المذكور. والظاهر الأول قاله الكرماني (١)، وقال النووي: ونفي الثلاثة مشكلٌ من حيث إنها كانت قارنة، والقارن يلزمه الدم (٢). قال الكرماني: لفظ: (الصدقة) يدلُّ على أن المراد لم يكن أحدها من جهة ارتكاب محظورات الإحرام (٣)، كتطيب، وإزالة شعر، وستر وجه؛ إذ ليس في القرآن إلا الهدي والصوم ثُمَّ قال: وقال القاضي عياض فيه: دليلٌ على أنها كانت في حجِّ مفرد، لا تمتع ولا قران؛ لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما (٤)، قلت: الإشكال قويٌّ؛ لما مرَّ من أنها كانت مفردة ثُمَّ متمتعة ثُمَّ قارنة، والأقرب في دفعه ما قاله الكرماني (٥).
١٧ - بَابُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾
(باب: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾) [الحج: ٥] أي: هذا باب في بيان قوله ﷺ
(فإذا أراد الله أن يقضي خلقه، قال) الملك: مخلقة، وإن لم يرد، قال: وغير مخلقة. والمعنى: مصورة تامة الخلق، أو غير تامة الخلق.
قال الكرماني: وغرض البخاريِّ بهذا الباب: أن الحامل لا تحيض على ما قاله الكوفيون قالوا: لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع
стр. 632
خروج دم الحيض (١).
٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ، فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".
[٣٣٣٣، ٦٥٩٥ - مسلم: ٢٦٤٦ - فتح: ١/ ٤١٨]
(حمَّاد) أي: ابن زيد. (عن عبيد الله بن أبي بكر) أي: (عن أنس بن مالك).
(يارب) أصله: ربِّي بسكون الياء وفتحها، حذفت ياء المتكلم، ويجوز فيه أيضًا: يا ربا ويا رباه بهاء، ويا ربُّ بفتح الباءِ وضمها. (نطفة) بالنصب، بمقدر، كصار المنيُّ نطفة، أو جعلته نطفة، وبالرفع؛ خبر مبتدأ محذوف. (علقة) أي: قطعة دمٍ جامد. (مضغة) أي: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ، وإعرابهما كإعراب نطفة، وليس المراد بالإخبار بذكر الثلاثة أنها تصدر من الملك في وقت واحد، بل في أوقات متعددة. قال الكرماني: فإن قلت: الخبر إما فائدته إعلام المخاطب بمضمونه، أو إعلامه بعلم المتكلم به (٢)، ويسمَّى الأول: فائدة الخبر، والثانية: لازمها، ولا يتصوران هنا؛ لأن الله علام الغيوب، قلت: ذلك إذا كان الكلام واردًا علي مقتضى الظاهر، أما إذا عدل عن الظاهر فلا يلزم إحداهما، كما في قوله حكاية عن أُمِّ مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] فالغرض من الإخبار فيما نحن فيه: التماس
стр. 633
إتمام خلقه، والدعاء بإفاضته الصورة الكاملة عليه، أو الاستعلام من ذلك ونحوهما.
(يقضي) أي: يتمُّ. (قال) أي: الملك. (أذكرٌ؟) أي: أهو ذكرُ بالرفع؛ خبر مبتدأ محذوف، وجزم الكرمانيُّ بأنه مبتدأ، أي: أذكر هو؟ (١)، وفي نسخة: بالنصب أي: أتريد، أو أتخلق ذكرًا؟ وكذا القول في: (شقي وسعيد) وهمزة الاستفهام مقدرة في (شقي) بقرينة أم المتصلة (٢) في قوله: (أم سعيد)، ومعنى الشقي: العاصي لله، ومعنى السعيد: المطيع له.
(فما الرزق) هو ما ينتفع به. (و) ما (الأجل) هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنه يطلق على المدة وعلى غايتها.
(فيكتب) أي: الله بمعنى: فيأمر، أو الملك، وفي نسخة: "فيكتب" بالبناء للمفعول، والكتابة حقيقة، أو مجاز عن التقدير، فإن قلت: التقدير أولى، فكيف قال: (في بطن)؛ قلت: الحاصل في البطن تعلقه بالمحلِّ، ويسمي: قدرا، والأزلي أمرٌ عقليٌّ محض، ويسَمَّى: قضاءً، والبطن: ظرفٌ للكتابة. وقدر روي أن الأربعة تكتب على الجبهة، واعلم أن كتب الأربعة جامع لجميع أحوال الشخص؛ إذ فيه بيان حال المبدإ، وهو خلقه ذكرًا أو أنثى، وحال المعاد وهو السعادة والشقاوة، وما بينهما وهو الأجل، وما يتصرف فيه وهو الرزق.
стр. 634
١٨ - بَابٌ: كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ ؟
(باب: كيف تهلُّ الحائضُ بالحجِّ والعمرة؟) أي: كيف تحرم بهما والمراد: بيان جواز ذلك، وفي نسخة: تقديم هذا الباب علي سابقه.
٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ" قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إلا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ.
[انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٩]
(عن عُقيل) بضمِّ العين: ابن خالد بن عقيل بفتحها، الأيلي.
(في حجة الوداع) بفتح الحاءِ، والواو وبكسرهما. (ولم يهد) (١) بضمِّ الياءِ. (فليحلل) بفتح الياء وكسر اللام؛ لأن الفعل ثلاثي، وفي نسخة: بضم الياء.
(حتَّى يُحِلَّ بنحر هديه) بكسر الحاء، أي: في يوم العيد، وفي نسخةٍ: "حتَّى يحل نحر" بحذف الباء، وفي أخرى: "حتى ينحر" لكن المعتمر -وإن ساق هديًا- يتحلل قبل يوم النحر حتى يحرم بالحج، فإن قلت: قد يتحلل الشخص بعد انتصاف ليلة النحر فلمَ جعل
стр. 635
غايته النحر أو وقته؟ قلت: المراد أن التحلل الكلي المبيح للجماع.
(ومن أهل بحجة) في نسخةٍ: "ومن أهل بحج". (يوم عرفة) برفعه علي أن كان تامة، وبنصبه على أنها ناقصة (١)، واسمها: مضمر، أي: اليوم.
(فأمرني) وفي نسخة: "وأمرني". (وأترك العمرة) أي: أفعالها كما مرَّ. (حتَّى قضيت حَجِّي) في نسخة: "حتَّى قضيت حجتي". (من التنعيم) متعلقٌ باعتمر، و (من) ابتدائية، أو بيانية.
١٩ - بَابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ
وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: "لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ" تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ وَبَلَغَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَقَالَتْ: "مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ".
[فتح: ١/ ٤٢٠]
(باب: إقبال المَحِيضِ وإدباره) أي: بيان حكمهما.
(كنَّ نساء) برفع نساء؛ بدلٌ من ضمير (كنَّ)، علي لغة: أكلوني البراغيث (٢) وكان تامة، أو ناقصة، وأنصبه على أنها تامةٌ، أو ناقصةُ
стр. 636
أيضًا] (١) لكن على الاختصاص وإن كان نكرة، أي: أعني: نساءً، وتنكيره؛ للتنويع، أي: كان ذلك من نوعٍ من النساءِ لا من كلهنَّ، وخبر كان على أنها ناقصة: (يعثن).
والأثر المذكور رواه مالك في "الموطأ" عن علقمة بن أبي علقمة [المدني] (٢) عن أمه، واسمها: مرجانة مولاة عائشة (٣). (بالدرجة) بكسر الدال، وفتح الراءِ والجيم وتاء التأنيث: جمع درج بضم الدال وسكون الراء: وهو وعاء كنحو المغازل وفي نسخة: بضم الدال وسكون الراء وبالتاء الفارقة بين اسم الجنس وواحده، كتمرة وتمر.
(الكُرْسُفُ) أو نحوه مما حشون به فروجهنَّ؛ ليعرفنَ هل بقي من أثر الحيض أم لا؟. (فتقول) أي: عائشةُ. (حتَّى ترين القصة البيضاء) هي بقافٍ مفتوحة وصاد مهملة مشددة: ماءٌ أبيض يكون آخر الحيض يعرف به نقاء الرحم؛ تشبيهًا بالقصةِ التي هي الجير.
(ابنة زيد) الظاهر أنها أم كلثوم؛ لأن لها رواية دون بقية بناته من أمِّ إسحق، وحسنة، وعمرة. (يدعون) أي: يطلبن، فالنون للنسوة، [والواو] (٤) لام الفعل، وفي نسخة: "يدعين" وتقدم ذلك مع زيادة.
(ينظرن إلى الطهر) أي: إلى ما يدلُّ عليه. (وعابت عليهن) أي: دعاءهن بما ذكر، وإنما عابت عليهن ذلك؛ لأن فعلهن وإن كان فيه حرصٌ على الطاعة، لكن فيه حرج، وهو مذموم؛ إذ ليس جوف الليل إلا وقت استراحةٍ.
стр. 637
٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي".
[انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢١]
(عبد الله بن محمد) أي: الجعفي. (سفيان) أي: ابن عيينة.
(بنت أبي حبيش) بضمِّ المهملة وفتح الموحدة، وبمعجمة. (تستحاض) بالبناء للمفعول. (ذلكِ) بكسر الكاف. (عرق) بكسر العين، ويسمَّى: العاذل، كما مرَّ. (وليست بالحيضة) بكسر الحاءِ، وفتحها، وهو أظهر. (فاغتسلي) أي: عند احتمال انقطاع الحيض، أمَّا عند عدم احتماله فلا يجب الاغتسال بل غسل ما أصابها من الدم فقط كما مرَّ. وفي الحديث كما قال ابن بطَّال: أن الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيضٌ حتَّى ترى الماء الأبيض الذي يدفعه الرحم عند الانقطاع (١).
٢٠ - بَابٌ: لَا تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلاةَ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَأَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَدَعُ الصَّلاةَ".
[انظر: ٣٠٤ - ١٥٥٧]
(باب: لا تقضي الحائض الصلاة) أي: لا تؤديها زمن الحيض ولا بعده، فالتعبير بعدم القضاء أعمُّ ظاهرًا من التعبير بـ (تدع الصلاة) المذكور في قوله: (وقال جابر ... إلخ).
стр. 638
٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ "كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ" أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ.
[مسلم: ٣٣٥ - فتح: ١/ ٤٢١]
(همَّام) بتشديد الميم: ابن يحيى بن دينار. (معاذة) بميم مضمومة وذال معجمة: بنت عبد الله العدوية.
(أن امرأة) هي معاذة، أبهمت نفسها؛ لغرض صحيح. (أتجزي) بفتح أوله بلا همزة في آخره، وحكي الهمز، أي: أتقضي. (صلاتها) بالنصب: مفعول تجزي أي: تقضي كما قلنا، وأن فسر تجزيء بتكفي، كانت صلاتها مرفوعة علي الفاعلية لكن رده البرماويُّ، بأنها لم تصلِّ حتَّى تسأل عن الاكتفاء بها، إنما سألت عن لزوم القضاءِ بعد الطهر، ثم قال: أما ضمُّ تاء تجزيَ والهمز من أجزأ الرباعي فلا معنى له هنا.
(أحرورية؟) بفتح المهملة وضمِّ الراءِ الأولى؛ نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة كان أول اجتماع الخوارج بها، وتعاقدهم، فالمعنى هنا: أخارجيةٌ أنت؟ لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع، فالاستفهام إنكاريٌّ.
(أنتِ) مبتدأ خبره حرورية قدم عليه للحصر، أي: أنتِ لا غير، أو فاعلٌ للوصف، والوصف مبتدأ أغنى عن خبره الفاعل، وفي نسخةٍ: نصب حرورية بفعل مقدر ككنت أو صرت، وأنت حينئذ تأكيد.
(مع النبيِّ ﷺ أي: مع وجوده، أو عهده والغرض منه: بيان أنه كان مطلقًا على حالنا من الحيض وتركنا الصلاة في أيامه، ولم يأمرنا بالقضاءِ، ولو كان واجبًا لأمرنا به. (فلا يأمرنا به) أي: بقضاءِ الصلاة.
стр. 639
(أو قالت: فلا نفعله) الشكُّ من معاذة، والفرق بين وجوب قضائها، [الصوم وعدمه في الصلاة، إنها تتكرر فيشق قضاؤها] (١) بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرة واحدة، وخطابها بقضائه لا بالأمر الأول وهو الأمر بترك الصوم، بل بأمر جديد، وقيل: خوطبت به وأمرت بتأخيره، كما يخاطب المحدث بالصلاة وإن لم تصح صلاتُه زمن الحدث، ورد بأنه محرَّم عليها فكيف يجب، وبأن الحيض سببٌ لا قدرة لها على إزالته بخلاف الحدث، واستُثْني من نفي قضاء الصلاة ركعتا الطوافِ.
٢١ - بَابُ النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهِيَ فِي ثِيَابِهَا
(باب: النوم مع الحائض وهي في ثيابها) أي: أهو جائزٌ أم لا؟.
٣٢٢ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنُفِسْتِ" قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ" "وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ".
[انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦، ٣٢٤، ١١٠٨ - فتح: ١/ ٤٢٢]
(يحيى) أي: ابن أبي كثير.
(في الخميلة) أي: القطيفة. (قالت) أي: زينب، وظاهره: التعليق، لكن السياق مشعرٌ بأنه داخل تحت الإسناد المذكور. (وحدثتني) عطفٌ على مقدر، وهو مقول القول. (وكنت) عطف على: (أن النبيَّ ... إلخ) أي: وحدثتني بقولها: (وكنت ... إلخ). (من إناء واحد من الجنابة) (من) في الموضعين: متعلقة باغتسل، والأولى:
стр. 640
ابتدائية والثانية: تعليلية، أو كلٌّ منهما ابتدائية (١)، لكن الابتداء الأول من معنى، والثاني من معنى، فلم يكونا بمعنى واحدٍ حتَّى يمتنع تعلقهما بعامل واحد، وتقدم شرح الحديث أول الحيض (٢).
٢٢ - بَابُ مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ
(باب: من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر) أي: هذا باب في بيان من اتخذ من النساءِ ثيابًا للحيض سوى ثيابها التي تلبسها وهي طاهرة، والمراد: بيان مشروعية اتخاذها.
٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: "أَنُفِسْتِ"، فَقُلْتُ: نَعَمْ فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ".
[انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦ - فتح: ٤٢٣]
(عن يحيى) أي: ابن أبي كثير.
(حضت) هو العامل في: (بينا) وتقدم شرح الحديث.
٢٣ - بَابُ شُهُودِ الحَائِضِ العِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ المُصَلَّى
(باب: شهود الحائض العيدين) أي: صلاتهما. (ودعوة المسلمين) بالنصب عطفٌ على العيدين.
(ويعتزلن المصلَّى) حال، والمصلَّى: بضمِّ الميم، وفتح اللام:
стр. 641
مكان الصلاة، جمع الضمير مع عوده لمفرد؛ لإرادة الجنس، كما في: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧].
٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ"، فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: بِأَبِي، نَعَمْ، وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إلا قَالَتْ: بِأَبِي، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ، أَو العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ، وَالحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى"، قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ الحُيَّضُ، فَقَالَتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَكَذَا وَكَذَا؟ [٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٢٣]
(عبد الوهاب) أي: الثقفي. (عن أيوب) أي: السختياني.
(عواتقنا) جمع عاتق، أي: شابة بلغت الحلم لم تفارق بيت أهلها إلى زوج، سميت بذلك؛ لأنها عتقت عن خدمة آبائها والخروج في الحوائج.
(قصر بني خلف) موضع بالبصرة (١). (وكانت أختي) أي: وقالت المرأة المحدثة. (وكانت أختي) ولم تعرف اسم المرأة وأختها. (معه) أي: مع زوجها، أو مع النبيِّ ﷺ (في ستٍّ) أي: ستِّ غزوات. (قالت) أي: الأختُ. (الكلمى) جمع كليم، فعيل بمعنى: مفعول. (المرضَى)
стр. 642
فيه ما قلنا في الكلمى. (أن لا تخرج) أي: إلى مصلَّى العيد. (من جلبابها) بكسر الجيم وتكرير الموحدة: ثوب أعرض وأقصر من الخمار، وقيل: ثوب واسعٌ دون الرداءِ، تغطي بها صدرها وظهرها، وقيل: هو الإزار (١)، والمعنى: تستر بجلبابها المرأة معها، أو تعيرها جلبابًا لا تحتاج إليه تلبسه، فَمِن على الأول: تبعيضية، وعلى الثاني: زائدة، أو تبعيضية. ويراد: بالجلباب الجنس، ويؤيده رواية الترمذيِّ "من جلابيبها" (٢).
(ولتشهد الخير) أي: مجالسه. (فلمَّا قدمت أم عطية) أي: البصرة. (أسمعت؟) أي بذلك. (بأبي) أي: مفدًا بأبي، ولبعضهم: "بأبا" بإبدال ياء المتكلم ألفًا، ولعضهم: "بيبي" "وبيبا" بقلب الهمزة ياءً فيهما. (ولا تذكره) أي: النبي ﷺ (سمعته) ليس من تتمة المستثنى. (يخرج العواتقُ، وذوات الخدور) في نسخة: "ذات الخدور"
стр. 643
بلا واو، وفي أخرى: "تخرج العاتقُ ذات الخدر" وهو بكسر الخاءِ: الستر في جانب البيت، أو هو البيت. (أو العواتق ذوات الخدور) الشَّكُّ من أمِّ عطية. (والحيض) عطفٌ علي العواتق. (يعتزل) في نسخة: "يعتزلن" على لغة: أكلوني البراغيث.
(فقلت: الحيض؟) استفهام تعجبي من إخبارها شهود الحائض ما ذكر. (أليس) اسمها: ضمير الشأن، وفي نسخة: "ليس" بحذف الهمزة. (وكذا وكذا) أي: نحو المزدلفة، وصلاة الاستسقاء.
وفي الحديث: أن الحائض تذكر الله، وتشهد مجالس الخير للدعاءِ والتأمين؛ رجاء بركة المشهد، لكن لا تدخل المسجد، إعارة الثياب؛ للخروج للطاعات، واشتمال المرأتين في ثوب واحد؛ لضرورة الخروج للطاعة، وغزو النساء ومداوتهنَّ الجرحى وإن لم يكونوا محارم بشرطه، وقبول خبر المرأة، والنقل عن صحابيٍّ لا يعرف، وامتناع خروج النساءِ بدون جلابيب.
٢٤ - بَابُ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاثَ حِيَضٍ
وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الحَيْضِ وَالحَمْلِ، فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الحَيْضِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ: "إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ، أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلاثًا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ" وَقَالَ عَطَاءٌ: "أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ وَبِهِ" قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَقَالَ عَطَاءٌ: "الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ" وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: عَنْ أَبِيهِ: سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ
стр. 644
عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قُرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: "النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ".
[فتح: ١/ ٤٢٤]
(باب: إذا حاضت في شهر) أي: باب بيان حكم الحائض إذا حاضت في شهر واحد. (ثلاث حيض) بكسر الحاءِ وفتح الياء: جمع حيضة.
(وما يُصَدَّقُ النساء) عطفٌ على الجملة قبلهن، أي: وبيان ما يصدق فيه النساء في الحيض، أي: مدته، وهو بدلٌ من فيه المقدر قبله.
(والحمل) في نسخة: "والحبل" بموحدة مفتوحة. (فيما يمكن من الحيض) أي: من تكراره، وهو متعلقٌ بيصدق.
(لقوله تعالى) في نسخة: "لقول الله تعالى". ووجه دلالة الآية على تصديق المرأة فيما ذكر: أنها لو لم تصدق فيه لما كان لإلزامها بعدم الكتمان فائدة، وروى [الطبراني] (١) بإسنادٍ حسن: "لا يحلُّ لها إذا كانت حائضًا أن تكتم حيضها ولا إن كانت حاملا أن تكتم حملها" (٢) (ويذكر) تعليق بصيغة تمرض.
(عن علي) أي: ابن أبي طالب. (وشريح) أي: ابن الحارث الكنديِّ. (بطانة أهلها) بكسر الباء، أي: خواصهم. (يُرْضَى دينُه) أي: يكون عدلًا مقبولًا. (أنها حاضت ثلاثًا في شهر، صدقت) هو قول أحمد، وقال أَبو حنيفة: لا تصدق في أقلَّ من شهرين، وقال الثوريُّ وأبو يوسف ومحمد: لا تصدق في أقل من ثلاثين يومًا؛ لأن أقل
стр. 645
الحيض عندهم ثلاثة أيام، وقال الشافعي: لا تصدق في أقلِّ من اثنين وثلاثين يومًا، بأن تطلق وبقي من الطهر لحظة فتحيضُ يومًا وليلة، وتطهر خمسة عشرًا ثم هكذا.
(وقال عطاء) ابن أبي رباح. (أقراؤها) جمع قرء بفتح القاف وضمها، والمراد: أقراؤها في زمن العدة. (ما كانت) أي: قبل العدَّة، أي: تصدق عند موافقة عادتها كيف كانت. (وبه) أي: بقول عطاء. (قال إبراهيم) أي: النخعي.
(وقال عطاء: الحيضُ يومٌ إلى خمسة عشر) في نسخة: "خمس عشرة" والأُولى أَولى، وأشار بذلك إلى أن أقلَّ الحيضِ: يوم، أي: مع ليلته، وأن أكثره خمسة عشر يومًا أي: بليليها.
(وقال معتمر) أي: ابن سليمان بن طرخان. (بعد قرئها) أي: طهرها، والغرض: أن القرء، هل يكون خمسة أيامٍ أم لا؟ قاله الكرماني (١)، ورده غيره، بأن ابن سيرين إنما ذكر ذلك في امرأة سألته عمن تحيضُ خمسة أيام، ثَمَّ رأت دمًا زائدًا عليها، كيف يكون حكم الزائد؟ فقال: هي أعلم بذلك، يعني التمييز بين الدمينِ راجعٌ إليها، فيكون المرئي في أيام عادتها حيضًا، وما زاد على ذلك استحاضةً، فليس المراد ببعد قرئها: بعد طهرها، بل بعد حيضها.
٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ، سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ، فَقَالَ: "لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي".
[انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢٥]
стр. 646
(ابن أسامة) (١) اسمه: حماد بن أسامة.
(قالت) بيان السؤال وفي نسخة: "فقالت"، الفاء تفسيرية. (قدر أيام (٢) التي كنت تحيضين فيها) بدلٌ على أنها كانت معتادة، وتقدم تفسير الحديث.
ووجه دلالالته علي الترجمة: أن إطلاق الشارع قدر الأيام صادق بأن يكون في الشهر ثلاث حيض، وأنها مصدقة في الحيض وقدره.
٢٥ - بَابُ الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ
(باب: الصفرة الكدرة في غير أيام الحيض) أَي: بيان أنهما في غير أيام الحيض ليسا بحيضٍ، وألوان الدم ستة: سوادٌ، وحمرةٌ وصفرةٌ وكدرةٌ وخضرةٌ وتربيةٌ بضمِّ الفوقية وسكون الراء: بأن يكون على لون التراب، فالنسبة فيها إليه، وهو نوع من الكدرة، ويقال لها: ترابية.
٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: "كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا".
[فتح: ١/ ٤٢٦]
(إسماعيل) أي: ابن عُلية. (عن محمد) أي: ابن سيرين.
(كنا) أي: في زمن النبيِّ ﷺ مع علمه وتقديره. (لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا) أي: من الحيض، ومحله: إذا كان في غير زمن الحيض، كما جاء في حديث بلفظ: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد
стр. 647
الغسل شيئًا (١) أما في زمنه فهما حيضٌ؛ لعموم خبر: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" (٢) وخبر: "حتَّى ترين القصة البيضاء" (٣).
٢٦ - بَابُ عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ
(باب: عرق الاستحاضة) أي: بيان عرقها، وهو بكسر العين يسمَّى: العاذل، كما مرَّ.
٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: "هَذَا عِرْقٌ" فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ.
[مسلم: ٣٣٤ - فتح: ١/ ٤٢٦]
(الحزامي) بكسر المهملة، وبالزاي الخفيفة. (معن) ابن عيسى بفتح الميم، وسكون العين، أي: القزاز. (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن. (وعن عمرة) عطفٌ على (عن عروة) وعمرة: هي بنت عبد الرحمن. (أمَّ حبيبة) يقال لها: أم حبيب أيضًا بلا هاء، وهي بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف، ولها أختان يُستحاضان أيضًا: زينب زوج النبيِّ، وحمنة زوج طلحة بن عبد الله.
(أن تغتسل) أي: لكلِّ صلاة احتياطًا، أو عند احتمال انقطاع الحيض. (فكانت تغتسل لكلِّ صلاة) محمول على ما مرَّ قبله.
стр. 648
٢٧ - بَابُ المَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ
(باب: المرأة تحيض بعد الإفاضة) أي: باب في بيان حكم حيض المرأة بعد طواف الإفاضة، ويسمى: طواف الزيارة.
٣٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ"، فَقَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَاخْرُجِي".
[انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٢٨]
(بنت حُيَي) بضمِّ المهملة، وقد تكسر. (لعلها تحبسنا) أي: عن الخروج من مكة، ولعل هنا، كما قال الكرماني: ليست للترجي بل للاستفهام، أو للتردد، أو للظنِّ وما (١) شاكله (٢).
(ألم تكن طافت) أي: طواف الركن. (قالوا) أي: الناس، وحقه: قلن أو قلنا. (بلى) أي: طافت معنا طواف الركن. (فاخرجي) فيه: التفات من الغيبة إلى الخطاب، أي: فقال لصفية: اخرجي، أو قال لعائشة: اخرجي، فإنها توافقك، أو قولي لها: اخرجي، وفي نسخة: "فاخرجن".
قال النوويُّ في "شرح مسلم" (٣): وفي الحديث: دليل لسقوط طواف الوداع عن الحائض، وأن طواف الإفاضة ركن لا بد منه، وأنه لا يسقط عن الحائض ولا غيرها، وقال في موضع آخر منه: إن صفية أمَّ
стр. 649
المؤمنين حاضت قبل طواف الوداع، فلما أراد النبيُّ ﷺ الرجوع إلى المدينة، قالت صفية: ولا يمكنني الطواف الآن، وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض فقال لها: "أما كنت طفت يوم النحر، قالت: بلى، قال: يكفيك ذلك" (١)؛ لأن طواف الركنِ سقط بفعله، والوداع سقط عنها بحيضها، وبما تقرر عُلِمَ أن خبر: "لا ينفرن أحد حتَّى يكون آخر عهده بالبيت" (٢) عامٌّ إلا في الحيض، فإنه لا طواف عليهن، وأنه لا يجوز للمحرم أن يخرج من مكة حتَّى يطوف طواف الإفاضة، فإن خرج قبله لم يَجُزْ له أن يحلَّ حتَّى يعود إلى مكة فيطوفه.
٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ".
[١٧٥٥، ١٧٦٠ - مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ١/ ٤٢٨]
(وهيب) أي: ابن خالد. (تنفر) بكسر الفاءِ أفصح من ضمِّها.
٣٣٠ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ".
[١٧٦١ - فتح: ١/ ٤٢٨]
(إن رسول الله) هو من تتمة قول ابن عمر. (لَهُنَّ) أي: للحائض، وإنما جمع؛ نظرًا إلى الجنس، وفتوى ابن عمر أولًا بخلاف ذلك؛ إمَّا لأنه نسيَ الحديث؛ أو أنه سمع الحديث بَعْدُ من صحابيٍّ آخر رواه عن رسول الله ﷺ فرجع بعد السماع عن فتواه الذي كان باجتهاد.
стр. 650
٢٨ - بَابُ إِذَا رَأَتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةً، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلاةُ أَعْظَمُ".
(باب: إذا رأت المستحاضة الطهر) أي: باب بيان حكم المستحاضة، إذا رأت الطهر من الحيض.
(قال ابن عباس: تغتسل) أي: بعد الطهر من حيضها. (وتصلِّي ولو) كان طهرها (ساعة) في نسخة: "ساعة من نهارٍ، أو ليل لا. (إذا صلَّتْ) (إذا) ظرفية، أو شرطية، وجوابها محذوف دلَّ عليه ما قبلها، أو ما قبلها هو الجواب على مذهب الكوفيين (١). (الصلاة أعظم) أي: من وطء الزوج.
وفائدة ذكر ذلك: بيان الملازمة بين الصلاة، والوطء، إذا جاءت الصلاة جاز الوطء بالأولى.
٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".
[انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢٨]
(زهير) أي: ابن معاوية. (فدعي) أي: اتركى.
٢٩ - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا
(باب: الصلاة على النفساء) بضمِّ النونِ وفتح الفاءِ والمدِّ، أي: الحديثة العهد بالولادة، والجمع: نفاس، فليس قياسًا لا في
стр. 651
المفرد ولا في الجمع؛ إذ ليس في الكلام فُعَلاء يجمع على فِعال إلا نفساء وعشراء. (وسنتها) أي: النفساء، أي: كيفية الصلاة عليها.
٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: "أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَامَ وَسَطَهَا".
[١٣٣١، ١٣٣٢ - مسلم: ٩٦٤ - فتح: ١/ ٤٢٩]
(أحمد بن أبي سُرَيْجٍ) بضم المهملة وبالجيم نسبة إلى جَدِّه؛ فإنه ابن عمر بن أبي سريج الصباح بتشديد الموحدة. (شبابة) بفتح المعجمة، وتخفيف الموحدتين، واسمه: مروان بن سوَّار، بفتح المهملة وتشديد الواو. (ابن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء، اسمه: عبد الله بن الحصيب بضم المهملة وإهمال الصاد المفتوحة وبالموحدة: المروزي.
(أن امرأة) هي أم كعب الأنصارية. (في بطن) أي: بسبب بطن، أي: ولادة بطن [فالمراد: النفاس] (١)، ز (في): سببية (٢) كما في خبر: "دخلت امرأةٌ النار في هرَّة" (٣). (وسطها) بسكون السين، وفي نسخة: بفتحها أي: فقام في صلاته عليها محاذيًا وسطها.
وفي الحديث: أنَّ الإمام يقف عند عجيزتها، وأنها طاهرة لا يمنع دمها الصلاةَ عليها.
стр. 652
٣٠ - باب .
(باب) ساقط من نسخة.
٣٣٣ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ اسْمُهُ الوَضَّاحُ، مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا، لَا تُصَلِّي وَهِيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، "وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ".
[٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٤٣٠]
(ابن مدرك) بضمِّ الميم، وسكون الدال، وكسر الراء، أي: السدوسي.
(من كتابه) فيه: تقوية لما روي عنه، قال أحمد: إذا حدَّث أَبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإن حدث من غير كتابه ربما وهم.
(كانت تكون) إحداهما زائدة (١)، أو ضمير (كانت) للقصة وضمير (تكون) لميمونة، أو (تكون) بمعنى تصير قاله الكرمانيُّ (٢). (لا تصلي) صفةٌ لـ (حائضًا) أو خبرٌ لكانت، ويجعل (تكون حائضًا) جملة حالية بتقدير جعل الضمير في (كانت) و (تكون) لميمونة.
(مفترشة) أي: منبسطة، يقال افترش الشيء: انبسط، وافترش ذراعيه: بسطهما على الأرضِ. (بحذاء مَسْجِدِ رسول الله) بكسر الحاء المهملة والمدِّ، أي: بإزائه، والمراد بمسجده ﷺ : موضع سجوده من بيته لا مسجده المشهور.
(على خمرته) بضمِّ المعجمة وسكون الميم: وهي سجادة صغيرة
стр. 653
تعمل من سعف النخل تنسج بالخيوط بقدر ما يوضع عليه الوجه والكفان، فإن زاد على ذلك فهو حصير. (أصابني) حكاية لفظها، وإلا فكان الأصل أن يقول: أصابها.
وفي الحديث: أن الحائض ليست بنجسة، وإلا لما وقع عليها ثوبه في الصلاة. وأن الحائض تترك الصلاة. وأنها تفترش تجاه المصلي، وجواز الصلاة على سعف النخل.
تم المجلد الأول بتجزئة التحقيق
ويليه المجلد الثاني وأوله: كتاب التيمم
الصف: دار الفلاح بالفيوم
стр. 654
منحة الباري بشرح صحيح البخاري
المسمى «تحفة الباري»
تأليف
شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري المصري الشافعي
اعتنى بتحقيقه والتعليق عليه
سليمان بن دريع العازمي
بالتعاون مع
مركز الفلاح للبحوث العلمية
[المجلد الثاني]
стр. 655
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
«لَا يشْكر الله مَنْ لَا يشْكر النَّاسَ»
الحمْدُ لله الذِي بِنِعْمَتِه تتمُ الصالحاتُ
فإنَّ إِخْرَاج هَذَا الْكتاب بِهَذِهِ الصُّورَة فِي فَتْرَة وجيزة كَانَ ثمرةَ تعاونٍ مَعَ:
"مَرْكَز الْفَلاح للبحوث العلمية"
لصَاحبه الشَّيْخ خَالِد الرِّبَاط
وَالَّذِي عاون فِي الإشراف على هَذَا الْكتاب، بمشاركة الْأُخوة:
خَالِد بُكير، وعصام حمدي
(فِي الْمُقَابلَة وَالتَّعْلِيق والمراجعات)
نَادِي فكري، وَمُحَمّد رَمَضَان
(فِي التَّخْرِيج وَالتَّعْلِيق)
كَمَا قَامَ بمراجعة متن البُخَارِيّ وَضَبطه:
الدكتور جُمُعَة فتحي، وَالْأَخ أَحْمد روبي
فجزاهم الله خيرًا وكل من شَارك مَعَهم على مَا بذلوه من جهد وَعون، أسأَل الله أَن يَجْعله فِي ميزَان حسناتهم، إنَّهُ سميع مُجيب.
سُلَيْمَان بن دريع العازمي
الكويت
هَاتِف: ٠٠٩٦٥٩٥٣٢٠١٦
стр. 656
منْحَةُ البَارِي بِشَرْح صَحِيح البُخَارِي
[٢]
стр. 657
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظَة
الطَّبعَة الأولى
١٤٢٦ - هـ - ٢٠٠٥ م
مكتبة الرشد ناشرون
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - شَارِع الْأَمِير عبد الله بن عبد الرَّحْمَن (طَرِيق الْحجاز)
ص. ب: ١٧٥٢٢ - الرياض: ١١٤٩٤ - هَاتِف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٣٣٨١
Email : alrushd@alrushdryh.com
Website : www.rushd.com
* فرع طَرِيق الْملك فَهد: الرياض - هَاتِف: ٢٠٥١٥٠٠ - فاكس: ٢٠٥٢٣٠١
* فرع مَكَّة المكرمة: هَاتِف: ٥٥٨٥٤٠١ - فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦
* فرع الْمَدِينَة المنورة: شَارِع أبي ذَر الْغِفَارِيّ - هَاتِف: ٨٣٤٠٦٠٠ - فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧
* فرع جدة: ميدان الطائرة - هَاتِف: ٦٧٧٦٣٣١ - فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤
* فرع القصيم: بُرَيْدَة - طَرِيق الْمَدِينَة - هَاتِف: ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس: ٣٢٤١٣٥٨
* فرع أَبِهَا: شَارِع الْملك فيصل - تلفاكس: ٢٣١٧٣٠٧
* فرع الدمام: شَارِع الْخزَّان - هَاتِف: ٨١٥٠٥٦٦ - فاكس: ٨٤١٨٤٧٣
وكلاؤنا فِي الْخَارِج
* الْقَاهِرَة: مكتبة الرشد - هَاتِف: ٢٧٤٤٦٠٥
* بيروت: دَار ابْن حزم هَاتِف: ٧٠١٩٧٤
* الْمغرب: الدَّار الْبَيْضَاء - وراقة التَّوْفِيق - هَاتِف: ٣٠٣١٦٢ - فاكس: ٣٠٣١٦٧
* الْيمن: صنعاء - دَار الْآثَار - هَاتِف: ٦٠٣٧٥٦
* الْأُرْدُن: عمان - الدَّار الأثرية: ٦٥٨٤٠٩٢ - جوال: ٧٩٦٨٤١٢٢١
* الْبَحْرين: مكتبة الغرباء - هَاتِف: ٩٥٧٨٣٣ - ٩٤٥٧٣٣
* الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع - هَاتِف: ٤٣٣٣٩٩٩٨ - فاكس: ٤٣٣٣٧٨٠٠
* سوريا: دَار البشائر: ٢٣١٦٦٨
* قطر: مكتبة ابْن الْقيم - هَاتِف: ٤٨٦٣٥٣٣
стр. 658
٧ - كتاب التيمم
стр. 659
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧ - كِتَابُ التَّيَمُّمِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]
١ - [باب] .
(كتاب التيمم) في نسخةٍ: تقديم الكتاب علي البسملة، و (التيمم) لغة: القصد، يقال: يممت فلانًا ويممته، وتأممته، وأممته، أي: قصدته، وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وخُصَّت به هذه الأمة.
(وقوله تعالى) عطفٌ على التيمم، أي: كتاب بيان التيمم، وبيان قوله تعالى ... إلخ، وفي نسخة: "قول الله "، وفي أخرى: "قول الله" بحذف الواو، وهي مبتدأ خبره: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [المائدة: ٤٣] أي: قول الله في شأن التيمم هذا الآية.
٣٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى
стр. 660
فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، "فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا"، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ.
[٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٣١]
(في بعض أسفاره) كان ذلك في غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، التي كان فيها قصة الإفك. (بالبيداء) بفتح الموحدة، والمدِّ.
(أو بذات الجيش) بفتح الجيم وسكون التحتية، وإعجام الشين: هما موضعان بين مكة والمدينة (١)، والشكُّ من عائشة ﵂.
(انقطع عقد لي) بكسر العين، أي: قلادة؛ لأنها تعقد وتقلد العنق أي: تعلق فيه. (على التماسه) أي: طلبه. (وليسوا على ماءٍ): وليس معهم ماء، الثاني منهما ساقط هنا من نسخةٍ؛ اكتفاءً بالأول.
(ما صنعت عائشة) أي: ما تسببت فيه من إقامة رسول الله ﷺ والناس، وألف (ما) ساقطة من نسخة. (فعاتبني أَبو بكر) لم تقل: أبي؛ لأن عتابه لها ينافي الأبوة فنزلته منزلة الأجنبي فذكرته باسمه. (يطعنني)
стр. 661
بضمِّ العين، وحكي فتحها، والأكثر ضمها في الطعن باليد، بخلاف الطعن في النسب فالأكثر فيه فتحها. (في خاصرتي) هي بخاء معجمة وصاد مهملة: الجنب، أو الوسط.
(فخذي) بفتح الفاءِ وكسرها مع كسر الخاءِ وسكونها فيهما، وهي جارية في كل ما وسطه حرف حلق من فعل. (أصبح) أي: دخل في الصباح، فهو تام يكتفي بمرفوعه لا ناقص حتى يحتاج إلى خبرٍ. (علي غير ماء) تنازعه قام، وأصبح.
(فتيمَّمُوا) بلفظ المضيِّ أي: فتيمم الناس بعد نزول الآية، وبلفظ الأمر على ما هو لفظ الآية ذكره بيانًا، أو بدلًا من آية التيمم.
(أُسيد بن الحضير) بالتصغير فيهما، والحضير بحاء مهملة وضاد معجمة، وفي نسخة: "حضير" بدون ال.
(ما هي) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم، والبركة: كثرة الخير. (بأول بركتكم) في نسخةٍ: "أول بركتكم" بلا باء، بالنصب والرفع على لغتي: إعمال (ما) وإهمالها (١).
(يا آل أبي بكر) الآل: الأهل والعيال أو الأتباع، ولا يستعمل إلا في الأشراف، وإنما قيل: آل فرعون؛ لتصوره بصورة الأشراف، أو لشرفه في قومه عندهم، وفي نسخة: "يال أبي بكر" بحذف الهمزة والألف من الآل؛ تخفيفًا. (الذي كنت عليه) أي: راكبة عليه. (فأصبنا) أي: وجدنا.
وفي الحديث: جواز اتخاذ القلائد. والاعتناء بحفظ حقوق المسلمين وأموالهم وإن قلَّت، فقد روي: أن العقد كان ثمنه اثنى عشر
стр. 662
درهمًا. وجواز السفر بالنساء، والنهي عن إضاعة المال. وأن للأب أن يدخل على ابنته وزوجها معها إن علم أنه في غير خلوة مباشرة، وأن له أن يعاتبها في أمر الله ويضربها عليه. ومعاتبة من نسب إلى ذنب. ونسبة الفعل إلى المتسبب فيه. وجواز الإقامة بموضع لا ماء فيه.
٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ هُوَ العَوَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: ح وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الفَقِيرُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً".
[٤٣٨، ٣١٢٢ - مسلم: ٥٢١ - فتح: ١/ ٤٣٥]
(هشيم) بالتضغير، أي: ابن بشير بالتكبير. (ح) هي حاء التحويل، وهي ساقطة من نسخة. (ابن النضر) بفتح النون وسكون المعجمة: أَبو عثمان البغدادي. (سيار) بفتح المهملة، وتشديد التحتية. (يزيد) هو "ابن صهيب" كما في نسخة. (الفقير) سمِّي به؛ لشكوى فقار ظهره، لا لفقرة من المال.
(خمسًا) أي: خمس خصالٍ. (لم يعطهن أحدٌ قبلي) أي: لم تجمع لأحد قبلي. (بالرعب) أي: بالخوف مني. (مسجدًا) أي: مكانًا للسجود. (وطهورًا) بفتح الطاء بمعنى: مطهرًا، فالتراب مطهر وإن لم يرفع حدثًا. (فأيُّمَا) الفاء: سببية، و (أي): شرطية زيد عليها (ما)؛ لزيادة التعميم. (رجل) مجرور من الإضافة. (من أمتي) ساقط من نسخة. (فليصلِّ) أي: بوضوء، أو تيمم، أي: إلا الأماكن المنهي عن الصلاة فيها.
стр. 663
(وأحلت لي الغنائم) جمع غنيمة: وهي ما حصل من الكفَّار بقهر، وفي نسخة: "المغانم" وهي بمعنى: الغنائم، أما غيره فلا تحلُّ له، إما لأنه لم يجاهد، أو لأنه إذا غنم شيئًا تجيءُ نار تحرقه.
(وأعطيت الشفاعة) هي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير على سبيل التصريح، والمراد بها: الشفاعة العظمى، وهي المراد بالمقام المحمود عامة، تكون في الحشر حتى تفرغ الخلائق إليه ﷺ قال النوويُّ (١): الشفاعة خمسٌ، أولها: مختصة بنبينا ﷺ : وهي الإراحة من هول الموقف وطول الوقوف، الثانية: في إدخال قومِ الجنة بغير حساب، الثالثة: لقوم استوجبوا النار، والرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، والخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها. قال في "الروضة": ويجوز أن يكون خُصَّ بالثالثة والخامسة أيضًا. قال غيره: ومن شفاعاته: أن يشفع لمن مات بالمدينة، وأن يشفع في تخفيف العذاب لمن استحق الخلود [في النار] (٢) كأبي طالب، وأن يشفع لجماعة من صلحاء المؤمنين فيتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات، وأن يشفع في أطفال المشركين حتَّى يدخلوا الجنة.
٢ - بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا
(باب: إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا) أي: للطهارة، هل يصلِّي أم لا؟
٣٣٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 664
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فَوَجَدَهَا، "فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ" فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ، إلا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا.
[انظر: ٣٣٤ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٤٠]
(زكريا بن يحيى) أي: ابن صالح اللؤلؤيِّ، أو ابن عمرو الطائيِّ.
(استعارت من أسماء) أي: أختها. (فهلكت) أي: ضاعت. (بعث رجلًا) هو أسيد بن حضير، بتصغيرهما. (فوجدها) أي: الرجل، وهو لا ينافي قول عائشة في الباب السابق: فأصبنا العقد تحت البعير؛ لأن قولها: أصبنا عامٌّ، يصدق بها وبمن معها.
(فصلَّوا) أي: بغير وضوء، كما صرَّح به في سورة النساءِ (١)، فاستدلَّ به علي أن فاقد الطهورين يصلِّي على حاله، وهو وجه الدلالة على مطابقة الحديث للترجمة، وهذه الصلاة واجبة لحرمة الوقت، لكن تجب إعادتها عند الطهر على مذهب الشافعي الجديد، وفي القديم: لا يجب إعادتها؛ لظاهر هذا الحديث؛ إذ لم يذكر فيه الأمر بالإعادة والقضاء، إنما يجب بأمر جديد، ولم يثبت، فلا يجب، وللقائلين بوجوبها أن يجيبوا: بأن الإعادة ليست على الفور ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. (ذلكِ لكِ) بكسر الكاف فيهما؛ لأنه خطاب لمؤنث.
стр. 665
وفي الحديث: جواز الإعارة والاستعارة. وجواز السفر بالعارية إذا كان إذن المعير.
٣ - بَابُ التَّيَمُّمِ فِي الحَضَرِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلاةِ
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ: وَقَالَ الحَسَنُ: "فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاولُهُ يَتَيَمَّمُ" وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ: "مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ".
(باب: حكم التيمم في الحضر).
(إذا لم يجد الماء) حسًّا أو شرعًا. (وخاف) في نسخة: "فخاف" وفي أخرى: "أو خاف". (فوت) وقت (الصلاة) فـ (إذا) ظرف للتيمم، أو شرط وجوابها محذوف، دلَّ عليه ما قبله، أي: يتيمم.
(وبه) أي: بالتيمم فيما ذكر. (قال عطاء) هو ابن أبي رباح، وبه قال الشافعي، لكن مع القضاء؛ لندرة فقد الماءِ في الحضر، بخلاف السفر، وعليه لا يتقيد ذلك بخوف فوت الوقت.
(وقال الحسن) أي: البصريُّ. (في المريض عنده الماء، ولا يجد من يناوله) له (يتيمم) في نسخة: "تيمم" بلفظ الماضي، بخلاف ما إذا وجد من يناوله الماء، لا يتيمم؛ لقدرته على الوضوء، وهذا مذهب الحسن، ومن وافقه، وأما مذهب الشافعي: فلا يتيمم للمرض إلا إذا خاف من الماءِ محذورًا سواء وجد من يناوله الماء أم لا.
(بالجرف) بضمِّ الجيم والراء، وقد تسكن: ما تجرفه السيول
стр. 666
وتأكله الأرض، والمراد به هنا: موضعٌ بقرب المدينة، على ثلاثة أميال، وقيل: على فرسخٍ منها من جهة الشمال (١).
(فحضرت العصر) أي: صلاته. (بمربد النعم) بكسر ميم مربد أكثر من فتحها، وسكون الراءِ، وفتح الموحدة، ودال مهملة: موضع تحبس فيه النعم على ميلين من المدينة (٢)؛ فلهذا دخل في ترجمة الحضر؛ لأن السفر القصير في حكم الحضر.
(فصلَّى) أي: العصر بالتيمم. (مرتفعة) أي: عن الأفق. (فلم يعد) أي: الصلاة.
وتقدم أن مذهب الشافعي: وجوب الإعادة على من تيمم في الحضر، وأن السفر القصير في حكمه. قال شيخنا: وظاهر ما ذكر: أن ابن عمر لم يراع في جواز التيمم خروج الوقت؛ لأنه دخل المدينة والشمس مرتفعة، لكن يحتمل أنه ظنَّ أنه لا يصل إليها إلا بعد الغروب، أو تيمم لا عن حدث، وإنما أراد تجديد الوضوء فلم يجد الماء فاقتصر على التيمم بدل الوضوء. قال: وعلى الاحتمال الأخير لا حجة فيما ذكر لمن أسقط الإعادة عن المتيمم في الحضرِ؛ لأنه على هذا الاحتمال لا يجب عليه الإعادة بالاتفاق (٣).
стр. 667
٣٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ الأَنْصَارِيُّ "أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْو بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇".
[مسلم: ٣٦٩ - فتح: ١/ ٤٤١]
(يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، كما مرَّ. (حدثنا الليث) في نسخة: "حدثني الليث". (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، وفي نسخة: "عن حميد الأعرج". (عميرًا) بالتصغير، هو ابن عبد الله الهاشمِي. (عن أبي جهيم) بالتصغير، اسمه: عبد الله. (ابن الصمة) بكسر المهملة، وتشديد الميم: ابن عمر بن عتيك الخزرجي.
(فقال أَبو الجهيم) في نسخة: "أَبو جهيم" وفي أخرى: "فقال الأنصاريُّ". (بئر جمل) بفتح الجيم والميم: موضع بالمدينة (١). (فلقيه رجل) هو أَبو جهيم، رواي الحديث، أبهم نفسه؛ لغرض.
(فلم يرد) بتثليث الدال، كما مرَّ أي: السلام. (على الجدار) أي: ترابه، وإنما تيمم به مع أنه لا يجوز مثله إلا بإذن المالك؛ لأن ذلك الجدار كان مباحًا، أو علم من مالكه الرضا بذلك، واحتج بعضهم بذلك؛ على جواز التيمم علي الحجر؛ لأن حيطان المدينة بحجارة سود، وأجيب: بأن الغالب وجود الغبار على الجدار مع أنه ﷺ حتَّ الجدار بالعصا ثم تيمم، فيحمل المطلق على المقيد. (ويديه) وفي نسخة: "وبيديه". قال النوويُّ: والحديث محمولٌ على أنه ﷺ
стр. 668
كان عادمًا للماءِ حال التيمم [لامتناع التيمم] (١) مع القدرة سواء كان لفرضٍ أو نفل، لكن هذا التيمم لردِّ السلام وهو ذكر، يجوز بلا طهر (٢). فوجه الاستدلال به للترجمة: أنه إذا تيمم للذكر والطهارة سنة له، فالتيمم للصلاة إذا خاف فوتها ولم يجد ماءً أولى، وقال غيره: خبر المنع من ردِّ السلام بلا وضوء منسوخ بآية الوضوءِ.
٤ - بَابٌ: المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا ؟
(باب: المتيمم هل ينفخ فيها) أي: في يديه بعد أخذهما التراب.
٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
[٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - مسلم ٣٦٨ - فتح: ١/ ٣٤٣]
(شعبة) أي: ابن الحجاج. (الحكم) بفتح الحاء والكاف: ابن عتيبة. (عن ذَرّ) بذال معجمة مفتوحة، وراء مشددة: ابن عبد الله الهمداني. (أبزى) بفتح الهمزة وسكون الباء وبزاي مقصورًا.
(فجاء رجلٌ) أي: من أهل البادية. (أجنبت) أي: صرت جنبًا، وفي نسخة: "جنبت" بضم الجيم وكسر النون. (فلم أصب) بضم
стр. 669
الهمزة، أي: لم أجد. (أما تذكر) الهمزة استفهامية، و (ما) نافية. (أنَّا كنَّا) بتشديد النون، وفي نسخة: "إذ كنَّا" ومحلُّ كلٍّ منهما نصب مفعول بـ (تذكر). (أنا وأنت) تفسير لضمير الجمع في (أنا).
(فلم تصلِّ) أي: إمَّا لاعتقاد أن التيمم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّار قاسه عليه، أو أنه لم يصلِّ؛ لتوقع وصوله للماءِ.
(فتمعَّكت) أي: تمرغت في التراب، كأنه لمَّا رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء، وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل.
(فذكرت ذلك للنبيِّ) لفظ: (ذلك): ساقط من نسخة. (فقال النبيُّ) لفظ: (النبيِّ) ساقط من نسخة. (هكذا) في نسخة: "هذا". (فضرب النبي ﷺ بكفيه) في نسخة: "فضرب بكفيه". (الأرض) في نسخة: "في الأرض" زيد في روايه: ضربة واحدة ولا دلالة فيها على أن الضربة الواحدة كافية للوجه واليدين؛ لجواز أن يكون ذلك تعليمًا لإتيان كلِّ ما يحصل به التيمم. وقد ثبت في رواية أخرى: التعبير بضربتين.
(ونفخ فيها) أي: نفخًا خفيفًا؛ تخفيفًا للتراب، وهو محمولٌ على أنه كان كثيرًا. (وكفيه) أي: "مع ذراعيه ومرفقيه"، كما في رواية: لأبي داود (١) وقياسًا على الوضوء.
وفي الحديث: جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ وهو أصح الأقوال.
стр. 670
وأن مسح الوجه واليدين بدلٌ في الجنابة عن كلِّ البدن، كما أنه في الوضوء بدلٌ عن أعضائه، والأصح: لا تجب الإعادة للصلاة الواقعة بالتمرغ؛ لأنه ﷺ لم يأمر بها؛ ولأن المتمرغ أتى بمسح الوجه واليدين وزيادة.
٥ - بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ
(باب: التيمم للوجه والكفين) التيمم: مبتدأ، و"للوجه والكفين" متعلقٌ به، والخبر مقدر أي: مجزيء.
٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ: "بِهَذَا وَضَرَبَ - شُعْبَةُ - بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ" وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، يَقُولُ: عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ.
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤]
(حجاج) هو ابن منهال. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عبد الحكم) في نسخة: "أخبرني الحكم". (عن ذر) بفتح المعجمة، أي: ابن عبد الله الهمداني. (عن سعيد بن عبد الرحمن) في نسخة: "عن ابن عبد الرحمن".
(قال عمَّار بهذا) أي: بقوله فيما مرَّ (أما تذكر ... إلخ). (وضرب شعبة) من مقول حجاج بن منهال. (أدناهما) أي: قربهما. (من فيه) لينفخ به فيهما. (ثُمَّ مسح وجهه) في نسخة: "ثُمَّ مسح بهما وجهه".
(وكفيه) أي: من الذراعين والمرفقين، كما مرَّ.
(النضر) بنون ومعجمة، أي: ابن شُمَيْل، وهو من كلام