٢٩ - بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ المَرْأَةِ
(باب: غسل ما يصيب) أي: الرجل. (من فرج المرأة) أي: من رطوبة فرجها.
٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، قَالَ: يَحْيَى، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ: عُثْمَانُ: "يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ" قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ: يَحْيَى، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[انظر: ١٧٩ - مسلم: ٣٤٧ - فتح: ١/ ٣١٦]
(عن الحسين) زاد في نسخة: "المعلم". (قال يحيى) أي: ابن أبي كثير. (وأخبرني) ذكره بواو؛ إشعارًا بأنه حدثه عن غير ذلك أيضًا.
(الجهني) بضم الجيم وفتح الهاءِ؛ نسبة إلى جهينة بن زيد.
(فقال: أرأيت) في نسخة: "فقال له: أرأيت" أي: أخبرني، فهو استفهام بمعنى: الأمر؛ لاشتراكهما في الطلب.
(قال عثمان) في نسخةٍ: "وقال عثمان". (سمعته) أي: ما أفتيت به من الوضوءِ للصلاة وغسل الذكر. (فأمروه بذلك) أي: بما ذكر منهما، وفي نسخة: "فقالوا مثل ذلك" عن النبيِّ ﷺ ، وهذا الإفتاء كان في أول الإسلام ثُمَّ جاءت السُّنة بوجوب الغسل، ثُمَّ أجمعوا عليه. (قال يحيى) ساقط من نسخةٍ.
стр. 597
٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: "يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلافِهِمْ".
[مسلم: ٣٤٦ - فتح: ١/ ٣٩٨]
(إذا جامع الرجل المرأة) في نسخةٍ: "امرأته". (يغسل ما مسَّ المرأةَ منه) أي: يغسل العضو الذي مسَّ رطوبة فرج المرأة من أعضائه. (ثُمَّ يتوضأ ويصلي) هو أصرح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث السابق.
(قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (الغسل) بضمِّ الغين، أي: الاغتسال من الإيلاج بدون إنزال. (أحوط) أي: من الاكتفاء بالوضوءِ وغسل الفرج. (وذاك الآخر) بالمذ وكسر الخاءِ، وفي نسخة: "الأخير" بالقصر وبالمثناة التحتية، أي: آخر الأمرين من فعل الشارع، وفي أخرى: بالمدِّ وفتح الخاءِ، أي: الحديث السابق. (إنما) في نسخة: "وإنما". (بينا) في نسخة: "بيناه" (لاختلافهم) أي: لاختلاف الصحابة، ولاختلاف المحدثين، في صحته وعدمها، وفي نسخة: "وإنما بينا اختلافهم" وفي أخرى: "إنما بينا الحديث الآخر لاختلافهم" والماء أنقى، وهذه مناسبة لفتح الخاء. وتقدم أن ما ذكر موجب للغسل مع زيادة.
стр. 598
٦ - كتاب الحيض
стр. 599
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦ - كِتَابُ الحَيْض
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
[فتح: ١/ ٣٩٩]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (كتاب الحيض) أي: وما يذكر معه من الاستحاضة والنفاس، في نسخةٍ: تقديم هذا علي البسملة، وفي أخرى: بدل (كتاب): "باب" والحيض لغة: السيلان، وشرعًا: دم يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها، في أوقات معتادة، بخلاف الاستحاضة: فإنها من عرقٍ فمه بأدنى الرحم، يسمَّى: العاذل بالذال المعجمة. (وقول الله تعالى) بالجرِّ عطفٌ علي الحيض. (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) أي: الحيض، أي: عن حكمه، وسبب نزول الآية: ما رواه مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم أخرجوها من البيوت، فسأل الصحابة رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) الآية [البقرة: ٢٢٢] فقال النبيُّ ﷺ : "افعلوا كل شيء إلا النكاح" (١) (﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾) أي: في الحيض، أو وقته، أو مكانه: وهو الفرج.
стр. 600
وهذا اقتصاد بين إفراط اليهود القائلين بإخراجهن من البيوت في زمن الحيض، وتفريط النصارى القائلين بحلِّ جماعهنَّ في زمنه. (﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾) [البقرة: ٢٢٢] تأكيد لحكم ما قبله، وبيان لغايته، وهو اغتسالهن بعد الانقطاع. (﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾) إلخ في نسخة: بدل ما ذكر: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية وفي أخرى: "فاغتسلوا" إلى قوله. " ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ " [البقرة: ٢٢٢].
١ - بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ ؟
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُ".
[فتح: ١/ ٤٠٠]
(باب: كيف كان بدءُ الحيضِ) أي: ابتداؤه، ويجوز تنوين (باب) وتركه بإضافته، أو بسكونه، فقوله: (وقول النبيِّ) يجوز رفعه وجره. (علي بنات آدَم) أصله: الصلبية، لكن عممه في بنات الولد أيضًا، وإن سفل. (وقال بعضهم) هو عبد الله بن مسعود، وعائشة. (أول) اسم كان. (على بني إسرائيل) خبرها، والمراد: على بنات، أو نساء بني إسرائيل، على حذف مضاف كما في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وهذا أقرب من قول الكرماني: المراد: القبيلة، أو أولاد إسرائيل (١).
(قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ، وهذا ساقط من نسخة.
(وحديث النبيِّ ﷺ أي: بأن هذا أمر كتبه الله على بنات
стр. 601
آدم. (أكثر) بمثلثة أي: أشمل من قول بعضهم السابق؛ لأنه يتناول بنات إسرائيل وغيرهنَّ بلا تكلف، وفي نسخةٍ: "أكبر" بموحدة، أي: أوسع.
[باب الأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ]
(باب: الأمر للنفساءِ إذا نفسن) ساقط من نسخة. و (نفسن) بفتح النون أكثر من ضمها أي حضن. قال النووي: الفتح في الحيض أكثر من الضم، وفي الولادة بالعكس (١)، لكن قال الهروي: الضم والفتح في الولادة، وأما الحيض فبالفتح لا غير، وفي نسخةٍ: بدل (للنفساء): "للنساء" وفي أخرى: "باب: الأمر بالنفساء إذا نفسن" والمراد بالنفساءِ: الحائض، وبالباء زائدة، أو تقديره الأمر الملتبس بالنفساء، وذكر ضمير نفسن باعتبار الشخص، أو لعدم الإلباس؛ لاختصاص الحيض بالنساءِ، وجمعه على النسخة الأولى باعتبار الجنس.
٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرَى إلا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: "مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.
[٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٠٠].
стр. 602
(علي بن عبد الله) في نسخة: "على يعني: ابن عبد الله". (سفيان) أي: ابن عيينة. (قال: سمعت القاسم) أي: "ابن محمد" كما في نسخة، وهو ابن أبي بكر الصديق.
(لا نرى) بضم النون، أي: لا نظن، وبفتحها، أي: لا نعتقد ونقصد. (إلا الحج) أي: قصده. (فلمَّا كنا) في نسخة: "فلما كنتم". (بسرف) بفتح المهملة، وكسر الراءِ: موضع على عشرة أميال، أو تسعة، أو سبعة، أو ستة من مكة (١)، غير منصرف، للعلمية والتأنيث باعتبار إرادة البقعة، وقد تصرف باعتبار إرادة المكان، كذا قيل، والأقرب استواء الأمرين، أو ترجيح الصرف؛ لأنه الأصل.
(قال: مالك) في نسخة: "فقال: مالك".
(أنفست؟) نفتح النون، وفي نسخة: بضمها، وتقدم بيانه. (إن هذا) الحيض. (أمر) أي: شأن. (غير) بالنصب. (أن لا تطوفي) أي: أن تطوفي، فـ (لا) زائدة، وإلا فغير عدم الطواف هو نفس الطواف، و (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، و (تطوفي) مجزوم بلا، أي: لا تطوفي ما دمت حائضًا. (وضحَّى رسول الله ﷺ عن نسائه) أي: بإذنهنَّ. (بالبقر) في نسخة: "بالبقرة" والتاء فيها؛ للفرق كما في تمرة وتمر، كما مرَّ.
وفي الحديث: جواز البكاء والتحزن عند حصول مانع العبادة بل يندبان. واشتراط الطهارة في الطواف، وتضحية الزوج عن امرأته، أي: بإذنها، كما مرَّ.
стр. 603
٢ - بَابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ .
(باب: غسل الحائض رأس زوجها وترجيله) بالجيم، أي: تسريحه شعر رأسه وتنظيفه.
٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ".
[٢٩٦، ٣٠١، ٢٠٢٨، ٢٠٢٩، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٥٩٢٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠١]
(حدثنا مالك) في نسخة: "أخبرنا مالك".
(أرجل) أي: أسرح شعر (رسول الله) أي: شعر رأسه، فهو من مجاز الحذف، أو من إطلاق المحل على الحال مجازًا.
٢٩٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: "أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ، تَعْنِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ مُجَاورٌ فِي المَسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ".
[انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠١]
(ابن جريج) نسبة لجدِّه؛ لشهرته به، وإلا فاسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. (أخبرهم) أي: هشامًا ومَنْ في طبقته. (أخبرني هشام) زاد في نسخة: "ابن عروة".
(كلُّ ذلك) أي: ما ذكر من الخدمة والدنو. (على) ساقط من نسخة. (هيِّن) بتشديد الياءِ أكثر من تخفيفها، أي: سهل. (وكل ذلك) أي: من ذكر من الحائض والجنب. (تخدمني) الأَوْلى قراءته بالياء التحتية؛ تغليبًا للذكر على المؤنث.
(وليس على أحدٍ في ذلك بأس) أي: حرج. (ترجل رسول الله)
стр. 604
أي: تسرح شعر رأسه، وفي نسخة: "ترجل، تعني: رأس رسول الله".
(وهي حائض) لم يقل: حائضة بالتاء لعدم الإلباس؛ لاختصاص الحيض بالنساء، بخلاف ما إذا ألبس، كحاملة ومرضعة، فإنه إن كان المعنى فيها بالفعل أتي بالتاء، أو بالقوة فلا. (حينئذٍ) أي: حين الترجيل. (مجاور) أي: معتكفٌ. (في المسجد) أي: النبويِّ. (يدني لها رأسه) أي: يقربه لها. (حجرتها) بضم المهملة، أي: بيتها.
وفي الحديث: ترجيل شعر الرأس، وأن إخراج المعتكف بعضه، كيده ورأسه من المسجد لا يبطل اعتكافه، واستخدام الزوجة في غسلٍ ونحوه برضاها، وألحق عروة الجنابة بالحيض؛ قياسا بجامع الحدث الأكبر، بل هو قياسٌ جليٌّ؛ لأن الاستقذار بالحائض أكثر.
٣ - بَابُ قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ
وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ: "يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأْتِيهِ بِالْمُصْحَفِ، فَتُمْسِكُهُ بِعِلاقَتِهِ".
(باب: قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض) في نسخةٍ: "باب: قراءة القرآن في حجر امرأته" والحجر، بتثليث الحاءِ؛ الحضن، قاله في "القاموس" (١). (وقال أَبو وائل) اسمه: شقيق بن سلمة. (إلى أبي رزين) اسمه: مسعود بن مالك الأسديُّ.
(فتأتيه" في نسخة: "التأتيه". (بعلاقته) بكسر العين، أي: خيطه الذي يربط به كيسه.
وغرض البخاريِّ بذلك: الاستدلال على جواز حمل الحائض
стр. 605
المصحف من غير مسٍّ لكتابته ﷺ إلى هرقل ما فيه من القرآن مع علمه أنهم يمسونه وهم جنب، ومنعه الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] حيث صرح فيه بحرمة مَسِّه المفهوم من حرمة حمله بالأولى.
٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، أَنَّ أُمَّهُ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ".
[٧٥٤٩ - مسلم: ٣٠١ - فتح: ١/ ٤٠١]
(يتكئ في حجري) ضمَّن يتكئ معنى: يتمكن فعدَّاه بفي، أو في بمعني: على (١)؛ لأن الاتكاء إنما يتعدى بها، قال تعالى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨، (ثم يقرأ القرآن) فيه: دلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة.
٤ - بَابُ مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا
(باب: من سمَّى النفاس حيضًا) زاد في نسخة: "والحيض نفاسًا" وهي الموافقة صريحًا؛ لقوله في الحديث الآتي: (أنفست؟) أي: حضت.
٢٩٨ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: "أَنُفِسْتِ" قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ.
[٣٢٢، ٣٢٣،
стр. 606
١٩٢٩ - مسلم: ٢٩٦ - فتح: ١/ ٤٠٢]
(المكيُّ) في نسخة: "مكي". (ابنة أمِّ سلمة) في نسخة: "بنت أمِّ سلمة".
(مضطجعة) أصله: مضتجعة، قلبت التاءُ طاءً، ويروى مرفوعًا ومنصوبًا. (في خميصة) وهو كساءٌ مربع له علمان. (إذ حضتُ) جواب (بينا). (فانسللتُ) أي: خرجتُ، أو ذهبت في خفية، فعلت ذلك؛ تقذرًا منها أن تضاجعه وهي كذلك؛ أو خشية أن يصيبه من دمها، أو أن يطلب منها استمتاعًا.
(حِيَضتي) بكسر الحاء، أي: أخذت ثيابي التي أعددتها؛ لألبسها في حالة الحيض، وبفتحها أي: أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض، ويؤيده قولها في نسخة: "حيضي" لكن قال النووي: الكسرُ هو الصحيحُ المشهورُ (١) وقال القرطبيُّ: الفتح أرجح (٢). (قال) في نسخة: "فقال". (أنفست؟) بفتح النون، على الراجح، وبضمها علي المرجوح، أي: حضت. (في الخميلة) باللامِ بدل الصادِ: وهي القطيفة ذات الخمل، وهو الهدب.
وفي الحديث: استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة، وجواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع في لحاف واحد.
стр. 607
٥ - بَابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ
(باب: مباشرة الحائض) أي: بالتقاءِ بشرتها ببشرة بعلها بغير جماع، وسيأتي لهذا زيادة.
٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلانَا جُنُبٌ".
[انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٤٠٣]
(قبيصة) أي: ابن عقبة. (سفيان) أي: الثوريُّ. (عن منصورٍ) أي: ابن المعتمر. (إبراهيم) أي: النخعي. (عن الأسود) أي: ابن زيد.
(أنا والنبي) برفع النبيِّ ونصبه كما مرَّ. (كلانا جُنُبٌ) حال.
٣٠٠ - وَكَانَ يَأْمُرُنِي، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ".
[٣٠٢، ٢٠٣٠ - مسلم ٢٩٣ - فتح: ١/ ٤٠٣]
٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ".
[انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠٣]
(وكان) في نسخةٍ: "فكان". (يأمرني) أي: بالاتزار. (فأتزر) بفتح الهمزة وتشديد الفوقية، وأنكره البصريون، وقال الزمخشريُّ: إنه خطأ، وأصله: فأَأتزر بهمزة ساكنةٍ بعد همزة المتكلم بوزن: أفتعل فتقوا لذلك، أو بإبدال الهمزة الثانية ألفًا؛ لوقوعها بعد فتحة لا بالإدغام. والحق جوازه عملًا بمذهب الكوفيين، وبنقل الثقات له عن عائشة؛ إذ قولها حجة؛ لأنها من فصحاء العرب.
(فيباشرني) أي: بملاقاة بشرته بشرتها، بلا جماع كما مرَّ، والمباشرة بالملاقاة بالذكر، أو غيره جائزة فيما فوق السرة وتحت الركبة اتفاقًا، وفيما بينهما غير القبل والدبر محرّمة علي الأصح. وقيل: مكروهةٌ، وقيل: إن كان يضبط نفسه عن الفرج جازت وإلا فلا. واختار
стр. 608
النوويُّ من جهة الدليل القول الثاني (١)؛ لخبر مسلم: "اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاح" (٢) وحمل خبر أمرها أن تتزر علي الندب واستحسن في "مجموعه" الثالث (٣). وتقدم ما يؤخذ من الحديث.
٣٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا " أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ [انظر: ٣٠٠ - مسلم: ٢٩٣ - فتح: ١/ ٤٠٣] تَابَعَهُ خَالِدٌ، وَجَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
(حدثنا إسماعيل) في نسخةٍ: "أخبرنا إسماعيل". (خليل) في نسخة: "الخليل". (أَبو إسحق) اسمه: سليمان بن فيروز. (هو الشيباني) بفتح المعجمة، وإنما قال: هو؛ لينبه على أنه من قوله لا من قول الراوي عن إسحاق.
стр. 609
(فأراد رسول الله) في نسخة: "فأراد النبيُّ". (أن تتزر) بتشديد الفوقية، وفي نسخة: "أن تأتزر" بهمزة ساكنة وهي أفصح، كما عُلِمَ مما مرَّ آنفًا. (في فور) بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء أي: قوة وشدة، ومنه: فار القدر، أي: قوي واشتدَّ، والمراد: عند ابتداء الحيض، ورواه أَبو داود (١): "في فوح" بحاء مهملة. (إربه) بكسر الهمزة وسكون الراء وبموحدة، أي: فرجه، وروي: بفتح الهمزة والراء، أي: حاجته، أي: شهوته، والمعنى: أيكم أضبط لفرجه أو شهوته. (كما كان النبيُّ ﷺ يملك إربه) فلا يخشى عليه ما يخشى عليكم.
(تابعه) أي: عليَّ بن مسهر. (خالدٌ) أي: ابن عبد الله الواسطي.
(وجرير) أي: ابن عبد الحميد.
٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ، تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا، فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ" وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
[مسلم: ٢٩٤ - فتح: ١/ ٤٠٥]
(سمعت ميمونة قالت: كان رسول الله) في نسخة: ["سمعت ميموته تقول: كان رسول الله"] (٢) وفي أخرى: "سمعت ميمونة قالت: كان النبيُّ).
(فاتزرتُ) تقدم ما فيه. (وهي حائض) حالٌ من مفعول (يباشر) أو من مفعول أمر، أو من فاعل اتزر، أو من الثلاثة جميعًا (٣).
стр. 610
(رواه) أي: الحديث، وفي نسخة: "ورواه". (سفيان) أي: الثوريُّ، وقيل: ابن عيينة، وعبَّر برواه دون تابعه؛ لأن الرواية أعمُّ من المتابعة كما مرَّ، فلعلَّه لم يَرْوهِ [متابعةً] (١).
٦ - بَابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ
(باب: ترك الحائض الصوم) أي: في أيام حيضها.
٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ"، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا".
[١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨ - مسلم ٨٠ - فتح: ١/ ٤٠٥]
(أخبرنا محمد) في نسخة: "حدثنا محمد". (زيد -هو ابن أسلم-) في نسخة: "زيد" فقط.
(خرج رسول الله) أي: من بيته، أو من مسجده. (في أضحى) أي: في عيد أضحى، وهو بفتح الهمزة، وسكون الضاد: جمع أضحاة إحدى أربع لغات في أسمها، ثانيتها وثالثتها: أضحية بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياءِ، ورابعتها: ضحية بفتح الضاد وتشديد الياءِ،
стр. 611
وأضحى تذكر وتؤنث، وهو منصرف، سميت بذلك؛ لأنها تفعل في الضحى: وهو ارتفاع النهار. (أو فطر) أي: عيد الفطر، والشكُّ من أبي سعيد.
(إلى المصلَّى) هو مكان الصلاة. (يا معشر النساءِ) المعشر: كلُّ جماعة أمرهم واحد، وفيه: ردٌّ علي ثعلب؛ حيث خصَّه بالرجال إلا إن أراد بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده.
(أريتكن) بضمِّ الهمزة، أي: أخبرت، وهو متعدٍّ إلى ثلاثة، ثالثها: (أكثر أهل النار) وكانت الرؤية ليلة الإسراء، أو حالة صلاة الكسوف فيها، كما يؤخذ من حديث ابن عبَّاس الآتي في بابها.
(فقلن) في نسخة: "قلن". (وبم) الواو عاطفة على مقدر، أي: وما ذنبنا، وقيل: استئنافية، والباء سببية، والميم أصلها: ما الاستفهامية، حذفت ألفها تخفيفًا على القاعدة في مثل ذلك، بخلاف ما الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والزائدة، فإن ألفها تثبت، نحو: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٧]، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ [الكهف: ٥٨] ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
(تُكْثِرنْ اللَّعْنَ) أي: الدعاء به، وهو الإبعاد من الله، والدعاء به على معين لم يعلم بنص خاتمة أمره بسوءٍ - محرم، بخلاف المعين الذي علم بنص خاتمةِ أمرِه بسوءٍ، كأبي جهل، وغير المعين ممن اتصف بسوءٍ، كالظالمين، والكافرين، فيجوز الدعاء عليهم بذلك.
(وَتَكْفُرنَ) من الكفر وهو الستر، وكفر النعمة: سترها. (العشير) أي: المعاشر، وهو الزوج، والخطاب عامٌّ، غلِّبت فيه الحاضرات على الغائبات. و (من ناقصات عقل) صفة لمحذوف، أي: أحدًا،
стр. 612
والعقل: العلم ببعض الضروريات. الذي هو مناط التكليف، وقيل: غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، وقد بسطت الكلام عليه في "شرح آداب البحث".
(أذهب) من الإذهاب على قول سيبويه، يجوز بناء أفعل التفضيل من مزيد الثلاثي وكان القياس أن يقال: أشد إذهابًا. (للبِّ) بضمِّ اللام الثانية، وتشديد الموحدة: العقل الخالص من الشوائب، وسمِّي بذلك؛ لأنه خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبٍّ عقلٌ لا العكس.
(الحازم) بحاءٍ مهملة وزاي، أي: الضابط لأمره، وذكره مبالغة في وصفهنَّ بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان معهنَّ متصفًا بما ذكر فغيره أولى. (ديننا وعقلنا) في نسخةٍ: "دينها وعقلها".
(فذلكِ) بكسر الكاف، عدل إليه عن فذالكن؛ ليفيد العموم لكلِّ مخاطبة.
وفي الحديث: كما قال النوريُّ الحثُّ على الصدقة، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وأن كفران العشير من الكبائر؛ للتوعد عليه بالنَّار، وجواز إطلاق الكفر على غير الكفريات (١)، والمراجعة فيما لا يظهر معناه، وكون شهادة امرأتين بشهادة رجل، وحضورهن مجامع الرجال، لكن بانعزالهن عنهم؛ خوف الفتنة، وخروج الإمام للمصلَّى في العيد، وإنَّ نقص الدين قد يكون مع عدم الإثم، كما أن الكامل ناقصٌ عن الأكمل، وإن لم يكن إثمًا، ثُمَّ إن البخاري خصَّ بالذكر في الترجمة صوم الحائض دون صلاتها، مع أنهما في الحديث؛ لأن تركها للصلاة واضح؛ لافتقارها إلى الطهارة، بخلاف الصوم، فتركها له مع
стр. 613
الحيض تعبد محضٌ فاحتيج إلى ذكره بخلاف الصلاة، وليس المراد بذكر نقص العقل والدين في النساءِ لومهنَّ عليه؛ لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرًا منهن. وهل تثاب على تركها الصوم؛ لأنها مكلفة به، كما يثاب المريض علي النوافل التي كان يفعلها في صحته، وشغل عنها بمرضه؟.
قال النوويُّ: الظاهر لا؛ لظاهر الحديث؛ لأن المريض كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها (١)، وهي ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة زمنَ الحيض، وكيف لا وهي حرامٌ عليها.
قال الطيبي (٢): والجواب، أي: بقوله: (تكثرن اللعن ... إلخ) من أسلوب الحكيم؛ لأن (ما رأيت ... إلخ) زيادة، فإن قوله: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير) جواب تامٌّ، فكأنه من باب: الاستتباع؛ إذ الذمُّ بالنقصان استتبع الذمَّ بأمرٍ آخر غريب، وهو كون الرجل الكامل منقادًا للناقصات دينًا وعقلًا.
стр. 614
٧ - بَابٌ: تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إلا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ"، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ "بِالقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا" وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ " وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] " الآيَةَ وَقَالَ عَطَاءٌ: عَنْ جَابِرٍ، حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ المَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي وَقَالَ الحَكَمُ: "إِنِّي لَأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ، وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
(باب: تقضي) أي: تؤدي. (الحائض المناسك كلها) المتعلقة بالحجِّ والعمرة. (إلا الطواف بالبيت) فلا تقضيه؛ لأنه صلاة مخصوصة.
(وقال إبراهيم) أي: النخعي. (لا بأس) أي: لا حرج. (أن تقرأ) أي: الحائض. (الآية) هو ما روي عن مالك ومذهب الشافعي والحنفي والحنبلي: التحريم ولو بعض آية؛ لخبر الترمذيِّ: "لا يقرأ الجنبُ ولا الحائضُ شيئًا من القرآن" (١) نعم له، ولها إذا انقطع دمها قراءة الفاتحة
стр. 615
في الصلاة عند فقد الطهورين، بل قال النووي بوجوبها.
(على كلِّ أحيانه) أي: أزمانه، فيدخل فيه خبر الجنابة. (أن نخرج الحيض) بنون مضمومة، وراء مكسورة ونصب الحيض، وبتاء مفتوحة، وراء مضمومة ورفع الحيض. (ويدعون) في نسخة: "ويدعين".
قال صاحب "القاموس" (١): دَعَيْتُ لغة في دَعَوْتُ.
و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] في نسخة: "يا أهل الكتاب" بلا واو، واستدل بما قاله ابن عبَّاس علي جواز القراءة للجنب؛ لأن الكفَّار جنب، وإنما كتب لهم النبيُّ ﷺ ليقرءُون وذلك يستلزم جواز القراءة، وأجيب: بأن الكتاب اشتمل على غير البسملة والآية، كما لو كتبت بعض القرآن في التفسير فإنه لا يمتنع قراءته ولا مَسُّه عند الجمهور؛ لأنه لا يُقصد منه التلاوة.
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح. (فنسكت المناسك) أصل النُّسُك: التعبُّد، وخصَّه العرفُ بمناسك الحج والعمرة "كلها" ساقط من نسخة.
(وقال الحكم) بفتح الحاءِ والكاف، أي: ابن عتيبة، بضمِّ العين وفتح الفوقية. (لأذبح وأنا جنب) أي: لأذكر الله في ذبحي حالة كوني جنبًا؛ لأن الذبح يستلزم ذكر الله تعالى عادة وشرعًا.
٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إلا الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ:
стр. 616
"مَا يُبْكِيكِ؟ " قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ، قَالَ: "لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي".
[انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٠٧]
(لا نذكر إلا الحجَّ) أي: لأنهم كانوا يعتقدون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ). (طمثتُ) بكسر الميم أشهر من فتحها، وبمثلثة، أي: حضتُ.
(لوددت) بكسر الدال وهو جواب قسم محذوف (١)، والقسم الذي بعده: هو والله تأكيد المحذوف، أو مفعول وددتُ. (أني) بفتح الهمزة. (لم أحج) أي: لم أقصد الحجَّ هذه السنة؛ لأن قولها ذلك كان قبل فعل شيءٍ من الحجِّ.
(فإن ذاك) في نسخة: "فإن ذلك" بلام قبل الكاف (٢). (شيءٌ كتبه الله على بنات آدم) أي: ليس خاصًّا بكِ، قاله تسلية لها وتخفيفًا لهمِّها. (حتى تطهري) أي؛ طهارة كاملة بانقطاع الحيض والاغتسال؛ لحديث "الطواف بالبيت صلاة" (٣) فيُشترط له ما يشترط لها.
وفي الحديث: مَنْعُ الحائض من الطواف، وصحة أفعال الحجِّ منها غير الطواف، وندب حج الرجل بامرأته.
стр. 617
٨ - باب الاسْتِحَاضَةِ
(باب: الاستحاضة) تقدم بيانها، وتفسير الحديث الآتي.
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".
[انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٠٩]
(عن هشام بن عروة) في نسخة: "هشام" فقط. (فقال رسول الله) في نسخة: "فقال النبيُّ".
وفي الحديث: استفتاء من وقعت له مسألةٌ لا يعرف حكمها.
وجواز استفتاء المرأة الرجل بنفسها فيما يتعلق بالنساءِ، واستماع صوتها عند الحاجة.
٩ - باب غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ .
(باب: غسل دم المحيض) في نسخة: "الحيض" وهو المراد بالأولى، وفي أخرى: "الحائض".
٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ".
[انظر: ٢٢٧ - مسلم: ٢٩١ - فتح: ١/ ٤١٠]
(هشام) زاد في نسخة: "ابن عروة". (عن أسماء بنت أبي بكر) أي: "الصديق" كما في نسخة.
كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلانَةُ تَجِدُهُ.
[٣١٠، ٣١١، ٢٠٣٧ - فتح: ١/ ٤١١]
(حدثنا إسحاق بن شاهين) في نسخة: "حدثنا إسحاق الواسطيُّ".
(حدثنا خالد) في نسخة: "أخبرنا خالد" وهو الطحان. (عن خالد) أي: ابن مهران، وهو الحذَّاء.
(بعض نسائه) هي سودة بنت زمعة، أو رملة أم حبيبة، أو زينب بنت جحش. (وهي مستحاضة) أدخل فيه التاء مع أن الاستحاضة خاصة للنساء؛ للتنبيه على أن الاستحاضة حاصلة لها بالفعلِ لا بالقوة، أو التاء؛ لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، ولا يقالُ في المستحاضة: مستحيضة، وكما يقال في فعلها: استحاضت، وإنما يقال: استحيضت؛ إذ بعض الأفعال لم تستعمل إلا مجهولا (١)، كجُنَّ.
(الطَّسْتَ) أصلُه: طسَّ، أبدلت إحدى السينين تاءً؛ للاستثقال، فإذا جمع أو صغر رُدَّ إلى الأصل، فيقال: طاس وطيس. (من الدم) متعلِّقٌ بوضعت، ومن ابتدائية أو سببية (٢).
(وزعم) أي: عكرمة، وعبر بزعم؛ إما لمجيئه بمعنى قال، أو لأنه لم يثبت صريح القول بذلك عن عكرمة، بل بقرائن الأحوال، وهذا تعليقٌ من البخاريِّ، أو من تتمة قول خالد الحذاءِ فيكون مسندًا، وهو
стр. 620
عطفٌ في المعنى علي: (عن عكرمة) قال خالد: قال عكرمة، وزعم عكرمة. (كأنَّ) بتشديد النون. (كانت فلانة) هي زينب بنت جحش.
(تجده) أي: تجد مثله في زمن استحاضتها.
٣١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي".
[انظر: ٣٠٩ - فتح: ١/ ٤١١]
(عن خالد) أي: الحذاء.
(امرأة من أزواجه) تقدم بيانها آنفًا. (والطست تحتها) بواو الحال، وفي نسخةٍ: بلا واو.
وفي الحديث: جواز مكث المستحاضة في المسجد، وجواز اعتكافها وصلاتها فيه، بشرط عدم التلويث في الكلِّ.
٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، "أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ".
[انظر: ٣٠٩ - فتح: ١/ ٤١١]
(معتمر) أي: ابن سليمان. (أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة) تقدم بيانه.
١١ - بَابٌ: هَلْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ ؟
(باب: هل تصلِّي المرأة في ثوب حاضت فيه) أي: بعد غسل ما أصابه من الدم، أو قبله، وكان مما يُعفى عنه.
٣١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا كَانَ لإِحْدَانَا إلا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا".
[فتح: ١/ ٤١٢]
(ابن أبي نجيح) اسمه: عبد الله، واسم أبي نجيح: يسار.
стр. 621
(لإحدانا) عامٌّ؛ لأن المفرد المضاف من صيغ العموم علي الأصح. (إلَّا ثوب واحد) لا ينافي ما مرَّ من قول أمِّ سلمة: "فأخذت ثياب حيضتي" الدال على تعدد الثوب لجواز أن يكون ما هنا كان في بدء الإسلام، فإنهم كانوا حينئذٍ في شِدَّةٍ وقِلَّة، وما مرَّ كان بعد أن فتح الله الفتوح واتسعت أحوالُهم.
(قالت بريقها) من التعبير بالقول عن الفعل، أي: وضعت ريقها عليه. (فقصعته) بقافٍ فمهملتين، أي: دلكته بظفرها وعالجته به، وفي نسخةٍ: "فمصعته" بميم بدل القاف، أي: حكَّته. (بظفرها) بسكون الفاءِ وضمها، والمراد: إنها بعد ذلك غسلته.
١٢ - بَابٌ: الطِّيبُ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ
(باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض) أي: الحيض، وفي نسخة: قبل الباب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ"، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ١/ ٤١٣]
(أيوب) أي: السختياني. (عن حفصة) أي: بنت سيرين الأنصارية. (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (أو هشام ... إلخ) قال
стр. 622
شيخنا: كأنه -يعني: البخاري- شك في شيخ حمَّاد أو أيوب أو هشام.
(أن تحِدَّ) بفوقية، أي: المرأة، وفي نسخةٍ: "نحد" بنون، وكذا القول في (نكتحل) وأخواته، وكلا النسختين من أحدت رباعي، ويقال فيه أيضًا: حدت ثلاثي، ومضارعه: تحد بفتح الفوقية وضمِّ الحاءِ وكسرها: حدادًا فهي حاد، والإحداد: ترك الزينة، وهو واجب على المعتدَّةِ وفاةٍ.
(إلا علي زوجها) موافقٌ لنسخة: (تحد) بالفوقية، وفي نسخة: "إلا علي زوج" وهي موافقة لنسخة: "نحد" بالنون. (عشرًا) أي: عشر ليالٍ؛ إذ لو أريد الأيام لقيل: عشرة بالتاءِ، مع أن كلًّا منهما جائزٌ عند حذف المميز كما هنا، وخصت الأربعة الأشهر والعشر بالذكر؛ لأن غالب الحملِ تبين حركته فيها.
(ولا نكتحل .. إلخ) برفع الأفعال الثلاثة بالعطف على (ننهى) وبنصبها بالعطف على (نحد) بزيادة لا؛ تأكيدًا لتقدم معنى النفي، وهو النهي. (إلا ثوب عَصْبٍ) بمهملتين مفتوحة فساكنة: برود باليمين يُصبغ غزلها ثم ينسج. (وقد رخص) أي: التطيب. (من محيضها) أي: حيضها. (في نُبذة) بضمِّ النون وفتحها وسكون الموحدة، وذال معجمة، أي: شيءٌ يسير من النبذ: وهو الطرح، أي: يطرح ذلك في النَّار بمقدار ما يقطع عند الطهر الرائحة. (كست) أي: قسط بضم القاف: من عقاقير البحر. (ظفار) بفتح المعجمة والبناء علي الكسر، كحضار: موضع بساحل عدن، أو مدينة باليمن (١)، وفي نسخة: "أظفار" بفتح الهمزة
стр. 623
وسكون المعجمة، قيل: هو شيءٌ من الطيب أسود.
(رواه هشام بن حسان) بالصرف وتركه كما مرَّ، وهذا تعليق من البخاريِّ، أو من مقول حمَّاد، فيكون مسندًا.
وفي الحديث: أن للحائض ولو مُحدةً أن تدرأ عن غسلها من الحيض رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط؛ لأنها مستقبلة للصلاة، مجالسة للملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم.
١٣ - بَابُ دَلْكِ المَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ، وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ، وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَتَّبِعُ [بها] أَثَرَ الدَّمِ
(باب: دَلْكِ المرأة نفسها) أي: بدنها. (إذا تطهرت من المحيض) أي: الحيض.
(وكيف تغتسل) عطفٌ علي دَلْكِ المرأة. (وتأخذ) عطفٌ علي (تغتسل). (فرصة) بكسر الفاءِ، وحُكِى تثليثها، وبصاد مهملة، أي: قطعة. (ممسكة) بضمِّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين، وفتح الكاف، أي: قطعة من قطن، أو خرقة مطليةْ. (بمسك) وفي نسخة: "من مسك" وهي الموافقة لما في الحديث على ما يأتي فيه، وإن كانت الأولى أقرب معنىً.
(فتتبع) في نسخة: "تتبع" بلا فاءٍ، وهي علي النسختين مشددة التاء، أو مخففتها مع ضم الفوقية، أو فتح الموحد.
٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ
стр. 624
تَغْتَسِلُ، قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ، فَتَطَهَّرِي بِهَا" قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: "تَطَهَّرِي بِهَا"، قَالَتْ: كَيْفَ؟، قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي" فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.
[٣١٥، ٧٣٥٧ - مسلم: ٣٣٢ - فتح: ١/ ٤١٤]
(يحيى) أي: ابن موسَى البلخيّ، وقيل: ابن جعفر البيكنديُّ.
(أنَّ امرأةً) هي أسماء بنت يزيد بن السكن، وقيل: أسماء بنت شَكَل بفتح المعجمة والكاف.
(قال: خذي .. إلخ) إنما أجاب بهذا: سؤالها عن الاغتسال؛ لأنه المقصود منه؛ لأنَّ كون الاغتسال إيصال الماءِ إلى الشعرِ والبشرة معلوم لكلِّ أحد، وإنما تسأل عما يختصُّ بغسل الحيض. قال الكرماني: إذا هو جملة حالية لا بيانية، أي: والتقدير: أمرها كيف تغتسل قائلًا: "خذي فرصة من مسك" بكسر الميم (١)، ورجحه النووي (٢)، وهو الموافق لرواية من ذريرة (٣)، وبفتحها، قال القاضي عياضٌ وغيره: وهي أكثر الروايات، أي: قطعة من جلد (٤).
(سبحان الله) قد مرَّ أنها تقالُ عند التعجب. (فاجتذبتها) بتأخير الباءِ عن الذال، وفي نسخة: بتقديمها عليها. (تَتَبَّعي) أمرٌ من التتبعِ. وهو المرادُ من قولهِ قبلُ: تطهري. (أثر الدم) قال النووي: المراد به عند الفقهاء: الفرج (٥). وقال غيره: كلُّ موضع أصابه الدم من بدنها، وهو الموافق لنسخة: "تتبعي بها مواضع الدم".
وفي الحديث: جواز التسبيح عند التعجب، وحسن خلقه ﷺ
стр. 625
وعظيم حلمه وحيائه، وأن المرأة تسأل عن أمر حيضها وما تبدأ به. وأن العالم يجيب بالتعريض في الأمور المستورة، وتكرير الجواب؛ لإفهام السائل، وأن لمن في مجلس العالِم أن يفهم السائل ما قاله العالم وهو يسمع، ويكون ذلك بمنزلة قوله حتى يقول فيه: حدثني وأخبرني.
ووجه دلالة الحديث على الدلك في الترجمة: أن تتبع الدم يستلزمه، قاله الكرماني (١).
١٤ - باب غَسْلِ المَحِيضِ
(باب: غسل المحيض) بفتح الغين، (المحيض) بمعنى: مكان الحيض أو بضمها والمحيض] (٢) بمعنى: الحيض، والإضافة بمعنى: اللام.
٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي ثَلاثًا" ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: "تَوَضَّئِي بِهَا" فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ .
[انظر: ٣١٤ - مسلم: ٣٣٢ - فتح: ١/ ٤١٦]
(مسلم) أي: ابن إبراهيم.
(أن امرأة) مرَّ بيانها. (ممسكة) بتشديد السين مفتوحة، وفي نسخة: بكسرها. (وتوضَّئي) أي: الوضوء اللغوي، أي: تنظفي. (ثلاثًا) متعلق بقال أو بقالت أوبـ (توضئي)، ومنع الكرمانيُّ الأخيرَ (٣). وجَّوزه
стр. 626
شيخنا، وهو ظاهر، ومن ثم تبعته (١). (أو قال ... إلخ) شكٌّ من عائشة، وفي نسخة: "وقال" قال شيخنا: والأولى أظهر، قال: ومحل التردد في لفظ: (بها)، هل هو ثابت أولًا؟ أو التردد بينه وبين لفظ: (ثلاثًا) انتهى، ويحتمل أن التردد واقعٌ بين إعراضه عنها، وقوله لها ذلك (٢).
(بما يريد) أي: من التتبع وإزالة الرائحة الكريهة.
١٥ - بَابُ امْتِشَاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ
(باب: امتشاط المرأة) أي: تسريح شعر رأسها. (عند غسلها من المحيض) أي: الحيض.
٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقْ الهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ"، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ.
[انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٧]
(إبراهيم) أي: ابن سعد.
(أهللت) أي: أحرمت، ورفعت صوتي بالتلبية. (ولم يسق الهدي) تاكيدٌ لمن تمتع؛ لأن المتمتع لا يسوقُ هديًا، والهدي بفتح، فسكون، فياء مخففة، أو بكسر الدال وتشديد الياء: ما يهدى لمكة من الأنعام. (فزعمت) عبَّر به دون: قالت؛ لأنها لم تصرح بذلك؛ لأنه مما
стр. 627
يستحى من التصريح به. (إنما كنت تمتعت بعمرة) أي: وأنا حائض، وقولها: (بعمرة) تصريح لما تضمنه التمتع؛ لأنه إحرام بعمرة في أشهر الحج ممن على مسافة القصر من الحرم، ثم يحج من سنته.
(انقضي) بقاف، وفي نسخة: بفاء، أي: حلي رأسك، أي: عقد شعره. (ففعلت) أي: فعلت النقض، والامتشاط، والإمساك. (فلما قضيت) أي: أديت الحج، أي: بعد إحرامي به.
(أمر) أي: النبيُّ ﷺ . (عبد الرحمن) أي: أخا عائشة. (ليلة الحصبة) بفتح الحاءِ، وسكون الصاد المهملتين: وهي الليلة التي ينزل بها الحاج في المحصب، وهو المكان الذي نزلوه بعد النفر من منى خارج مكة، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق، سميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب، وباتوا فيه، والحصبة والحصباء، والأبطح والبطحاء، والمحصب وخيف بني كنانة ما بين مكة ومنى.
(فأعمرني) في نسخة: "فاعتمر بي". (من التنعيم) هو موضع علي فرسخ من مكة عى طريق المدينة (١)، فيه مسجد عائشة. (مكان عمرتي التي نسكتُ) أي: أحرمت بها، فيه مسجد عائشة. (مكان عمرتي التي نسكتُ) أي: أحرمت بها، وفي نسخة: "سكت" من السكوت أي: التي تركت أعمالها، وسكتت عنها، وفي أخرى: "شكت" بمعجمة وتاءٍ ساكنة، أي: شكت العمرة من الحيض، من الشكاية، وإطلاق الشاكية عليها؛ كناية عن اختلالها، أو شكت عائشة على طريق الالتفات من
стр. 628
التكلُّمِ إلا الغيبة.
ووجه الاستدلال بالحديث للترجمة: أن الامتشاط إذا كان لغسل الإحرام هو سنة فلغسل الحيض الذي هو فرضٌ أولى، والأمر بالنقض مستعمل في حقيقته ومجازه؛ لوجوبه إن لم يصل الماء إلى باطن العقد، وندبه إن وصل، أو محمول على إذا لم يصل؛ لقول الجمهور: لا يجب النقض بل الواجب إيصال الماء لأصول الشعر، أخذًا من حديث أم سلمة: إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: "لا، إنما كان يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات" (١) مع أن هذا الحديث محمولٌ على ما إذا وصل الماءُ إلى باطن العقد.
قال النووي (٢): فإن قلت: صحت الروايات عن عائشة أنها قالت: لا نرى إلا الحجَّ ولا نذكر إلا الحج، وخرجنا مهلين بالحجِّ. (٣) فكيف يجمع بينها وبين قولها: تمتعت بعمرة (٤)؟ قلت: الحاصل: أنها أحرمت بالحجِّ ثم فسخته إلى عمرة حين أمر الناس بالفسخ، فلما حاضت وتعذَّر عليها إتمام العمرة أمرها النبيُّ ﷺ بالإحرام بالحجِّ، فأحرمت به فصارت مدخلة للحجِّ على العمرة وقارنة؛ لقوله لها: "يسعك طوافك لحجِّك وعمرتك" وقوله لها: "دعي أو أمسكي عن
стр. 629
عمرتك" ليس المراد: الخروج منها، فإن العمرة والحج لا يخرج منهما إلا بالتحلل، بل المراد: اتركي العمل في العمرة، وإتمامها، ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطالها؛ لجوازهما عندنا حال الإحرام؛ حيث لا ينتفان شعرًا، لكن يكره الامتشاط إلا لعذر وحملوا فعلها ذلك علي أنه كان برأسها أذى، وقيل: المراد بالامتشاط هنا: تسريح الشعر بالأصابع؛ لإيصال ماء الغسل، ويلزم منه نقض الشعر، لا حقيقة الامتشاط، وإنما أمرها بالعمرة بعد الفراغ، وهي كانت قارنة؛ لقصدها عمرة منفردة، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين حيث اعتمرن عمرة منفردة عن حجهنَّ، ولكن أراد ﷺ أن يطيب نفسها بذلك. قال الكرماني: فكانت عائشة مفردة ثم متمتعة ثم قارنة (١).
١٦ - بَابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ
(باب: نقض المرأة شعرها عند الغسل المحيض) بفتح الغين، والمحيض بمعنى: مكان الحيض، أو بضمِّها والمحيض بمعنى: الحيض والإضافة بمعنى: اللام، كما مرَّ.
٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ" فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ"، فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي أَخِي
стр. 630
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قَالَ هِشَامٌ: "وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ".
[انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٧]
(عبيد بن إسماعيل) أي: ابن محمد الهبَّاري بفتح الهاءِ والباءِ المشددة وبالراء.
(خرجنا موافين) أي: مقاربين، أو مشارفين، وكان خروجهم قبله لخمسٍ بقين من ذي القعدة. (فليهلل) أي: فليحرم، وفي نسخة: "فليهلَّ" بالإدغام. (أهديت) أي: سقت الهدي، وإنما كان الهديُ علةً؛ لانتفاء إحرام العمرة، لأن صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتَّى ينحر، ولا ينحر إلا يوم النحر، والمتمتع يتحلل من عمرته قبله، فتنافيا. (فأهل بعضهم بعمرة) أي: صاروا متمتعين. (وأهلَّ بعضهم بحجٍّ) أي: صاروا مفردين. (دعي عمرتك) أي: اتركي أفعالها لا نفسها لما مرَّ. (حتَّى إذا كان ليلة الحصبة) برفع (ليلة) على أن كان تامة، وبنصبها على أنها ناقصة، واسمها: مضمر، أي: الوقت.
ووجه دلالة الحديث للترجمة: أن النقض إذا كان لغسل الإحرام وهو سنة فلغسل الحيض الذي هو فرضٌ أولى؛ ولا دلالة في الحديث على أن التمتع أفضل من الإفراد؛ لأنه ﷺ إنما قال ذلك لأجل فسخ الحجِّ إلى العمرة الذي هو خاصٌّ في تلك السنة؛ لمخالفة تحريم الجاهلية العمرة في أشهر الحجِّ، لا التمتع الذي فيه الخلاف وقاله؛ تطيبًا لقلوب أصحابه، وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحجِّ إليها؛ لإرادتهم موافقته ﷺ ، فقال: إنما يمنعني من موافقتكم الهدي، ولولاه لوافقتكم.
(قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك، هدي ولا صوم ولا صدقة) هذا يحتمل أن يكون تعليقًا، وأن يكون متصلًا بالإسناد
стр. 631
المذكور. والظاهر الأول قاله الكرماني (١)، وقال النووي: ونفي الثلاثة مشكلٌ من حيث إنها كانت قارنة، والقارن يلزمه الدم (٢). قال الكرماني: لفظ: (الصدقة) يدلُّ على أن المراد لم يكن أحدها من جهة ارتكاب محظورات الإحرام (٣)، كتطيب، وإزالة شعر، وستر وجه؛ إذ ليس في القرآن إلا الهدي والصوم ثُمَّ قال: وقال القاضي عياض فيه: دليلٌ على أنها كانت في حجِّ مفرد، لا تمتع ولا قران؛ لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما (٤)، قلت: الإشكال قويٌّ؛ لما مرَّ من أنها كانت مفردة ثُمَّ متمتعة ثُمَّ قارنة، والأقرب في دفعه ما قاله الكرماني (٥).
١٧ - بَابُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾
(باب: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾) [الحج: ٥] أي: هذا باب في بيان قوله ﷺ
(فإذا أراد الله أن يقضي خلقه، قال) الملك: مخلقة، وإن لم يرد، قال: وغير مخلقة. والمعنى: مصورة تامة الخلق، أو غير تامة الخلق.
قال الكرماني: وغرض البخاريِّ بهذا الباب: أن الحامل لا تحيض على ما قاله الكوفيون قالوا: لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع
стр. 632
خروج دم الحيض (١).
٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ، فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".
[٣٣٣٣، ٦٥٩٥ - مسلم: ٢٦٤٦ - فتح: ١/ ٤١٨]
(حمَّاد) أي: ابن زيد. (عن عبيد الله بن أبي بكر) أي: (عن أنس بن مالك).
(يارب) أصله: ربِّي بسكون الياء وفتحها، حذفت ياء المتكلم، ويجوز فيه أيضًا: يا ربا ويا رباه بهاء، ويا ربُّ بفتح الباءِ وضمها. (نطفة) بالنصب، بمقدر، كصار المنيُّ نطفة، أو جعلته نطفة، وبالرفع؛ خبر مبتدأ محذوف. (علقة) أي: قطعة دمٍ جامد. (مضغة) أي: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ، وإعرابهما كإعراب نطفة، وليس المراد بالإخبار بذكر الثلاثة أنها تصدر من الملك في وقت واحد، بل في أوقات متعددة. قال الكرماني: فإن قلت: الخبر إما فائدته إعلام المخاطب بمضمونه، أو إعلامه بعلم المتكلم به (٢)، ويسمَّى الأول: فائدة الخبر، والثانية: لازمها، ولا يتصوران هنا؛ لأن الله علام الغيوب، قلت: ذلك إذا كان الكلام واردًا علي مقتضى الظاهر، أما إذا عدل عن الظاهر فلا يلزم إحداهما، كما في قوله حكاية عن أُمِّ مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] فالغرض من الإخبار فيما نحن فيه: التماس
стр. 633
إتمام خلقه، والدعاء بإفاضته الصورة الكاملة عليه، أو الاستعلام من ذلك ونحوهما.
(يقضي) أي: يتمُّ. (قال) أي: الملك. (أذكرٌ؟) أي: أهو ذكرُ بالرفع؛ خبر مبتدأ محذوف، وجزم الكرمانيُّ بأنه مبتدأ، أي: أذكر هو؟ (١)، وفي نسخة: بالنصب أي: أتريد، أو أتخلق ذكرًا؟ وكذا القول في: (شقي وسعيد) وهمزة الاستفهام مقدرة في (شقي) بقرينة أم المتصلة (٢) في قوله: (أم سعيد)، ومعنى الشقي: العاصي لله، ومعنى السعيد: المطيع له.
(فما الرزق) هو ما ينتفع به. (و) ما (الأجل) هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنه يطلق على المدة وعلى غايتها.
(فيكتب) أي: الله بمعنى: فيأمر، أو الملك، وفي نسخة: "فيكتب" بالبناء للمفعول، والكتابة حقيقة، أو مجاز عن التقدير، فإن قلت: التقدير أولى، فكيف قال: (في بطن)؛ قلت: الحاصل في البطن تعلقه بالمحلِّ، ويسمي: قدرا، والأزلي أمرٌ عقليٌّ محض، ويسَمَّى: قضاءً، والبطن: ظرفٌ للكتابة. وقدر روي أن الأربعة تكتب على الجبهة، واعلم أن كتب الأربعة جامع لجميع أحوال الشخص؛ إذ فيه بيان حال المبدإ، وهو خلقه ذكرًا أو أنثى، وحال المعاد وهو السعادة والشقاوة، وما بينهما وهو الأجل، وما يتصرف فيه وهو الرزق.
стр. 634
١٨ - بَابٌ: كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ ؟
(باب: كيف تهلُّ الحائضُ بالحجِّ والعمرة؟) أي: كيف تحرم بهما والمراد: بيان جواز ذلك، وفي نسخة: تقديم هذا الباب علي سابقه.
٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ" قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إلا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ.
[انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٩]
(عن عُقيل) بضمِّ العين: ابن خالد بن عقيل بفتحها، الأيلي.
(في حجة الوداع) بفتح الحاءِ، والواو وبكسرهما. (ولم يهد) (١) بضمِّ الياءِ. (فليحلل) بفتح الياء وكسر اللام؛ لأن الفعل ثلاثي، وفي نسخة: بضم الياء.
(حتَّى يُحِلَّ بنحر هديه) بكسر الحاء، أي: في يوم العيد، وفي نسخةٍ: "حتَّى يحل نحر" بحذف الباء، وفي أخرى: "حتى ينحر" لكن المعتمر -وإن ساق هديًا- يتحلل قبل يوم النحر حتى يحرم بالحج، فإن قلت: قد يتحلل الشخص بعد انتصاف ليلة النحر فلمَ جعل
стр. 635
غايته النحر أو وقته؟ قلت: المراد أن التحلل الكلي المبيح للجماع.
(ومن أهل بحجة) في نسخةٍ: "ومن أهل بحج". (يوم عرفة) برفعه علي أن كان تامة، وبنصبه على أنها ناقصة (١)، واسمها: مضمر، أي: اليوم.
(فأمرني) وفي نسخة: "وأمرني". (وأترك العمرة) أي: أفعالها كما مرَّ. (حتَّى قضيت حَجِّي) في نسخة: "حتَّى قضيت حجتي". (من التنعيم) متعلقٌ باعتمر، و (من) ابتدائية، أو بيانية.
١٩ - بَابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ
وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: "لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ" تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ وَبَلَغَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَقَالَتْ: "مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ".
[فتح: ١/ ٤٢٠]
(باب: إقبال المَحِيضِ وإدباره) أي: بيان حكمهما.
(كنَّ نساء) برفع نساء؛ بدلٌ من ضمير (كنَّ)، علي لغة: أكلوني البراغيث (٢) وكان تامة، أو ناقصة، وأنصبه على أنها تامةٌ، أو ناقصةُ