Полный текст (619 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
على فعل كذا معقودًا، لكن إبطال هذا العقد فعل كذا.
قال الشيخ ﵀: وتقدير الإخراج في هذا أن يجعل قوله: (لأفعلن كذا) بمنزلة لا أرى لهذا العقد مبطلا إلا فعل كذا.
وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى: (لست عليهم بمسيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر) [الغاشية / ٢٢ - ٢٤].
على أن تكون (من) مبتدأ و (يعذبه) الخبر، ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الجزاء.
وجعل الفراء من هذا قراءة من قرأ (فشربوا منه إلا قليل منهم) [البقرة/ ٢٤٩]. على تقدير: إلا قليل منهم لم يشرب.
ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن كثير وأبي عمرو: (إلا امرأتك إنه يصيبها ما أصابهم) [هود /٨١].
وبهذا التوجيه يكون الاستثناء في النصب والرفع من نحو قوله تعالى: (فأسر بأهلك) [هود /٨١] وهو أولى من أن يستنثى المنصوب من (أهلك) والمرفوع من (أحد).
وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن الاسم المستثنى بـ (إلا) في غير تفريغ يصح نصبه على الاستثناء، سواء كان متصلا أو منقطعا.
وإلى هذا أشار بقوله:
ما استثنت إلا مع تمام ينتصب ... ........................
والناصب لهذا المستثنى هو (إلا) لا ما قبلها بتعديتها، ولا به مستقلا، ولا [١١٦] بأستثنى مضمرًا // خلافًا لزاعمي ذلك.
стр. 212
ويدل على أن الناصب هو (إلا) أنها حرف مختص بالأسماء، غير منزل منزلة الجزء، وما كان كذلك فهو عامل، فيجب في (إلا) أن تكون عاملة، ما لم تتوسط بين عامل مفرغٍ ومعمول، فتلغى وجوبًا، إن كان التفريغ محققًا، نحو: ما قام إلا زيد، وجوازًا إن كان مقدرًا، نحو: ما قام أحد إلا زيد، فإنه في تقدير: ما قام إلا زيد، لأن (أحد) مبدل منه، والمبدل منه في حكم المطروح.
فإن قيل: لا نسلم أن (إلا) مختصة بالأسماء لأن دخولها على الفعل ثابت كقولهم: (نشدتك الله إلا فعلت) و (ما تأتيني إلا قلت خيرًا) و (ما تكلم زيد إلا ضحك). سلمنا أنها مختصة، لكن ما ذكرتموه معارض: بأن (إلا) لو كانت عاملة لا تصل بها الضمير، ولعملت الجر قياسًا على نظائرها.
فالجواب: أن (إلا) إنما تدخل على الفعل إذا كان في تأويل الاسم، فمعنى (نشدتك الله إلا فعلت): ما أسألك إلا فعلك، ومعنى (ما تأتيني إلا قلت خيرًا)، و (ما تكلم زيد إلا ضحك): ما تأتيني إلا قائلا خيرًا، وما تكلم زيد إلا ضاحكًا، ودخول (إلا) على الفعل المؤول بالاسم لا يقدح في اختصاصها بالأسماء كما لم يقدح في اختصاص الإضافة بالأسماء الإضافة إلى الأفعال، لتأولها بالمصدر في نحو يوم قام زيد.
قوله: ولو كانت (إلا) عاملة لا تصل بها الضمير، ولعملت الجر.
قلنا: القياس في كل عامل إذا دخل على الضمير أن يتصل به، ولكن منع من اتصال الضمير بـ (إلا) أن الانفصال متلزم في التفريغ المحقق والمقدر فالتزم مع عدم التفريغ، ليجري الباب على سنن واحد.
وأما قولكم: لو كانت (إلا) عاملة لعملت الجر فممنوع؛ لأن عمل الجر إنما هو للحروف التي تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء، وتنسبها إليها، و (إلا) ليست كذلك فإنها لا تنسب إلى الاسم الذي بعدها شيئًا، بل تخرجه عن النسبة فقط، فلما خالفت الحروف الجارة لم تعمل عملها، وعملت النصب.
وذهب السيرافي إلى أن الناصب هو ما قبل (إلا) من فعل أو غيره بتعدية (إلا). ويبطل هذا المذهب صحة تكرير الاستثناء، نحو: قبضت عشرة إلا أربعة إلا اثنين، إذ لا فعل في المثال المذكور إلا قبضت، فإذا جعل متعديًا بـ (إلا) لزم تعديته إلى الأربعة بمعنى الحط، وإلى الاثنين بمعنى الجبر، وذلك حكم بما لا نظير له، أعني: استعمال فعل واحد، معدى بحرف واحد لمعنيين متضادين.
стр. 213
وذهب ابن خروف إلى أن الناصب ما قبل (إلا) على سبيل الاستقلال، ويبطله أنه حكم بما لا نظير له، فإن المنصوب على الاستثناء بعد (إلا) لا مقتضى له غيرها، لأنها لو حذفت لم يكن لذكره معنى، فلو لم تكن عاملة فيه، ولا موصلة عمل ما قبلها إليه مع اقتضائها إياه لزم عدم النظر، فوجب اجتنابه.
[١١٧] وذهب الزجاج إلى أن الناصب // (أستثني) مضمرًا. وهو مردود بمخالفة النظائر، إذ لا يجمع بين فعل وحرف يدل على معناه، لا بإظهار ولا بإضمار، ولو جاز ذلك لنصب ما ولي (ليت، وكأن) بأتمنى وأشبه.
وفي الإجماع على امتناع ذلك دلالة على فساد إضمار (أستثني) وإذ بطلت هذه المذاهب تعين القول بأن الناصب للمستثنى هو (إلا) لا غير.
واعلم أن المنصوب بـ (إلا) على أربعة أضرب.
فمنه ما يتعين نصبه، ومنه ما يختار نصبه، ويجوز إتباعه للمستثنى منه، ومنه ما يختار نصبه متصلا، ويجوز رفعه على التفريغ، ومنه ما يختار إتباعه، ويجوز نصبه على الاستثناء.
فإن كان الاستثناء متصلا، وتأخر المستثنى عن المستثنى منه، وتقدم على (إلا) نفي: لفظًا، أو معنى، أو ما يشبه النفي، وهو النهي والاستفهام للإنكار اختير الإتباع.
مثال تقدم النفي لفظًا: ما قام أحد إلا زيد، وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ، ومثال تقدم النفي معنى كقول الشاعر: [من البسيط]
٢٤٨ - وبالصريمة منهم منزل خلق ... عافٍ تغير إلا النؤي والوتد
وقول الآخر: [من الخفيف]
٢٤٩ - لدم ضائعً تغيب عنه ... أقربوه إلا الصبا والدبور
стр. 214
فإن (تغير) بمعنى: لم يبق على حاله، و (تغيب) بمعنى: لم يحضر.
ومثال تقدم شبه النفي قولك: لا يقم أحد إلا عمرو، وهل أتى الفتيان إلا عامر؟ ونحوه قوله تعال: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) [آل عمران /١٣٥]، (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [الحجر /٥٦]، المعنى: ما يغفر الذنوب إلا الله، وما يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
فالمختار فيما بعد (إلا) من هذه الأمثلة، ونحوها إتباعه لما قبلها لوجود الشروط المذكورة، ونصبه على الاستثناء عربي جيد.
والدليل على ذلك قراءة ابن عامر قوله تعالى: (ما فعلوه إلا قليلا منهم) [النساء /٦٦]، وإن سيبويه روى عن يونس وعسيى جميعًا أن بعض العرب الموثوق بعربيتهم يقول: (ما مررت بأحدٍ إلا زيدًا، وما أتاني أحد إلا زيدًا).
والإتباع في هذا النوع على الإبدال عند البصريين وعلى العطف عند الكوفيين.
قال أبو العباس ثعلب: كيف تكون بدلا، وهو موجب، ومتبوعه منفي؟
وأجاب السيرافي: بأن قال: هو بدل منه في عمل العامل فيه، وتخالفهما بالنفي، والإيجاب لا يمنع البدلية، لأن مذهب البدل فيه: أن يجعل الأول كأنه لم يذكر، والثاني في موضعه، وقد يتخالف الموصوف والصفة نفيًا وإثباتًا نحو: مررت برجل لا كريم ولا لبيب.
وإن كان الاستثناء منقطعًا وجب نصب ما بعد (إلا) عند جميع العرب، إلا بني تميم فإنهم قد يتبعون في غير الإيجاب المنقطع، المؤخر في المستثنى منه، بشرط صحة [١١٨] الاستغناء عنه // بالمستثنى، فيقولون: ما فيها إنسان إلا وتد، ويقرؤون قوله تعالى: (ما لهم به من علمٍ إلا إتباع الظن) [النساء /١٥٧] لأنه يصح الاستغناء بالمستثنى عن المستثنى منه، كأن يقال: ما فيها إلا وتد، وما لهم إلا إتباع الظن، ومن ذلك:
стр. 215
[من الرجز]
٢٥٠ - وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
وقول الآخر: [من الطويل]
٢٥١ - عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
وقول الفرزدق: [من الطويل]
٢٥٢ - وبنيت كريمٍ قد نكحنا ولم يكن ... لنا خاطب إلا السنان وعامله
فلو لم يصح الاستغناء بالمستثنى عن المستثنى منه، كما في قوله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) [هود /٤٣] على ما تقدم تعين نصبه عند الجميع.
стр. 216
وإن كان الاستثناء متصلا بعد نفي، أو شبهه، والمستثنى متقدم على المستثنى منه، كما في نحو: ما جاء إلا زيدا أحد، وكقول الشاعر: [من الطويل]
٢٥٣ - وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب
امتنع جعل المستثنى بدلا، لأن التابع لا يتقدم على المتبوع، وكان الوجه فيه نصبه على الاستثناء، وقد يرفع على تفريغ العامل له، ثم الإبدال منه.
قال سيبويه: (حدثني يونس أن قومًا يوثق بعربيتهم يقولون: ما لي إلا أبوك ناصر فيجعلون ناصرًا بدلا، ونظيره قولك: ما مررت بمثلك أحد)، ومثل ما حكي يونس قول حسان ﵁: [من الطويل]
٢٥٤ - لأنهم يرجون منه شفاعةً ... إذا لم يكن إلا النبيون شافع
وإن كان الاستثناء متصلا بعد إيجاب تعين نصب المستثنى، سواء تأخر عن المستثنى منه، أو تقدم عليه، وذلك نحو: قام القوم إلا زيدًا، وقام إلا زيدًا القوم.
وقد وضح من التفصيل أن المستثنى بـ (إلا) في غير تفريغ على أربعة أضرب، كما ذكرنا، وقد بينها في الأبيات المذكورة، وبين ما يختار نصبه على إتباعه، بقوله:
....... وانصب ما انقطع ... وعن تميمٍ فيه إبدال وقع
وبين ما يختار نصبه على رفعه للتفريغ بقوله:
وغير نصبٍ سابقٍ في النقي قد ... يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
وبين ما يختار إتباعه على نصبه بقوله:
.......................... ... وبعد نفيٍ أو كنفيٍ انتخب
إتباع ما اتصل ................ ... .........................
стр. 217
مع ما يدل عليه قوله:
وغير نصبٍ سابقٍ في النفي ... قد يأتي ................
من اشتراط تقدم المستثنى منه على المستثنى، وبقي ما سوى ما ذكر على ما يقتضيه ظاهر قوله:
ما استثنت إلا مع تمامٍ ينتصب ... ....................
من تعين النصب.
[١١٩] ولما فرغ من بيان حكم الاستثناء // التام أخذ في بيان حكم الاستثناء المفرغ فقال:
٣١٩ - وإن يفرغ سابق إلا لما ... بعد يكن كما لو إلا عدما
يعني: وإن يفرغ العامل السابق على (إلا) من ذكر المستثنى منه للعمل فيها بعدها بطل عملها فيه، وأعرب بما يقتضيه ذلك العامل.
والأمر كما قال: فإنه يجوز في الاستثناء بـ (إلا) بعد النفي، أو شبهه أن يحذف المستثنى منه، ويقام المستثنى مقامه، فيعرب بما كان يعرب به، دون (إلا) لأنه قد صار خلفًا عن المستثنى منه، فأعطي إعرابه.
تقول: ما جاء إلا زيد، وما رأيت إلا زيدًا، وما مررت إلا بزيدٍ، فترفع (زيدًا) بعد (إلا) في الفاعلية، وتنصبه بالمفعولية، وتجره بتعدية مررت إليه بالباء، كما لو تكن (إلا) موجودة.
٣٢٠ - وألغ إلا ذات توكيدٍ كلا ... تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا
تكرر (إلا) بعد المستثنى بها لتوكيد ولغير توكيد. أما تكريرها للتوكيد فمع البدل والمعطوف بالواو.
مثالها مع البدل: ما مررت إلا بأخيك إلا زيد، تريد: ما مررت إلا بأخيك زيد. ونحوه: (لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا).
ومثالها مع المعطوف بالواو: ما قام إلا زيد وإلا عمرو، ونحوه قول الشاعر: [من الطويل]
٢٥٥ - هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
стр. 218
وقد جمع المثالين قول الآخر: [من الرجز]
٢٥٦ - ما لك من شيخك إلا عمله ... إلا رسيمه ولا رمله
فـ (إلا) المكررة في هذه الأمثلة زائدة مؤكدة للتي قبلها، لأن دخولها في الكلام كخروجها، فلا تعمل فيما تدخل عليه شيئًا، بل يبقي على ما كان عليه قبل دخولها: من تبعية في الإعراب لما قبله.
وأما تكرير (إلا) لغير توكيد فإذا قصد بها استثناء بعد استثناء، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يكون فيه المستثنى بالمكررة مباينًا لما قبله.
والآخر: أن يكون فيه المستثنى بها بعضًا لما قبله.
أما الضرب الأول فهو المراد بقوله:
٣٢١ - وإن تكرر لا لتوكيدٍ فمع ... تفريغٍ التأثير بالعامل دع
٣٢٢ - في واحدٍ مما بإلا استثنى ... وليس عن نصب سواه مغني
٣٢٣ - ودون تفريغٍ مع التقدم ... نصب الجميع احكم به والتزم [١٢٠] //
٣٢٤ - وانصب لتأخيرٍ وجئ بواحد ... منها كما لو كان دون زائد
٣٢٥ - كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي ... وحكمها في القصد حكم الأول
يعني: إذا كررت (إلا) لغير توكيد، والمستثنى بها مباين للمستثنى الأول، فإما أن يكون ما قبلها من العوامل مفرغًا، وإما أن يكون مشغولا.
فإن كان مفرغًا شغلٍ بأحد المستثنيين، أو المستثنيات، ونصب ما سواه، نحو: ما قام إلا زيد إلا عمرًا، إلا بكرًا، والأقرب إلى المفرغ أولى بعمله مما سواه.
وإن كان العامل مشغولا بالمستثنى منه، فللمستثنيين، أو المستثنيات النصب إن تأخر المستثنى منه، نحو: ما قام إلا زيدًا، إلا عمرًا، إلا بكرًا القوم، وإن لم يتأخر فلأحد المستثنيين، أو المستثنيات من الاتباع؟ والنصب ما له لو لم يستثن غيره وما سواه النصب، كقولك: ما جاء أحد إلا زيد إلا عمرًا، إلا بكرًا.
стр. 219
ومثله قوله:
لم يفوا إلا امرؤ إلا عليا ... ........................
وما بعد الأول من هذه المستثنيات مساو له في الدخول، إن كان الاستثناء من غير موجب، وفي الخروج إن كان الاستثناء من موجب.
وإلى هذا أشار بقوله:
......................... ... وحكمها في القصد حكم الأول
فإن قلت: إذا كانت هذه المستثنيات حكمها واحد، فلم لم يعطف بعضها على بعض؟
قلت: لأنه أريد بالمستثنى الثاني إخراجه من جملة ما بقي بعد المستثنى الأول، وبالمستثنى الثالث إخراجه من جملة ما بقي بعد المستثنى الثاني، وليس المراد إخراجها دفعة واحدة، وإلا وجب العطف.
وأما الضرب الثاني فلم يتعرض لذكره؛ لأن حكمه في الإعراب حكم الذي قبله. وأنا أذكره لأبين معناه، فأقول:
إذا كررت (إلا) مستثنى بها بعض لما قبلها فالمراد إخراج كل مستثنى من متلوه، ولك في معرفة المتحصل بعد ما يخرج بالاستثناء طريقان:
أحدهما: أن تجعل كل وتر كالأول، والثالث حطا من المستثنى منه، وكل شفعٍ كالثاني، والرابع جبرًا له، ثم لم يحصل فهو الباقي.
مثاله: له علي عشرة إلا ستة، إلا أربعة، إلا اثنين، إلا واحدًا. فالباقي بعد الاستثناء بالعمل المذكور سبعة، لأنا أخرجنا من العشرة ستة، لأنها أول المستثنيات، وأدخلنا أربعة، لأنها ثانية المستثنيات، فصار الباقي ثماينة، ثم أخرجنا اثنين، لأنها ثالثة المستثنيات، فصار الباقي ستة، ثم أدخلنا واحدًا، لأنه رابع المستثنيات، فصار الباقي سبعة.
الطريق الثاني: أن تحط الآخر مما يليه، ثم باقيه مما يليه، وكذا إلى الأول، فما يحصل فهو الباقي.
ولتعتبر ذلك في المثال المذكور، فتحط واحدًا من اثنين يبقي واحد، تحطه من أربعة، يبقي ثلاثة، تحطها من ستة يبقي ثلاثة، تحطها من عشرة، يبقي سبعة، وهو [١٢١] الجواب. //
стр. 220
٣٢٦ - واستثن مجرورًا بغيرٍ معربا ... بما لمستثنىً بإلا نسبا
استعمل بمعنى (إلا) كلمات، فاستثنى بها، كما يستثنى بـ (إلا) وهي (غير، وسوى، وسواء، وليس، ولا يكون، وحاشا، وخلا، وعدا).
فأما (غير) فاسم ملازم للإضافة.
والأصل فيها: أن تكون صفة دالة على مخالفة صاحبها لحقيقة ما أضيفت إليه، وتتضمن معنى (إلا).
وعلامة ذلك صلاحية إلا مكانها. فيجر المستثنى بها، وتعرب هي بما يستحقه المستثنى بـ (إلا): من نصب لازم، أو نصب مرجح عليه الإتباع، أو نصب مرجح على الإتباع، أو تأثر بعامل مفرغ تقول: (جاءني القوم غير زيدٍ) بنصب لازم، و (ما جاءني أحد غير زيدٍ) بنصب مرجح عليه الإتباع و (ما لزيدٍ علم غير ظن)، وبنصب مرجح على الإتباع، و (ما جاءني غير زيدٍ) بإيجاب التأثر بالعامل المفرغ، فتفعل بـ (غير) ما كنت تفعل بالواقع بعد (إلا) وليس بينهما من الفرق، إلا أن نصب ما بعد (إلا) في غير الإتباع، والتفريغ نصب بـ (إلا) على الاستثناء، ونصب (غير) هناك بالعامل الذي قبلها على أنها حال، تؤدي معنى الاستثناء.
٣٢٧ - ولسوي سوي سواءٍ اجعلا ... على الأصح ما لغيرٍ جعلا
(سوي، وسواء) لغتان في (سوى) وهي مثل (غير) معنى واستعمالا فيستثنى بها متصل، نحو: قاموا سوى زيدٍ، ومنقطع، كقول الشاعر: [من البسيط]
٢٥٧ - لم ألف في الدار ذا نطق سوي طلل ... قد كاد يعفو وما بالعهد من قدم
ويوصف بها كقول الآخر: [من الوافر]
٢٥٨ - أصابهم بلاء كان فيهم ... سوى ما قد أصاب بني النضير
وتقبل أثر العوامل المفرغة، كقوله ﷺ : (دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسهم).
стр. 221
وقوله ﷺ : (ما أنتم في سواكم من الأمم، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض).
وكقول بعضهم حكاه الفراء (أتاني سواك)، وقول الشاعر: [من الهزج]
٢٥٩ - ولم يبق سوى العدوان ... دناهم كما دانوا
وقول الآخر: [من الكامل]
٢٦٠ - وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
وقول الآخر: [من الخفيف]
٢٦١ - ذكرك الله عند ذكر سواه ... صارف عن فؤادك الغفلات
[١٢٢] // وجعل سيبويه (سوي) ظرفًا، غير متصرف، فقال في باب: ما يحتمل تصرفه للشعر، وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلا ظرفًا بمنزلة غيره من الأسماء، وذلك قول المرار العجلي: [من الطويل]
٢٦٢ - ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا
стр. 222
فهذا نص منه على أن (سوي) ظرف، ولا تفارقها الظرفية إلا في الضرورة. ولا شك أن (سوي) تستعمل ظرفًا على المجاز، فيقال: رأيت الذي سواك، كما يقال: رأيت الذي مكانك.
ولكن هذا الاستعمال لا يلزمها، بل تفارقه، وتستعمل استعمال (غير)، كما أنبأت عنه الشواهد المذكورة.
فليس الأمر في (سوى) كما قال سيبويه.
٣٢٨ - واستثن ناصبًا بليس وخلا ... وبعدا وبيكون بعد لا
٣٢٩ - واجرر بسابقي يكون إن ترد ... وبعد ما انصب وانجرار قد يرد
٣٣٠ - وحيث جرا فهما حرفان ... كما هما إن نصبا فعلان
٣٣١ - وكخلا حاشا ولا تصحب ما ... وقيل حاش وحشى فاحفظهما
من أدوات الاستثناء (ليس، ولا يكون) وهما الرافعان الاسم، الناصبان الخبر، فلهذا يجب نصب ما استثني بهما لأنه الخبر.
وأما اسمهما فالتزم إضماره؛ لأنه لو ظهر لفصلهما عن المستثنى، وجهل قصد الاستثناء، تقول، قاموا ليس زيدًا، وكما في الحديث (يطبع المؤمن على كل خلقٍ، ليس الخيانة والكذب) والمعنى: إلا الخيانة والكذب، والتقدير: ليس بعض خلقه الخيانة والكذب، ثم أضمر بعض، لدلالة كل عليه، كما في قوله تعالى: (فإن كن نساءً) [النساء /١١] بعد قوله (يوصيكم الله في أولادكم) [النساء /١١] والتزم حذفه للدلالة على الاستثناء.
وتقول: قاموا لا يكون زيدًا، وهو مثل: قاموا ليس زيدًا، في أن معناه إلا زيدًا، وتقديره: قاموا لا يكون بعضهم زيدًا.
ومن أدوات الاستثناء (خلا، وعدا، وحاشا).
فأما (خلا وعدا) فينصب ما بعدهما، ويجر، تقول: قام القوم خلا زيدًا، وعدا عمرًا بالنصب، وإن شئت جررت، فقلت: قام القوم خلا زيدٍ، وعدا عمروٍ، فالجر على أنهما حرفان مختصان بالأسماء، وغير منزلين منها منزلة الجزء، فعملا فيها الجر، وحسن فيهما ذلك، وإن لم يعديا ما قبلهما إلى ما بعدهما لقصد الدلالة به على الحرفية.
стр. 223
وأما النصب فعلى أنهما فعلان ماضيان، غير متصرفين لوقوعهما موقع الحرف، والمستثنى بعدهما مفعول به، وضمير ما سواه من المستثنى منه هو الفاعل.
[١٢٣] // فإذا قلت، قاموا خلا زيدًا، فالتقدير: قاموا جاوز غير زيد منهم زيدًا، وكذا إذا قلت: قاموا عدا عمرًا.
وتدخل (ما) على (عدا، وخلا) نحو: قاموا ما عدا زيدًا، وما خلا عمرًا، فيجب نصب ما بعدهما، بناء على أن (ما) مصدرية فيجب فيما بعدها أن يكون فعلا ناصبًا للمستثنى، لأن ما المصدرية لا يليها حرف جر، وإنما توصل بجملة فعلية، وقد توصل بجملة اسمية.
فإن قلت: إذا كانت (ما) مصدرية فهي، وما عملت فيه في تأويل المصدر، فما موضعه من الإعراب؟ قلت: نصب: إما على الحال، على معنى قاموا مجاوزًا غير زيد منهم زيدًا، وإما على الظرفية على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، على معنى: قاموا مدة مجاوزتهم زيدًا. وروى الجرمي عن بعض العرب جر ما استثني بـ (ما عدا وما خلا)، وإلى ذلك الإشارة بقوله:
..................... ... ............ وانحرار قد يرد
والوجه فيه: أن يجعل (ما) زائدة، و (عدا، وخلا) حرفي جر. وفيه شذوذ، لأن (ما) إذا زيدت مع حرف جر لا تتقدم عليه، بل تتأخر عنه، نحو قوله تعالى: (فبما رحمةٍ من الله) [آل عمران /١٥٩] و (عما قليل) [المؤمنون /٤٠].
وأما (حاشا) فمثل (خلا) إلا في دخول (ما) عليها، فيستثنى بها مجرور، نحو قاموا حاشا زيدٍ، ومنصوب، نحو: قاموا حاشا زيدًا.
فالجر على أنها حرف، والنصب على أنها فعل غير متصرف، والمستثنى مفعوله، وضمير ما سواه الفاعل، كما في النصب بعد (خلا). ولا فرق بينهما إلا أن (خلا) تدخل عليها (ما) و (حاشا) لا تدخل عليها (ما). فلا يقال: قاموا ما حاشا زيدًا، إلا ما ندر، كما في قوله ﷺ : (أسامة أحب الناس إلى ما حاشا فاطمة).
стр. 224
ويقال: في حاشا: (حاش) كثيرًا، و (حشى) قليلا.
والتزم سيبويه حرفية (حاشا) وفعلية (عدا)، ولم يتابع عليه لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح النصب بعد (حاشا) والجر بعد (عدا) فوجب أن يكونا بمنزلة (خلا).
حكي أبو عمرو الشيباني: اللهم اغفر لي، ولمن يسمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ. وقال المرزوقي في قول الشاعر: [من الكامل]
٢٦٣ - حاشا أبي ثوبان إن أبا ... ثوبان ليس ببكمة فدم
رواه الضبي: (حاشا أبا ثوبان) بالنصب. وأنشدوا في حرفية (عدا) والجر بها: [من الوافر]
٢٦٤ - تركنا في الحضيض بنات عوجٍ ... عواكف قد خضعن إلى النسور
أبحنا حبهم قتلا وأسرًا ... عدا الشمطاء والطفل الصغير
стр. 225
الحال
٣٣٢ - الحال وصف فضلةً منتصب ... مفهم في حال كفردًا أذهب [١٢٤] //
٣٣٣ - وكونه منتقلا مشتقًا ... يغلب لكن ليس مستحقًا
الحال: هو الوصف، المذكور فضلة لبيان هيئة ما هو له.
(فالوصف) جنس، يشمل الحال المشتقة، نحو: جاء زيد راكبًا، والحال المؤولة بالمشتق، كقوله تعالى: (فانفروا ثباتٍ) [النساء /٧١]، ومخرج نحو: (القهقري) من قولك: رجعت القهقري، و (المذكور فضلة) يخرج الخبر من نحو: زيد قائم، وعمرو قاعد، و (لبيان هيئة ما هو له) يخرج التمييز من نحو: (لله دره فارسًا) والنعت من نحو: مررت برجلٍ راكبٍ، فإن التمييز في ذلك، والنعت في ذا ليس واحد منهما مذكورا لقصد بيان الهيئة، بل التمييز مذكور لبيان جنس المتعجب منه، والنعت مذكور لتخصيص الفاعل، ووقع بيان الهيئة بهما ضمنًا.
وقوله:
الحال وصف فضلة منتصب ... مفهم في حال ... .
أي: في حال كذا فيه، مع إدخال حكم في الحد بقوله: (منتصب) إنه حد غير مانع، لأنه يشمل النعت، ألا ترى أن قولك: مررت برجلٍ راكبٍ في معنى: مررت برجل في حال ركوبه، كما أن قولك جاء زيد ضاحكًا، في معنى: جاء زيد في حال ضحكه.
стр. 226
فلأجل ذلك عدلت عن هذه العبارة إلى قولي: (المذكور فضلةً لبيان هيئة ما هو له). وحق الحال النصب، لأنها فضلة، والنصب إعراب الفضلات.
والغالب في الحال أن تكون منتقلة مشتقة، أي: وصفًا غير ثابت، مأخوذًا من فعل مستعمل.
وقد تكون وصفًا ثابتًا، وقد تكون جامدة، فتكون وصفًا ثابتًا إذا كانت مؤكدة، نحو قوله تعالى: (هو الحق مصدقًا) [فاطر /٣١]، وزيدًا أبوك عطوفًا، أو كان عاملها دالا على تجدد صاحبها، كقولهم: (خلق الله الزرافة: يديها أطول من رجليها) ومنه قوله تعالى: (وخلق الإنسان ضعيفًا) [النساء /٢٨] وقوله تعالى: (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) [الأنعام /١١٤] وقوله تعالى: (ويوم أبعث حيًا) [مريم /٣٣].
وإذا لم يكن كذلك فلابد من كونها منتقلة، لا تقول: جاء زيد طويلا، ولا جاء زيدً أبيض، ولا ما أشبه ذلك، لأنه بعيد عن الإفادة.
وتكون الحال جامدة إذا كانت في تأويل المشتق، كقوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين) [النساء /٨٨]، وقوله تعالى: (فتم ميقات ربه أربعين ليلةً) [الأعراف /١٤٢]، وقوله تعالى: (هذه ناقة الله لكم آية) [الأعراف /٧٣]، وقولهم: (هذا خاتمك حديدًا) و (هذه جبتك خزا).
والأكثر في كلامهم أن تكون الحال مشتقة، لأنه لابد أن تدل على حدث وصاحبه، وإلا لم تفد بيان هيئة ما هي له.
والأكثر فيما يدل على حدث، وصاحبه أن يكون مشتقًا، نحو: ضارب، وعالم، وكريم. وقد يكون جامدًا في تأويل المشتق، كقولهم: (مررت بقاع عرفج) أي: خشن، وبناقة علاة، أي: قوية.
стр. 227
وكقول الشاعر: [من الوافر]
٢٦٥ - فلولا الله والمهر المفدى ... لرحت وأنت غربال الإهاب
[١٢٥] // أي: ممزق الجلد.
فلما كان مجيء الوصف مشتقًا أكثر من مجيئه جامدًا كان مجيء الحال مشتقة أكثر من مجيئها جامدة.
وقد كثر جمودها في مواضع، فنبه عيها بقوله:
٣٣٤ - وتكثر الجمود في سعرٍ وفي ... مبدي تأولٍ بلا تكلف
٣٣٥ - كبعه مدا بكذا يدًا بيد ... وكر زيد أسدًا أي كأسد
أكثر ما يكون الجامد حالا إذا كان مؤولا بالمشتق، تأويلا غير متكلف. كما إذا كان موصوفًا، كقوله تعالى: (فتمثل لها بشرًا سويًا) [مريم /١٧]، أو كان دالا إما على سعر نحو: بعت الشاء شاةً بدرهمٍ، وبعت البر قفيزًا بدرهم، وإما على مفاعلة، نحو: كلمته فاه إلى في، وبايعته يدًا بيد، كأنك قلت: كلمته مشافهًا، وبايعته مناجزًا، وإما على تشبيه، نحو: كر زيد أسدًا، أي كر مثل أسد. ومنه قولهم: (وقع المصطرعان عدلي عير).
وقول الشاعر: [من الطويل]
٢٦٦ - أفي السلم أعيارًا جفاءً وغلظةً ... وفي الحرب أمثال النساء العوارك
стр. 228
وقول الآخر: [من الكامل]
٢٦٧ - مشق الهواجر لحمهن مع السرى ... حتى ذهبن كلاكلا وصدورا
وإما على غير ذلك، كما إذا دل على ترتيب، نحو: ادخلوا رجلا رجلا، وتعلمت الحساب بابًا بابًا، أو على أصالة الشيء كقوله تعالى: (قال أأسجد لمن خلقت طينًا) [الإسراء /٦١]، ونحوه: هذا خاتمك حديدًا، أو على فرعيته، نحو: هذا حديدك خاتمًا، أو على نوعه نحو: هذا مالك ذهبًا، أو على كون واقع فيه تفضيل، نحو: (هذا بسرًا أطيب منه رطبًا).
٣٣٦ - والحال إن عرف لفظًا فاعتقد ... تنكيره معنًى كوحدك اجتهد
لما كان الغرض من الحال إنما هو بيان هيئة الفاعل والمفعول، أو الخبر، كما في نحو: جاء زيد راكبًا، وضربت اللص مكتوفًا، و (هو الحق مصدقًا) [فاطر /٣١]. وكان ذلك البيان حاصلا بالنكرة التزموا تنكير الحال احترازًا عن العبث والزيادة لا لغرض وأيضًا فإن الحال ملازم للفضلية، فاستثقل واستحق التخفيف بلزوم التنكير، فإن غيره من الفضلات إلا التمييز يفارق الفضلية، ويقوم مقام الفاعل، كقولك في ضربت زيدًا: ضرب زيد، وفي اعتكفت يوم الجمعة: اعتكف يوم الجمعة، وفي سرت سيرًا طويلا: سير سير طويل، وفي قمت إجلالا لك: قيم لإجلالك: فلصلاحية ما سوى الحال، والتمييز من الفضلات لصيرورته عمدة جاز تعريفه بخلاف الحال والتمييز.
وقد يجيء الحال معرفًا بالألف واللام، أو بالإضافة فيحكم بشذوذه، وتأويله [١٢٦] بنكرة. فمن المعرف بالألف واللام قولهم: (ادخلوا // الأول فالأول) أي: مرتبين، و (جاؤوا الجماء الغفير) أي: جميعًا، و: [من الوافر]
٢٦٧ م أرسلها العراك ... . ...
стр. 229
أي: معتركة. وقرأ بعضهم قوله تعالى: (لنخرجن الأعز منها الأذل) [المنافقون /٨].
ومن المعرف بالإضافة قولهم: (جلس زيد وحده) أي: منفردًا، ومثله: (رجع عوده على بدئه)، و (فعل ذلك جهده وطاقته) و (جاؤوا جميعًا، وتفرقوا متبددين تبددًا، لا بقاء معه.
ومن هذا القبيل قول أهل الحجاز: جاؤوا ثلاثتهم، والنساء ثلاثهن إلى عشرتهم، وعشرهن: النصب عند الحجازيين على تقدير: جميعًا، ورفعه التميميون توكيدًا على تقدير: جميعهم وجميعهن.
٣٣٧ - ومصدر منكر حالا يقع ... بكثرةٍ كبغتةً زيد طلع
الحال وصاحبها خبر، ومخبر عنه في المعنى، فحق الحال أن تدل على ما يدل عليه نفس صاحبها، كالخبر بالنسبة إلى المبتدأ.
ومقتضى هذا ألا يكون المصدر حالا، لئلا يلزم الإخبار بمعنى عن عين، فإن ورد شيء من ذلك حفظ، ولم يقس عليه، إلا فيما أذكره لك.
فمن ورود المصدر حالا قولهم: (طلع زيد علينا بغتةً و (قتلته صبرًا) و (لقيته فجاءةً) و (كلمته شفاهًا) و (أثبته ركضًا ومشيًا).
وذهب الأخفش والمبرد إلى أن المصادر الواقعة موقع الأحوال مفعولات مطلقة، العامل في كل منها فعل محذوف، هو الحال.
وليس بمرضي لأنه لا يجوز الحذف إلا لدليل. ولا يخلو إما أن يكون لفظ المصدر
стр. 230
المنصوب، أو عامله، فإن كان لفظ المصدر فينبغي أن يجوز ذلك في كل مصدر له فعل، ولا يقتصر على السماع، ولا يمكن أن يكون عامل المصدر؛ لأن القتل لا يشعر بالصبر، ولا اللقاء بالفجاءة، ولا الإتيان بالركض. وقد أطرد ورود المصدر حالا في أشياء:
منها قولهم: (أنت الرجل علمًا وأدبًا ونبلا) أي: الكامل في حال علم وأدب ونبل.
ومنها قولهم: (زيد زهير شعرًا، وحاتم جودًا، والأحنف حلمًا) أي: مثل زهير في حال شعر، ومثل حاتم في حال جود، ومثل الأحنف في حال حلم. ومنها قولهم: (أما علمًا فعالم) والأصل في هذا: أن رجلا وصف عنده رجل بعلم وغيره، فقال للواصف: (أما علمًا فعالم) يريد: مهما يذكر إنسان في حال علم فالذي ذكرت عالم، كأنه منكر ما وصفه به من غير العلم، فصاحب الحال على هذا التقدير المرفوع بفعل الشرط المحذوف، وهو ناصب الحال. ويجوز أن يكون ناصبه ما بعد الفاء، والحال على هذا مؤكدة، والتقدير: مهما يكن من شيء، فالمذكور عالم في حال علم.
وبنو تميم يلتزمون رفع المصدر بعد (أما) إذا كان معرفة، ويجيزون رفعه، ونصبه إذا كان نكرة. والحجازيون: نصب المعرف ورفعه، ويلتزمون نصب المنكر.
[١٢٧] وسيبويه: // يجعل المنصوب المعرف مفعولا له.
والأخفش: يجعل المنصوب مصدرًا، مؤكدًا في التعريف والتنكير، ويجعل العامل فيه ما بعد الفاء. والتقدير: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم علمًا. ولم يطرد مجيء المصدر حالا في غير ما ذكر.
ورواه المبرد مطردًا فيما هو نوع من العامل، نحو: أتيته سرعةً، وقوله:
ومصدر منكر حالا يقع ... بكثرةٍ .......................
فيه تنبيه على وقوع المصدر المعرفة حالا بقلة، كقولهم: (أرسلها العراك). وهو على التأويل بمعتركة، كما تقدم.
٣٣٨ - ولم ينكر غالبًا ذو الحال إن ... لم يتأخر أو يخصص أو يبن
٣٣٩ - من بعد نفيٍ أو مضاهيه كلا ... يبغ امرؤ على امرئٍ مستسهلا
قد تقدم أن الحال وصاحبها خبر، ومخبر عنه في المعنى، فأصل صاحبها أن يكون معرفة، كما أن أصل المبتدأ أن يكون معرفة.
стр. 231
وكما جاز أن يبتدأ بالنكرة بشرط وضوح المعنى، وأمن اللبس كذلك يكون صاحب الحال نكرة بشرط وضوح المعنى، وأمن اللبس. ولا يكون ذلك غالبًا إلا بمسوغ.
فمن المسوغات: تقدم الحال عليه، كقولك: هذا قائمًا رجل، ونحوه ما أنشده سيبويه: [من الطويل]
٢٦٨ - وفي الجسم مني بينا لو علمته ... شحوب وإن تستشهدي العين تشهد
ومنها أن يتخصص: إما بوصف، كقوله تعالى: (فيها يفرق كل أمرٍ حكيمٍ * أمرًا من عندنا) [الدخان /٤ - ٥]. وكقول الشاعر: [من البسيط]
٢٦٩ - نجيت يا رب نوحًا واستجبت له ... في فلكٍ ماخرٍ في اليم مشحونا
وإما بإضافة كقوله تعالى: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيامٍ سواء للسائلين) [فصلت /١١]. ومنها أن يتقدم قبل صاحب الحال نفي أو نهي أو استفهام، وإلى ذلك الإشارة بقوله:
........................ ... .................. أو يبن
أي يظهر.
من بعد نفي .................. ... ................
أو كنفي.
стр. 232
فمثال تقدم النفي قولك: ما أتاني أحد إلا راكبًا، ونحوه قوله تعالى: (وما أهلكنا من قريةٍ إلا ولها كتاب معلوم) [الحجر /٤].
ومثال تقدم النهي قولك: (لا يبغ امرؤ على امرئٍ مستسهلا) ونحوه قول الطرماح: [من الكامل]
٢٧٠ - لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفًا لحمام
مثال تقدم الاستفهام قولك: أجاءك رجل راكبًا؟.
قال الشاعر: [من البسيط]
٢٧١ - يا صاح هل حم عيش باقيًا فترى ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا
وقوله:
ولم ينكر غالبًا ذو الحال ......... ... ....................
احترز بـ (غالبًا) من مجيء صاحب الحال نكرة، بدون شيء من المسوغات المذكورة، كقولهم: (مررت بماءٍ قعدة رجل) و (عليه مائة بيضًا).
[١٢٨] حكي ذلك // سيبويه وأجاز: فيها رجل قائمًا، وجاء في الحديث: (فصلى رسول الله ﷺ قاعدًا، وصلى وراءه رجال قيامًا).
стр. 233
٣٤٠ - وسبق حالٍ ما بحرفٍ جر قد ... أبوا ولا أمنعه فقد ورد
الأصل تأخير الحال عن صاحبها، ويجوز تقديمها عليه، نحو: جاء مسرعًا زيد، كما يجوز تقدم الخبر على المبتدأ. وقد يعرض ما يوجب هذا التقديم، أو يمنع منه. فيوجب تقديم الحال على صاحبها أسباب:
منها: كون صاحبها مقرونًا بـ (إلا)، أو ما في معناها، نحو: ما قام مسرعًا إلا زيد، وإنما قام مسرعًا زيد.
ومنها: إضافة صاحبها إلى ضمير ما لابس الحال، نحو: جاء زائرًا هندًا أخوها وانطلق منقادًا لعمرو صاحبه. ويمنع من تقديم الحال على صاحبها أسباب:
منها: اقتران الحال بـ (إلا) لفظًا، أو معنى نحو: ما قام زيدً إلا مسرعًا، وإنما قام زيد مسرعًا.
ومنها أن يكون صاحبها مجرورًا بالإضافة، نحو: عرفت قيام زيدٍ مسرعًا، وهذا شارب السويق ملتوتًا.
لا يجوز في نحو هذا تقديم الحال على صاحبها، واقعة بعد المضاف، لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه، ولا قبله، لأن نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول، فكما لا يتقدم ما يتعلق بالصلة على الموصول، كذلك لا يتقسم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف.
ومنها: أن يكون صاحب الحال مجرورًا بحرف جر: نحو: مررت بهندٍ جالسة. قال أكثر النحويين: لا يجوز مررت جالسةً بهندٍ. وغلى ذلك الإشارة بقوله:
وسبق حالٍ ما بحرفٍ جر قد ... أبوا ................
وعللوا منع ذلك: بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضًا من الاشتراك في الواسطة التزام التأخير.
ومنهم من علله بالحمل على حال المجرور بالإضافة.
ومنهم من علله بالحمل على حال عمل فيه حرف جر، متضمن استقرارًا، نحو: زيد في الدار متكئًا.
стр. 234
وخالفهم الشيخ ﵀ في هذه المسألة، وأجاز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف، كما هو مذهب أبي علي، وابن كيسان، حكاه عنهما ابن برهان. والحجة في ذلك قول الشاعر: [من الطويل]
٢٧٢ - فإن تك أدواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغًا بقتل حبال
أراد: فلن يذهبوا بدم حبال فرغًا. و (حبال) اسم رجل. ومثل ذلك قول الشاعر: [من الطويل]
٢٧٣ - لئن كان برد الماء هيمان صاديًا ... إلى حبيبًا إنها لحبيب
[١٢٩] أراد: لئن كان برد الماء حبيبًا إلى هيمان صاديًا. وقول الآخر: // [من الطويل]
٢٧٤ - تسليت طرًا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
وقول الآخر: [من الخفيف]
٢٧٥ - غافلا تعرض المنية للمر ... ء فيدعى ولات حين إباء
وقول الآخر: [من الكامل]
٢٧٦ - مشغوفة بك قد شغفت وإنما ... حم الفراق فما إليك سبيل
стр. 235
٣٤١ - ولا تجز حالا من المضاف له ... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
٣٤٢ - أو كان جزء ما له أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحيفا
العامل في الحال هو العامل في صاحبها حقيقة، كما في نحو: جاء زيدٌ راكبًا، أو حكمًا، كما في نحو: هذا زيد قائمًا، فإن (قائمًا) حال من (زيد) والعامل فيها ما في هذا من معنى أشير، وليس بعامل في زيد حقيقة، بل حكمًا.
ألا ترى أن قولك: هذا زيد قائمًا: في معنى قولك: أشير إليه في حال قيامه، ولا يجوز أن يكون العامل في الحال غير العامل في صاحبها حقيقة، أو حكمًا ألبتة.
وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا يجوز أن يكون الحال من المضاف إليه، إلا إذا كان المضاف إليه عاملا في الحال، أو جزء ما أضيف إليه، أو مثل جزئه، فإن لم يكن شيئًا من ذلك امتنع مجيء الحال من المضاف إليه، لا تقول: جاء غلام هندٍ جالسةً، لأن الحال لابد لها من عامل فيها، وليس في الكلام إلا الفعل، والمضاف، ولا يصح في واحد منهما أن يكون عاملا في الحال.
أما المضاف، فلأنه لو كان عاملا فيها للزم كون المعنى: جاء غلام استقر، وحصل لهندٍ جالسة، وليس بمراد قطعًا.
وأما الفعل فلأنه لو كان عاملا فيها للزم كون العامل في الحال غير العامل في صاحبها حقيقة، وحكمًا، وإنه محال.
فلو صح كون المضاف عاملا في الحال: بأن كان فيه معنى الفعل، كما في نحو: (عرفت قيام زيدٍ مسرعًا) جازت المسألة، إذ لا محذور، قال الله تعالى: (إلى الله مرجعكم جميعًا) [المائدة /٤٨]، وقال الشاعر: [من الطويل]
٢٧٧ - تقول ابنتي إن انطلاقك واحدًا ... إلى الروع يومًا تاركي لا أبا ليا
وكذلك لو كان المضاف جزء ما أضيف إليه، كقوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا) [الحجر /٤٧]، أو مثل جزئه في صحة الاستغناء عنه بالمضاف إليه، كقوله تعالى: (ملة إبراهيم حنيفًا) [النحل /١٢٣].
стр. 236
وإنما جاز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه جزأه، أو كجزئه لأنه إذا كان كذلك يصح في العامل في المضاف أن يعمل في الحال، لأنه عامل في صاحبها [١٣٠] // حكمًا بدليل صحة الاستغناء به عن المضاف، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: ونزعنا ما فيهم من غل إخوانًا، واتبعوا إبراهيم حنيفًا لكان سائغًا حسنًا، بخلاف الذي يضاف إليه ما ليس جزءًا، ولا كجزء مما ليس بمعنى الفعل، فإنه لا سبيل إلى جعله صاحب حال بلا خلاف.
٣٤٣ - والحال إن ينصب بفعل صرفا ... أو صفةٍ أشبهت المصرفا
٣٤٤ - فجائز تقديمه كمسرعا ... ذا راحل ومخلصًا زيد دعا
٣٤٥ - وعامل ضمن معنى الفعل لا ... حروفه مؤخرًا لن يعملا
٣٤٦ - كتلك ليت وكأن وندر ... نحو سعيد مستقرًا في هجر
٣٤٧ - ونحو زيد مفردًا أنفع من ... عمرو معانًا مستجاز لن يهن
يجوز تقدم الحال على عاملها إذا كان فعلا متصرفًا، كقوله: (مخلصًا زيد دعا) ومثله قولهم: (شتى تؤوب الحلبة).
وإذا كان صفة تشبه الفعل المتصرف بتضمن معناه، وحروفه، وقبول علامات الفرعية مطلقًا فهو في قوة الفعل، ويستوي في ذلك اسم الفاعل، كقوله: (مسرعًا ذا راحل) واسم المفعول، والصفة المشبهة باسم الفاعل، كقول الشاعر: [من الطويل]
٢٧٨ - لهنك سمح ذا يسار ومعدمًا ... كما قد ألفت الحلم مرضىً ومغضبا
فلو قيل في الكلام: إنك ذا يسارٍ، ومعدمًا سمح لجاز، لأن (سمحًا) عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل، لتضمنه حروف الفعل ومعناه، مع قبوله لعلامة التأنيث والتثنية والجمع، وأفعل التفصيل متضمن حروف الفعل ومعناه، ولا يقبل علامات
стр. 237
الفرعية مطلقًا، فضعف، وانحط درجة عن اسم الفاعل، والصفة المشبهة به، فجعل موافقًا للجوامد غالبًا، كما سيأتي ذكره.
وقوله:
فجائز تقديمه ................. ... .......................
يعني: إن لم يمنع مانع، ولكنه طوى ذكره اعتمادًا على قرينة ما تقدم من نظائره.
فمن موانع التقدم على العامل المتصرف كونه نعتًا، نحو: مررت برجلٍ ذاهبةً فرسه، مكسورًا سرجها، أو مصدرًا مقدرًا بالحرف المصدري نحو: سرني ذهابك غازيًا، أو فعلا مقرونًا بلام الابتداء، نحو: لأعظنك ناصحًا، أو القسم، نحو: لأقومن طائعًا، أو صلة للألف واللام، أو صلة حرف مصدري، نحو: أنت المصلي فذا، ولك أن تنتفل قاعدًا.
ومن موانع تقديم الحال على عاملها كونه فعلا غير متصرف، أو جامدًا، مضمنًا معنى الفعل، دون حروفه، أو صفة تشبه الفعل غير المتصرف، وهي أفعل التفضيل.
[١٣١] أما // الفعل غير المتصرف فنحو: ما أحسن زيدًا ضاحكًا، وأما الجامد المضمن معنى الفعل، دون فكاسم الإشارة، وحرف التمني، أو التشبيه، وكالظرف،
أو حرف الجر، المضمن استقرارًا، نحو: تلك هند منطلقة، وليته مقيمًا عندنا، وكأنك طالعًا البدر، وزيد عندك قاعدًا، وخالد في الدار جالسًا.
فـ (منطلقة) حال من (هند) والعامل فيها ما في (تلك) من معنى: أشير، و (مقيمًا) حال من (الهاء) والعامل فيها ما في (ليت) من معنى: (أتمنى)، و (طالعًا) حال من (الكاف) والعامل فيها ما في (كأن) من معنى: أشبه، و (قاعدًا) حال من الضمير في الظرف، والعامل فيها ما في الظرف من معنى الاستقرار، و (جالسًا) حال من الضمير في الجار، والعامل فيها ما فيه من معنى الفعل وهكذا جميع ما تضمن معنى الفعل دون حروفه، (كأما) وحرف التنبيه، والترجي، والاستفهام المقصود به التعظيم، نحو: [من م. الكامل]
٢٧٩ - يا جارتا ما أنت جاره
стр. 238
فإنه لا يجوز تقديم الحال على شيء منها.
وأجاز الأخفش إذا كان العامل في الحال ظرفًا، أو حرف جر، مسبوقًا باسم ما الحال له توسط الحال: صريحة كانت، نحو: (سعيد مستقرًا في هجر) أو بلفظ الظرف، أو حرف الجر، كقولك: زيد من الناس في جماعةٍ، تريد زيد في جماعة من الناس، ولا شك أن مثل هذا قد وجد في كلامهم، ولكن لا ينبغي أن يقاس عليه، لأن الظروف المضمنة استقرارًا بمنزلة الحروف في عدم التصرف، فكما لا يجوز تقديم الحال على العامل الحرفي، كذا لا يجوز تقديمها على العامل الظرفي، وما جاء منه مسموعًا يحفظ، ولا يقاس عليه.
ومن شواهده قول الشاعر: [من الكامل]
٢٧٩ م رهط ابن كوز محقبي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حذار
وقول الآخر: [من الطويل]
٢٨٠ - بنا عاد عوف وهو بادئ ذلةٍ ... لديكم فلم يعدم ولاءً ولا نصرا
وقول الآخر: [من الطويل]
٢٨١ - ونحن منعنا البحر أن تشربوا به ... وقد كان منكم ماؤه بمكان
فأما قراءة من قر (والسموات مطوياتٍ بيمينه) [الزمر /٦٧] فلا حجة فيه لإمكان جعل (السموات) عطفًا على الضمير في (قبضته) و (مطويات) منصوب بها، و (بيمينه) متعلق بمطويات.
стр. 239
وأما أفعل التفضيل فإنه، وإن انحط درجة عن اسم الفاعل، والصفة المشبهة به فله مزية على العامل الجامد، لأن فيه ما في الجامد من معنى الفعل، ويفوقه بتضمن حروف الفعل، ووزنه، فجعل موافقًا للعامل الجامد، في امتناع تقديم الحال عليه، إذا لم يتوسط بين حالين، نحو: (هو أكفؤهم ناصرًا). وجعل موافقًا لاسم الفاعل في جواز [١٣٢] التقديم عليه إذا توسط حالين // نحو: (زيد مفردًا أنفع من عمروٍ معانًا) ومثله: (هذا بسرًا أطيب منه رطبًا).
وليس هذا على إضمار إذا كان فيما يستقبل، أو إذا كان فيما مضى، كما ذهب إليه السيرافي، ومن وافقه، لأنه خلاف قول سيبويه، وفيه تكلف إضمار ستة أشياء من غير حاجة، ولأن أفعل هنا كأفعل في قوله تعالى: ((هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان) [آل عمران /١٦٧] في أن القصد بهما تفضيل شيء على نفسه باعتبار متعلقين، فكما اتحد هنا المتعلق به كذا يتحد فيما ذكرنا، وبعد تسليم الإضمار بلزوم إعمال أفعل في إذا، أو إذ فيكون ما وقع فيه شبيهًا بما فر منه.
والحذاق من النحويين يخالفون السيرافي فيما ذهب إليه.
قال أبو علي في التذكرة: (مررت برجل خير ما يكون خيرٍ منك خير ما تكون) العامل (في خير ما يكون) (خير منك) لا (مررت) بدلالة: (زيد خير ما يكون خير منك خير ما تكون).
وصحح أبو الفتح قول أبي علي في ذلك.
وقال ابن كيسان: تقول: زيدً قائمًا أحسن منه قاعدًا، والمراد بزيد حسنه في قيامه على حسنه في قعوده، فلما وقع التفضيل في شيء على شيء وضع كل واحد منهما في الموضع الذي يدل فيه على الزيادة، ولم يجمع بينهما.
ومثل هذا أن تقول: حمل نخلتنا بسرًا أطيب منه رطبًا.
٣٤٨ - والحال قد يجيء ذا تعدد ... لمفردٍ فاعلم وغير مفرد
الحال شببهة بالخبر والنعت، فيجوز أن تتعدد وصاحبها مفرد، وأن تتعدد وصاحبها متعدد.
стр. 240
فالأول: نحو: جاء زيدٌ راكبًا ضاحكًا. ومنع ابن عصفور جواز تعدد الحال في هذا النحو قياسًا على الظرف، وليس بشيء.
والثاني: نحو: جاء زيد وعمرو مسرعين، ولقيته مصعدًا منحدرًا، قال الله تعالى: (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) [إبراهيم /٣٣] وقال الشاعر: [من الوافر]
٢٨٢ - متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف إليتيك وتستطارا
وقال الآخر: [من الوافر]
٢٨٣ - عهدت سعاد ذات هوى معنى ... فزدت وزاد سلوانًا هواها
(ذات هوى) حال من (سعاد) و (معنى) حال من الفاعل.
٣٤٩ - وعامل الحال بها قد أكدا ... في نحو لا تعث في الأرض مفسدا
٣٥٠ - وإن تؤكد جملةً فمضمر ... عاملها ولفظها يؤخر
الحال نوعان: مؤكدة، وغير مؤكدة، والمؤكدة على ضربين: أحدهما ما يؤكد عامله، والثاني ما يؤكد مضمون جملة.
[١٣٣] أما ما يؤكد عامله فالغالب فيه أن يكون وصفًا موافقًا للعامل // معنى لا لفظًا نحو قوله تعالى: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) [البقرة /٦٠] وقوله تعالى: (ولى مدبرًا ولم يعقب) [النمل /١٠] وقوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا) [يونس /٩٩].
стр. 241
وقال لبيد: [من الكامل]
٢٨٤ - وتضيء في وجه الظلام منيرةً ... كجمانة البحري سل نظامها
وقال الآخر: [من الوافر]
٢٨٥ - سلامك ربنا في كل فجر ... بريئًا ما تغنثك الذموم
(بريئًا) حال مؤكدة لـ (سلامك) ومعناه: البراءة مما لا يليق بجلاله.
وقد يكون المؤكد عامله موافقًا له معنى ولفظًا، كقوله تعالى: (وأرسلناك للناس رسولا) [النساء /٧٩].
وقوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) [النحل /١٢].
ومنه قول امرأة من العرب: [من الرجز]
٢٨٦ - قم قائمًا قم قائما ... صادقت عبدًا نائما
وعشراء رائما
стр. 242
وقول الآخر: [من البسط]
٢٨٧ - أصخ مصيخًا لمن أبدى نصيحته ... والزم توقي خلط الجد باللعب
وأما الحال المؤكدة مضمون جملة فما كان وصفًا ثابتًا مذكورًا بعد جملة جامدة الجزءين، معرفتيهما لتوكيد بيان يتعين نحو: هو زيدٌ معلومًا، قال الشاعر: [من البسيط]
٢٨٨ - أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار
أو فخر نحو: أنا فلان بطلا شجاعًا.
أو تعظيم نحو: هو فلان جليلا مهيبًا.
أو تحقير نحو: هو فلان مأخوذًا مقهورًا.
أو تصاغر نحو: أنا عبدك فقيرًا إليك.
أو وعيد نحو: أنا فلان متمكنًا منك.
أو معنى غير ذلك كما في نحو: هو الحق بينا، وزيد أبوك عطوفًا.
والعامل في هذه الحال من هذا النوع مضمر بعد الخبر، تقديره: أحقه، أو أعرفه، إن كان المبتدأ غير (أنا) وإن كان (أنا) فالتقدير: أحق، أو أعرف، أو اعرفني. وقال الزجاج: العامل هو الخبر، لتأوله بمسمى. وقال ابن خروف: العامل هو المبتدأ لتضمنه معنى تنبه.
وكلا القولين ضعيف، لاستلزام الأول المجاز، والثاني جواز تقديم الحال على الخبر، وأنه ممتنع.
فالعامل إذا مضمر، كما ذكرنا، وهو لازم الإضمار، لتنزيل الجملة المذكورة منزلة البدل من اللفظ به، كما التزم إضمار عامل الحال في غير ذلك على ما سيأتيك إن شاء الله تعالى.
стр. 243
٣٥١ - وموضع الحال تجيء جمله ... كجاء زيد وهو ناوٍ رحله
٣٥٢ - وذات بدءٍ بمضارع ثبت ... حوت ضميرًا ومن الواو وخلت [١٣٤] //
٣٥٣ - وذات واو بعدها أنو مبتدا ... له المضارع اجعلن مسندا
٣٥٤ - وجملة الحال سوى ما قدما ... بواو أو بمضمرٍ أو بهما
تقع الجملة الخبرية حالا، لتضمنها معنى الوصف، كما تقع نعتًا، وخبرًا. ولابد في الجملة الحالية من ضمير يربطها بصاحبها، أو واو تقوم مقام الضمير، وقد يجمع فيها بين الأمرين، كما في (جاءزيد، وهو ناوٍ رحلة).
وقد يغني تقدير الضمير عن ذكره، كقولهم: (مررت بالبر قفيز بدرهم)، والجملة الحالية: إما فعلية أو اسمية، وكلتاهما إما مثبتة أو منفية، فإن كانت فعلية فصدرها إما مضارع أو ماض. فإن كانت مصدرة بفعل مضارع مثبت، خال من (قد) لزم الضمير وترك الواو، تقول: جاء زيد يضحك، وقدم عمرو تقاد الجنائب بين يديه، ولا يجوز: جاء زيد ويضحك، ولا قدم عمرو وتقاد الجنائب بين يديه.
وإن ورد ما يشبهه حمل على أن الفعل خبر مبتدأ محذوف، والواو داخلة على جملة اسمية.
فمن ذلك قول بعضهم: (قمت وأصك عينه) حكاه الأصمعي، تقديره: قمت وأنا أصك عينه، ومنه قول الشاعر: [من الكامل]
٢٨٩ - علقتها عرضًا وأقتل قومها ... زعمًا لعمر أبيك ليس بمزعم
وقول الآخر: [من المتقارب]
٢٩٠ - فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا
стр. 244
وإن كان المضارع مقرونًا بـ (قد) لزمته الواو، كما في قوله تعالى: (وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) [الصف /٥].
وإن كانت الجملة الحالية غير مصدرة بمضارع مثبت، فالغالب جواز مجيئها بالضمير، أو بالواو، أو بهما جميعًا.
فغن كانت مصدرة بمضارع منفي فالنافي إما (لا) أو (لم) فإن كان (لا) فالأكثر مجيئها بالضمير، وترك الواو، كما في قوله تعالى: (وما لنا لا نؤمن بالله) [المائدة /٨٤] وقوله تعالى: (ما لي لا أري الهدهد) [النمل /٢٠] وفي قول الشاعر: [من الطويل]
٢٩١ - ولو أن قومًا لارتفاع قبيلةٍ ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب
وقد يجيء بالواو، والضمير، كقول الشاعر: [من الوافر]
٢٩٢ - أماتوا من دمي وتوعدوني ... وكنت ولا ينهنهني الوعيد
وقول الآخر: [من الرمل]
٢٩٣ - أكسبته الورق البيض أبًا ... ولقد كان ولا يدعى لأب
وإن كان النافي (لم) كثر إفراد الضمير، والاستغناء عنه بالواو، والجمع بينهما.
[١٣٥] فالأول // كقوله تعالى: (فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء) [آل عمران /١٧٤].
وقول زهير: [من الطويل]
٢٩٤ - كأن فتاة العهن في كل منزلٍ ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
стр. 245
والثاني كقوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) [النور /٦].
وقول عنترة: [من الكامل]
٢٩٥ - ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن ... للحرب دائرةً على ابني ضمضم
والثالث كقوله تعالى: (أو قال أوحي إلى ولم يوح إليه شيء) [الأنعام /٩٣]. وكقول الشاعر: [من الكامل]
٢٩٦ - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
وإن كانت مصدرة بفعل ماض، فإن كان بعد (إلا) أو قبل (أو) لزم الضمير وترك الواو، كقوله تعالى: (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) [يس /٣٠].
وكقول الشاعر: [من البسيط]
٢٩٧ - كن للخليل نصيرًا جار أو عدلا ... ولا تشح عليه جاد أو بخلا
وإن لم يكن بعد (إلا) ولا قبل (أو) فالأكثر اقترانه في الإثبات (بالواو وقد) مع الضمير، ودونه.
فالأول نحو قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقً منهم يسمعون كلام الله) [البقرة /٧٥] والثاني كقولك: جاء زيد، وقد طلعت الشمس، ويقل تجريده من الواو، وقد، كما في نحو قوله تعالى: (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) [النساء /٩٠]، (وجاؤوا أباهم عشاءً يبكون) [يوسف /١٦].
قالوا: وأقل منه تجريده من (قد) وحدها، كقوله تعالى: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا) [آل عمران /١٦٨]. وأقل من تجريده من (قد) تجريده من الواو
стр. 246
وحدها كقول الشاعر: [من الطويل]
٢٩٨ - وقفت بربع الدار قد غير البلى ... معارفها والساريات الهواطل
وإن كانت الجملة اسمية فإن لم تكن مؤكدة فالأكثر مجيئها بالواو مع الضمير ودونه. فالأول كقوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون) [البقرة /٢٢]، وقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) [البقرة /٢٤٣].
والثاني كقوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون) [الأنفال /٥].
وقد يستغنى بالضمير عن الواو، كقوله تعالى: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو) [البقرة /٣٦]، وقول الشنفرى الأزدي: [من الطويل]
٢٩٩ - وتشرب أسآر القطا الكدر بعدما ... سرت قربًا أحناؤها تتصلصل
وقول الآخر: [من الرمل]
٣٠٠ - ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر
وأنشد أبو علي في الإغفال: [من الطويل]
٣٠١ - ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفرٍ سرباله لم يمزق
стр. 247
[١٣٦] // وإن كانت الجملة الاسمية مؤكدة لزم الضمير، وترك الواو، نحو: هو الحق لا شبهة فيه، وكقوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) [البقرة /٢].
٣٥٥ - والحال قد يحذف ما فيها عمل ... وبعض ما يحذف ذكره حظل
يحذف عامل الحال جوازًا ووجوبًا، وإليه الإشارة بقوله:
............................. ... وبعض ما يحذف ذكره حظل
أي: منع.
فيحذف عامل الحال جوازًا لحضور معناه، أو تقدم ذكره.
فحضور معناه نحو قولك للراحل: راشدًا مهديا، وللقادم من الحج: مبرورًا، مأجورًا، بإضمار (تذهب، ورجعت).
وتقدم ذكره نحو قولك راكبًا: لمن قال كيف جئت؟ وبلى مسرعًا: لمن قال: لم تنطلق، قال الله تعالى: (بلى قادرين) [القيامة /٤] أي: نجمعها قادرين.
ويحذف عامل الحال وجوبًا إذا جرت مثلا كقولهم: (حظيين بناتٍ صلفين كناتٍ) بإضمار: عرفتهم، أو بين بها ازدياد ثمن شيئًا فشيئًا، أو غير ذلك، كقوله: بعته بدرهم فصاعدًا، أي: فذهب الثمن صاعدًا، وتصدق بدينار فسافلا، أي: فانحط المتصدق به سافلا، أو وقعت بدلا من اللفظ بالفعل في توبيخ وغيره.
فالتوبيخ نحو: أقائمًا وقعد قعد الناس؟ وأقاعدًا وقد سار الركب؟ ومنه قولك لمن لا يثبت على حال: أتميميًا مرةً، وقيسيا أخرى؟ بإضمار أتتحول. وقولك لمن يلهو دون أقرانه: ألاهيًا وقد جد قرناؤك؟ بإضمار أتثبت.
وغير التوبيخ كقولك: هنيئًا مريئًا.
قال سيبويه: (وإنما نصبته، لأنه ذكر (لك) خير أصابه إنسان، فقلت: هينئًا مريئًا، كأنك قلت: ثبت [ذلك] له هنيئًا مريئًا، أو هنأه ذلك هنيئًا).
وقد يحذف وجوبًا في غير ما ذكرناه، كالمؤكدة مضمون جملة، والسادة مسد الخبر، نحو: ضربي زيدًا قائمًا.
стр. 248
التمييز
٣٥٦ - اسم بمعنى من مبين نكره ... ينصب تمييزًا بما قد فسره
٣٥٧ - كشبرٍ أرضًا وقفيزٍ برا ... ومنوين عسلا وتمرا
من الفضلات ما يسمى مميزًا وتمييزًا، ومفسرًا وتفسيرًا.
وهو: كل اسم نكرة مضمن معنى (من) لبيان ما قبله من إبهام في اسم مجمل الحقيقة، أو إجمال في نسبة العامل إلى فاعله، أو مفعوله.
(فالاسم) جنس، وقولي: (نكرة): مخرج للمشبه بالمفعول به، نحو: الحسن الوجه، و (مضمن معنى من) مخرج للحال، و (لبيان ما قبله) مخرج لاسم لا للتبرئة، ولنحو (ذنبًا) من قوله: [من البسيط]
٣٠٢ - أستغفر الله ذنبًا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل
[١٣٧] // ومعرف أن من شرط التمييز تقدم عامله عليه، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وقول: (من إبهام في اسم مجمل الحقيقة، أو من إجمال في نسبة العامل إلى فاعله، أو مفعوله) بيان لأن التمييز على نوعين:
стр. 249
أحدهما: ما يبين إبهام ما قبله: من اسم مجمل الحقيقة، وهو ما دل على مقدار، أو شبهه.
فالدال على مقدار: ما دل على مساحة نحو: ما له شبر أرضًا، وما في السماء قدر راحةٍ سحابًا، أو وزن، نحو: له منوان عسلا، ورطل سمنًا، أو كيل، نحو: له قفيزان برا، ومكوكان دقيقًا، أو عدد، نحو: (أحد عشر كوكبًا) [يوسف /٤]، و (أربعين ليلةً) [الأعراف /١٤٢].
وأما الدال على شبه المقدار فنحو قوله تعالى: (مثقال ذرةٍ خيرًا) [الزلزلة /٧] وذنوب ماءً وحب برا وراقود خلا وخاتم حديدًا وباب ساجًا ولنا أمثال إبلا، وغيرها شاءً.
والنوع الثاني: ما يبين إجمالا في نسبة العامل إلى فاعله، أو مفعوله، نحو: طاب زيد نفسًا، وقوله تعالى: (وفجرنا الأرض عيونًا) [القمر /١٢]، فإن نسبة (طاب) إلى (زيد) مجملة، تحتمل وجوهًا، و (نفسًا) مبين لإجمالها، ونسبة (فجرنا) إلى الأرض مجملة أيضًا و (عيونًا) مبين لذلك الإجمال.
ومثل ذلك: تصبب زيد عرقًا، وتفقأ الكبش شحما، وقوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبًا) [مريم /٤] و (هم أحسن أثاثًا) [مريم /٧٤] و (سرعان ذا إهالةً). ومثله أيضًا ويحه رجلا، وحسبك به فارسًا، ولله دره إنسانًا، لأنه في معنى ذي النسبة المجملة، فكأنه قيل: ضعف رجلا، وكفاك فارسًا، وعظم إنسانًا.
واعلم أن تمييز المفرد إن بين العدد فهو واجب الجر بالإضافة، أو واجب النصب على التمييز، كما سنذكره في بابه.
وإن بين غير العدد فحقه النصب، ويجوز جره بإضافة المميز إليه، إلا أن يكون مضافًا إلى غيره، مما لا يصح حذفه، فيقال: ما له شبر أرضٍ، وله منوا سمنٍ، وقفيزا بر، وذنوب ماءٍ، وراقود خل، وخاتم حديدٍ.
ويقال في نحو: هو أحسن الناس رجلا، هو أحسن رجل، لأن حذف المضاف إليه غير ممتنع.
فلو كان المميز مضافًا إلى ما لا يصح حذفه تعين نصب المميز، وذلك نحو: ما فيها قدر راحةٍ سحابًا، وله جمام المكوك دقيقًا، وكقوله تعالى: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا) [آل عمران /٩١]. وقد نبه على هذا بقوله:
стр. 250
٣٥٨ - وبعد ذي ونحوها اجرره إذا ... أضفتها كمد حنطةٍ إذا
٣٥٩ - والنصب بعد ما أضيف وجبا ... إن كان مثل ملء الأرض ذهبا
الإشارة بـ (ذي) إلى ما دل مساحة، أو كيل، أو وزن، فيفهم من ذلك أن التمييز بعد العدد، لا يجيء بالوجهين. وقوله:
والنصب بعد ما أضيف وجبا ... ...........................
(البيت). مبين أن جواز الجر مشروط بخلو المميز عن الإضافة، إذا كان ما لا يصح فيه [١٣٨] حذف المضاف إليه // نحو: (ملء الأرض ذهبًا) [آل عمران /٩١] فإنه لو قيل مكانه: ملء ذهب لم يستقم، كما ذكرنا.
٣٦٠ - والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا
من التمييز المبين للإجمال في النسة، الواقع بعد أفعل التفضيل، وهو نوعان: سببي، وما أفعل التفضيل بعضه.
فالسببي: هو المعبر عنه بالفاعل على المعنى، لأنه يصلح للفاعلية عند جعل (أفعل، فعلا)، كقولك في: أنت أعلى منزلا، علا منزلك.
وهذا النوع يجب نصبه، نحو: أكثر مالا، و (خير مقامًا وأحسن نديا) [مريم /٧٣]، وأما ما أفعل التفضيل بعضه فيجب جره بالإضافة، إلا أن يكون أفعل مضافًا إلى غيره، تقول: زيد أكرم رجل، وأفضل عالمٍ بالجر.
فلو أضفت (أفعل) إلى غير المميز قلت: زيد أكرم الناس رجلا، وأفضلهم عالمًا، بالنصب، لا غير.
٣٦١ - وبعد كل ما اقتضى تعجبا ... ميز كأكرم بأبي بكرٍ أبا
يجوز في كل فعل تعجب أن يقع بعده التمييز، لبيان إجمال نسبته إلى الفاعل، أو إلى المفعول.
فالأول نحو: أحسن بزيدٍ رجلا، وأكرم بأبي بكر أبًا.
والثاني نحو: ما أحسنه رجلا، وما أكرمه أبًا، ومنه: لله دره فارسًا، وحسبك به كافلا.
٣٦٢ - واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد ... والفاعل المعنى كطب نفسًا تفد
يجوز في كل ما ينصب على التمييز أن يجر بـ (من) ظاهرة، إلا تمييز العدد، والفاعل في المعنى.
следующие страницы →