة: بعد لفظ: (في المسجد) "وأكلها" بإضافة المصدر إلى الفاعل وأكلها الشيء في المسجد، والمراد بأكلها: محله فيصير المعنى: بيان حكم الماء. . . إلخ، وحكم الثلاثة حكمها عند الشافعي أنها نجسة، لكن محله في السؤر إذا نقص عن قلتين، وفي الممر إذا لم يخل عن رطوبة، وحينئذ لا فرق في تنجسهما، بل في تنجس الثلاثة بين كونها في المسجد وغيره. (قال الزهري) هو: محمد
стр. 448
ابن مسلم بن شهاب، كما مرَّ. (إذا ولغ) أي: "الكلب" كما في نسخة. (في إناء) أي: فيه ماء، وفي نسخة: "في الإناء" أي: الذي فيه ماء. (ليس له) أي: لمريد الوضوء. (وَضوء) بفتح الواو على المشهور. (غيره) بالرفع والنصب أي: غير ما ولغ فيه، والجملة المنفية صفة لإناءٍ على النسخة الأولى، وحال من الإناء على الثانية. (يتوضأ) جواب إذا. (به) أي: بالوضوء، وفي نسخة: "بها" أي: بالمطهرة، أي بالماء الذي فيها، وفي أخرى: "منه".
(وقال سفيان) أي: الثوري. (هذا) أي: الحكم بأنه يتوضأ مما ذكر. (الفقه بعينه) أي: هو المستفاد من القرآن، كما أشار إليه بقوله: (يقول الله) وفي نسخة: "لقول الله تعالى": (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾) [المائدة: ٦]؛ لأن قوله (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم، وفي نسخة: "فإن لم تجدوا فتيمموا" وهي خلاف التلاوة فهو سبق قلم، أو رواه سفيان بالمعنى، ولعله كان يرى جواز ذلك.
(وهذا) أي: ما ذكر، وفي نسخة: "فهذا". (ماء) أي: فتوضأ به، وتنجسه بالولوغ ليس متفقًا عليه (وفي النفس منه شيءٌ) من تتمة كلام سفيان، وإنما قاله مع أنه في القرآن، لعدم ظهور دلالته عليه عنده، أو لوجود معارض من القرآن أو غيره، فالاحتياط ما ذكره بقوله: (يتوضأ به) في نسخة: "منه". (ويتيمم) لأن الماء المشكوك فيه كالعدم، والواو بمعنى: ثم (١)؛ لأن التيمم بعد الوضوء قطعًا كذا قيل. ولك أن تقول من قبل الشافعي الشك مُنْتفٍ، لأن ما ولغ فيه الكلب إن بلغ قلتين فطاهر أو لا فنجس، ولو سلم الشك فالقول بأن المشكوك فيه كالعدم يقتضي
стр. 449
الاقتصار على التيمم، وقد يجاب عنه: بأن المشبه لا يلزم أن يكون مساويًا للمشبه به من كلِّ وجه، والقول: بأن التيمم بعد الوضوءِ قطعًا فيه نظر؛ إذ الفرض أن الماء كالعدم. وبذلك علم أن في الجمع بين الوضوءِ والتيمم نظرًا؛ حتى زعم بعضهم: أن الأولى أن يريق ذلك الماء ثم يتيمم.
١٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ "عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ" فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
[١٧١ - فتح: ١/ ٢٧٣]
(إسرائيل) أي: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (لعبيدة) بفتح العين، وكسر الموحدة: ابن عمرو، أو ابن قيس بن عمرو السلماني بفتح السين وسكون اللام.
(عندنا) أي: شيء، (من شعر النبي) فشيءٌ المقدر مبتدأ خبره: (عندنا) أو لا يقدر شيء، وتجعل (مِنْ) قائمة مقام بعض، فتكون مبتدأ (١). (من قبل أنس، أو من قبل أهل أنس) بكسر القاف وفتح الموحدة فيهما، أي: من جهته، أو من جهتهم.
(لأن تكون عندي شعرة منه) لام (لأن تكون) لام الابتداء، والمجموع مسبوك بمصدر، وهو مبتدأ خبره: (أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها) أي: من متاعها، وفي نسخة: "أحبُّ إليَّ من كل صفراء وبيضاء" وبكلِّ حالٍ يجوز في (تكون) أن تكون تامة وناقصة بجعل (عندي) خبرها (٢).
стр. 450
ووجه دلالة ذلك على الترجمة: أنه لو لم يكن الشعر طاهرًا لما حفظه أنس ولما كان عند عبيدة أحبَّ إليه مما ذكر، وإذا كان طاهرًا فالماء الذي يغسل به طاهر.
١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ".
[انظر: ١٧٠ - مسلم: ١٣٠٥ - فتح: ١/ ٢٧٣]
(قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك".
(أن رسول الله) في نسخة: "أن النبيَّ". (كان أبو طلحة) هو زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري. (أول من أخذ من شعره) هو محل دليل الترجمة؛ إذا لو لم يكن شعره طاهرًا لما أخذه وأقره النبيُّ ﷺ ؛ لأن الأصل عموم الأحكام له ﷺ ولغيره حتى تثبت الخصوصية بدليل.
[باب إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا]
(باب: إذا شرب الكلب في إناءِ أحدكم فليغسله سبعًا) هذا ساقط من نسخة، وعُدِّي فيه (شرب) بفي؛ تبعًا للحديث بتضمين (شرب) معنى: ولغ.
١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا".
[مسلم: ٢٧١ - فتح: ١/ ٢٧٤]
(قال: إذا شرب الكلب في) في نسخة: "من" بدل (في) وعليها فلا تحتاج إلى التضمين السابق، وفي ذلك دليلٌ على نجاسة بقية أعضاءِ
стр. 451
الكلب؛ لأن الطهارة إما عن حدث وهو منتفٍ، أو عن نجس وهو المدعي، وإذا كان فمه الذي هو أطيب أجزائه -بل هو أطيب الحيوان نكهة؛ لكثرة ما يلهث- نجسًا فبقيتها أولى، وعلى أنه لا فرق في الكلب بين المعلم وغيره، ولا بين البدوي والحضري، والسبع، كافية مع الترتيب المذكور في مسلم (١) للتطهير سواء اتحد الولوغ، أم تعدد من كلب، أو كلاب على الأصح عند الشافعي، ثم محل التنجيس بما ذكر إذا كان الماء دون القلتين، وإلا فلا تنجيس ما لم يتغير.
١٧٣ - [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ".] [٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح: ١/ ٢٧٨]
(إسحق) هو ابن منصور بن إبراهيم الكوسج. (عن أبي صالح) هو ذكوان الزيات.
(أن رجلًا) أي: من بني إسرائيل. (يأكل الثرى) بالمثلثة أي: التراب الندي. (يغرف له به) استدلَّ به البخاري على طهارة سؤر الكلب؛ لأن ظاهره أنه سقى الكلب منه. ورُدَّ بأن الاستدلال به مبنيٌّ على أن شرعَ مَنْ قبلنا شرع لنا، وفيه خلاف، ولو قلنا به لكان محله فيما لم ينسخ، ومع التسليم لا يتم الاستدلال به؛ لاحتمال أن يكون صبَّ في شيءٍ فسقاه، أو غسل خفه بعد ذلك؛ أو لم يلبسه (حتى أرواه) أي: جعله ريانًا.
(فشكر الله له) أي: أثنى عليه أي: جازاه على ما أولى الكلب من
стр. 452
المعروف. ومحله: في كلب محترم، وعليه يحمل خبر: "في كلِّ كبدٍ حراء أجر" (١) قال النووي: المحترم يحصل الثواب بالإحسان إليه لا غير المحترم، كالحربي والكلب العقور، فيمتثل أمر الشارع في قتله (٢). (فأدخله الجنة) من عطف الخاص على العام، أو الفاء تفسيريه، نحو: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على تفسير التوبة بقتل النفس.
١٧٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَتِ الكِلابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ".
[فتح: ١/ ٢٧٨]
(وقال أحمد بن شبيب) بفتح المعجمة وكسر الموحدة: هو ابن سعيد التيميُّ، وفي نسخة قبل هذا الباب: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" ومثبتها هو المسقط مما مرَّ. (يونس) هو: ابن يزيد الأيلي. (في المسجد) أي: النبوي، و (في) تنازع فيها تقبل وتدبر، على معنى أنها متعلقة بأحدهما، أو حال من فاعله.
(فلم يكونوا يرشون) في نسخة: "فلم يكن يرشون"، وفي أخرى: "فلم يرشوا"، وفي الأوليين: مبالغة ليست في الثالثة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] حيث لم يقل: وما يعذبهم، وكذا في لفظ: الرش حيث اختاره على لفظ: الغسل؛ لأن
стр. 453
الرش ليس فيه جريان الماء، بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان، فنفي الرش أبلغ من نفي الغسل، وقوله: (شيئًا) عام؛ لأنه في سياق النفي، وكلُّ ذلك للمبالغة في طهارة سؤر الكلب؛ إذ في مثل هذه الصورة الغالب أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد.
وأجيب: بأن طهارة المسجد متيقنة، وما ذُكِرَ مشكوك فيه، واليقين لا يُرفع بالشك، ثم إن دلالته لا تعارض دلالة منطوق الحديث الوارد بالغسل من ولوغه.
١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ" قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: "فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ".
[٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٧٩ - مسلم ١٩٢٩ - فتح: ١/ ٢٧٩]
(حفص بن عمر) أي: ابن الحارث بن سَخْبرة النمري.
(سألت النبيَّ ﷺ ) أي: عن حكم صيد الكلاب. (فقال) في نسخة: "قال". (المعلم) هو: الذي ينزجر بالزجر، ويسترسل بالإرسال ولا يأكل منه، وتكرر ذلك منه مرارًا بحيث يغلب على الظنِّ تأدبه بها ويرجع في ذلك لأهل الخبرة، وقيل: يشترط ثلاث مرات، ولا فرق في ذلك بين الأسود وغيره، خلافًا للإمام أحمد: حيث منع صيد الأسود محتجًا بأنه شيطان.
(فقتل) أي: الصيد، وخرج بقتله ما فيه حياة مستقرة، فلا بد من ذكاته. (فإنما سميت على كلبك ولم تسَمِّ على كلبٍ آخر) ظاهره: وجوب التسمية، حتى لو تركها ولو سهوًا لم تحلّ، وهو قول الظاهرية، وقال الحنفية والمالكية: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجوا
стр. 454
بالحديث، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال الشافعية: إنها سنة فلو تركها عمدًا، أو سهوًا حلَّ، وأجابوا عن ذلك: بحديث البخاري عن عائشة: قلت: يا رسول الله، إن قومًا حديثو عهد بجاهلية أتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه، أم لم يذكروا، أنأكل منه أم لا؟ فقال: "اذكروا اسم الله وكلوا" (١)، فلو كان واجبًا لما جاز الأكل مع الشك، وأما النهي في حديث ابن حاتم: فمحمول على كراهة التنزيه [كما حمل الأمر في حديث أبي ثعلبة: "ما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله] (٢) ثم كل" (٣) على الندب، وأما الآية: ففسر الفسق فيها بما أُهل لغير الله به، ووجه بأن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ليس معطوفًا؛ لأن الجملة الأولى: فعلية إنشائية، والثانية: خبرية (٤)، ولا يجوز أن يكون جوابًا لمكان الواو فتعين كونها حالية، فيتقيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق في الذبيحة يفسر في القرآن بما أُهِلَّ لغير الله به، فتكون الآيةُ دليلًا لنا لا علينا.
стр. 455
٣٤ - بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إلا مِنَ المَخْرَجَيْنِ: مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ .
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وَقَالَ عَطَاءٌ: - فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ - "يُعِيدُ الوُضُوءَ" وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ أَعَادَ الصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ" وَقَالَ الحَسَنُ: "إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "لَا وُضُوءَ إلا مِنْ حَدَثٍ" وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلاتِهِ" وَقَالَ الحَسَنُ: "مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ" وَقَالَ طَاوُسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٌ، وَأَهْلُ الحِجَازِ لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلاتِهِ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالحَسَنُ: "فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ "
(باب: من لم ير الوضوء) أي: واجبًا من مخرج من مخارج البدن، كمخرج الفصد والحجامة. (إلا من المخرجين: القبل والدبر) بجرهما بدل، أو عطف بيان، والقصرُ في ذلك: قصر إفراد أي: الوضوء واجب من الخارج من القبل، أو الدبر دون الخارج من غيرهما من البدن، لا قصر مطلق؛ إذ للوضوء موجبات أخر، كالمسِّ واللَّمس.
стр. 456
(لقوله) في نسخة: "وقول الله تعالى": ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] هو في الأصل: المكان المطمئن من الأرض تُقضى فيه الحاجة، سُمِّي باسمه الخارج؛ للمجاورة، ووجهُ دلالة الآية على القصر الإفرادي: التقييدُ فيها بالغائط.
(وقال عطاء) أي: ابن أبي رباح. (فيمن يخرج من دبره الدود، أو من ذكره نحو: القملة) أي: من الأشياء النادرة. (يعيد الوضوء) هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (١) وما قاله هو مذهب الشافعي، وكثير، وقال الإمام مالك: لا وضوء فيه (٢). (وقال جابر. . . إلخ) وصله الدارقطني (٣)، وما ذكره هو مذهب الشافعي وكثير أيضًا، وقال أبو حنيفة: يعيد الوضوء أيضًا. (وقال الحسن) أي: البصري. (إن أخذ من شعره. . إلخ) وصل الأولين منه ابن المنذر بإسناد صحيح، والثالث منه ابن أبي شيبة كذلك (٤)، وما ذكره في الثلاثة هو مذهب الشافعي وغيره على خلافٍ فيه. (أو خلع خفيه) أي: أو أحدهما.
(وقال أبو هريرة: لا وضوء إلا من حدث) وهو الناقض للطهارة، وهذا متفق عليه، والمراد: لا وضوء واجب، وإلا فالوضوء يشرع من غير حدث. (ويذكر عن جابر إلخ) تعليق بصيغة التمريض، لنه بعض
стр. 457
حديث وصله ابن خزيمة في "صحيحه" وأبو داود (١) (فرمي رجل) هو عباد بن بشر. (فنزفه الدم) بفتح الزاي، أي: خرج منه كثيرًا. (ومضى في صلاته) أي: فلم يقطعها؛ لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه ردٌّ على الحنفية القائلين بنقض الوضوءِ إذا سال الدمُ، لكن يشكل عليه الصلاة مع وجود الدم في بدنه، أو ثوبه المستلزم لبطلان الصلاة بالنجاسة.
وأجيب: باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثوب فقط، ونزعه عنه في الحال، ولم يَسِلْ على بدنه إلا مقدار ما يُعفى عنه. (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) بكسر الجيم، أي: يصلون فيها، وإن سال دمها بقدر ما يعفى عنه. (وقال طاوس) اسمه: ذكوان بن كيسان اليماني. (ومحمد بن علي) أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي التابعي.
(وعطاء) أي: ابن أبي رباح. (وأهل الحجاز) أي: كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير، والفقهاء السبعة، ومالك، والشافعي، وغيرهم. وهو من عطف العام على الخاص؛ لأن الثلاثة قبله حجازيون أيضًا، وأثر كلٍّ من الثلاثة موصول (ليس في الدم وضوء) أي: وإن سال، خلافًا لأبي حنيفة في السائل. (بثرة) بسكون المثلثة: خراج صغير يخرج في البدن، وفعله: بثر بتثليث المثلثة. (فخرج منها الدم ولم يتوضأ). في نسخة: "دم" وفي أخرى: "الدم فلم" وهذا الأثر وصله ابن
стр. 458
أبي شيبة بإسناد صحيح (١). (وبزق) بالزاي، ويقال: بالسين والصاد.
(ابن أبي أوفَى) هو عبد الله الصحابي ابن الصحابي. (دمًا) أي: وهو يصلى. (فمضى في صلاته) وصله ابن أبي شيبة بإسناد جيد (٢) ولا حجة فيه على الشافعي؛ إذ ليس فيه أنه علم في الصلاة بالدمِ، ولا أنه لم يعدها.
(وقال ابن عمر، والحسنُ فيمن يحتجم) في نسخة: "فيمن احتجم". (ليس عليه إلا غسل محاجمه) أي: لا الوضوء خلافًا للحنفية، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة (٣). في نسخة: "ليس عليه غسل محاجمه" بإسقاط إلا، والأُولى هي الشائعة، والمحاجم: جمع محجمة، بفتح الميم: موضع الحجامة هنا لا قارورتها.
١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ" فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ يَعْنِي الضَّرْطَةَ.
[٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٥٩، ٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧ - مسلم: ٣٦٢ - فتح: ١/ ٢٨٢]
(حدثنا سعيد) في نسخة: "عن سعيد".
(قال: قال النبيُّ) في نسخة: "قال: قال رسول الله ﷺ ". (لا يزال العبد في صلاة) أي: في ثوابها لا حقيقتها، وإلا لامتنع عليه الكلام
стр. 459
ونحوه، ونكر: (صلاة)؛ للتنويع، أي: تلك الصلاة التي ينتظرها (ما كان) في نسخة: "ما دام"، و (ما) مصدرية ظرفية. (ينتظر) خبر كان، أو حال، و (في المسجد): الخبر.
(أعجمي) هو من لا يفصح ولا يبين كلامه، ولو كان من العرب، فلا ينافي ما سبق أنه من حضرموت، أما العجمي فنسبة للعجم، وهم خلاف العرب، ففرق بين الأعجمي والعجمي.
١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".
[انظر: ١٣٧ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ١/ ٢٨٣]
(أبو الوليد) اسمه: هشام بن عبد الملك الطيالسي. (ابن عيينة) في نسخة: "سفيان بن عيينة". (عن عمه) عبد الله بن زيد المازني.
(لا ينصرف) أي: المصلي عن صلاته. (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) تقدم بيانه.
١٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الوُضُوءُ" وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.
[انظر: ١٣٢ - مسلم: ٣٠٣ - فتح: ١/ ٢٨٣]
(فاستحييت أن أسأل) أي: عن حكم المذي. (المقداد بن الأسود) نسبته إلى الأسود مجاز؛ لكونه تبناه أو حالفه، وإلا فأبوه في الحقيقة: ثعلبة البهراني. (فيه الوضوء) أي: لا الغسل.
(ورواه) في نسخة: "رواه". (عن الأعمش) هو: سليمان بن مهران.
стр. 460
١٧٩ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ، قَالَ عُثْمَانُ "يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ" قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
[٢٩٢ - مسلم: ٣٤٧ - فتح: ١/ ٢٨٣]
(سعد بن حفص) هو أبو محمد الطلحي بمهملتين. (شيبان) هو ابن عبد الرحمن، أبو معاوية النحوي. (عن يحيى) أي: ابن كثير البصري. (عن أبي سلمة) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف التابعي.
(قلت) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم؛ لقصد حكاية لفظه بعينه، كما قال:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة (١).
وكان الأصل أن يقال هنا: قال: وثمَّ سمته أمه. (أرأيت) [أي: أخبرني ومفعوله محذوف، أي: قوله: إنه يتوضأ. (إذ جامع فلم يمن)] (٢) بضم الياءِ، وسكون الميم، وهو الرواية واللغة الفصيحة، وقد تفتح الباء، وقد تضم، وتفتح الميم، وتشدد النون، فإنه يقال: أمنى ومنى ومنّي بمعنى، والأول أشهر وأفصح. (ويغسل ذكره) أي لتنجسه بالمذي، فيغسل ما تنجس منه عند الشافعي، وجميعه عند مالك. (سمعته) أي: ما ذكر. (فأمروه) أي: أمر الصحابة المُجامعَ الذي لم يمن (بذلك) أي: بأن يتوضأ.
وفي الحديث: وجوب الوضوءِ على من جامع ولم يمن لا الغسل، لكنه منسوخ، وقد أجمعت الأمة على وجوب الغسل بعد أن