وتأكله الأرض، والمراد به هنا: موضعٌ بقرب المدينة، على ثلاثة أميال، وقيل: على فرسخٍ منها من جهة الشمال (١).
(فحضرت العصر) أي: صلاته. (بمربد النعم) بكسر ميم مربد أكثر من فتحها، وسكون الراءِ، وفتح الموحدة، ودال مهملة: موضع تحبس فيه النعم على ميلين من المدينة (٢)؛ فلهذا دخل في ترجمة الحضر؛ لأن السفر القصير في حكم الحضر.
(فصلَّى) أي: العصر بالتيمم. (مرتفعة) أي: عن الأفق. (فلم يعد) أي: الصلاة.
وتقدم أن مذهب الشافعي: وجوب الإعادة على من تيمم في الحضر، وأن السفر القصير في حكمه. قال شيخنا: وظاهر ما ذكر: أن ابن عمر لم يراع في جواز التيمم خروج الوقت؛ لأنه دخل المدينة والشمس مرتفعة، لكن يحتمل أنه ظنَّ أنه لا يصل إليها إلا بعد الغروب، أو تيمم لا عن حدث، وإنما أراد تجديد الوضوء فلم يجد الماء فاقتصر على التيمم بدل الوضوء. قال: وعلى الاحتمال الأخير لا حجة فيما ذكر لمن أسقط الإعادة عن المتيمم في الحضرِ؛ لأنه على هذا الاحتمال لا يجب عليه الإعادة بالاتفاق (٣).
стр. 667
٣٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ الأَنْصَارِيُّ "أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْو بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇".
[مسلم: ٣٦٩ - فتح: ١/ ٤٤١]
(يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، كما مرَّ. (حدثنا الليث) في نسخة: "حدثني الليث". (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، وفي نسخة: "عن حميد الأعرج". (عميرًا) بالتصغير، هو ابن عبد الله الهاشمِي. (عن أبي جهيم) بالتصغير، اسمه: عبد الله. (ابن الصمة) بكسر المهملة، وتشديد الميم: ابن عمر بن عتيك الخزرجي.
(فقال أَبو الجهيم) في نسخة: "أَبو جهيم" وفي أخرى: "فقال الأنصاريُّ". (بئر جمل) بفتح الجيم والميم: موضع بالمدينة (١). (فلقيه رجل) هو أَبو جهيم، رواي الحديث، أبهم نفسه؛ لغرض.
(فلم يرد) بتثليث الدال، كما مرَّ أي: السلام. (على الجدار) أي: ترابه، وإنما تيمم به مع أنه لا يجوز مثله إلا بإذن المالك؛ لأن ذلك الجدار كان مباحًا، أو علم من مالكه الرضا بذلك، واحتج بعضهم بذلك؛ على جواز التيمم علي الحجر؛ لأن حيطان المدينة بحجارة سود، وأجيب: بأن الغالب وجود الغبار على الجدار مع أنه ﷺ حتَّ الجدار بالعصا ثم تيمم، فيحمل المطلق على المقيد. (ويديه) وفي نسخة: "وبيديه". قال النوويُّ: والحديث محمولٌ على أنه ﷺ
стр. 668
كان عادمًا للماءِ حال التيمم [لامتناع التيمم] (١) مع القدرة سواء كان لفرضٍ أو نفل، لكن هذا التيمم لردِّ السلام وهو ذكر، يجوز بلا طهر (٢). فوجه الاستدلال به للترجمة: أنه إذا تيمم للذكر والطهارة سنة له، فالتيمم للصلاة إذا خاف فوتها ولم يجد ماءً أولى، وقال غيره: خبر المنع من ردِّ السلام بلا وضوء منسوخ بآية الوضوءِ.
٤ - بَابٌ: المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا ؟
(باب: المتيمم هل ينفخ فيها) أي: في يديه بعد أخذهما التراب.
٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
[٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - مسلم ٣٦٨ - فتح: ١/ ٣٤٣]
(شعبة) أي: ابن الحجاج. (الحكم) بفتح الحاء والكاف: ابن عتيبة. (عن ذَرّ) بذال معجمة مفتوحة، وراء مشددة: ابن عبد الله الهمداني. (أبزى) بفتح الهمزة وسكون الباء وبزاي مقصورًا.
(فجاء رجلٌ) أي: من أهل البادية. (أجنبت) أي: صرت جنبًا، وفي نسخة: "جنبت" بضم الجيم وكسر النون. (فلم أصب) بضم
стр. 669
الهمزة، أي: لم أجد. (أما تذكر) الهمزة استفهامية، و (ما) نافية. (أنَّا كنَّا) بتشديد النون، وفي نسخة: "إذ كنَّا" ومحلُّ كلٍّ منهما نصب مفعول بـ (تذكر). (أنا وأنت) تفسير لضمير الجمع في (أنا).
(فلم تصلِّ) أي: إمَّا لاعتقاد أن التيمم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّار قاسه عليه، أو أنه لم يصلِّ؛ لتوقع وصوله للماءِ.
(فتمعَّكت) أي: تمرغت في التراب، كأنه لمَّا رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء، وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل.
(فذكرت ذلك للنبيِّ) لفظ: (ذلك): ساقط من نسخة. (فقال النبيُّ) لفظ: (النبيِّ) ساقط من نسخة. (هكذا) في نسخة: "هذا". (فضرب النبي ﷺ بكفيه) في نسخة: "فضرب بكفيه". (الأرض) في نسخة: "في الأرض" زيد في روايه: ضربة واحدة ولا دلالة فيها على أن الضربة الواحدة كافية للوجه واليدين؛ لجواز أن يكون ذلك تعليمًا لإتيان كلِّ ما يحصل به التيمم. وقد ثبت في رواية أخرى: التعبير بضربتين.
(ونفخ فيها) أي: نفخًا خفيفًا؛ تخفيفًا للتراب، وهو محمولٌ على أنه كان كثيرًا. (وكفيه) أي: "مع ذراعيه ومرفقيه"، كما في رواية: لأبي داود (١) وقياسًا على الوضوء.
وفي الحديث: جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ وهو أصح الأقوال.
стр. 670
وأن مسح الوجه واليدين بدلٌ في الجنابة عن كلِّ البدن، كما أنه في الوضوء بدلٌ عن أعضائه، والأصح: لا تجب الإعادة للصلاة الواقعة بالتمرغ؛ لأنه ﷺ لم يأمر بها؛ ولأن المتمرغ أتى بمسح الوجه واليدين وزيادة.
٥ - بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ
(باب: التيمم للوجه والكفين) التيمم: مبتدأ، و"للوجه والكفين" متعلقٌ به، والخبر مقدر أي: مجزيء.
٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ: "بِهَذَا وَضَرَبَ - شُعْبَةُ - بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ" وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، يَقُولُ: عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ.
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤]
(حجاج) هو ابن منهال. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عبد الحكم) في نسخة: "أخبرني الحكم". (عن ذر) بفتح المعجمة، أي: ابن عبد الله الهمداني. (عن سعيد بن عبد الرحمن) في نسخة: "عن ابن عبد الرحمن".
(قال عمَّار بهذا) أي: بقوله فيما مرَّ (أما تذكر ... إلخ). (وضرب شعبة) من مقول حجاج بن منهال. (أدناهما) أي: قربهما. (من فيه) لينفخ به فيهما. (ثُمَّ مسح وجهه) في نسخة: "ثُمَّ مسح بهما وجهه".
(وكفيه) أي: من الذراعين والمرفقين، كما مرَّ.
(النضر) بنون ومعجمة، أي: ابن شُمَيْل، وهو من كلام
стр. 671
البخاريِّ، والفرق بين هذا الطريق وطريق حجاج أن الطريق هنا تعليق، وثَمَّ موصول، وأنه هنا بلفظ: (سمعت ذرًا) وثَمَّ بلفظ: (عن ذَرٍّ)، وبينهما فرقٌ. (ابن عبد الرحمن عن أبيه) في نسخة: "عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه" وأفاد هذا الطريق: أن الحكم سمعه من شيخ شيخه سعيد.
٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: "كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا"، وَقَالَ: "تَفَلَ فِيهِمَا".
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤]
(عن ذَرٍّ) في نسخة: "سمعت ذرًّا". (شهد عمر) أي: حضره. (في سرية) أي: قطعة من الجيش. (وقال: تفل فيهما) أي: بدل قوله: نفخ فيهما والتفل بالمثناة، قال الجوهريُّ: شبية بالبزق (١)، وهو أقلُّ منه، أوله: البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ.
٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالكَفَّيْنِ".
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٥]
(محمد بن كثير) بمثلثة. (عن عبد الرحمن) زاد في نسخة: "ابن أبزى" وقال في أخرى: "عن أبيه". (يكفيك الوجه والكفين) بنصب الوجه؛ مفعول لمقدر أي: أن تمسح (والكفين) بالعطف على (الوجه) في نسخة: "الوجه والكفان" بالعطف على الوجه، وفي أخرى:
стр. 672
"الوجه" بالرفع بالفاعلية. "والكفين" بالنصب على أنه مفعول معه، أو به لمقدر، وفي أخرى: "واليدين" وروي: "الوجه والكفين" بالجرِّ فيهما، ووجه بأن الأصل يكفيك مسح الوجه فحذف المضاف وبقي المجرور به على ما كان عليه.
٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ، وَسَاقَ الحَدِيثَ.
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦]
(مسلم) أي: ابن إبراهيم الفراهيدي. (عن ابن عبد الرحمن) اسمه: سعيد، كما قدمه البخاريُّ، وزاد في نسخة: "ابن أبزى".
(فقال) في نسخة: "قال".
٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: "فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ".
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦]
(غندر) هو محمد بن جعفر البصري.
٦ - بَابٌ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ
وَقَالَ الحَسَنُ: "يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ" وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ " وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: "لَا بَأْسَ بِالصَّلاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا".
[فتح: ١/ ٤٤٦]
(باب) بالتنوين وعدمه. (الصعيد) مبتدأ. (الطيب) صفته، وأخبر عن المبتدأ بقوله: (وضوء المسلم) ثم بقوله: (يكفيه من الماء) (١) عند
стр. 673
عدمه حسًّا، أو شرعًا. ويجوز أن يكون (يكفيه من الماء) استئنافًا؛ بيانًا للجملة قبله.
(وقال الحسن) أي: البصريُّ. (يجزئه) الياء والهمز من الإجزاء، وهو الأداء الكافي في سقوط التعبد، وفي نسخة: بفتحها بلا همز، أي: يكفي.
(وَأَمَّ ابن عبَّاسٍ وهو متيمم) أي: أم من كان متوضئًا، وهو مذهب الشافعيِّ وغيره، وقال الأوزاعيُّ: لا يؤمُّهم إلا إذا كان أميرًا.
(على السبخة) بفتح الموحدة: وهي الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت، وأرض سبخة بكسر الموحدة ذات سباخ، قاله الجوهريُّ (١).
٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إلا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلانٌ، ثُمَّ فُلانٌ، ثُمَّ فُلانٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الرَّابِعُ - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، قَالَ: "لَا ضَيْرَ - أَوْ لَا يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا"، فَارْتَحَلَ، فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ " قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ"،
(مسدد) في نسخة: "مسدد بن مسرهد". (حدثني يحيى) في نسخةٍ: "حدثنا يحيى". (أَبو رجاء) هو عمران بن ملحان. (عن عمران) أي: ابن حصين الخزاعي.
(كنَّا في سفرة مع النبيِّ) كان ذلك عند رجوعه من خَبْيَر، كما في مسلم (١)، أو عند إقبالِه من الحديبية ليلًا، كما في أبي داودَ (٢)، -أو بطريقِ تبوك كما في "دلائلِ البيهقيِّ" (٣) -، أو في غزوة جيشِ الأمراء، كما في روايةٍ لأبي داودَ (٤).
(وإنَّا أسرينا) حالٌ، وفي نسخة: "سرينا"، قال الجوهريُّ: تقول: سريتُ وأسريتُ: إذا سرتَ ليلًا (٥). (ووقعنا وقعةً) أي: نمنا نومةً، كأنَّهم سقطوا عن الحركةِ. (أحلى) خبرُ (لا)، أو صفةٌ لـ (وقع)، والخبرُ محذوفٌ. (منها) أي: من الوقعةِ آخر الليل.
(فما) في نسخةٍ: "وما". (وكان) في نسخةٍ: "فكان". (أوَّلَ) بالنصب خبر: (كان). (فلان) اسمها، وهو أَبو بكر الصديقُ. (ثُمَّ عمر بن الخطاب الرابع) برفع (الرابع) صفة لعمر، وفي نسخةٍ: "هو الرابعُ"
стр. 676
أي: من المستيقظين.
(لا يُوقظ) بالبناءِ للمفعولِ، وفي نسخةٍ: "لم نوقظه". (ما يحدث له) أي: من الوحيِّ. (ما أصاب الناسُ) أي: من نومِهم عن صلاةِ الصبحِ حتَّى خرج وقتُها وهم علي غير ماءٍ.
(جليدًا) بفتح الجيمِ وكسر اللِام من الجلادة: وهي القوةُ والصلابةُ. (بصوتِه) أي: بسببه، وفي نسخةٍ: "لصوتِه" أي: لأجلهِ، وإنَّما استعمل التكبيرة لسلوكِ طريق الأدبِ، والجمعُ بين المصلحتين، وخصَّ التكبيرَ؛ لأَنَّه أصل الدعاءِ إلى الصلاةِ، ولا يشكل الحديث بخبر "إن عيني تنام ولا ينام قلبي" (١)؛ لأن القلبَ إنما يدرك الحسيَّات المتعلقة به، الألم والحدث، لا ما يتعلق بالعين؛ لأنها نائمة والقلب يقظان.
(قال) في نسخة: "فقال". (لا ضير) أي: لا ضرر يقال: ضاره يضيره، ويضوره. (أو لا يضير) الشكُّ من عوف. (ارتحلوا) أمر بالارتحال. (فارتحل) أي: النبيُّ بمن معه، وفي نسخة: "فارتحلوا".
(انفتل) أي: انصرف. (عليك بالصعيد) أي: بالتراب. (فإنه يكفيك) أي: لإباحة الصلاة. (فدعا فلانًا) هو عمران بن حصين. (نسيه عوف) في نسخة: "ونسيه عوف". (ودعا عليًّا) أي: ابن أبي طالب. (فابتغيا) بتاءٍ بعد الموحدة، وفي نسخة: "فابغيا" بحذفها، أي: فاطلبا.
(بين مزادتين) تثنية مزادة، بفتح الميم والزاي، وهي الرواية، سميت بذلك؛ لأنه يزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها، ولهذا قيل: إنها أكبر
стр. 677
من القربة. (أو سطحيتين) تثنية سطحية، وهي بمعني: المزادة، والشك من الراوي.
(عهدي) مبتدأ. (بالماء) متعلقٌ به. (أمس) ظرفٌ له، وهو مبنيٌّ علي الكسر عند الحجازيين، ومعرب غير منصرف؛ للعلمية والعدل عند تميم، فتضم سينه إن جعل خبرًا للمبتدإِ، ويفتح علي الظرفية إن جعل الخبر محذوفًا أي: حاصل، وقيل: الخبر بالماء، و (أمس) ظرف لعامله أي: عهدي ملتبس بالماءِ في أمس. (هلذه الساعة) بدل بعض من كلّ، أي: مثل هذه الساعة، أو ظرف ثانٍ، أي: في مثل هذه الساعة.
(ونفرنا) أي: رجالنا. (خلوف) بضم المعجمة: جمع خالف أي: غائب، أو مستق؛ لأن رجال النساء خرجوا للاستقاء، وخلفوهنَّ، وفي نسخة: "خلوفًا" بالنصب، بكان مقدرة.
(الصابئ) بالمهمز من صبأ: خرج من دين إلى غيره، كما سيأتي، أو بالياء من صبا يصبي، كرمى يرمي، أو من صبا يصبو، كعلا يعلو إذا مال. واقتصر الجوهريُّ علي الثاني، فقال: صبا يصبو أي: مال إلى الجهل والفتوة (١). (تعنين) أي: تريدين. (فانطلقي) أي: معنا إليه. (فجاءا) أي: عليٌّ وعمران. (إلى النبيِّ) في نسخة: "إلى رسول الله". (وحدثاه الحديث) أي: الذي كان بينهما وبينها. (فاستنزلوها عن بعيرها) أي: طلبوا منها النزول عنه، وجمع باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممن يعينهما. (ففرغ) بالتشديد، وفي نسخة: "فأفرغ".
(من أفواه المزادتين) جمع في موضع التثنية (٢) على حدِّ ﴿فَقَدْ
стр. 678
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. (وأوكأ) أي: ربط. (وأطلق الغَزَالي) أي: فتحها، بفتح المهملة والزاي، وكسر اللام، ويجوز فتحها، وفتح الياء جمع عزلاء بإسكان الزاي والمدِّ: وهو فم المزادة الأسفل أي: عروتها التي تخرج منها الماء. (اسقوا) بهمزة وصل: من سقا، وتقصر، أو قطع: من أسقى فتفتح.
(فسقى من سقى) في نسخة: "فسقى من شاء". (واستقى من شاء) فرق بينه وبين سقى، بأنه لنفسه، وسقى لغيره من ماشية وغيرها. (آخر ذلك) بالرفع، أو بالنصب: اسم كان أو خبرها، وما بعده خبرها واسمها. (الذي أصابته الجنابة) هو الذي كان معتزلا. (فأفرغه) بقطع الهمزة. (ما يفعل) ببنائه للمفعول، أو للفاعل. (بمائها) إنما استجازوا أخذ مائها؛ لأنها كانت حربية، وبتقدير أن لها عهدًا، فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره بعوض.
(وايم الله) بوصل الهمزة، والرفع مبتدأ خبره محذوف أي: قسمي، فايم الله قسم، وأصله: ايمن بضمِّ الميم والنون، حذفت نونه؛ لكثرة الاستعمال وليس لنا همزة وصل تفتح غير هذه قاله الجوهريُّ (١).
(أقلع) بضمِّ الهمزة، من الإقلاع عن الشيءِ: وهو الكفُّ عنه. (ملأة) بكسر الميم وفتحها، وسكون اللام بعدها همزة، أي: امتلاء.
(من بين عجوة) في نسخة: "ما بين عجوة". (ودقيقة وسويقة) بفتح أولهما، وفي نسخة: بضمهما، وتشديد الياء مصغرين. (حتَّى جمعوا لها طعامًا) أي: من الثلاثة المذكورة. (فجعلوه) أي: الطعام، وفي نسخة: "فجعلوها" أي: الثلاثة. (وحملوها) أي: المرأة.
стр. 679
(ووضعوا الثوب) أي: بما فيه. (قال لها) في نسخة: "قالوا لها". (تعلمين) بفتح التاءِ، وسكون العين، وتخفيف اللام، من باب علم، وضبطه شيخنا بفتح التاءِ والعين، وتشديد اللام من باب: تعلم بمعنى: اعلم، والمعنى: اعلمي (١).
(ما رزئنا) بفتح الراء وكسر الزاي، وقد تفتح، وبعدها همزة ساكنة أي: ما نقصنا. (من مائك شيئًا) أي: فما أخذناه من الماء فما زاده الله وأوجده بقرينة قوله: (ولكن الله هو الذي أسقانا) بهمزة. وفي نسخة: "سقانا" بدونها.
(قالوا) في نسخة: "فقالوا"، وفي أخرى: "فقالوا لها". (قالت: العجب) أي: حبسني العجب. (إلى هذا الذي) في نسخة: "إلى هذا الرجل الذي". (من بين) من: بيانية، وإلا فكان المناسب في بدل (من) على أن حروف الجر قد تتقارض (٢).
(وقالت) أي: أشارت. (والسبابة) أي: المسبِّحة. (تعني) أي: المرأة بقولها: (هذه وهذه). (السماء والأرض) يريد أنه أسحر الناس
стр. 680
بين السماء والأرض، أو أنه لرسول الله ﷺ حقًّا ترددت في ذلك مع ميلها إلى الإيمان فوفقها الله للإيمان، فآمنت به. (بعد ذلك) في نسخة: "بعد".
(يغيرون) بضمِّ الياء، أكثر من فتحها. (الصرم) بكسر الصاد: أبيات مجتمعة من الناس، وقيل: النفر ينزلون بأهليهم على الماء، والجمع: أصرام وإنما لم يغيروا عليهم وهم كفرة؛ للطمع في إسلامهم بسببها، أو للاستئنافِ، أو لرعاية ذمامها. (ما أرى) بفتح الهمزة، أي: أعلم وبضمها، أي: أظن، وفي نسخة: "ما أدري"، و (ما) بمعنى الذي أي: الذي أعلمه وأعتقده. (أن هؤلاء القوم) بفتح همزة أن، وفي نسخة: بكسرها، بإهمال أرى، ولفظ: (أن) ساقط من نسخة أي: الذي أراهم. (يدعونكم) بفتح الدَّال أي: يتركونكم من الإغارة.
(عمدًا) لإسلامكم لا سهوًا منهم، وغفلة عنكم، وخوفًا منكم. (فهل لكم) ترغيب منها لهم.
(قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (صبا) أي: (خرج من دين إلى غيره وقال أَبو العالية: الصابئين: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور).
أورد البخاريُّ ذلك هنا؛ ليبين به الفرق بين الصابيء المروي في الحديث، والصابي المنسوب لهذه الطائفة. وقوله: (قال أَبو عبد الله ... إلخ) ساقط من نسخة.
وفي الحديث: جواز تأخير القضاءِ للصلاة [الفائتة] (١) بعذر عن موضع تذكرها؛ حيث لا غفلة عنها ولا استهانة بها. وأن نومه ﷺ ، كنوم غيره إلا أنه لا أضغاث فيه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ. والتأدب في
стр. 681
إيقاظ الكبير. وأن عمر أجلدُ المسلمين وأصلبُهم في الدين. وأن من حلَّت به فتنة بموضعٍ يخرج منه ويفرُّ بدينه. ومشروعية الجماعة في صلاة الفائتة. ومراعاة ذمام الكافر. وأن العطشان يُقدَّم على الجنب. وجواز الحلف بدون استحلاف، وغير ذلك.
٧ - بَابٌ: إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ أَو المَوْتَ، أَوْ خَافَ العَطَشَ، تَيَمَّمَ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ: "أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ".
[فتح: ١/ ٤٥٤]
(باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض) أي: أو زيادته. (أو الموت) من استعماله الماء. (أو خاف العطش) لحيوان محترم، ولو في المستقبل. (تيمم) أي: مع وجود الماء، في نسخة: "يتيمم".
(ويذكر) تعليق بصيغة تمريض. (أجنب في ليلة باردة) أي: في غزوة ذات السلاسل. (فتيمم) أي: وصلَّى بأصحابه. (وتلا) في نسخة: "فتلا". (﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾) [النساء: ٢٩] أي: بإلقائها إلى التهلكة. (فذكر للنبيِّ) بالبناءِ للمفعول، وفي نسخة: "بالبناء للفاعل" مع زيادة ذلك، فذكر عمرو "ذلك للنبيِّ". (فلم يعنف) في نسخة: "فلم يعنفه" أي: عَمْرًا.
٣٤٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لَا يُصَلِّي؟ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ: هَكَذَا - يَعْنِي تَيَمَّمَ - وَصَلَّى، قَالَ: قُلْتُ: "فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ " قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ.
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥]
стр. 682
(محمد هو غندر) في نسخة: "محمد" فقط. (عن شعبة) في نسخة: "حدثنا شعبة" وفي أخرى: "أخبرنا شعبة". (عن سليمان) أي: الأعمش.
(إذا لم يجد الماء لا يصلِّي؟) بتحتية في الفعلين، فالضمير للجنب، وفي نسخة: بفوقية فيهما، فالضمير للمخاطب. (قال عبد الله) أي: ابن مسعود، وفي نسخة: "قال عبد الله: نعم" أي: لا يصلِّي. (لو رخصت) أي: أنا. (في هذا) أي: في جواز التيمم للجنب. (يعني: تيمم، وصلَّى) فسر به أَبو موسَى كلام ابن مسعود.
(قال) أي: أَبو موسَى. (قلت) أي: لابن مسعود. (فأين قول عمَّار؟) أي: قوله: (لعمر) ابن الخطاب: "كنَّا في سفر فأجنبتُ فتمعكت ... إلخ". (قال) أي: ابن مسعود (إنِّي) في نسخة: "فإنِّي". (لم أر عمر قَنِعَ بقول عمَّار) وإنما لم يقنع به؛ لأنه كان حاضرًا معه في تلك السفرة، ولم يتذكر القصة فارتاب في ذلك، ولم يقنع بقوله.
٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "كَانَ يَكْفِيكَ" قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ المَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ".
[انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥]
(عن الأعمش) في نسخة: "حدثنا الأعمش". (عن عبد الله) أي: ابن مسعود.
стр. 683
(أرأيت) أي: أخبرني. (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن مسعود.
(إذا أجنب ولم يجد الماء، كيف يصنع؟) في نسخة: "إذا أجنبت فلم تجد الماء، كيف تصنع؟ " ولفظ: (الماء) ساقط من نسخة. (كان يكفيك) أي: مسح الوجه والكفين. (لم يقنع بذلك) أي: "منه" كما في نسخة.
(فدعنا) أي: اتركنا. (من قول عمَّار) أي: واقطع النظر عنه. (كيف تصنع بهذه الآية؟) أي: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] فانتقل في المحاججة من دليل فيه خلاف إلى آخر متفقٍ عليه؛ تعجيلًا لقطع خصمه.
(فما درى) أي: فلم يعرف. (عبد الله ما يقول) أي: في توجيه الآية على وفق فَتْواه. (فما): استفهامية، ولعلَّ المجلس لم يكن مقتضيًا تطويل المناظرة بين عبد الله وأبي موسَى، وإلا فكان لعبد الله أن يقول: أن المراد من الملامسة في الآية: تلاقي البشرتين بلا جماع، وجعل التيمم بدلًا من الوضوء، فلا يدلُّ على جواز التيمم للجنب.
(لأوشك) أي: قرب. (إذا برد) بفتح الراءِ أكثر من ضمها. (فقلت لشقيق) أي: قال الأعمش: فقلت لشقيق. (فإنما كره عبد الله) أي: التيمم للجنب. (لهذا) أي: لأجل احتمال أن يتيمم للبرد.
(قال) أي: شقيق، وفي نسخة: "فقال". (نعم) أي: كرهه لذلك.
وفي الباب: جواز التيمم للخائف من البرد، أو من العطش.
٨ - بَابٌ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ
(باب) بالتنوين، وتركه. (التيمم ضربة) مبتدأ وخبر، والمعنى: أن التيمم يحصلُ بضربة على ما يأتي بيانه.
الكرماني (١).
(في سورة المائدة) قيد بها؛ لأنها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساءِ، لتقدم حكم الوضوء في المائدة؛ ولأنها آخر السور نزولًا.
(الصعيد) في نسخة: "بالصعيد". (قلت) أي: لشقيق، فقول بعضهم: إنه مقول شقيق سهوٌ. (وإنما) في نسخة: "فإنما"، (كرهتم هذا) أي: تيمم الجنب. (لذا) أي: لأجل تيمم صاحب البرد. (فقال) في نسخة: "قال". (في الصعيد) في نسخة: "في التراب".
(كما تمرغ) بالرفع، وأصله: تتمرغ، فحذفت إحدى التائين والكاف؛ للتشبيه. ومحلها مع مجرورها: نصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل قبله، أو نعت لمصدر محذوف، أي: تمرغًا، كتمرغ الدابة. (بكفه) في نسخة: "بكفيه".
(ضربة على الأرض) في غير هذا الطريق: "ضربتان" وهو الأصحُّ المنصوص في مذهب الشافعي. (ثُمَّ نفضها) أي: تخفيفًا للتراب. (ثُمَّ مسح بها) أي: بالضربة. (ظهر كفه) أي: اليمين. (بشماله أو ظهر شماله بكفه) أي: اليمين بالشكِّ في جميع الرويات، نعم هو في رواية أبي داود بغير شكٍّ (٢).
(ثم مسح بهما) أي: بكفيه، وفي نسخة: "بها" أي: بالضربة.
(وجهه) ظاهر ما ذكره: الاكتفاء بضربة واحدة، وتقديم مسح الكف
стр. 686
على الوجه، والاكتفاء بظهر كفٍّ واحدة، وعدم مسح الذراعين، ومسح الوجه بالتراب المستعمل في الكفِّ، وليس كذلك، والجواب عن الأول: أنه معارض رواية: الضربتين، وبأن الضربة لم تكن تيممًا، بل تعليمًا لكيفيته، وعن الثاني: بأن (ثُمَّ) في الحديث ليست للترتيب في الزمان، بل الترتيب في الإخبار (١) الموافق لخبر: "ابدأوا بما بدأ الله به" (٢)، وعن الثالث: بالإجماع على عدم الاكتفاء بذلك، وعن الرابع: بأن التيمم بدل الوضوء، فالأنسب أن يكون مثله في استيعاب العضو، وعن الخامس: بما أجنبا به عن الأول.
(فقال) في نسخة: "قال". (ألم تر" في نسخة: "أفلم تر". (وزاد) في نسخة: "زاد". (إن رسول الله) في نسخة: "إن النبيَّ". (بعثني أنا وأنت) أكد بالأول: أصالة، والثاني: تبعًا، وهما مرفوعان تأكيدًا للضمير المنصوب، وكان الوجه: إياي وإياك؛ لأن الضمائر تتقارض (٣).
(فأتينا رسول الله) في نسخة: "فأتينا النبيَّ". (هكذا) في نسخة: "هذا". (واحدة) أي: مسحة واحدة، أو ضربة واحدة، وتقدم ما فيه مع جوابه آنفًا.
стр. 687
٩ - باب .
٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الخُزَاعِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ، فَقَالَ: "يَا فُلانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ".
[انظر: ٣٤٤ - مسلم: ٦٨٢ - فتح: ١/ ٤٥٧]
(باب) ساقط من نسخة (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عوف) هو الأعرابي.
(يا فلان) كناية عن اسم الرجل، ويحتمل: أنه ﷺ خاطبه باسمه، وكنَّى عنه الراوي؛ لنسيان اسمه أو لغيره. (ما منعك) في نسخة: (ما يمنعك).
(بطست) بفتح الطاء وسكون السين المهملة، وقد تكسر الطاء، وقد تدغم السين في التاء بعد قلبها سينًا، وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى الإناء. (من ذهب) لا يقال فيه جواز استعمال آنية الذهب لنا؛ لأنا نقول هذا الاستعمال فعل الملائكة لا فعلنا، أو كان ذلك قبل تحريم آنية الذهب.
(ممتلئ) نعت لطست. (حكمة وإيمانًا) جعلا مظروفين للطست، وهما معنيان؛ لأن المراد: أن في الطست شيئًا يحصل به كمالهما فسمِّي بهما؛ لكونه سببًا لهما، أو أن ذلك تمثيل للمعقول بالمحسوس كمجيء الموت في هيئة كبش أملح والحكمة، قال النوويُّ (١): هي العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقِّ والعمل به، والصدِّ عن اتباع الهوى والباطل، وقيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وفعل الحكمة حكم [بضم الكاف، أي: صار حكيما، وفعل الحكم حكم بالفتح] (٢) أي: قضى.
(ثُمَّ أطبقه) أي: غطاه وجعله مطبقًا. (فعرج بي) أي: صعد بي، وفي نسخة: "فعرج به" على الالتفات، أو التجريد. قال: (جبريل) في نسخة: "قال: هذا جبريل". (أرسل إليه؟) ليس السؤال عن رسالته؛ لاشتهاره في الملكوت، بل عن الإرسال للعروج به، أو كان للاستعجاب بما أنعم الله عليه، والاستبشار بعروجه، وفي نسخة: "أأرسل" بهمزتين مفتوحة فمضمومة، الأولى: للاستفهام، والثانية:
стр. 693
للتعدية، وفي أخرى: "أو أرسل" بواو مفتوحة بين الهمزتي، عاطفة علي مقدر، أي: أحضر وأرسل إليه. (فلمَّا فتح) أي: الخازن. (فإذا رجلٌ) في نسخة: "إذا رجل". (أسودة) أي: أشخاص، جمع سواد، كأزمنة. (قبل يمينه) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي جهته. (مرحبًا) مفعولٌ مطلقٌ، أي: أصبت رحبا لا ضيقًا، وهي كلمة تقال عند تأنيس القادم. (بالنبيِّ الصالح) وصف هنا وفيما يأتي بالصلاح؛ لعمومه لكلِّ وصف حميد، إذ الصالح: هو القائم بحقوق الله، وحقوق العباد.
(نسم بنيه) بفتح النون والمهملة، جمع نسمة: وهي نفسُ الإنسان، أي: أرواح بني آدم، واستشكل هذا بما جاء أن أرواح الكفار في سجين، وقيل: في الأرض السابعة، وأرواح المؤمنين في الجنة فوق السماء السابعة، فكيف تجتمع في السماء؟ وأجيب: باحتمال أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق وقت عرضها مرور النبيِّ ﷺ ، قيل: السماء لا تفتح لأرواح الكفار، كما هو نصُّ القرآن، وأجيب: باحتمال أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكان يكشف له عنهما. (حتَّى عرج بي) في نسخة: "حتَّى عرج به". (قال أنس) في نسخة: "فقال أنس". (ولم يثبت كيف منازلهم) أي: لم يعين أَبو ذر لكلِّ نبيٍّ سماءً، (غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة) نعم عيَّن غيره لكل سماء، ففي "الصحيحين" حديث أنس بن مالك: أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسَى، وفي السابعة: إبراهيم (١).
стр. 694
(قال أنس) ظاهره: أن أنسًا لم يسمع من أبي ذرٍّ ما ذكره بقوله: (فلما مرَّ جبريل بالنبيِّ .. إلخ) والباء في بالنبيِّ للمصاحبة، وفي (بإدريس) للإلصاق، وكلٌّ منهما متعلِّقٌ بمرَّ. (والأخ) عبَّر به إدريس تلطفًا وتواضعًا؛ إذ الأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة، وإنما لم يقل: والابن، كما قال آدم؛ لأنه لم يكن من آبائه ﷺ ، وقضيته: أن ذلك يأتي في نظائره الآتية.
(قال: هذا إدريس) في نسخة: "فقال: هذا إدريس". (ثُمَّ مررت بعيسى) ثُمَّ فيه للترتيب الإخباريِّ لا للترتيب الزمانيِّ (١)؛ لاتفاق الروايات على أنَّ المرور بعيسى كان قبل المرور بموسى. (ثمَّ: مررت إبراهيم) تقدم أنه وجده في السادسة، وجمع بينهما بأنه لعله وجده في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم إلى السابعة؛ تعظيمًا للنبيِّ ﷺ ، ليراه في مكانين، وإن كان الإسراء مرتين، فلا إشكال فيه.
(وأبا حبَّةَ) بفتح المهملة، وتشديد الموحدة، وقيل: بتشديد التحتَّيِة، وقيل: بتشديد النون، واسمه: عامر، أو عمرو، أو ثابت، أو مالك. (عرج بي) بالبناءِ للفاعل، وبالبناءِ للمفعولِ. (حتَّى ظهرتُ) أي: علوت. (لمستوى) بفتح الواو، أي: لمصعد: وهو مكان يصعد إليه، أو لمكان مستوي فلامه للعلةِ، أي: علوت لاستعلاء مستوي، وقيل: بمعنى إلى (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: من الآية ٥]
стр. 695
أي: إليها وفي نسخة: "بمستوى" بموحدة بدل اللام. (صريف الأقلام) بفتح المهملة، أي: تصويتها، حال كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى مما تنسخه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن تكتب لما أراده تعالى من أمره وتدبيره.
(قال ابن حزم .. إلخ) قال الكرمانيُّ: الظاهر: أنه مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاريِّ، وليس بين أنس وبين رسول الله ذكر [أبي ذرٍّ، ولا بين ابن حزم ورسول الله ذكر] (١) ابن عباس وأبي حبة، فهو إما مرسل، وإما تركت الواسطة؛ اعتمادًا على ما تقدم آنفًا (٢)، واسم ابن حزم: أَبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريُّ.
(ففرض الله على أُمَّتي) في نسخة: "ففرض الله على أمتي". (خمسين صلاة) أي: في كلِّ يوم وليلة. (قال: فارجع إلى ربِّك) أي: إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك، قيل: ما وجه اعتناء موسى ﵇ بهذه الأمة من بين سائر الأنبياء المذكورين في الحديث؟ وأجيب: بأنه لما قال: يا رب اجعلني من أمة محمد ﷺ ، لما رأى من كرامتهم على ربهم اعتنى بهم، كما يعتني بالقوم من هو منهم. (ذلك) ساقط من نسخة.
(فراجعني) في نسخة: "فراجحت". (فوضع شطرها) في رواية: "فوضع عنِّي عشرًا" (٣) وفي أخرى عن ثابت: "فحطَّ عني خمسًا" (٤) وزاد فيها أن التخفيف كان خمسًا خمسًا. قال شيخنا وهي: زيادة معتمدة
стр. 696
يتعين حملُ ما في الروايات عليها (١)، أي: أن يقال، كما قال بعضهم، أراد بالشطر: البعض، وبالعشر: وقوعها في دفعتين. (قلت: وضع) في نسخة: "فقلت: وضع". (فقال) في نسخة: "قال". (راجع) في نسخة: "ارجع". (لا تطيق) أي: ذلك. (فرجعت فوضع) في نسخة: "فرجعت فراجعت فوضع). (فقال: هي خمسٌ) أي: بحسب الفعل. (وهي خمسون) أي: بحسب الثواب. قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: من الآية ١٦٠] وفي نسخة: "هُنَّ خمسٌ، وهُنَّ خمسون".
(لا يُبَدَّلُ القولُ لديَّ) أي: لا يبدل القول بمساواة ثوابِ الخمسِ ثوابَ الخمسين، أو لا يبدل القضاء المبرم لا المعلق، الذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت منه ما يشاء، وأما مراجعة الرسولين ربهما في ذلك؛ فللعلم بأن الأمر ليس علي وجه القطع والإبرام، أو أنهما طلبا ترحُّمَه علي عباده بنسخها. (فقال: راجع ربك) في نسخة: "فقال: ارجع إلى ربِّك". (فقلتُ: استحييتُ" في نسخة: "قلت: استحييتُ"، وفي أخرى: "فقلتُ: قد استحييتُ"، ووجه استحيائه: بأنه لو سأل التخفيف بعد الخمس لكان كأنه سأل رفع الخمس بعينها، لا سيما وقد سمع قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: من الآية ٢٩].
وفي الحديث: جوازُ النسخ قبل الفعل، خلافًا للمعتزلة، ولا يشكل بأن النسخ إنما يكون بعد التبليغ، وهنا قبله؛ لأنه هنا بعده بالنسبة إلى النبي ﷺ ؛ لأنه كُلِّفَ بذلك قطعًا ثُمَّ نسخ بعد أن بلَّغه.
(ثُمَّ انطلق بي) بفتح الطاءِ، ولفظُ: (بي) ساقطة من نسخة. (إلى
стр. 697
سدرة المنتهى) هي أعلى السماوات، وفي مسلم (١): أنها في السادسة، ويحتمل أن أصلها فيها ومعظمها في السابعة، وسميت سدرة المنتهى؛ لأنَّ علمَ الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحدٌ إلا رسول الله ﷺ ، أو أنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها، وما يصعد من تحتها، أو تنتهي إليها أرواح الشهداء، أو أرواح المؤمنين، فتصلي عليهم الملائكة المقربون.
(لا أدري ما هي) هو مثل: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] في الإبهام؛ للتفخيم والتهويل، وإن كان معلومًا. (حبايل) بمهملة فموحدة فتحتية بعد الألف فلام كذا في جميع الروايات هنا: جمع حبالة، أي: عقود اللؤلؤ، أو قلائده، وذكر الخطابيُّ (٢) وغيره: أنه تصحيف، وإنما هو، كما في البخاريِّ في أحاديث الأنبياء (٣) "جنابذ" بجيم فنون بموحدة بعد الألف فذال معجمة: جمع جنبذ، بضمِّ أوله وثالثه: وهو ما ارتفع من الشيء واستدار، كالقبة، والعامَّة بفتح الباء.
وفي الحديث: أن أرواح المؤمنين يُصعد بها إلى السماء. وأن أعمال بني آدم الصالحة تسرُّ آدم، والسيئة تسوءُه. والرحب عند اللقاء، وذكر أقرب القرابة؛ لتمام الترحيب. وأن أوامر الله تعالى تكتب بأقلام كثيرة. وأن ما كتبه الله تعالى وأحكمه من آثار معلومة لا يتبدَّل. وجواز النسخ قبل الفعل، كما مرَّ بيانه. والاستشفاع والمراجعة فيه. والحياء من
стр. 698
تكثير الحوائج خشية الضعف عن القيام بشكرها. وأن الجنة في السماء. والاستئذان وقول المستأذن: فلان ولا يقول: أنا؛ تأدبًا ولأنه مبهم. وأن للسماءِ أبوابًا حقيقية تفتح وتغلق، وأن لها حفظَةً. وأنه ﷺ من نسل إبراهيم، ومدح الإنسان في وجهه عند الأمن من الإعجاب ونحوه. وشفقة الوالد على ولده، وسروره بحسن حاله وضد ذلك. وعدم وجوب صلاة الوتر؛ لزيادتها علي الخمس. وأن الجنة والنار مخلوقتان. وأن الإسراء والمعراج واحدٌ؛ لأنه قال: كيف فرضت الصلاة في الإسراء. ثم أورد الحديث وفيه: (ثُمَّ عرج بي إلى السماء) لكن ظاهر كلامه في أحاديث الأنبياء ﵈: أنهما غيران فإنه ترجم للإسراء ترجمة وذكر لها حديثًا، ثُمَّ ترجم للمعراج ترجمة وذكر لها حديثًا.
٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاةِ الحَضَرِ".
[١٠٩٠، ٣٩٣٥ - مسلم: ٦٨٥ - فتح: ١/ ٤٦٤]
(فرض الله) أي: قدر. (الصلاة) أي: الرباعية؛ لأن الثلاثية وتر صلاة النهار. (ركعتين ركعتين) بالنصب علي الحال، وتكريره؛ لإفادة عموم التنبيه؛ إذ لولاه لاحتمل أن المراد ركعتان فقط في السفر والحضر. (فأقرت صلاة السفر) أي: علي الركعتين. وقضيته: أنه لا يجوز الإتمام فيه، كما يقوله الحنفية، وجوابه: أنه مذهب لعائشة قالته عن اجتهاد، وهو معارَضٌ بفعلها حيث أتمت في السفر، وبإفتائها بالإتمام فيه فقوله: (فأقرت صلاة السفر) معناه: لمن أراد الاقتصار عليها جمعًا بين الأخبار.
стр. 699
٢ - بَابُ وُجُوبِ الصَّلاةِ فِي الثِّيَابِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ " وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ" وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى "وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".
[فتح: ١/ ٤٦٥]
(باب: وجوب الصلاة في الثياب) أي: في ساتر العورة، وذكره بلفظ الجمع نحو قولهم: فلان يركب الخيول.
(وقول الله) بالجرِّ: عطفٌ على (وجوب الصلاة). ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أراد بالزينة: ما يستر العورة، وبالمسجد: الصلاة؛ مجازًا في الأول من إطلاق اسم الحال علي المحلِّ، وفي الثاني من إطلاق اسم المحلِّ على الحال. (ومن صلَّى .. إلخ) عطف على وجوب الصلاة أيضًا. (ويذكر عن سلمة بن الأكوع) علَّقه بصيغة التمريض؛ ولذا قال بعد: (وفي إسناده نظرٌ) ووجه النظر من جهة موسَى بن إبراهيم الواقع في إسناده، وهو منكر الحديث (١).
стр. 700
(ومن صلَّى .. إلخ) عطفٌ على وجوب الصلاة أيضًا، ومعناه: أن صلاة من صلَّى في الثوب الذي جامع فيه صحيحة. (ما لم ير فيه أذى) أي نجسًا، ولفظ: (ما لم ير فيه أذى) ساقط من نسخة. (وأمر .. إلخ) إن احتج به على اشتراط ستر العورة في الصلاة؛ لأنه إذا كان شرطًا في الطوافِ الذي هو شبهها، فاشتراطه فيها أولَى؛ لأن الطوافَ بالبيت صلاة.
٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا.
[انظر: ٣٢٤ - مسلم ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٦٦]
(عن محمد) أي: ابن سيرين. (أن نخرج) بضمِّ النون وكسر الراء. (الخدور) أي: الستور، وتقدم تفسير الحديث. (مصلاهُنَّ) في نسخة: "مصلاهم". (لتلبسها صاحبتها من جلبابها) يحتمل أن تصيرا في جلباب واحد وأن تعيرها جلبابًا علي حدتها، كما مرَّ في كتاب
стр. 701
الحيض (١).
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه إذا طلب اللبس للخروج لجماعة المسلمين، فللصلاة أولَى، ثم ستر العورة واجب مطلقًا في الصلاة وغيرها، وهو مذهب الشافعي، وقيل في الصلاة فقط، ونقل عن أبي حنيفة.
(عمران) أي: ابن داور، بفتح الواو.
٣ - بَابُ عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلاةِ
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: "صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ".
(باب: عقد الإزار على القفا في الصلاة) القفا بالقصر مؤخر العنق، يذكر ويؤنث وجمعه: قُفِيّ، كعُصي، وأقفاء. كأرجاء، وأقف وقفى وقفاء، وجاء: أقفية على غير قياس.
(وقال أَبو حازم) بالمهملة والزاي: سلمة بن دينار. (عن سهل) أي: الساعدي. (أزرهم) بضمِّ الهمزة والزاي: جمع إزار، يذكر ويؤنث، ويجمع في القِلّة على أَأْزِرَة، كأخمرة. (عواتقهم) جمع عاتق: وهو موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث.
٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: "صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى المِشْجَبِ"، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟، فَقَالَ: "إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ".
[٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠ - مسلم ٣٠٠٨ - فتح: ١/ ٤٦٧]
стр. 702
(أحمد بن يونس) نسبة إلى جَدِّة، وإلا فهو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله.
(من قبل قفاه) أي: من جهته. (علي المشجب) بكسر الميم وسكون المعجمة فجيم فموحدة: عيدان تضم رءُوسها، ويفرج بين قوائمها، يوضع عليها الثياب، والأسقية؛ لتبرد الماء، وهو من تشاجب الأمر: اختلط وتداخل. (ذلك) في نسخة: "هذا".
(أحمق) أي: جاهل. (مثلك) صفة له، وإضافته لا تفيده تعريفًا؛ لتوغله في الإبهام، إلا إذا أضيف لما اشتهر بمماثلته، وهنا ليس كذلك. والمراد بجعله إراءة الأحمق غرضًا لفعله: بيان جواز ذلك الفعل، فكأنه قال ذلك، صنعت ذلك؛ ليراني الأحمقُ، فينكر عليَّ بجهله، فأظهر له جوازه وإنما أغلظ عليه بنسبته إلى الحماقة؛ لإنكاره على فعله بقوله: (تصلِّي في إزارٍ واحد) لأن همزة الإنكار فيه مقدرة (١). (وأينا) استفهام يفيد النفي، وقصده: بيان إسناد فعله إلى ما تقرر في عهده ﷺ .
٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ".
[انظر: ٣٥٢ - مسلم: ٥١٨ - فتح: ١/ ٤٦٨]
(مطرف) بتشديد الراءِ المكسورة: هو ابن عبد الله. (الموالي) في نسخة: "الموال" بحذف الياءِ.
(رأيت جابر بن عبد الله .. إلخ) هذه طريقة أخرى لحديث جابر ﵁، وفيها الرفع إلى فعل النبيِّ ﷺ ، وهي أصرح في الرفع من التي قبلها، وبهذا علم وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة.
стр. 703
وفيه: الأخذ بالأيسر مع القدرة على الأكثر؛ توسعة على العامة؛ ليقتدي به. وأن للعالم أن يصف بالحمق من جَهِلَ دِيْنَه، وأنكر عى العلماء ما غاب عنه علمه من السُّنة.
٤ - بَابُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ: "فِي حَدِيثِهِ المُلْتَحِفُ المُتَوَشِّحُ: وَهُوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهُوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ " قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: "التَحَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَوْبٍ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ".
(باب: الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به) أي: متغطيًا به.
(في حديثه) أي: الذي رواه في باب: السير (المتوشح) من التوشح، وهو نوع من الاشتمال، قال ابن السكيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثمَّ يعقد طرفيهما على صدره. (بين طرفيه) أي: الثوب. (على عاتقيه) أي: الملتحف. (أمُّ هانئ) اسمها: فاختة بنت أبي طالب.
٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ".
[٣٥٥، ٣٥٦ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٨]
٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ "رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ".
[انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩]
стр. 704
(عمر بن أبي سلمة) اسم أبي سلمة: عبد الله المخزومي.
٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ".
[انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩]
(أَبو أسامة) اسمه: حمَّاد بن أسامة.
(في بيت أم سلمة) متعلقٌ بيصلِّي، أو بمشتمل، أو بهما.
٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ"، فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى.
[انظر: ٢٨٠ - مسلم ٣٣٦ - فتح: ١/ ٤٦٩]
(مرحبًا) أي: لقيت رحبًا وسعة. (يا أمَّ هانئ) بالنداءِ، وربما حذفت همزته تخفيفًا وفي نسخة: "بأمِّ هانئٍ" بباء الجرِّ. (ثمان ركعات) بفتح النون، وفي نسخة: "ثماني" بالياء المفتوحة مع كسر النون، وهو منسوب إلى الثمن؛ لأنه الجزء الذي صيَّر السبعة ثمانية، ثُمَّ فتحوا أوله؛ لأنهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسب، وعوضوا منه الألف، فثبتت ياؤه عند الإضافة، كما ثبتت ياء القاضي. (فلما انصرف) أي: من الصلاة. (زعم) أي: ادعى أو قال: (ابن أمي)
стр. 705
تعني: عليًّا ﵁ وفي نسخة: "ابن أبي"، ولا تفاوت في المراد؛ لأنها أخت عليٍّ من الأب والأم. (قاتل) اسم فاعل من قتل. (قد أجرته) بالقصر، أي: آمنته، وهو مأخوذ من الجور، فهمزته للسلب أو من الجوار بمعنى: المجاورة. (فلان) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب بدلٌ من (رجلًا) أو من الضمير المنصوب (هبيرة) بالتصغير: ابن عمر المخزوميُّ، ولدت منه أمُّ هانئ قبل إسلامها أولادًا منهم: هانئ، الذي كنيت به، وابنه المذكور هنا يحتمل أنه من أمِّ هانئ، وأنه من غيرها، ونسي الراوي اسمه، فذكره بلفظ: فلان، وسماه الزبير بن بكار، فقال: إنه الحارث بن هشام المخزومي.
(قد أجرنا من أجرت) فيه: أن لكلٍّ من المسلمين ولو امرأة أن يؤمِّن كافرًا، كما هو مبين في كتب الفقه. وستر الرجال بالنساءِ المحارم، ومثلهن الزوجات والمملوكات. وجواز السلام من وراء حجاب. ٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ".
[٣٦٥ - مسلم: ٥١٥ - فتح: ١/ ٤٧٠]
(أَوَ لكلكم) بهمزة الاستفهام الإنكاري، وبواو العطف على مقدر أي: أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر [والكلكم) ومعناه: لا سؤال عن مثل هذا الظاهر] (١) ولا ثوبين لكلكم، فلفظه استخبار، ومعناه إخبار.