Полный текст (619 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أراد: لا براح لي، فترك تكرير (لا) ورفع الاسم بعدها دليل على إلحاقها بـ (ليس).
وقد تزاد التاء مع (لا) لتأنيث اللفظ، والمبالغة في معناه، فتعمل العمل المذكور في أسماء الأحيان، لا غير، نحو: (حين وساعة وأوان).
والأعرف حينئذ حذف الاسم، كقوله تعالى: (ولات حين مناص) [ص/ ٣] المعنى: ليس هذا الحين حين مناص، أي: فرار.
وأما الساعة والأوان، قال الشاعر: [من الكامل]
١١٧ - ندم البغاة ولات ساعة مندمٍ ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
وقال الآخر: [من الخفيف]
١١٨ - طلبوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
أراد: ولات أوان صلح، فقطع (أوان) عن الإضافة في اللفظ، فبناها، وآثر بناءها على الكسر، تشبيهًا بـ (نزال)، ونونها للضرورة.
стр. 107
وقد يحذفون خبر (لات) ويبقون اسمها كقراءة بعضهم: (ولات حين مناص) [ص /٣]. ولم يثبتوا بعدها الاسم والخبر جميعًا.
وقد ندر إجراء (إن) النافية مجرى (ليس) في قراءة سعيد بن جبير: (إن الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم) [الأعراف / ١٩٤].
وكقول الشاعر: [من المنسرح]
١١٩ - إن هو مستوليًا على أحدٍ ... إلا على أضعف المجانين
стр. 108
أفعال المقاربة
١٦٤ - ككان كاد وعسى لكن ندر ... غير مضارعٍ لهذين خبر
١٦٥ - وكونه بدون أن بعد عسى ... نزر وكاد الأمر فيه عكسا
١٦٦ - وكعسى حرى ولكن جعلا ... خبرها حتمًا بأن متصلا
١٦٧ - وألزموا اخلولق أن مثل حرى ... وبعد أوشك انتفا أن نزرا [٥٩] //
١٦٨ - ومثل كاد في الأصح كربا ... وترك أن مع ذي الشروع وجبا
١٦٩ - كأنشأ السائق يحدو وطفق ... كذا جعلت وأخذت وعلق
أفعال المقاربة على ثلاثة أضرب: لأن منها ما يدل على رجاء الفعل، وهو (عسى وحرى واخلولق). ومنها ما يدل على مقاربته في الإمكان، وهو (كاد وكرب وأوشك). ومنها ما يدل على الشروع فيه، وهو (أنشأ وطفق وجعل وأخذ وعلق).
وكل هذه الأفعال مستوية في اللحاق بـ (كان) في رفع الاسم، ونصب الخبر، لأنها مثل (كان) في الدخول على مبتدأ، وخبر في الأصل، لكن التزم في هذا الباب كون الخبر فعلا مضارعًا إلا فيما ندر، مما جاء مفردًا، كقول الراجز: [من الرجز]
١٢٠ - أكترث في العذل ملحًا دائما ... لا تكثرن إني عسيت صائما
стр. 109
وقول الآخر: [من الطويل]
١٢١ - فأبت إلى فهمٍ وما كدت أيبًا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
أو جملة اسمية كقوله: [من الوافر]
١٢٢ - وقد جعلت قلوص بني زيادٍ ... من الأكوار مرتعها قريب
أو فعلا ماضيًا، كقول ابن عباس ﵁: (فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا). فهذا ونحوه نادر.
والمطرد كون الخبر فعلا مضارعًا مقرونًا بـ (أن) المصدرية، أو مجردًا منها. فيقرن بـ (أن) بعد أفعال الرجاء، نحو: (عسى الله أن يتوب عليهم) [التوبة /١٠٢]، وحرى زيد أن يقوم، واخلولقت السماء أن تمطر.
وربما تجرد منها بعد (عسى)، كقول الشاعر: [من الوافر]
١٢٣ - عسى الهم الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
стр. 110
فإن قلت: كيف جاز اقتران الخبر هاهنا بـ (أن) المصدرية مع أنه يلزم منه الإخبار عن اسم العين المصدر؟.
قلت: يجوز مثل ذلك على المبالغة، أو حذف المضاف، كأنه قيل: عسى أمر زيدٍ أن يقوم.
والأولى: جعل (أن) بصلتها مفعولا به على إسقاط الجار، والفعل قبلها تام.
قال سيبويه: (تقول: عسيت أن تفعل كذا، فأن هاهنا بمنزلتها في [قولك]: قاربت أن تفعل، [أي قاربت ذاك،] وبمنزلة: دنوت أن تفعل. واخلولقت السماء أن تمطر. [أي لأن تمطر، و (عسيت) بمنزلة (اخلولقت السماء)]. فهذا نص منه على أن (أن) تفعل بعد عسى ليس خبرًا.
والحق أن أفعال المقاربة ملحقة بـ (كان) إذا لم يقترن الفعل بعدها بـ (أن) أما إذا اقترن بها فلا.
وأما أفعال المقاربة في الإمكان فيجوز في الفعل الذي بعدها اقترانه بـ (أن)، وتجرده منها، إلا أن الأعرف تجرده بعد (كاد وكرب) نحو: (كادوا يكونون عليه لبدًا).
[٦٠] [الجن /١٩] // وقال الشاعر: [من الخفيف]
١٢٤ - كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة هند غضوب
وقد يقترن بـ (أن) بعدها، كقول عمر ﵁: (ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب).
ومثله قول الشاعر: [من الطويل]
١٢٥ - أبيتم قبول السلم منا فكدتم ... لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل
стр. 111
وقول الآخر في كرب: [من الطويل]
١٢٦ - سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطعا
ومثله: [من الرجز]
١٢٧ - قد برت أو كربت أن تبورا ... لما رأيت بيهسا مثبورا
ولم يذكر سيبويه في كرب إلا تجريد خبرها من (أن) فلذلك قال الشيخ:
ومثل كاد في الأصح كربا ... ..
وأما أوشك فالأمر فيها على العكس من (كاد)، قال الشاعر: [من الطويل]
١٢٨ - ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
وقد يقال: أوشك زيد يفعل. والوجه: أوشك زيد أن يفعل.
وأما أفعال الشروع فلا يقترن الخبر بعدها بـ (أن) لأنها للإنشاء، فخبرها حال، فلا يجوز أن تصحبه (أن)، لأنها لا تدخل على المضارع إلا مستقبلا، تقول: أنشأ السائق يحدو، وطفق زيد يعدو، وجعلت أفعل، وأخذت أكتب، وعلقت أنشئ؛ بتجريد الخبر من (أن) لا غير.
١٧٠ - واستعملوا مضارعًا لأوشكا ... وكاد لا غير وزادوا موشكا
جميع أفعال المقاربة لا تتصرف، ولا يستعمل منها غير مثال الماضي إلا (كاد وأوشك).
стр. 112
أما كاد فجاؤوا لها بمضارع لا غير، نحو: (يكاد زيتها يضيء) [النور /٣٥]. وأما أوشك فجاؤوا لها بمضارع، نحو قول الشاعر: [من المنسرح]
١٢٩ - يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
وهو فيها أعرف من مثال الماضي.
وربما جاؤوا لها باسم فاعل، كقول الشاعر: [من المتقارب]
١٣٠ - فموشكة أرضنا أن تعود ... خلاف الأنيس وحوشًا يبابا
١٧١ - بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد ... غنى بأن يفعل عن ثانٍ فقد
١٧٢ - وجردن عسى أو ارفع مضمرا ... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
يجوز إسناد (عسى، واخلولق، وأوشك) إلى (أن يفعل)، فيستغنى به عن [٦١] الخبر، تقول: عسى أن // تقوم، وأوشك أن تذهب، كأنك قلت: دنا قيامك، وقرب ذهابك. قال الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم) [البقرة /٢١٦].
وإذا بنيت هذه الأفعال الثلاثة على اسم قبلها جاز إسنادها إلى ضميره، وجعل (أن يفعل) بعدها خبرًا، وجاز إسنادها إلى (أن يفعل) مكتفى به.
стр. 113
ويظهر أثر ذلك في التأنيث، والتثنية، والجمع، تقول: هند عست أن تقوم، والزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا، وأوشكوا أن يفعلوا. فهذا على الإسناد إلى ضمير المبتدأ.
وتقول: هند عسى أن تقوم، والزيدان عسى أن يفعلا، والزيدون أوشك أن يفعلوا. فهذا على الإسناد إلى (أن) بصلتها وهكذا إذا كان بعد (أن يفعل) اسم ظاهر، فإنه يجوز كونه اسم (عسى) على التقديم والتأخير، وكونه فاعل الفعل بعد (أن).
تقول على الأول: عسى أن يقوما أخواك، واخلولق أن يذهبوا قومك، وعلى الثاني: عسى أن يقوم أخواك، واخلولق أن يذهب قومك، تفرغ الفعل بعد (أن) من الضمير، لأنك أسندته إلى الظاهر.
١٧٣ - والفتح والكسر أجز في السين ... نحو عسيت وانتقا الفتح زكن
إذا اتصل بـ (عسى) تاء الضمير، أو نوناه، نحو: عسيت أن تفعل، وعسينا أن نفعل، والهندات عسين أن يقمن جاز في السين الكسر إتباعًا للياء، وبه قرأ نافع قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم) [محمد /٢٢].
والفتح هو الأصل، وعليه أكثر القراء.
ولذلك قال:
... وانتقا الفتح زكن
أي: واختيار الفتح قد علم.
стр. 114
إن وأخواتها
١٧٤ - لإن أن ليت لكن لعل ... كأن عكس ما لكان من عمل
١٧٥ - كإن زيدًا عالم بأني ... كفء ولكن ابنه ذو ضفن
١٧٦ - وراع ذا الترتيب إلا في الذي ... كليت فيها أو هنا غير البذي
من الحروف ما استحق أن يجري في العمل مجرى (كان) وهي: إن وأن وليت ولكن ولعل وكأن.
فإن: لتوكيد الحكم، ونفي الشك فيه، أو الإنكار له، وأن مثلها، إلا في كونها، وما بعدها في تأويل المصدر.
و (ليت) للتمني، وهو: طلب ما لا طمع في وقوعه، كقولك: ليت زيدًا حي، وليت الشباب يعود.
و (لكن) للاستدراك، وهو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم عدم ثبوته أو نفيه، كقولك: ما زيد شجاعًا ولكنه كريم، فإنك لما نفيت الشجاعة عنه أوهم ذلك نفي الكرم، لأنهما كالمتضايفين، فلما أردت رفع هذا الإيهام؛ عقبت الكلام بـ (لكن) مع [٦٢] // مصحوبها
و (لعل) للترجي والطمع، وقد ترد إشفاقًا، كقوله تعالى: (فعلك باخع نفسك على آثارهم) [الكهف /٦].
و (كأن) للتشبيه، وعند النحويين أن قولك كأن زيدًا أسد، أصله: إن زيدًا كالأسد، ثم قدمت الكاف ففتحت الهمزة من (أن) فصارا حرفًا واحدًا يفيد التشبيه، والتوكيد.
стр. 115
وهذه الحروف شبيهة بـ (كان) لما فيها من سكون الحشو، وفتح الآخر، ولزوم المبتدأ والخبر، فعملت عكس عمل (كان) ليكون المعمولان معها كمفعول وقدم، وفاعل أخر، فتبين فرعيتها، فلذلك نصبت الاسم، ورفعت الخبر، نحو: إن زيدًا علام بأني كفء، ولكن ابنه ذو ضغن، أي: حقد، ونحو: ليت عبد الله مقيم، ولعل أخاك راحل، وكأن أباك أسد.
ولا يجوز في هذا الباب تقديم الخبر، إلا إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، نحو: إن عندك زيد، وإن في الدار عمرًا، وقال الله تعالى: (إن في ذلك لعبرةً) [آل عمران /١٣] و (إن لدينا أنكالا) [المزمل /١٢].
ومثل لصورتي تقديم الخبر في هذا الباب بقوله:
... ليت فيها أو هنا غير البذي
أي: الوقح.
١٧٧ - وهمز إن افتح لسد مصدر ... مسدها وفي سوى ذاك اكسر
(إن) المكسورة هي الأصل، فإذا عرض لها أن تكون هي، ومعمولها في معنى تأويل المصدر، بحيث يصح تقديره مكانهما فتحت همزتها للفرق، نحو: بلغني أن زيدًا فاضل، تقديره: بلغني الفضل.
وكل موضع هو للمصدر فإن فيه مفتوحة، وكل موضع هو للجملة فإن فيه مكسورة.
ومن المواضع ما يصح فيه الاعتباران، فيجوز فيه الفتح، والكسر على معنيين، كما سنقف عليه، إن شاء الله تعالى.
وقد نبه على مواضع الكسر بقوله:
١٧٨ - فاكسر في الابتدا وفي بدء صله ... وحيث إن ليمين مكمله
١٧٩ - أو حكيت بالقول أو حلت محل ... حال كزرته وإني ذو أمل
١٨٠ - وكسروا من بعد فعل علقا ... باللام كاعلم إنه لذو تقى
المواضع التي يجب فيها كسر (إن) ستة:
стр. 116
الأول: أن يبتدأ بها الكلام مستقلا، نحو قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر /١] ونحو: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [يونس /٦٢]، أو مبنيا على ما قبله، نحو: زيد إنه منطلق.
قال الشاعر: [من البسيط]
١٣١ - منا الأناة وبعض القوم يحسبنا ... إنا بطاء وفي إبطائنا سرع
الثاني: أن تكون أول صلة، كقولك: جاء الذي إنه شجاع، ونحو قوله تعالى: (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة) [القصص /٧٦].
[٦٣] واحترز بكونها أول الصلة من نحو: جاء الذي // عندك أنه فاضل، ومن نحو قولهم: لا أفعله ما أن في السماء نجمًا لأن تقديره ما ثبت أن في السماء نجمًا.
الثالث: أن يتلقى بها القسم، نحو قوله تعالى: (حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ) [الدخان ١ - ٢ - ٣].
الرابع: أن يحكى بها القول المجرد من معنى الظن، نحو قوله تعالى: (قال إني عبد الله) [مريم /٣٠].
وقوله:
أو حكيت بالقول ... . ... .
معناه: حكيت ومعها القول، لأن الجملة إذا حكي بها القول فقد حكيت هي بنفسها مع مصاحبة القول.
واحترزت (بالمجرد من معنى الظن) من نحو: أتقول أنك فاضل.
الخامس: أن تحل محل الحال، نحو: زرت زيدًا، وإني ذو أمل، كأنك قلت: زرته آملا، ومثله قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون) [الأنفال /٥].
стр. 117
فكسر (إن) في هذه المواضع كلها واجب، لأنها مواضع الجمل، ولا يصح فيها وقوع المصدر.
السادس: أن تقع بعد فعل معلق باللام، نحو: علمت إنه لذو تقى. فلولا اللام لكانت (إن) مفتوحة، لتكون هي، وما عملت فيه مصدرًا منصوبًا بعلمت. فلما دخلت اللام وهي معلقة للفعل عن العمل بقي ما بعد الفعل معها منقطعًا في اللفظ عما قبله فأعطى حكم ابتداء الكلام، فوجب كسر (إن) كما في قوله تعالى: (والله يعلم إنك لرسوله) [المنافقون /١]. ومثله بيت الكتاب: [من الطويل]
١٣٢ - ألم تر إني وابن أسود ليلةً ... لنسري إلى نارين يعلو سناهما
١٨١ - بعد إذا فجاءةٍ أو قسم ... لا لام بعده بوجهين نمي
١٨٢ - مع تلو فا الجزا وذا يطرد ... في نحو خير القول إني أحمد
يجوز فتح (إن) وكسرها في مواضع:
منها: أن تقع بعد (إذا) الفجائية، نحو: خرجت فإذا أن زيدًا واقف: والكسر هو الأصل، لأن إذا الفجائية مختصة بالجمل الابتدائية، (فإن) بعدها واقعة في موقع الجملة، فحقها الكسر. ومنهم من يفتحها بجعلها وما بعدها مبتدأ محذوف الخبر.
قال الشاعر: [من الطويل]
١٣٣ - وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدًا ... إذا أنه عبد القفا واللهازم
стр. 118
يروى: (إذا إنه): على معنى: فإذا هو عبد القفا، و (إذا أنه)، على معنى: فإذا العبودية موجودة.
ومنها: أن تقع بعد قسم، وليس مع أحد معموليها اللام، كقولك: حلفت إنك ذاهب؛ بالكسر؛ على جعلها جوابًا للقسم، وبالفتح على جعلها مفعولا بإسقاط الخافض، والكسر هو الوجه، ولا يجيز البصريون غيره.
وأما الفتح فذكر ابن كيسان أن الكوفيين يجيزونه بعد القسم على جعله مفعولا [٦٤] بإسقاط الجار، وأنشدوا: // [من الرجز]
١٣٤ - لتقعدن مقعد القصى ... مني ذي القاذورة المقلي
أو تحلفي بربك العلي ... أني أبو ذيالك الصبي
بكسر (إن) على الجواب، وبفتحها على معنى: أو تحلفي على أني أبو الصبي.
ولو كان مع أحد معمولي (إن) بعد القسم اللام، كما في نحو: (حلفت بالله إنك لذاهب) وجب الكسر باتفاق، لأنها مع اللام يجب أن تكون جوابًا، ولا يجوز أن تكون مفعولا، لأن (أن) المفتوحة لا تجامعها اللام إلا مزيدة على ندور.
ومنها: أن تقع بعد فاء الجزاء، نحو: من يأتني فإني أكرمه، بالكسر على أنها في موضع الجملة، وبالفتح: على أنها في تأويل مصدر مرفوع، لأنه مبتدأ محذوف الخبر، أو حبر محذوف المبتدأ، والكسر هو الأصل؛ لأن الفتح محوج إلى تقدير محذوف، لأن الجزاء لا يكون إلا جملة، والتقدير على خلاف الأصل. ومما جاء بالكسر قوله تعالى: (وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) [البقرة / ٢١٥].
ومما جاء بالفتح قوله تعالى: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم) [التوبة /٦٣].
ومما جاء بالوجهين قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءًا بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) [الأنعام /٥٤].
стр. 119
فالكسر على معنى: فهو غفور رحيم، والفتح على معنى، فمغفرة الله ورحمته حاصلة لذلك التائب المصلح.
ومنها: أن تقع خبرًا عن قول، وخبرها قول، وفاعل القولين واحد، كقولهم: أول قولي أني أحمد الله؛ بالفتح؛ على معنى: أول قولي: حمد الله، وإني أحمد الله؛ بالكسر، على الإخبار بالجملة، لقصد الحكاية، كأنك قلت: أول قولي هذا اللفظ.
وقيل الكسر على أن الجملة حكاية القول، والخبر محذوف، تقديره: أول قولي: هذا اللفظ ثابت، وليس بمرضٍ، لاستلزامه ما لا سبيل إلى جوازه، وهو: إما الإخبار بما لا فائدة فيه، وإما كون أول صلة دخوله في الكلام كخروجه، لأن الذي هو أول قولي: إني أحمد الله حقيقة هو الهمزة من إني، فإن لم يكن أول صلة لزم الإخبار عن الهمزة من أني بأنها ثابتة، ولا فائدة فيه، وإن كان صلة لزم زيادة الاسم، وكلا الأمرين غير جائز.
وتكسر (إن) بعد (حتى) الابتدائية، نحو: مرض فلان حتى إنه لا يرجى برؤه، أو بعد (ما) الاستفتاحية، نحو: أما إنك ذاهب، فإن كانت (حتى) عاطفة أو جارة تعين بعدها الفتح، نحو: عرفت أمورك حتى أنك فاضل، وكذلك إن كانت (إما) بمعنى: حقًا، تقول: أما إنك ذاهب، كما تقول: حقًا إنك ذاهب، على معنى في حق ذهابك.
قال الشاعر: [من الوافر]
١٣٥ - أحقًا أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق
تقديره: أفي حق ذلك؟
وجوز فيه الشيخ أن يكون (حقًا) مصدرًا، بدلا من اللفظ بالفعل.
[٦٥] // وتفتح أن بعد (لا جرم) نحو قوله : (لا جرم أن الله يعلم ما يسرون) [النحل / ٢٣]. وقد تكسر.
قال الفراء: (لا جرم) كلمة كثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقًا، وبذلك فسرها المفسرون، وأصلها من جرمت، أي: كسبت.
стр. 120
وتقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت، فنزلها بمنزلة اليمين. قلت: فهذا وجه من كسر (إن) بعدها، قال: لا جرم إنك ذاهب، وما عدا المواضع المذكورة فإن فيه الفتح، لا غير، نحو قوله : (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعةً) [فصلت /٣٩]. (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب) [العنكبوت /٥١]. (قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن) [الجن /١]. (ولا تخافون أنكم أشركتم بالله) [الأنعام /٨١]. (علم أنكم كنتم تختانون أنفسكم) [البقرة /١٨٧]. (ذلك بأن الله هو الحق) [الحج /٦٢]. (وإنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) [الذاريات /٢٣].
ومن أبيات الكتاب: كتاب سيبويه: [من الوافر]
١٣٦ - تظل الشمس كاسفةً عليه ... كآبة أنها فقدت عقيلا
١٨٣ - وبعد ذات الكسر تصحب الخبر ... لام ابتداء نحو إني لوزر
١٨٤ - ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ... ولا من الأفعال ما كرضيا
١٨٥ - وقد يليها مع قد كإن ذا ... لقد سما على العدا مستحوذا
١٨٦ - وتصحب الواسط معمول الخبر ... والفصل واسمًا حل قبله الخبر
إذا أريد المبالغة في التأكيد جيء مع (إن) المكسورة بلام الابتداء، وفرقوا بينهما كراهية الجمع بين أداتين بمعنى واحد، فأدخلوا اللام على الخبر، أو ما في محله.
أما الخبر فتدخل عليه اللام، بشرط ألا يتقدم معموله، ولا يكون منفيًا، ولا ماضيًا متصرفًا، خاليًا من (قد) نحو: إن زيدًا لرضي، بل يكون مفردًا، نحو قوله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرةٍ) [الرعد /٦]. ومثله: (إني لوزر). أي: ملجأ، أو ظرفًا، أو شبهه، نحو قوله تعالى: (وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ) [القلم /٤]، أو جملة اسمية كقول الشاعر: [من البسيط]
١٣٧ - إن الكريم لمن ترجوه ذو جدةٍ ... ولو تعذر إيسار وتنويل
стр. 121
أو فعلا مضارعًا، نحو قوله تعالى: (وإن ربك ليحكم بينهم) [النحل /١٢٤].
ونحو: إن زيدًا لسوف يفعل. أو ماضيًا غير متصرف، نحو: إن زيدًا لعسى أن يفعل، أو مقرونًا بـ (قد) نحو: إن زيدًا لقد سما.
وقد ندر دخولها على الخبر المنفي في قوله: [من الوافر]
١٣٨ - وأعلم أن تسليمًا وتركًا ... للا متشابهان ولا سواء
وقد تدخل اللام على ما في محل الخبر من معمول الخبر، متوسطًا بينه وبين الاسم، نحو: إن زيدًا لطعامك آكل، وإن عبد الله لفيك راغب.
[٦٦] أو فصل، نحو: (إن هذا لهو القصص // الحق) [آل عمران /٦٢]. أو اسم لـ (إن) متأخر عن الخبر، وذلك إذا كان ظرفًا. أو جارًا ومجرورًا، نحو: إن عندك لزيدًا، أو إن في الدار لعمرًا، قال الله تعالى: (إن في ذلك لعبرةً) [النازعات /٢٩].
ولا تدخل هذه اللام على غير ما ذكر، غير مبتدأ أو خبر مقدم، إلا مزيدة في أشياء ألحقت بالنوادر، كقول الشاعر: [من الطويل]
١٣٩ - فإنك من حاربته لمحارب ... شقي ومن سالمته لسعيد
وكما سمعه الفراء من قول أبي الجراح: إني لبحمد الله لصالح، وكما سمعه الكسائي من قول بعضهم: إن كل ثوبٍ له ثمنه، وكقراءة بعضهم قوله تعالى: (إلا أنهم ليأكلون الطعام) [الفرقان /٢٠]. وكقول الشاعر: [من الطويل]
١٤٠ - يلومونني في حب ليلى عواذلي ... ولكنني من حبها لعميد
стр. 122
وكقول الآخر: [من الطويل]
١٤١ - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكل مراد
وكقول الراجز: [من الرجز]
١٤٢ - أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه
وأحسن ما زيدت فيه قوله: [من الكامل]
١٤٣ - إن الخلافة بعدهم لدميمة ... وخلائف ظرف لمما أحقر
١٨٧ - ووصل ما بذي الحروف مبطل ... إعمالها وقد يبقى العمل
تدخل (ما) الزائدة على (إن) وأخواتها، فتكفها عن العمل، إلا (ليت) ففيها وجهان، تقول: إنما زيد قائم، وكأنما خالد أسد، ولكنما عمرو جبان، ولعلما أخوك ظافر. ولا سبيل إلى الإعمال، لأن (ما) قد أزالت اختصاص هذه الأحرف بالأسماء، فوجب إهمالها.
стр. 123
وتقول: ليتما أباك حاضر، وإن شئت قلت: ليتما أبوك حاضر؟ لأن (ما) لم تزل اختصاص (ليت) بالأسماء، فلك أن تعملها نظرًا إلى بقاء الاختصاص، ولك أن تهملها نظرًا إلى الكف، كما قال الشاعر: [من البسيط]
١٤٤ - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
يروى بنصب الحمام، ورفعه.
وذكر ابن برهان: أن الأخفش روى: إنما زيدًا قائم، وعزا مثل ذلك إلى الكسائي، وهو غريب.
وفي قوله:
........................... ... ............ وقد يبقى العمل
بدون تقييد تنبيه على مجيء مثله.
١٨٨ - وجائز رفعك معطوفًا على ... منصوب إن بعد أن تستكملا [٦٧] //
١٨٩ - وألحقت بإن لكن وأن ... من دون ليت ولعل وكأن
حق المعطوف على اسم (إن) النصب، نحو: إن زيدًا، وعمرًا في الدار، وإن زيدًا في الدار، وعمرًا، قال الشاعر: [من الرجز]
١٤٥ - إن الربيع الجود والخريفا ... يدا أبي العباس والصيوفا
وقد يرفع بالعطف على محل اسم (إن) من الابتداء، وذلك إذا جاء بعد اسمها وخبرها، نحو: إن زيدًا في الدار، وعمرو، تقديره: وعمرو كذلك.
стр. 124
قال الشاعر: (من الكامل)
١٤٦ - إن النبوة والخلافة فيهم ... والمكرمات وسادة أطهار
وقال الآخر: [من الطويل]
١٤٧ - فمن يك لم ينجب أبوه وأمه ... فإن لنا الأم النجيبة والأب
فالرفع في أمثال هذا على أن المعطوف جملة ابتدائية محذوفة الخبر عطفت على محل ما قبلها من الابتداء.
ويجوز كونه مفردًا معطوفًا على الضمير في الخبر.
ولا يجوز أن يكون معطوفًا على محل (إن) مع اسمها من الرفع بالابتداء، لأنه يلزم منه تعدد العامل في الخبر، إذ الرفع للخبر في هذا الباب هو الناسخ للابتداء، وفي باب المبتدأ هو المبتدأ، فلو جئ بخبر واحد لاسم (إن) ومبتدأ معطوف عليه لكان عامله متعددًا، وإنه ممتنع، ولهذا لا يجوز رفع المعطوف قبل الخبر، لا تقول: إن زيدًا وعمرو قائمان، وقد أجازه الكسائي: بناء على أن الرفع للخبر في هذا الباب هو رافعه في باب المبتدأ، ووافقه الفراء فيما خفي فيه إعراب المعطوف عليه، نحو: إن هذا وزيد ضاربان تمسكًا بالسماع.
وما أوهم ذلك فهو إما شاذ، لا عبرة فيه، وإما محمول على التقديم والتأخير، فالأول: كقولهم: إنك وزيد ذاهبان.
قال سيبويه: (واعلم أن ناسًا من العرب يغلطون، فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبوان، وإنك وزيد ذاهبان). ونظيره قول الشاعر: [من الطويل]
١٤٨ - بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا
стр. 125
والثاني: كقوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [المائدة /٦٩].
فرفع (الصابئون) على التقديم والتأخير، لإفادة أنه يتاب عليهم إن آمنوا وأصلحوا، مع أنهم أشد غيًا لخروجهم عن الأديان، فما الظن بغيرهم؟ ومثله قول الشاعر: [من الوافر]
١٤٩ - وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق
فقدم فيه (أنتم) على خبر (أن) تنبيهًا على أن المخاطبين أوغل في البغي من قومه.
[٦٨] ولك ألا تحمل // هذا النحو على التقديم والتأخير، بل على أن ما بعد المعطوف خبر له، دال على خبر المعطوف عليه.
ويدلك على صحته قول الشاعر: [من الطويل]
١٥٠ - خليلي هل طب فإني وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان
وتساوي (إن) في جواز رفع المعطوف على اسمها بعد الخبر: لفظًا، أو تقديرًا (أن، ولكن) لأنهما لا يغيران معنى الابتداء، فيصح العطف بعدهما، كما صح بعد (إن). قال الله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله) [التوبة /٣]. كأنه قيل: ورسوله برئ أيضًا.
стр. 126
ولا يجوز مثل ذلك بعد (ليت، ولعل، وكأن) لأن معنى الابتداء غير باق معها، فالعطف عليه بعدها لا يصح.
١٩٠ - وخففت إن فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل
١٩١ - وربما استغني عنها إن بدا ... ما ناطق أراده معتمدا
١٩٢ - والفعل إن لم يك ناسخًا فلا ... تلغيه غالبًا بإن ذي موصلا
تخفف (إن) فيجوز فيها حينئذ الإعمال والإهمال، وهو القياس، لأنها إذا خففت يزول اختصاصها بالأسماء، وقد تعمل استصحابًا لحكم الأصل فيها.
قال سيبويه: وحدثنا من يوثق به أنه سمع من يقول: إن عمرًا لمنطلق، وعليه قراءة نافع، وابن كثير، وأبي بكر شعبة (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم) [هود /١١١].
والإهمال هو الأكثر نحو: (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) [يس /٣٢]، (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) [الزخرف /٣٥]، (إن كل نفسٍ لما عليها حافظ) [الطارق /٤].
ثم إذا أهملت لزمت لام الابتداء بعد ما اتصل بها، فرقًا بينها وبين (إن) النافية، كما في الأمثلة المذكورة.
وقد يستغنى عنها بقرينة رافعة لاحتمال النفي، كقولهم: أما إن غفر الله لك، وكقول الشاعر: [من الطويل]
١٥١ - أنا ابن أباة الضيم من آل مالكٍ ... وإن مالك كانت كرام المعادن
стр. 127
وإذا خففت (إن)، فوليها الفعل فالغالب كونه ماضيًا، ناسخًا للابتداء، نحو قوله تعالى: (وإن كانت لكبيرة) [البقرة /١٤٣]، (قال تالله إن كدت لتردين) [الصافات /٥٦]، (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) [الأعراف /١٠٢].
وأما نحو: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك) [القلم /٥١]، وقول الشاعر: [من الكامل]
١٥٢ - شلت يمينك إن قتلت لمسلمًا ... حلت عليك عقوبة المتعمد
مما ولي (إن) المخففة فيه مضارع ناسخ للابتداء وماض غير ناسخ فقليل، وأقل [٦٩] منه قولهم؛ فيما حكاه الكوفيون: (إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهيه). //
١٩٣ - وإن تخفف أن فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملة من بعد أن
١٩٤ - وإن يكن فعلا ولم يكن دعا ... ولم يكن تصريفه ممتنعا
١٩٥ - فالأحسن الفصل بقد أو نفيٍ أو ... تنفيسٍ أو لو وقليل ذكر لو
١٩٦ - وخففت كأن أيضًا فنوي ... منصوبها وثابتًا أيضًا روي
يجوز أن تخفف (أن) المفتوحة فلا تلغى، ولا يظهر اسمها إلا للضرورة، كقول
стр. 128
الشاعر: [من المتقارب]
١٥٣ - لقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريع ... وأنك هناك تكون التمالا
ولا يجئ خبرها إلا جملة؛ إما اسمية، كقول الشاعر: [من البسيط]
١٥٤ - في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
وكقوله تعالى: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وألا إله إلا هو) [هود /١٤]. وإما مصدرة بفعل: إما مضمن دعاء، كقراءة نافع: (والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) [النور /٩]، وإما غير متصرف، نحو: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) [النجم /٣٩]، وإما متصرف مفصول من (أن) بـ (قد) نحو: علمت أن قد قام زيد، ويجوز أن يكون منه قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا) [الصافات /١٠٤ - ١٠٥]، أو حرف نفي، نحو: (أفلا يبرون ألا يرجع إليهم قولا) [طه /٨٩]، (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) [القيامة /٣]، أو حرف تنفيس
стр. 129
نحو: (علم أن سيكون منكم مرضى) [المزمل /٢٠] أو (لو) كقوله تعالى: (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) [سبأ /١٤]، وقوله تعالى: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا) [الجن /١٦].
وأكثر النحويين لم يذكروا الفصل بين (أن) الخفيفة، وبين الفعل بـ (لو) وإلى ذلك أشار بقوله:
وقليل ذكر لو
وربما جاء الفعل المنصرف غير مفصول كقول الشاعر: [من الخفيف]
١٥٥ - علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
وقول الآخر: أنشده الفراء: [من م. الكامل]
١٥٦ - إني زعيم يا نويـ ... قة إن أمنت من الرزاح
ونجوت من عرض المنو ... ن من الغدو إلى الرواح
أن تهبطين بلاد قو ... مٍ يرتعون من الطلاح
وأما (كأن) فيجوز تخفيفها، وهي محمولة على (أن) المفتوحة في ترك إلغائها، [٧٠] إلا أنه لا يلزم // حذف اسمها، ولا كون الخبر جملة؛ فقد يثبت اسمها، وقد يحذف، وعلى كلا التقديرين فيجئ خبرها مفردًا، أو جملة.
стр. 130
فمن مجيئه مفردًا قول الراجز: [من الرجز]
١٥٧ - كأن وريديه رشاء خلب
وقول الشاعر: [من الطويل]
١٥٨ - ويومًا توافينا بوجهٍ مقسمٍ ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
فمن رواه برفع ظبية على معنى: كأنها ظبية. ويروى: كأن ظبية؛ بالنصب؛ على أنها اسم كأن، والخبر محذوف، تقديره: كأن مكانها ظبية، ويروى كأن ظبيةٍ؛ بالجر؛ على زيادة (أن). ومن مجيئه جملة قول الشاعر: [من الهزج]
١٥٩ - ووجهٍ مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان
تقديره: كأنه، أي: كأن الأمر ثدياه حقان.
стр. 131
لا: التي لنفي الجنس
١٩٧ - عمل إن اجعل للا في نكره ... مفردةً جاءتك أو مكرره
١٩٨ - فانصب بها مضافًا أو مضارعة ... وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
١٩٩ - وركب المفرد فاتحًا كلا ... حول ولا قوةً والثاني اجعلا
٢٠٠ - مرفوعًا أو منصوبًا أو مركبا ... وإن رفعت أولا لا تنصبا
الأصل في (لا) النافية ألا تعمل، لأنها غير مختصة بالأسماء، وقد أخرجوها عن هذا الأصل، فأعلموها في النكرات عمل (ليس) تارة، وعمل (إن) أخرى، فإذا لم يقصد بالنكرة بعدها استغراق الجنس صح فيها أن تحمل على (ليس) في العمل، لأنها مثلها في المعنى.
وإذا قصد بالنكرة بعدها الاستغراق صح فيها أن تحمل على (إن) في العمل، لأنها لتوكيد النفي، و (إن) لتوكيد الإيجاب، فهي ضدها، والشيء قد يحمل على ضده، كما يحمل على نظيره، لأن الوهم ينزل الضدين منزلة النظيرين، ولذلك نجد الضد أقرب حضورًا في البال مع الضد. وقد تقدم الكلام على إعمال (لا) عمل (ليس).
وأما إعمالها عمل (إن) فمشروط: بأن تكون نافية للجنس، واسمها نكرة، متصلة، سواء كانت موحدة، نحو: لا غلام رجلٍ جالس، أو مكررة، نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فلو كانت منفصلة وجب الإلغاء، كقوله تعالى: (لا فيها غول) [الصافات /٤٧].
стр. 132
وقد يجوز إلغاؤها الاتصال، وذلك إذا كررت: شبهوها إذ ذاك بحالها مع المعرفة، نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله).
[٧١] ثم اسم (لا) لا يخلو: إما أن يكون مضافًا، أو شبيهًا // بالمضاف، أو مفردًا، وهو ما عداهما: فإن كان مضافًا نصب، نحو: لا صاحب بر ممقوت، وكذلك إن كان شبيهًا بالمضاف، وهو: كل ما كان ما بعده شيء هو من تمام معناه، نحو: لا قبيحًا فعله محبوب، ولا خيرًا من زيدٍ فيها، ولا ثلاثةً وثلاثين لك.
وأما المفرد فيبني لتركيبه مع (لا) تركيب خمسة عشر لتضمنه معنى من الجنسية، بدليل ظهورها في قول الشاعر: [من الطويل]
١٦٠ - فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هند
فيلزم الفتح؛ بلا تنوين إن لم يكن مثنى، أو جمع تصحيح، وذلك نحو: لا بخيل محمود، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن كان مثنى، أو مجموعًا جمع تصحيح للمذكر لزم الياء والنون، نحو: لا غلامين قائمان، ولا كاتبين في الدار، قال الشاعر: [من الطويل]
١٦١ - تعز فلا إلفين بالعيش متعا ... ولكن لوراد المنون تتابع
وقال الآخر: [من الخفيف]
١٦٢ - يحشر الناس لا بنين ولا آ ... باء إلا وقد عنتهم شؤون
стр. 133
وإن كان جمع تصحيح لمؤنث جاز فيه الكسر بلا تنوين، والمختار فتحه، وقد أنشدوا قول الشاعر: [من البسط]
١٦٣ - لا سابغات ولا جأواء باسلةً ... تقي المنون لدى استيفاء آجال
بالوجهين.
والذي يدللك على أن اسم (لا) المفرد مبني أنه لو كان معربًا لما ترك تنوينه، ولكان أحق بالتنوين من الشبيه بالمضاف، ولما كان للفتح في نحو: (لا سابغات) وجه. قوله:
... .. والثاني اجعلا
مرفوعًا أو منصوبًا أو مركبا ...
(البيت). بيان لأنه يجوز إذا عطفت النكرة المفردة على اسم لا، وكررت (لا) خمسة أوجه، لأن العطف يصح معه إلغاء (لا) كما تقدم وإعمالها أيضًا فإن أعملت الأولى فتحت الاسم بعدها، وجاز لك في الثاني ثلاثة أوجه: الأول: الفتح على إعمال (لا) الثانية، مثاله: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والثاني: النصب على جعلها زائدة، مؤكدة، وعطف الاسم بعدها على محل الاسم قبلها، مثاله: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال الشاعر: [من السريع]
١٦٤ - لا نسب اليوم ولا خلةً ... اتسع الخرق على الراقع
стр. 134
والثالث: الرفع على أحد الوجهين: إجراء (لا) مجرى (ليس) وإلغاؤها، أو زيادتها وعطف الاسم بعدها على محل (لا) الأولى، مع اسمها، فإن موضعها رفع بالابتداء، مثاله: لا حول ولا قوةً إلا بالله، قال الشاعر: [من الكامل]
١٦٥ - وإذا تكون كريهةً أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
[٧٢] // هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
وإن ألغيت الأولى رفعت الاسم بعدها، وجاز لك في الثاني وجهان: أحدهما: الفتح على إعمال (لا) الثانية مثاله: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الشاعر: [من الوافر]
١٦٦ - فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدًا مقيم
стр. 135
والثاني الرفع: على إلغاء (لا) أو زيادتها، وعطف الاسم بعدها على ما قبلها مثاله: لا حول، ولا قوة إلا بالله، وكقوله تعالى: (لا بيع فيه ولا خلة) [البقرة /٢٥٤].
ولا يجوز نصب الثاني، ورفع الأول، لأن (لا) الثانية: إن أعملها وجب في الاسم بعدها البناء على الفتح، لأنه مفرد، وإن لم تعملها وجب فيه الرفع، لعدم نصب المعطوف عليه: لفظًا أو محلا.
وإلى امتناع النصب في نحو هذا أشار بقوله:
... وإن رفعت أولا لا تنصبا
٢٠١ - ومفردًا نعتًا لمبني يلي ... فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
٢٠٢ - وغير ما يلي وغير المفرد ... لا تبين وانصبه أو الرفع اقصد
٢٠٣ - والعطف إن لم تتكرر لا احكما ... له بما للنعت ذي الفصل انتمى
إذا وصف اسم (لا) المبني معها بصفة مفردة متصلة جاز فيه ثلاثة أوجه: البناء على الفتح، نحو: لا رجل ظريف فيها، والنصب، نحو: لا رجل ظريفًا فيها، والرفع نحو: لا رجل ظريف فيها.
فالبناء على أنه ركب الموصوف مع الصفة تركيب خمسة عشر، ثم دخلت (لا) عليها، والنصب على إتباع الصفة لمحل اسم (لا) والرفع على إتباعها لمحل (لا) مع اسمها، وقد نبه على هذه الوجوه بقوله:
ومفردًا نعتًا لمبني يلي ... ..
(البيت).
ومعناه: فافتح نعتًا مفردًا، يلي الاسم المبني، وإن شئت فانصبه، أو ارفعه تعدل، أي: إن فعلت لم تجر، ولم تخرج به عن الصواب.
وإن فصل النعت عن اسم (لا) تعذر بناؤه على الفتح، لزوال التركيب بالفصل، وجاز فيه النصب، نحو: لا رجل فيها ظريفًا، والرفع أيضًا نحو: لا رجل فيها ظريف، وكذلك إن كان النعت غير مفرد، تقول: لا رجل قبيحًا فعله عندك، ولا رجل قبيح فعله عندك.
стр. 136
ولا يجوز لا رجل قبيح فعله عندك، وقوله:
والعطف إن لم تتكرر لا احكما ...
(البيت). معناه: أنه إذا عطف على اسم (لا) بدون تكرارها امتنع إلغاء (لا) وجاز في المعطوف الرفع بالعطف على موضع (لا) مع اسمها، نحو: لا رجل وامرأة في الدار، والنصب بالعطف على موضع اسم (لا) نحو: لا رجل وامرأة في الدار، قال الشاعر: [من الطويل]
١٦٧ - فلا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
[٧٣] // ولا يجوز بناء المعطوف على الفتح، لأجل فصل العاطف، كما لم يجز بناء الصفة في نحو: لا رجل فيها ظريفًا.
وقد حكي الأخفش: لا رجل وامرأة فيها، بالبناء على الفتح، وهو شاذ، مخرج على أنه ركب المعطوف، مع (لا) فبني، ثم حذفت، وأبقي حكمها.
٢٠٤ - وأعط لا مع همزة استفهام ... ما تستحق دون الاستفهام
تدخل همزة الاستفهام على (لا) النافية للجنس، فيبقي ما كان لها من العمل، وجواز الإلغاء، إذا كررت، والإتباع لاسمها على محله من النصب، أو على محل (لا) معه من الابتداء. وأكثر ما يجيء ذلك إذا قصد بالاستفهام التوبيخ أو الإنكار كقول حسان ﵁: [من البسيط]
١٦٨ - ألا طعان ألا فرسان عاديةً ... إلا تجشؤكم حول التنانير
стр. 137
ومثله قول الآخر: [من البسيط]
١٦٩ - ألا ارعواء لمن ولت شبيبته ... وآذنت بمشيبٍ بعده هرم
وقد يجيء ذلك، والمراد مجرد الاستفهام عن النفي كقول الشاعر: [من البسيط]
١٧٠ - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد ... إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
وقد يراد بالاستفهام مع (لا) التمني، فيبقي لـ (لا) بعده ما لها من العمل، دون جواز الإلغاء، والإتباع لاسمها على محله من الابتداء، كقول الشاعر: [من الطويل]
١٧١ - ألا عمر ولي مستطاع رجوعه ... فيراب ما أثأت يد الغفلات
وقد تكون (إلا) للعرض، فلا يليها إلا فعل: إما ظاهر، كقوله تعالى: (ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم) [التوبة /١٣]. (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) [النور /٢٢].
стр. 138
وإما مقدر كقول الشاعر: [من الوافر]
١٧٢ - ألا رجلا جزاه الله خيرًا ... يدل على محصلةٍ تبيت
تقديره عند سيبويه ألا ترونني رجلا.
٢٠٥ - وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
يجب ذكر خبر (لا) إذا لم يعلم، كقوله ﷺ : (لا أحد أغير من الله).
وكقول حاتم: [من الطويل]
١٧٣ - ورد جازرهم حرفًا مصرمةً ... ولا كريم من الولدان مصبوح
وإن علم التزم حذفه بنو تميم والطائيون. وأجاز حذفه وإثباته الحجازيون. ومما جاء فيه محذوفًا قوله تعالى: (قالوا لا ضير) [الشعراء /٥٠]، (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) [سبأ /٥١]. وندر حذف الاسم، وإثبات الخبر في قولهم: لا عليك، التقدير: لا جناح عليك، ولا بأس عليك.
стр. 139
[٧٤] // ظن وأخواتها
٢٠٦ - انصب بفعل القلب جزءي ابتدا ... أعني رأى خال علمت وجدا
٢٠٧ - ظن حسبت وزعمت مع عد ... حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
٢٠٨ - وهب تعلم والتي كصيرا ... أيضًا بها انصب مبتدًأ وخبرا
من الأفعال أفعال واقعة معانيها على مضمون الجمل؟ فتدخل على المبتدأ، والخبر، بعد أخذها الفاعل، فتنصبهما مفعولين. وهي ثلاثة أنواع:
الأول: ما يفيد الخبر يقينًا.
الثاني: ما يفيد فيه رجحان الوقوع.
الثالث: ما يفيد فيه تحويل صاحبه إليه.
فمن النوع الأول: (رأى) بمعنى أبصر، أو أصاب الرؤية، كقول الشاعر: أنشده أبو زيد: [من الوافر]
١٧٤ - رأيت الله أكبر كل شيءٍ ... محاولة وأكثرهم جنودا
ومنه: (علم) لغير عرفان، أو كلمة، وهي: انشقاق الشفة العليا، كقولك: علمت زيدًا أخاك.
ومنه (وجد) لا بمعنى أصاب، أو استغنى، أو حقد، أو حزن، كقوله تعالى: (تحدوه عند الله هو خيرًا) [المزمل / ٢٠].
стр. 140
ومنه (درى) في نحو قوله: [من الطويل]
١٧٥ - دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط ... فإن اعتباطًا بالوفاء حميد
وأكثر ما يستعمل (درى) معدى إلى مفعول واحد بالباء، فإذا دخلت عليه الهمزة للنقل، تعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، كقوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به) [يونس / ١٦].
ومنه (تعلم) بمعنى: اعلم، ولا يتصرف، قال الشاعر: [من الطويل]
١٧٦ - تعلم شفاء النفس قهر عدوها ... فبالغ بلطفٍ في التحيل والمكر
ومنه (ألفى) في نحو قول الشاعر: [من البسيط]
١٧٧ - قد جربوه فألفوه المغيث إذا ... ما الروع عم فلا يلوي على أحد
ومن النوع الثاني (خال)، لا بمعنى تكبر، أو ظلع، كقولك، خلت زيدًا صديقك.
ومنه (ظن) لا بمعنى اتهم، نحو: ظننت عمرًا أباك.
стр. 141
ومنه (حسب) لا بمعنى صار أحسب، أي: ذا شقرةٍ، أو حمرةٍ، وبياضٍ، كالبرص، قال الشاعر: [من الطويل]
١٧٨ - وكنا حسبنا كل بيضاء شحمةً ... عشيةً لاقينا جذام وحميرا
ومنه (زعم) لا بمعنى كفل، أو سمن، أو هزل، قال الشاعر: [من الطويل]
١٧٩ - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
[٧٥] // ومنه (عد) لا بمعنى حسب، كقول الشاعر: [من الخفيف]
١٨٠ - لا أعد الإقتار عدمًا ولكن ... فقد من قد فقدته الإعدام
وقول الآخر: [من الطويل]
١٨١ - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ... ولكنما المولى شريكك في العدم
ومنه (حجا) لا بمعنى غلب في المحاجاة، أو قصد، أو رد، أو أقام، أو بخل، أنشد الأزهري: [من البسيط]
١٨٢ - قد كنت أحجو أبا عمروٍ أخا ثقة ... حتى ألمت بنا يومًا ملمات
стр. 142
ومنه (جعل) في مثل قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا) [الزخرف /١٩].
ومنه (هب) في نحو قول الشاعر: [من المتقارب]
١٨٣ - فقلت أجرني أبا خالدٍ ... وإلا فهبني امرا هالكا
ولا يتصرف؛ فلا يجيء منه ماض ولا مضارع.
وقد تستعمل (رأي) لرجحان الوقوع، كقوله تعالى: (إنهم يرونه بعيدًا * ونراه قريبًا) [المعارج /٦ - ٧].
كما ترد (خال، وظن، وحسب) لليقين، نحو قول الشاعر: [من الطويل]
١٨٤ - دعاني الغواني عمهن وخلتني ... لي اسم فلا أدعى به وهو أول
وقوله تعالى: (فظنوا أنهم مواقعوها) [الكهف /٥٣].
وقول الشاعر: [من الطويل]
١٨٥ - حسبت التقى والجود خير تجارةٍ ... رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
وتسمى هذه الأفعال المذكورة، وما كان في معناها قلبية، بمعنى أن معانيها قائمة بالقلب، وليس كل فعل قلبي يعمل العمل المذكور.
стр. 143
فلأجل ذلك قال:
انصب بفعل القلب جزءي ابتدا ... أعني رأى خال علمت وجدا
وساق الكلام إلى آخره، ليدلك على أن من أفعال القلوب، ما لا ينصب المبتدأ والخبر، لأنه أخص في الاستعمال بالوقوع على المفرد، وذاك نحو: (عرف، وتبين، وتحقق) ومن النوع الثالث: (صير) كقولك: صيرت زيدًا صديقك. ومنه (أصار، وجعل) لا بمعنى: اعتقد، أو أوجب، أو أوجد، أو ألقى، أو أنشأ، قال الله تعالى: (فجعلناه هباءً منثورًا) [الفرقان /٢٣].
ومنه (وهب) في قولهم: وهبني الله فداك. ومنه (رد) في نحو قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا) [البقرة /١٠٩]. ومنه (ترك) كقول الشاعر: [من الطويل]
١٨٦ - وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
ومنه (تخذ، واتخذ) كقوله تعالى: (لتخذت عليه أجرًا) [الكهف /٧٧] وقال الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) [النساء /١٢٥]. وقد أشار إلى هذه الأفعال، وإلى عملها بقوله:
[٧٦] ............. والتي كصيرا ... أيضًا بها انصب // مبتدًأ وخبرا
٢٠٩ - وخص بالتعليق والإلغاء ما ... من قبل هب والأمر هب قد ألزما
٢١٠ - كذا تعلم ولغير الماض من ... سواهما اجعل كل ما له زكن
تختص الأفعال القلبية سوى ما لم يتصرف منها، وهو: (هب وتعلم) بالإلغاء والتعليق.
стр. 144
أما الإلغاء: فهو ترك إعمال الفعل، لضعفه بالتأخر عن المفعولين، أو التوسط بينهما، والرجوع إلى الابتداء، كقولك: (زيد عالم ظننت، وزيد ظننت عالم).
وأما التعليق: فهو ترك إعمال الفعل لفظًا لا معنى، لفصل ما له صدر الكلام بينه وبين معموله، كقولك: علمت لزيد ذاهب.
فهذه اللام لما كان لها صدر الكلام علقت (علم) عن العمل، أي: رفعته عن الاتصال بما بعدها، والعمل في لفظه؛ لأن ما له صدر الكلام لا يصح أن يعمل ما قبله فيما بعده.
قوله:
......... ولغير الماض من ... سواهما اجعل كل ما له زكن
معناه: أن للمضارع من أفعال هذا الباب، والأمر سوى (هب، وتعلم) ما قد علم للماضي: من نصب مفعولين، هما في الأصل مبتدأ وخبر، كقولك: أنت تعلم زيدًا مقيمًا، ويا هذا اعلم عبد الله ذاهبًا. ومن جواز الإلغاء والتعليق فيما كان قلبيا، كقولك: زيد عالم أظن، ويا هذا أظن ما زيد عالم، والمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول يجري هذا المجرى أيضًا، تقول في الإعمال: أعجبني ظنك زيدًا عالمًا، وأنا ظان زيدًا مقيمًا، ومررت برجلٍ مظنونٍ أبوه ذاهبًا، (فأبوه) مفعول أول مرفوع لقيامه مقام الفاعل، و (ذاهبًا) مفعول ثان، وتقول في الإلغاء: زيد عالم أنا ظان؛ وتقول في التعليق: أعجبني ظنك ما زيد قائم، ومررت برجل ظان أزيد قائم أم عمرو؟
وجميع الأفعال المتصرفة يجري المضارع منها والأمر والمصدر واسما الفاعل والمفعول مجرى الماضي في جميع الأحكام.
٢١١ - وجوز الإلغاء لا في الابتدا ... وانو ضمير الشان أو لام ابتدا
٢١٢ - في موهمٍ إلغاء ما تقدما ... والتزم التعليق قبل نفي ما
٢١٣ - وإن ولا لام ابتداء أو قسم ... كذا والاستفهام ذا له انحتم
قد تقدم أن الإلغاء والتعليق حكمان مختصان بالأفعال القلبية.
والمراد هنا: بيان أن الإلغاء حكم جائز: بشرط تأخر الفعل عن المفعولين، أو توسطه بينهما، وأن التعليق حكم لازم: بشرط الفصل بـ (ما) النافية، أو (إن) أو (لا) [٧٧] أختيها، أو بلام الابتداء، أو القسم، أو بالاستفهام // فقال:
وجوز الإلغاء لا في الابتدا ... ......................
стр. 145
فعلم أن الفعل القلبي إذا تأخر عن المفعولين جاز فيه الإلغاء والإعمال، تقول: زيد عالم ظننت، وإن شئت قلت: زيدًا عالمًا ظننت، إلا أن الإلغاء أحسن وأكثر، ومن شواهده قول الشاعر: [من الخفيف]
١٨٧ - آتٍ الموت تعلمون فلا ير ... هبكم من لظى الحروب اضطرام
ومثله: [من الطويل]
١٨٨ - هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن يسرت غنماهما
وعلم أيضًا أنه إذا توسط بين المفعولين جاز فيه الإلغاء والإعمال، وهما على السواء، إلا أن يؤكد الفعل بمصدر أو ضميره، فيكون إلغاؤه قبيحًا، تقول: زيد ظننت عالم وإن شئت: زيدًا ظننت عالمًا، وكلاهما حسن، ولو قلت: زيدًا ظننت عالمًا منطلقًا، أو زيدًا ظننته منطلقًا، أي: ظننت الظن قبح فيه الإلغاء.
ومن شواهد إلغاء المتوسط قول الشاعر: [من البسيط]
١٨٩ - أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
ومثله: [من الكامل]
١٩٠ - إن المحب علمت مصطبر ... ولديه ذنب الحب مغتفر
следующие страницы →