Полный текст (619 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وأكثر ما تكون الصفة المشبهة غير جارية على لفظ المضارع، نحو: جميل، وضخم، وحسن، وملآن، وأحمر، وقد تكون جارية عليه، كطاهر، وضامر، ومعتدل، ومستقيم. وتمثيله: (بطاهر القلب جميل الظاهر) منبه على مجيئها بالوجهين.
[١٧٣] ومما تختص به الصفة المشبهة عن اسم // الفاعل استحسان جرها الفاعل بالإضافة، نحو: (طاهر القلب جميل الظاهر) تقديره: طاهر قلبه جميل ظاهره.
فإن ذلك لا يسوغ في اسم الفاعل إلا إن أمن اللبس، فقد يجوز على ضعف وقلة في الكلام نحو: زيد كاتب الأب، يريد: كاتب أبوه.
وهذه الخاصة لا تصلح لتعريف الصفة المشبهة، وتمييزها عما عداها، لأن العلم باستحسان الإضافة إلى الفاعل موقوف على العلم بكون الصفة مشبهة فهو متأخر عنه.
وأنت تعلم أن العلم بالمعرف يجب تقدمه على العلم بالمعرف. فلذلك لم أعول في تعريفها على استحسان إضافتها إلى الفاعل.
٤٦٩ - وعلم اسم فاعل المعدى ... لها على الحد الذي قد حدا
لما بين ما المراد بالصفة المشبهة باسم الفاعل أخذ في بيان أحكامها في العمل، فقال:
وعمل اسم فاعل المعدى ... لها ...
أي: بأنها تعمل عمل اسم الفاعل المتعدي، فتنصب فاعلها في المعنى على التشبيه بالمفعول به، كقولك: زيد الحسن وجهه، كما ينصب اسم الفاعل مفعوله، في نحو: زيد باسط وجهه.
وقوله:
... على الحد الذي قد حدا
أي: إن العمل هنا مشروط بالشرط المذكور في إعمال اسم الفاعل.
٤٧٠ - وسبق ما تعمل فيه مجتنب ... وكونه ذا سببية وجب
اسم الفاعل: لقوة شبهه بالفعل يعمل في متأخر ومتقدم، وفي سببي وأجنبي، والصفة المشبهة فرع على اسم الفاعل في العمل، فقصرت عنه، فلم تعمل في متقدم، ولا غير سببي.
والمراد بالسببي: المتلبس بضمير صاحب الصفة لفظًا، نحو: زيد حسن وجهه، أو معنى، نحو: حسن الوجه. هذا: بالنسبة إلى عملها فيما هو فاعل في المعنى.
стр. 317
وأما غيره كالجار والمجرور، فإن الصفة تعمل فيه: متقدمًا عنها ومتأخرًا، وسببيًا وغير سببي. تقول: زيد بك فرح، كما تقول: فرح بك، وجذلان في دار عمرو، كما تقول: في داره.
٤٧١ - فارفع بها وانصب وجر مع أل ... ودون أل مصحوب أل وما اتصل
٤٧٢ - بها مضافًا أو مجردًا ولا ... تجرر بها مع أل سمًا من أل خلا
٤٧٣ - ومن إضافةٍ لتاليها وما ... لم يخل فهو بالجواز وسما
يعني: أنه يجوز في الصفة المشبهة أن تعمل في السببي الرفع والنصب والجر. فالرفع على الفاعلية، والنصب على التشبيه بالمفعول به في المعرفة، وعلى [١٧٤] التمييز في النكرة، والجر على // الإضافة، وذلك مع كون الصفة مصاحبة للألف واللام، أو مجردة منها، وكون السببي: إما معرفًا بالألف واللام، نحو: الحسن الوجه، وهو المراد بقوله: (مصحوب أل) وإما مضافًا، أو مجردًا من الألف واللام والإضافة، وهو المراد بقوله: (وما اتصل بها مضافًا أو مجردًا) أي: وما اتصل بالصفة، ولم ينفصل عنها بالألف واللام.
فأما المضاف فعلى أربعة أضرب:
مضاف إلى المعرف بالألف واللام، نحو: الحسن وجه الأب.
ومضاف إلى ضمير الموصوف، نحو الحسن وجهه.
ومضاف إلى المضاف إلى ضميره، نحو: الحسن وجه أبيه.
ومضاف إلى المجرد من الألف واللام والإضافة، نحو: الحسن وجه أبٍ، وأما المجرد فنحو: الحسن وجهًا.
فهذه ستة وثلاثون وجهًا في إعمال الصفة المشبهة، لأن عملها ثلاثة أنواع: رفع ونصب وجر.
وكل منها على تقديرين: أحدهما: كون الصفة مصاحبة للألف واللام، والآخر: كونها مجردة منها.
فهذه ستة أوجه، وكل منها على ستة تقادير، وهي:
كون السببي إما معرفًا بالألف واللام، وإما مضافًا إلى المعرف بهما، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، أو إلى المجرد من الألف واللام والإضافة، وإما مجردًا.
стр. 318
والمرتفع من ضرب ستة في ستة، ستة وثلاثون كلها جائزة الاستعمال، إلا أربعة أوجه، وهي المرادة بقوله:
ولا ... تجرر بها مع أل سمًا من أل خلا
ومن إضافةٍ لتاليها ... .. ... ..
أي: لتالي (أل).
نفهم من هذه العبارة: أن الصفة المصاحبة للألف واللام لا يجوز إضافتها إلى السببي الخالي من التعريف بالألف واللام، ومن الإضافة إلى المعرف بهما، وذلك هو المضاف إلى ضمير الموصوف، والمضاف إلى المضاف إلى ضميره، والمجرد والمضاف إلى المجرد.
فلا يجوز: الحسن وجهه، ولا الحسن وجهه أبيه، ولا الحسن وجه، ولا الحسن وجه أب، لأن الإضافة فيها لم تفد تخصيصًا، كما في نحو: غلام زيد، ولا تخفيفًا، كما في نحو: حسن الوجه، ولا تخلصًا من قبح حذف الرابط، أو التجوز في العمل، كما في نحو: الحسن الوجه.
وما عدا هذه الأوجه الأربعة ينقسم إلى: قبيح، وضعيف، وحسن. فأما القسم القبيح: فهو رفع الصفة مجردة كانت، أو مع الألف واللام المجرد منهما، ومن الضمير، والمضاف إلى المجرد، وذلك أربعة أوجه، وهي: حسن وجه، وحسن وجه أبٍ، والحسن وجه، والحسن وجه أبٍ، وعلى قبحها فهي جائزة في الاستعمال، لقيام السببية في المعنى مقام وجودها في اللفظ، لأنك إذا قلت: مررت بزيد الحسن وجه، لا يخفى أن المراد: الحسن وجه له. والدليل على الجواز قول الرجز: [من الرجز]
٤١٠ - ببهمةٍ منيت شهمٍ قلب ... منجذٍ لا ذي كهامٍ ينبو
فهذا نظير: حسن وجهٍ. والمجوز لهذه الصورة مجوز لنظائرها، إذ لا فرق.
[١٧٥] وأما القسم الضعيف // فهو نصب الصفة المجردة من الألف واللام المعرف بالألف واللام، والمضاف إلى المعرف بهما، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، وجرها المضاف إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره.
стр. 319
وذلك ستة أوجه، وهي: حسن الوجه، ونحوه قول النابغة: [من الوافر]
٤١١ - ونأخذ بعده بذناب عيشٍ ... أجب الظهر ليس له سنام
ويروى: (أجب الظهر) برفع (الظهر) وجره.
وحسن وجه الأب، وحسن وجهه، ونحوه قول الراجز: [من الرجز]
٤١٢ - أنعتها إني من نعاتها ... كوم الذرى وادقةً سراتها
وحسن وجه أبيه، وحسن وجهه، وحسن وجه أبيه. وعند سيبويه أن الجر في هذا النحو من الضرورات. وأنشد للشماخ: [من الطويل]
٤١٣ - أمن دمنتين عرج الركب فيهما ... بحقل الرخامي قد عفا طللاهما
أقامت على ربعيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
(فجونتا مصطلاهما) نظير: (حسن وجهه).
стр. 320
وأجازه الكوفيون في السعة، وهو الصحيح، لوروده في الحديث، كقوله ﷺ في حديث أم زرع: (صفر وشاحها) وفي حديث الدجال: (أعور عينه اليمنى). وفي وصف النبي ﷺ : (شئن أصابعه).
ومع جوازه فهو ضعيف، لأنه يشبه إضافة الشيء إلى نفسه.
وأما القسم الحسن: فهو رفع الصفة المجردة المعرف بالألف واللام، والمضاف إلى المعرف بهما، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، ونصبها المجرد من الألف واللام والإضافة، والمضاف إلى المجرد منها، وجرها المعرف بالألف واللام والمضاف إلى المعرف بهما والمجرد من الألف واللام والإضافة، والمضاف إلى المجرد منهما، ورفع الصفة مع الألف واللام المعرف بهما، والمضاف إلى المعرف بهما، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، ونصبها المعرف بالألف واللام، والمضاف إلى المعرف بهما، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، والمجرد من الألف واللام والإضافة، والمضاف إلى المجرد منهما، وجرها المعرف بالألف واللام، والمضاف إلى المعرف بهما.
فهذه اثنان وعشرون وجهًا، وهي:
حسن الوجه، كقوله: (أجب الظهر). وحسن وجه الأب. وحسن وجهه. وحسن وجه أبيه. وحسن وجهًا، ومثله قول الشاعر: [من البسيط]
٤١٤ - هيفاء مقبلةً عجزاء مدبرةً ... محطوطة جدلت شنباء أنيابا
стр. 321
[١٧٦] وحسن وجه أبٍ. وحسن الوجه. وحسن وجه الأب. وحسن وجهٍ، ومثله // إنشاد سيبويه لعمرو بن شأس: [من الطويل]
٤١٥ - ألكني إلى قومي السلام رسالةً ... بآية ما كانوا ضعافًا ولا عزلا
ولا سيئي زي إذا ما تلبسوا ... إلى حاجةٍ يومًا مخيسةً بزلا
وحسن وجه أبٍ. والحسن الوجه. والحسن وجه الأب، ومثله إنشاد سيبويه: [من الكامل]
٤١٦ - لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معتركٍ ... والطيبون معاقد الأزر
والحسن وجهه. والحسن وجه أبيه. والحسن الوجه، ومثله قول الشاعر: [من الوافر]
٤١٧ - فما قومي بثعلبة بن سعدٍ ... ولا بفزارة الشعر الرقابا
стр. 322
والحسن وجه الأب، وعليه قوله: [من الطويل]
٤١٨ - لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى ... تزججها من حالكٍ واكتحالها
والحسن وجهه. والحسن وجه أبيه. والحسن وجهًا، كقول رؤبة: [من الرجز]
٤١٩ - فذاك وخم لا يبالي السبا ... الحزن بابًا والعقور كلبا
والحسن وجه أبٍ. والحسن الوجه. والحسن وجه الأب.
فهذا هو جميع ما يمنع ويقبح ويضعف، ويحسن في إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل، فاعرفه.
стр. 323
التعجب
التعجب: هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه. ويدل عليه بصيغ مختلفة نحو قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله) [البقرة /٢٨] وقوله ﷺ لأبي هريرة: (سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) وقولهم: (لله أنت) وقول الشاعر: [من الرجز]
٤٢٠ - واها لليلى ثم واهًا واها ... هي المنى لو أننا نلناها
وقول الآخر: [من م. الكامل]
٤٢١ - بانت لتحزننا عفاره ... يا جارتا ما أنت جاره
وقول الآخر: أنشده أبو علي: [من الكامل]
٤٢٢ - يا هيء مالي من يعمر يفنه ... مر الزمان عليه والتقليب
стр. 324
والمبوب له في كتب العربية صيغتان: (ما أفعله! وأفعل به) لاطرادهما في كل معنى يصح التعجب منه.
ولما أراد أن يذكر مجيء التعجب على هاتين الصيغتين قال:
٤٧٤ - بأفعل انطق بعد ما تعجبا ... أو جيء بأفعل قبل مجرور ببا
[١٧٧] // أي: انطق في حال تعجبك بالفعل المتعجب منه على وزن (أفعل) بعد (ما) نحو: ما أحسن زيدًا، أو جيء به على وزن: (أفعل) قبل مجرور بـ (با) نحو: أحسن بزيدٍ.
فأما نحو: (ما أحسن زيدًا!) فـ (ما) فيه عند سيبويه نكرة غير موصوفة، في موضع رفع بالابتداء، وساغ الابتداء بالنكرة، لأنها في تقدير التخصيص. والمعنى: شيء عيظم أحسن زيدًا، أي: جعله حسنًا، فهو كقولهم: شيء جاء بك، وشر أهر ذا نابٍ، و (أحسن) فعل ماض، لا يتصرف مسندًا إلى ضمير (ما) والدليل على فعليته لزومه متصلا بياء المتكلم نون الوقاية، نحو: ما أعرفني بكذا!، وما أرغبني في عفو الله! ولا يكون كذلك إلا الفعل. وعند بعض الكوفيين أن (أفعل) في التعجب اسم لمجيئه مصغرًا نحو قوله: [من البسيط]
٤٢٣ - ياما أميلح غزلانًا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر
وإنما التصغير للأسماء.
стр. 325
ولا حجة فيما أوردوه لشذوذه ولا مكان أن يكون التصغير دخله لشبهه (بأفعل) التفضيل لفظًا ومعنىً، والشيء قد يخرج عن بابه لمجرد الشبه بغيره.
وذهب الأخفش إلى أن (ما) في نحو: (ما أحسن زيدًا) موصولة، وهي مبتدأ، و (أحسن) صلتها، والخبر محذوف وجوبًا، تقديره: الذي أحسن زيدًا شيء عظيم.
والذي ذهب إليه سيبويه أولى، لأن (ما) لو كانت موصولة لما كان حذف الخبر واجبًا، لأنه لا يجب حذف الخبر إلا إذا علم، وسد غيره مسده، وها هنا لم يسد مسد الخبر
وأما (أفعِل) في نحو (أحسن بزيد) ففعل: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، وهو مسند إلى المجرور بعده، و (الباء) زائدة مثلها في نحو: ﴿كفى بالله شهيدا﴾ [الرعد/ ٤٣] وهو في قوة قولك: حسن زيد، بمعنى: ما أحسنه، ولا خلاف في فعليته، ويدل عليه مرادفته لما ثبتت فعليته، مع كونه على زنة تختص الأفعال، والاستدلال بتوكيده بالنون في قوله: [من الطويل]
٤٢٤ - ومستبدل من بعد غضبى صريمة ... فأمر به بطول فقر وأحريا
ليس عندي بمرضي، لأنه في غاية الندور. فلو ذهب ذاهب إلى اسميته لأمكنه أن يدعي أن التوكيد فيه مثله في قول الآخر، أنشده أبو الفتح في الخصائص: [من الرجز]
٤٢٥ - أريت إن جاءت به أملودا ... مرجلا ويلبس البرودا
أقائلن أحضروا الشهودا
стр. 326
٤٧٥ - وتلو أفعل انصبنه كما ... أوفى خليلينا وأصدق بهما
تقول: (ما أوفى خليلينا) كما تقول: ما أحسن زيدًا، فتنصب ما بعد (أفعل) [١٧٨] بالمفعولية، وهو // في الحقيقة فاعل الفعل المتعجب منه، ولكن دخلت عليه همزة النقل، فصار الفاعل مفعولا، بعد إسناد الفعل إلى غيره، وتقول: (أصدق بهما!)، كما تقول: أحسن بزيدٍ!
وقد اشتمل هذا البيت على بيان احتياج (أفعل) إلى المفعول، وعلى تمثيل صيغتي التعجب.
٤٧٦ - وحذف ما منه تعجبت استبح ... إن كان عند الحذف معناه يضح
المراد بالمتعجب منه المفعول فيما أفعله! والمجرور في (أفعل به) وفيه تجوز، لأن المتعجب منه هو فعله، لا نفسه، إلا أنه حذف منه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه للدلالة عليه.
واعلم أنه لا يجوز حذف المتعجب منه لغير دليل، أما في نحو: (ما أفعله!) فلعرائه إذا ذاك عن الفائدة، لو قلت: ما أحسن، وما أجمل! لم يكن كلامًا، لأن معناه أن شيئًا صير الحسن واقعًا على مجهول، وهذا ما لا ينكر وجوده، ولا يفيد التحدث به.
وأما نحو (أفعل به) فلا يحذف منه المتعجب منه، لأنه الفاعل، وإن دل على المتعجب منه دليل، وكان المعنى واضحًا عند الحذف جاز.
تقول: لله در زيدٍ ما أعف وأمجد! كما قال علي ﵁: [من الطويل]
٤٢٦ - جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرًا ما أعف وأكرما
وتقول: أحسن بزيدٍ وأجمل، كما قال الله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) [مريم /٣٨].
وأكثر ما يستباح الحذف في نحو: أفعل به! إذا كان معطوفًا على آخر، مذكور معه الفاعل، كما في الآية الكريمة.
стр. 327
وقد يحذف بدون ذلك قال الشاعر: [من الطويل]
٤٢٧ - فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدًا وإن يستغن يومًا فأجدر
أي: فأجدر بكونه حميدًا.
فإن قلت: كيف جاز حذف المتعجب منه مع (أفعل) وهو (فاعل)؟ قلت: لأنه أشبه الفضلة، لاستعماله مجرورًا بالباء، فجاز فيه ما يجوز فيها.
٤٧٧ - وفي كلا الفعلين قدمًا لزما ... منع تصرفٍ بحكمٍ حتما
كل واحد من فعلي التعجب ممنوع من التصرف، والبناء على غير الصيغة التي جعل عليها، مسلوك به سبيل واحدة، لتضمنه معنى هو بالحروف أليق، وليكون مجيئه على طريقة واحدة أدل على ما يراد به.
٤٧٨ - وصغهما من ذي ثلاث صرفا ... قابل فضلٍ تم غير ذي انتفا
٤٧٩ - وغير ذي وصفٍ يضاهي أشهلا ... وغير سالكٍ سبيل فعلا
الغرض من هذين البيتين معرفة الأفعال التي يجوز في القياس أن يبني منها فعلا [١٧٩] // التعجب، أعني مثالي: ما أفعله! وأفعل به.
وهي كل فعل ثلاثي متصرف قابل للتفاوت غير ناقص، ككان وأخواتها، ولا ملازم للنفي، ولا اسم فاعله على أفعل، ولا مبني للمفعول.
فلا يبنيان مما زاد على ثلاثة أحرف، لأن بناءهما منه يفوت الدلالة على المعنى المتعجب منه، أما فيما أصوله أربعة، نحو: دحرج وسرهف، فلأنه يؤدي إلى حذف بعض الأصول، ولا خفاء في إخلاله بالدلالة، وأما في غيره، فلأنه يؤدي إلى حذف الزيادة الدالة على معنى مقصود، ألا ترى أنك لو بنيت من نحو: ضارب وانضرج واستخرج (أفعل) فقلت: ما أضربه وأضرجه وأخرجه لفاتت الدلالة على معنى المشاركة والمطاوعة والطلب.
وأجاز سيبويه بناء فعل التعجب من (أفعل) كقولهم: (ما أعطاه للدراهم!) و (ما أولاه للمعروف!) لا من غيره مما زاد على الثلاثة.
стр. 328
ولا يبنيان من فعل غير متصرف، نحو: (نعم وبئس) ولا من فعل لا يقبل التفاوت، نحو: مات زيد، وفني الشيء لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض، ولا من فعل ملازم للنفي، نحو: ما عاج زيد بهذا الدواء، أي: ما انتفع به، فإن العرب لم تستعمله إلا في النفي، فلا يبني منه فعل التعجب، لأن ذلك يؤدي إلى مخالفة الاستعمال، والخروج به عن النفي إلى الإيجاب، ولا يبنيان من فعل اسم فاعله على (أفعل) نحو: شهل فهو أشهل، وخضر الزرع فهو أخضر، وعور فهو أعور، وعرج فهو أعرج، لأن (أفعل) هو لاسم فاعل ما كان لونًا أو خلقة، وأكثر ألوان الأفعال، والخلق إنما تجيء على (أفعل) بزيادة مثل اللام، نحو: احمر، وابيض، واسود، واعور، وأحول، فلم يبن فعل التعجب في الغالب من كان منها ثلاثيا إجراء للأقل مجرى الأكثر.
ولا يبنيان من فعل مبني للمفعول، نحو: ضرب، وحمد، لئلا يلتبس التعجب منه بالتعجب من فعل الفاعل.
وعلى هذا لو كان الالتباس مأمونًا مثل أن يكون الغالب ملازمًا للبناء للمفعول، نحو: وقص الرجل، وسقط في يده، لكان بناء فعل التعجب منه خليقًا بالجواز.
٤٨٠ - وأشدد أو أشد أو شبههما ... يخلف ما بعض الشروط عدما
٤٨١ - ومصدر العادم بعد ينتصب ... وبعد أفعل جره بالبا يجب
تقول: إذا أردت التعجب من فعل فقد بعض الشروط المصححة للتعجب من لفظه فجيء بـ (أشد أو اشدد) أو ما جرى مجراهما، وأوله مصدر الفعل الذي تريد التعجب منه، منصوبًا بعد (أفعل)، ومجرورًا بالباء بعد (أفعل).
وهذا العمل يصح في كل فعل لم يستوف الشروط إلا ما عدم التصرف (كنعم [١٨٠] وبئس) لأنه لا مصدر صريحًا ولا مؤولا. فأما المنفي والمبني // للمفعول، فلا يصح ذلك فيه إلا بإيلاء (أشد) أو ما جرى مجراه المصدر المؤول.
تقول في التعجب من نحو: (استخرج) ما أشد استخراجه! وأشدد باستخراجه! ومن نحو: مات زيد: ما أفجع موته! وأقبح بموته! ومن نحو: ما قام زيد، وما عاج بالدواء: ما أقرب ألا يقوم زيد! وأقرب بألا يقوم! وما أقرب ألا يعج بالدواء! وأقرب بألا يعج به!
стр. 329
فتأتي بالمصدر المؤول لتتمكن من أن تستعمل معه النفي، وأن تعمل فيه الفعل الذي تتعجب به.
وتقول في التعجب من خضر وعور: ما أشد خضرته! وأشدد بخضرته! وما أقبح عوره! وأقبح بعوره! ومن نحو: ضرب زيدً؟ ما أشد ما ضرب! وأشدد بما ضرب! فتولي (أشد وأشدد) المصدر المؤول، ليبقي لفظ الفعل المبني للمفعول، ولو أمن اللبس جاز إيلاؤه المصدر الصريح، نحو: ما أسرع نفاس هند! وأسرع بنفاسها!
٤٨٢ - وبالنذور احكم لغير ما ذكر ... ولا تقس على الذي منه أثر
الإشارة بهذا البيت: إلى أنه قد يبني فعل التعجب مما لم يستوف الشروط على وجه الشذوذ والندور، فيحفظ ما سمع من ذلك، ولا يقاس عليه. فمن ذلك قولهم: ما أخصره! من (اختصر)، فاختصر فعل خماسي مبني للمفعول، ففيه مانعان: أحدهما أنه مبني للمفعول، وثانيهما أنه زائد على ثلاثة أحرف.
ومنه قولهم: (ما أهوجه!) و (ما أحمقه!) و (ما أرعنه!) وهي من فعل فهو أفعل، كأنهم حملوها على (ما أجهله). ومنه قولهم: (ما أعساه!) و (أعس به!) فهو من (عسى) الذي للمقاربة وهو غير متصرف.
ومما هو شاذ أيضًا بناؤهم التعجب من وصف لا فعل له، كقولهم: (ما أذرعها!) أي: ما أخف يدها في الغزل، يقال امرأة ذراع، أي: خفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع له فعل. ومثله قولهم: (أقمن بكذا!) أي: أحقق به، اشتقوه من قولهم: هو قمن بكذا، أي: حقيق به، ولا فعل له.
٤٨٣ - وفعل هذا الباب لن يقدما ... معموله ووصله به الزما
٤٨٤ - وفصله بظرفٍ أو بحرف جر ... مستعمل والخلف في ذاك استقر
لا خلاف في امتناع تقديم معمول فعل التعجب عليه، ولا في امتناع الفصل بينه وبين المتعجب منه بغير الظرف، والجار والمجرور، كالحال والمنادى.
وأما الفصل بالظرف، والجار والمجرور ففيه خلاف مشهور، والصحيح الجواز، وليس لسيبويه فيه نص.
قال الأستاذ أبو علي الشلوبين: حكي الصيمري: أن مذهب سيبويه منع الفصل [١٨١] بالظرف بين فعل // التعجب ومعموله. والصواب: أن ذلك جائز، وهو المشهور والمتصور.
стр. 330
وقال أبو سعيد السيرافي: قول سيبويه: (ولا تزيل شيئًا عن موضعه) إنما أراد أنك تقدم (ما) وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بين الفعل والتعجب منه، وكثير من أصحابنا يجيز ذلك، منهم الجرمي، وكثير منهم يأباه منهم الأخفش والمبرد، وهذا نصه: والذي يدل على الجواز استعمال العرب له نظمًا ونثرًا، أما نظمًا، فكقول الشاعر: [من الطويل]
٤٢٨ - وقال نبي المسلمين تقدموا ... وأحبب إلينا أن يكون المقدما
وقول الآخر: [من الطويل]
٤٢٩ - أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحولا
وقال الآخر: [من الطويل]
٤٣٠ - خليلي ما أحرى بذي اللب أن يرى ... صبورًا ولكن لا سبيل إلى الصبر
وأما النثر فكقول عمرو بن معد يكرب: (ما أحسن في الهيجاء لقاءها! وأكثر في اللزبات عطاءها! وأثبت في المكرمات بقاءها!). وقول الآخر: (ما أحسن بالرجل أن يحسن).
ومما يجوز في فعل التعجب الفصل بينه وبين (ما) بـ (كان) الزائدة كقول الشاعر يمدح النبي ﷺ : [من الكامل]
٤٣١ - ما كان أسعد من أجابك آخذًا ... بهداك مجتنبًا هوًى وعنادا
стр. 331
نعم وبئس
وما جرى مجراهما
٤٨٥ - فعلان غير متصرفين ... نعم وبئس رافعان اسمين
٤٨٦ - مقارني أل أو مضافين لما ... قارنها كنعم عقبى الكرما
٤٨٧ - ويرفعان مضمرًا يفسره ... مميز كنعم قومًا معشره
(نعم وبئس) فعلان ماضيا اللفظ لا يتصرفان، والمقصود بهما إنشاء المدح والذم. والدليل على فعليتهما جواز دخول تاء التأنيث الساكنة عليهما عند جميع العرب، واتصال ضمير الرفع البارز بهما في لغة قوم. حكي الكسائي عنهم: الزيدان نعما رجلين، والزيدون نعموا رجالا.
وذهب الفراء وأكثر الكوفيين إلى أنهما اسمان، واحتجوا بدخول حرف الجر عليهما، كقول بعضهم وقد بشر ببنت: (والله ما هي بنعم الولد: نصرها بكاء، وبرها سرقة). وقول الآخر: (نعم السير على بئس العير).
[١٨٢] وقول // الراجز: [من الرجز]
٤٣٢ - صبحك الله بخيرٍ باكر ... بنعم طيرٍ وشباب فاخر
стр. 332
ولا حجة فيما أوردوه، لجواز أن يكون دخول حرف الجر في (بنعم الولد) و (على بئس العير) كدخوله على (نام) في قول القائل: [من الرجز]
٤٣٣ - عمرك ما ليلي بنام صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه
تقديره: ما ليلي بليلٍ نام صاحبه، ثم حذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، فجرى عليها حكمه.
وهكذا ما نحن بصدده، كان أصله: ما هي بولدٍ نعم الولد، ونعم السير على عيرٍ بئس العير، ثم حذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، فدخل عليها حرف الجر.
وأما قوله: (بنعم طيرٍ) فهو على الحكاية، ونقل الكلمة عن الفعلية إلى جعلها اسمًا للفظ، كما في نحو قوله ﷺ : (وأنهاكم عن قيل وقال) والمعنى: صبحك الله بكلمة نعم منسوبة إلى الطائر الميمون.
وفي (نعم وبئس) أربع لغات: نعم وبئس، وهو الأصل، ونعم وبئس، ونعم وبئس، ونعم وبئس: بالإتباع.
وهذه اللغات الأربع جائزة في كل ما عينه حرف حلق، وهو ثلاثي مفتوح الأول، مكسور الثاني، نحوك شهد وفخذ.
وقوله:
............... ... .......... رافعان اسمين
إلى آخر الأبيات الثلاثة مبين أنه أن (نعم وبئس) يقتضيان فاعلا معرفًا بالألف واللام الجنسية، أو مضافًا إلى المعرف بها، أو مضمرًا مفسرًا بنكرة بعده منصوبة على التمييز.
فالأول: كقوله تعالى: (نعم المولى ونعم النصير) [الحج /٧٨].
стр. 333
والثاني نحو:
............ ... .......... نعم عقبى الكرما
ونظيره قوله تعالى: (ولنعم دار المتقين) [النحل /٣٠].
والمضاف إلى المضاف إلى المعرف بالألف واللام بمنزلة المضاف إلى المعرف بها، وذلك نحو: نعم غلام صاحب القوم. قال الشاعر: [من الطويل]
٤٣٤ - فنعم ابن أخت القوم غير مكذبٍ ... زهير حسام مفرد من حمائل
والثالث كقولك: نعم قومًا معشر زيدٍ، ومثله قول الشاعر: [من البسيط]
٤٣٥ - لنعم موئلا المولى إذا حذرت ... بأساء ذي البغي واستيلاء ذي الإحن
التقدير: لنعم الموئل موئلا المولى، فأضمر الفاعل، وفسر بالتمييز بعده، ونحوه قوله تعالى: (بئس للظالمين بدلا) [الكهف /٥٠].
وقد يستغنى عن التمييز للعلم بجنس الضمير، كقوله ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت) أي: فبالسنة أخذ، ونعمت السنة.
والغالب في (نعم وبئس) ألا يخرج فاعلهما عن أحد الأقسام المذكورة، وإنما قلت الغالب، لأن الأخفش حكي أن ناسًا من العرب يرفعون بـ (نعم وبئس) النكرة المفردة، نحو: نعم خليل زيدٌ، والمضافة أيضًا نحو: نعم جليس قومٍ عمرو.
[١٨٣] وربما قيل: نعم زيد، وفي الحديث // الشريف: (نعم عبد الله خالد بن الوليد) وقد مر حكاية: نعما رجلين، ونعموا رجالا، إلا أن هذا ومثله قليل نادر، بالإضافة إلى ما تقدم ذكره.
٤٨٨ - وجمع تمييزٍ وفاعلٍ ظهر ... فيه خلاف عنهم قد اشتهر
منع سيبويه الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز، فلا يجوز: نعم الرجل رجلا زيد، لأن الإبهام قد ارتفاع بظهور الفاعل، فلا حاجة إلى التمييز.
стр. 334
وقد أجازه المبرد تمسكًا بمثل قول الشاعر: [من البسيط]
٤٣٦ - والتغلبيون بئس الفحل فحلهم ... فحلا وأمهم زلاء منطيق
وما ذهب إليه المبرد هو الأصح؛ فإن التمييز كما يجيء لرفع الإبهام، كذلك قد يجيء للتوكيد، قال الله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا) [التوبة /٣٦]، ومثله قول الشاعر: [من الكامل]
٤٣٧ - ولقد علمت بأن دين محمدٍ ... من خير أديان البرية دينا
٤٨٩ - وما مميز وقيل فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل
يعني: أنه قد قيل في (ما) من نحو: نعم ما صنعت، وقوله تعالى: (بئس ما اشتروا به أنفسهم) [البقرة /٩٠]، يجوز أن تكون نكرة موصوفة في موضع نصب على التمييز، وهي مفسرة لفاعل الفعل قبلها، وأن تكون موصولة في موضع رفع بالفاعلية، وإن لم تكن اسمًا معرفًا بالألف واللام، على حد قوله ﷺ : (نعم عبد الله خالد بن الوليد) وكذلك قيل في (ما) المفردة، كقوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) [البقرة /٢٧١].
فعند أكثر النحويين: أن (ما) في موضع نصب على التمييز للفاعل المستكن، وهي نكرة غير موصوفة، مثلها في نحو: ما أحسن زيدًا!، وقولهم: إني مما أن أفعل كذا.
وذهب ابن خروف إلى أنها فاعل، وهي اسم تام معرفة، وزعم أنه مذهب سيبويه، قال: وتكون (ما) تامة معرفة بغير صلة، نحو: دققته دقًا نعمًا، قال سيبويه: أي: نعم الدق، و (نعما هي) أي: نعم الشيء إبداؤها، فحذف المضاف، وهو (الإبداء) وأقيم ضمير الصدقات مقامه.
стр. 335
وعندي: أن هذا القول من سيبويه لا يدل ما ذهب إليه ابن خروف لجواز أن يكون سيبويه قصد بيان تأويل الكلام، ولم يرد تفسير معنى (ما) ولا بيان أن موضعها رفع.
٤٩٠ - ويذكر المخصوص بعد مبتدأ ... أو خبر اسم ليس يبدو أبدا
[١٨٤] // لما كان (نعم وبئس) للمدح العام، والذم العام، الشائعين في كل خصلة محمودة أو مذمومة، المستبعد تحققها، وهو: أن يشيع كون المحمود محمودًا في خصال الحمد، وكون المذموم مذمومًا في خلافها سلكوا بهما في الأمر العام طريقي الإجمال والتفصيل لقصد مزيد التقرير، فجاؤوا بعد الفاعل بما يدل على المخصوص بالمدح أو الذم، فقالوا: نعم الرجل زيد، ونعم رجلا عمرو.
ألا ترى أنك إذا قلت: نعم الرجل، معرفًا للفاعل بالألف واللام الجنسية، أو قلت: نعم رجلا، فأضمرته مفسرًا بمميز عام له كيف يتوجه المدح إلى المخصوص به أولا على سبيل الإجمال لكونه فردًا من الجنس، ثم إذا عقبته بذكر المخصوص كيف يتوجه إليه ثانيًا على سبيل التفصيل، فيحصل من تقوي الحكم، ومزيد التقرير ما يزيل ذلك الاستبعاد.
وقد جوز النحويون في المخصوص بالمدح أو الذم أن يكون مبتدأ، خبره الجملة قبله، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، واجب الحذف، تقديره: نعم الرجل هو زيد، كأن سامعًا سمع (نعم الرجل) فسأل عن المخصوص بالمدح، من هو؟ فقيل له: هو زيدً.
٤٩١ - وإن يقدم مشعر به كفى ... كالعلم نعم المقتنى والمقتفى
قد يتقدم على (نعم) ما يدل على المخصوص بالمدح، فيغني ذلك عن ذكره، كقولك: العلم نعم المقتنى والمقتفى، أي: المتبع، ونحوه قوله تعالى حكاية عن أيوب ﵇: (إنا وجدناه صابرًا نعم العبد) [ص /٤٤].
وقول الشاعر: [من م. الكامل]
٤٣٨ - إني اعتمدتك يا يزيـ ... د فنعم معتمد الوسائل
٤٩٢ - واجعل كبئس ساء واجعل فعلا ... من ذي ثلاثةٍ كنعم مسجلا
стр. 336
استعملوا (ساء) في الذم استعمال (بئس) في عدم التصرف، والاقتصار على كون الفاعل معرفًا بالألف واللام، أو مضافًا إلى المعرف بهما، أو مضمرًا مفسرًا بتمييز بعده، والمجيء بعد الفاعل بالمخصوص بالذم، فيقال: ساء الرجل زيد وساء غلام الرجل عمرو، وساء غلامًا عبد هندٍ، كما قال الله تعالى: ٠ بئس الشراب وساءت مرتفقًا) [الكهف /٢٩] وقال الله تعالى: (ساء ما يحكمون) [الأنعام /١٣٦]. فهذا على حد قوله تعالى: (بئس ما شروا به أنفسهم) [البقرة /١٠٢].
قوله:
....... واجعل فعلا ... من ذي ثلاثةٍ كنعم مسجلا
أي: بلا قيد، يقال: أسجلت الشيء، إذا أمكنت من الانتفاع به مطلقًا.
والمراد بهذه العبارة التنبيه على أن العرب تبني من كل فعل ثلاثي فعلا على (فعل) لقصد المدح أو الذم، وتجريه في الاستعمال، وعدم التصرف مجرى (نعم) كقولك: [١٨٥] // علم الرجل زيد، وقضو صاحب القوم عمرو، ورمو غلامًا بكر، وقال الله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) [الكهف /٥].
المعنى والله أعلم: بئس كلمة تخرج من أفواههم قولهم اتخذ الله ولدًا.
٤٩٣ - ومثل نعم حبذا الفاعل ذا ... وإن ترد ذما فقل لا حبذا
يقال في المدح: حبذا زيد، كما يقال: نعم الرجل زيد، فإذا أريد الذم قيل (لا حبذا). قال الشاعر: [من الطويل]
٤٣٩ - ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
وقوله:
................. الفاعل ذا ... .............
تعريض بالرد على جماعة من النحويين، فإنهم يرون أن (حب) في هذا الباب غير مستقلة بالإسناد، بل هي مركبة مع (ذا) مجعولة معها شيئًا واحدًا. ثم من هؤلاء من يجعل المخصوص بعدها خبرًا، على أن (حبذا) مبتدأ، ومنهم من يجعله فاعلا، على أنها فعل. وكلا القولين تكلف، وإخراج اللفظ عن أصله بلا دليل.
стр. 337
قال ابن خروف، بعد أن مثل بـ (حبذا زيد): (حب) فعل، و (ذا) فاعل و (زيد) مبتدأ، وخبره (حبذا) وقال: هذا قول سيبويه، وأخطأ عليه من زعم غير ذلك.
٤٩٤ - وأول ذا المخصوص أيا كان لا ... تعدل بذا فهو يضاهي المثلا
يقول: أتبع (ذا) المخصوص بالمدح أو الذم مذكرًا كان أو مؤنثًا، مفردًا أو مثنى أو مجموعًا، ولا تعدل عن لفظ (ذا) لأن باب (حبذا) جار مجرى المثل، والأمثال لا تغير، فتقول: حبذا زيد، وحبذا هند، وحبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبذا الهندات.
ولو طابقت بين الفاعل والمخصوص بالمدح قلت: حب ذي هند، وحب أولاء الزيدون، كما تقول: نعم المرأة هند، ونعم الرجال الزيدون، إلا أنه لما جرى مجرى المثل لم يغير، كما قالوا: (الصيف ضيعت اللبن).
وقال ابن كيسان: (ذا) من قولهم: (حبذا) إشارة إلى مفرد مضاف إلى المخصوص، حذف وأقيم هو مقامه، فتقدير: حبذا هند: حبذا حسنها.
وقد يحذف المخصوص في هذا الباب للعلم به، كما في باب (نعم) قال الشاعر: [من الطويل]
٤٤٠ - ألا حبذا لولا الحياء وربما ... منحت الهوى ما ليس بالمتقارب
وقد يذكر قبله أو بعده تمييز، نحو: حبذا رجلا زيد، وحبذا هندًا امرأة.
٤٩٥ - وما سوى ذا ارفع بحب أو فجر ... بالبا ودون ذا انضمام الحا كثر
يعني: أنه قد يجيء فاعل (حب) المراد بها المدح غير (ذا)، وذلك على ضربين: [١٨٦] أحدهما: // مرفوع، كقولك: حب زيدٌ رجلا. والآخر: مجرور بالباء الزائدة، نحو: حب زيد رجلا.
стр. 338
وأكثر ما تجيء (حب) مع غير (ذا) مضمومة الحاء بالنقل من حركة عينها، كقول الشاعر: [من الطويل]
٤٤١ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل
وقد لا تضم حاؤها، كقول بعض الأنصار ﵁: [من الرجز]
٤٤٢ - باسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
فحبذا ربا وحب دينا
أي: حب عبادته دينا، وذكر ضمير العبادة لتأولها بالدين والتعظيم.
стр. 339
أفعل التفضيل
٤٩٦ - صغ من مصوغٍ منه للتعجب ... أفعل للتفضيل واب اللذ أبي
يبني الوصف على (أفعل) للدلالة على التفضيل، وذلك مقيس في كل ما يبنى منه فعل التعجب، تقول: هو أفضل من زيدٍ، وأعلم منه، وأحسن، كما تقول: ما أفضل زيدًا! وما أعلمه وما أحسنه!.
وقوله:
.......................... ... ....... واب اللذ أبي
يعني: أن ما لا يجوز أن يبني منه فعل التعجب لا يجوز أن يبني منه (أفعل) التفضيل.
فلا يبني من وصف لا فعل له كـ (غير وسوى) ولا من فعل زائد على ثلاثة أحرف، نحو: استخرج، ولا معبر عن اسم فاعله بـ (أفعل) كعور، ولا مبني للمفعول، كضرب، ولا غير متصرف كـ (عسى ونعم وبئس) ولا غير متفاوت المعنى، كمات، وفني. فإن سمع بناؤه من شيء من ذلك عد شاذا، وحفظ، ولم يقس عليه، كما في التعجب. تقول: هو أقمن بكذا، أي: أحق به، وإن لم يكن له فعل، كما قلت: أقمن به، وقالوا: (هو ألص من شظاظٍ) فبنوه من لص، ولا فعل له.
وتقول من اختصر الشيء: هو أخصر من كذا، كما يقال: ما أخصره! وقالوا: هو أعطاهم للدراهم! وأولاهم للمعروف! وأكرم لي من زيد! أي: أشد إكرامًا، وهذا
стр. 340
المكان أقفر من غيره! وفي المثل: (أفلس من ابن المذلق)، وفي الحديث الشريف: (فهو لما سواها أضيع).
وهذا النوع عند سيبويه مقيس، لأنه من (أفعل) وهو عنده كالثلاثي في جواز بناء فعل التعجب منه، وأفعل التفضيل.
وتقول: هو أهوج منه!، وأنوك منه؟، وإن كان اسم فاعله على (أفعل) كما يقال: ما أهوجه، وما أنوكه! وفي المثل: (هو أحمق من هبنقة)! (وأسود من حلك الغراب).
وأما قولهم: (أزهى من ديك) و (أشغل من ذات النحيين)، و (أعني بحاجتك) فلا تعد شاذة، وإن كانت من فعل ما لم يسم فاعله، لأنه لا لبس فيها، إذ لم يستعمل لها فعل فاعل. [١٨٧] //
٤٩٧ - وما به إلى تعجبٍ وصل ... لمانعٍ به إلى التفضيل صل
يعني: أن ما لا يجوز التعجب من لفظه لمانع فيه يتوصل إلى الدلالة على التفضيل فيه بمثل ما يتوصل إلى التعجب منه؟ فيبنى (أفعل) التفضيل من (أشد) أو ما جرى مجراه، ويميز بمصدر ما فيه المانع، وذلك نحو قولك: هو أكثر استخراجًا، وأقبح عورًا، وأفجع قوتًا.
٤٩٨ - وأفعل التفضيل صله أبدا ... تقديرًا أو لفظًا بمن إن جردا
стр. 341
أفعل التفضيل في الكلام على ثلاثة أضرب: مضاف، ومعرف بالألف واللام، ومجرد من الإضافة والألف واللام.
فإن كان مجردًا لزم اتصاله بـ (من) التي لابتداء الغاية، جارة للمفضل عليه، كقولك: زيد أكرم من عمروٍ، وأحسن من بكرٍ.
وقد يستغنى بتقدير (من) عن ذكرها لدليل، ويكثر ذلك إذا كان أفعل التفضيل خبرًا، كقوله تعالى: (والآخرة خير وأبقى) [الأعلى /١٧] ويقل ذلك إذا كان صفة أو حالا، كقول الراجز: [من الرجز]
٤٤٣ - تروحي أجدر أن تقيلي ... غدًا بجنبي باردٍ ظليل
أي: تروحي، وائتي مكانًا أجدر أن تقيلي فيه من غيره.
وإن كان (أفعل) التفضيل مضافًا، نحو: زيد أفضل القوم، أو معرفًا بالألف واللام، نحو: زيد الأفضل، لم يجز اتصاله بـ (من) فأما قوله: [من السريع]
٤٤٤ - ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن (من) فيه ليست لابتداء الغاية بل لبيان الجنس، كما هي في نحو: أنت منهم الفارس والشجاع، أي من بينهم.
الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، دل عليه المذكور.
الثالث: أن الألف واللام زائدتان. فلم يمنعا من وجود (من) كما لم يمنعا من الإضافة في قول الشاعر: [من الكامل]
стр. 342
٤٤٥ - تولي الضجيع إذا تنبه موهنًا ... كالأقحوان من الرشاش المستقي
قال أبو علي: أراد من رشاش المستقي.
٤٩٩ - وإن لمنكور يضف أو جردا ... ألزم تذكيرًا وأن يوحدا
٥٠٠ - وتلو أل طبق وما لمعرفه ... أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه
٥٠١ - هذا إذا نويت معنى من وإن ... لم تنو فهو طبق ما به قرن
إذا كان أفعل التفضيل مجردًا لزمه التذكير والإفراد بكل حال، كقولك: هو [١٨٨] أفضل، // وهي أفضل، وهما أفضل، وهم أفضل، وهن أفضل، وإذا كان معرفًا بالألف واللام لزمه مطابقة ما هو له في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع، وهو المراد بقوله: وتلو (أل) طبق.
تقول: هو الأفضل، وهي الفضلى، وهما الأفضلان، وهم الأفضلون، هن الفضليات، أو الفضل. وإذا كان مضافًا.
فإن أضيف إلى نكرة لزمه التذكير والإفراد، كالمجرد، تقول: هو أفضل رجل، وهي أفضل امرأةٍ، وهما أفضل رجلين، وهم أفضل رجالٍ، وهن أفضل نساءٍ.
وإن أضيف إلى معرفة: جاز أن يوافق المجرد في لزوم الإفراد، والتذكير، فيقال: هي افضل النساء، وهما أفضل القوم، وجاز أن يوافق المعرف بالألف واللام في لزوم المطابقة لما هو له، فيقال: هي فضلى النساء، وهما أفضلا القوم، وقد اجتمع الوجهان في قوله ﷺ : (ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون).
وإلى جواز موافقة المضاف المجرد، والمعرف بالألف واللام الإشارة بقوله:
......... وما لمعرفه ... أضيف ذو وجهين ...............
وقوله:
هذا إذا نويت معنى من .............. ... .......................
стр. 343
يعني: أن جواز الأمرين في المضاف مشروط بكون الإضافة فيه بمعنى (من) وذلك إذا كان (أفعل) مقصودًا به التفضيل، وأما إذا لم يقصد به التفضيل فلابد فيه من المطابقة لما هو له، كقولهم: (الناقص والأشج أعدلا بني مروان) أي: عادلاهم.
وكثيرًا ما يستعمل (أفعل) غير مقصود به تفضيل، وهو عند المبرد مقيس، ومنه قوله تعالى: (ربكم أعلم بما في نفوسكم) [الإسراء /٢٥] وقوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) [الروم /٢٧] أي ربكم عالم بما في نفوسكم، وهو هين عليه.
وقول الشاعر: [من الكامل]
٤٤٦ - إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
أراد: عزيزة طويلة.
٥٠٢ - وإن تكن بتلو من مستفهما ... فلهما كن أبدًا مقدما
٥٠٣ - كمثل ممن أنت خير ولدى ... إخبارٍ التقديم نزرًا وردا
لأفعل التفضيل مع (من) شبه بالمضاف والمضاف إليه، فحقه ألا يتقدم عليه إلا لموجب، وذلك إذا كان المجرور بـ (من) اسم استفهام، فإنه لابد إذا ذاك من تقديمهما على (أفعل) التفضيل ضرورة أن الاستفهام له صدر الكلام، تقول: (ممن أنت خير) ومن كم دراهمك أكثر؟ ومن أيهم أنت أفضل؟.
وإذا كان المجرور بـ (من) غير الاستفهام لم يتقدم على (أفعل) التفضيل إلا [١٨٩] قليلا، كقول الشاعر: // [من الطويل]
стр. 344
٤٤٧ - فقالت لنا أهلا وسهلا وزودت ... جنى النحل أو ما زودت منه أطيب
وقول الآخر: [من الطويل]
٤٤٨ - ولا عيب فيها غير أن سريعها ... قطوف وألا شيء منه أكسل
ولشبه (أفعل) التفضيل مع (من) بالمضاف والمضاف إليه لم يفصل منه بأجنبي، تقول: زيد أحسن وجهًا من عمروٍ، وأنت أحظى عندي من ذاك.
وقد اجتمع فصلان في قول الراجز: [من الرجز]
٤٤٩ - لأكلة من إقطٍ وسمن ... ألين مسا في حشايا البطن
من يثربياتٍ قذاذٍ خشن
٥٠٤ - ورفعه الظاهر نزر ومتى ... عاقب فعلا فكثيرًا ثبتا
٥٠٥ - كلن ترى في الناس من رفيق ... أولى به الفضل من الصديق
(أفعل) التفضيل من قبل أنه في حال تجرده لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، ضعيف الشبه باسم الفاعل، وبالصفة المشبهة به، فلم يرفع الظاهر عند أكثر العرب إلا إذا ولى نفيًا أو استفهامًا، وكان مرفوعه أجنبيًا، مفضلا على نفسه باعتبارين، نحو قولهم: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد.
стр. 345
وقوله ﷺ : (ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة).
وقول الشاعر: [من الطويل]
٤٥٠ - مررت على وادي السباع ولا أرى ... كوادي السباع حين يظلم واديا
أقل به ركب أتوه تئيةً ... وأخوف إلا ما وقى الله ساريا
تقديره: لا أرى واديًا أقل به ركب أتوه تئيةً منه كوادي السباع، ولكن حذف لتقدم ما دل على المفضول. يقال: تأييت بالمكان، أي: تلبثت به.
وتقول: ما أحد أحسن به الجميل من زيدٍ، أصله: ما أحد أحسن به الجميل من الجميل بزيد، إلا أنه أضيف الجميل إلى زيد، لملابسته له في المعنى، فصار في التقدير: من جميل زيد، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ونظير ذلك قوله:
كلن ترى في الناس من رفيق ... أولى به الفضل من الصديق
يعني: أبا بكر ﵁.
فهذه الصور ونحوها يرفع (أفعل) التفضيل فيها الظاهر باطراد، ويمكن أن يعلل ذلك بأمرين:
أحدهما: ما أشار إليه بقوله:
.................... ومتى ... عاقب فعلا فكثيرًا ثبتا
يعني أنه متى حسن أن يقع موقع (أفعل) التفضيل فعل بمعناه صح رفعه الظاهر [١٩٠]، كما صح إعمال اسم الفاعل بمعنى المضي في صلة // الألف واللام، فقالوا: (ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيدٍ). لأنه في معنى: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيدٍ.
فإن قلت: فكان ينبغي أن يقضي جواز مثل هذا بجواز رفع (أفعل) التفضيل السببي المضاف إلى ضمير الموصوف، نحو: ما رأيت رجلا أحسن منه أبوه، وفي الإثبات، نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيدٍ، لأنه يصح في ذلك كله وقوع الفعل موقع (أفعل) التفضيل.
стр. 346
قلت: المعتبر في اطراد (أفعل) التفضيل الظاهر جواز أن يقع موقعه الفعل الذي يبنى منه، مفيدًا فائدته، وما أوردته ليس كذلك.
ألا ترى أنك لو قلت: ما رأيت رجلا يحسن أبوه كحسنه، فأتيت موضعٍ أحسن بمضارع حسن فائت الدلالة على التفضيل، أو قلت: ما رأيت رجلا يحسنه أبوه، فأتيت موضع أحسن بمضارع حسنه، إذا فاقه في الحسن كنت قد جئت بغير الفعل، الذي يبنى منه أحسن، وكانت الدلالة على الغريزة المستفادة من (أفعل) التفضيل.
ولو رمت أن توقع الفعل موقع (أحسن) على غير هذين الوجهين لم تستطع، وكذا القول في نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيدٍ، فإنك لو جعلت فيه يحسن مكان أحسن، فقلت: رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيدٍ، أو يحسن في عينه الكحل كحلا في عين زيد فأتت الدلالة على التفضيل في الأول، وعلى الغريزة في الثاني.
الأمر الثاني: أن (أفعل) التفضيل متى ورد على الوجه المذكور وجب رفعه الظاهر، لئلا يلزم الفصل بينه وبين (من) بأجنبي فإن ما هو له في المعنى لو لم يجعل فاعلا لوجب كونه مبتدأ، ولتعذر الفصل به.
فإن قلت: وأي حاجة إلى ذلك؟ ولم لم يجعل مبتدأ مؤخرًا عن (من)؟
فيقال: ما رأيت رجلا أحسن في عينيه منه في عين زيدٍ الكحل، أو مقدمًا على أحسن، فيقال: ما رأيت رجلا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيدٍ.
قلت: لم يؤخر تجنبًا عن قبح اجتماع تقديم الضمير على مفسره، وإعمال الخبر في ضميرين لمسمى واحد وليس هو من أفعال القلوب، ولم يقدم كراهية أن يقدموا لغير ضرورة ما ليس بأهم، فإن الامتناع من رفع (أفعل) التفضيل للظاهر ليس لعلة موجبة إنما هو لأمر استحساني، فيجوز التخلف عن مقتضاه، إذا زاحمه ما رعايته أولى، وهو تقديم ما هو أهم، وإيراده في الذكر أتم، وذلك صفة ما يستلزم صدق الكلام تخصيصه.
ألا ترى أنك لو قلت: ما رأيت رجلا كان صدق الكلام موقوفًا على تخصيص رجل بأمر يمكن أنه لم يحصل لمن رأيته من الرجال، لأنه ما من راءٍ إلا وقد رأى رجلا ما.
فلما كان موقوف الصدق على المخصص، وهو الوصف كان تقديمه مطلوبًا [١٩١] فوق كل // مطلوب، فقدم، واغتفر ما ترتب على التقديم: من الخروج عن الأصل.
стр. 347
فإن قلت، فلم لم يجز على مقتضى ما ذكرتم أن يرفع (أفعل) التفضيل الظاهر في الإثبات، فيقال: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيدٍ.
قلت: لأن مطلوبية المخصص في الإثبات دون مطلوبيته في النفي، لأنه في الإثبات يزيد في الفائدة، وفي النفي يصون الكلام عن كونه كذبًا، فلما كان ذلك كذلك كان لهم عن تقديم الصفة، ورفعها الظاهر مندوحة، بتقديم ما هي له في المعنى، وجعله مبتدأ، فيقال: رأيت رجلا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيدٍ.
ولكون المانع من رفع أفعل التفضيل الظاهر ليس أمرًا موجبًا أطرد عند بعض العرب إجراؤه مجرى اسم الفاعل، فيقولون: مررت برجل أحسن منه أبوه، حكي ذلك سيبويه.
وإلى هذه المسألة الإشارة بقوله:
ورفعه الظاهر نزر .................. ... .................
أي: رفعه الظاهر غير مقيد بصلاحيته لمعاقبة الفعل قليل في كلام العرب.
стр. 348
النعت
٥٠٦ - يتبع في الإعراب الأسماء الأول ... نعت وتوكيد وعطف وبدل
٥٠٧ - فالنعت تابع متم ما سبق ... بوسمه أو وسم ما به اعتلق
التابع: هو المشارك ما قبله في إعرابه الحاصل والمجدد.
فقولي: (المشارك ما قبله في إعرابه): يشمل التابع وغيره.
وقولي: (الحاصل والمتجدد): يخرج خبر المبتدأ والحال من المنصوب.
والتوابع خمسة أنواع: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل. فأما النعت: فهو التابع الموضح متبوعه والمخصص له، بكونه دالا على معنى في المتبوع، نحو: مررت برجل كريمٍ، أو في متعلق به، نحو: مررت برجلٍ كريمٍ أبوه.
(فالتابع) جنس يعم الأنواع الخمسة، والموضح والمخصص مخرج لعطف النسق والبدل، وقولي: بدلالته على معنى في المتبوع، أو في متعلق به مخرج للتوكيد، وعطف البيان. وهذا مراده بقوله:
.............. متم ما سبق ... بوسمه أو وسم ما به اعتلق
أي: مكمل متبوعه ورافع عنه الشركة، واحتمالها ببيان صفة من الصفات، التي له، أو لمتعلق به.
ولذلك: لا يكون إلا مشتقًا، أو مؤولا بمشتق، لأن الجوامد لا دلالة لها بوضعها على معان، منسوبة إلى غيرها، وكثيرًا ما يكون الاسم غنيًا عن الإيضاح، والتخصيص، فينعت لقصد المدح، نحو: (الحمد لله رب العالمين) [الفاتحة /١] أو الذم، نحو:
стр. 349
(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أو الترحم نحو: (مررت بأخيك المسكين) أو التوكيد، كقولك: (أمس الدابر لا يعود) ومنه قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخةً واحدةً) [١٩٢] [الحاقة /١٣] //.
٥٠٨ - وليعط في التعريف والتنكير ما ... لما تلا كامرر بقومٍ كرما
النعت لابد أن يتبع المنعوت في إعرابه وتعريفه وتنكيره، سواء كان جاريًا على من هو له، أو على ما هو لشيء من سببه.
فلا تنعت النكرة بمعرفة، لئلا يلزم مخالفة الغرض المقصود بالنسبة، وهو المنعوت، فإن النعت إنما يجيء لتكميل المنعوت، فمتى كان معرفة عين مسمى المنعوت، وزال ما قصد فيه من الإبهام والشيوع.
فلا تنعت النكرة إلا بنكرة مثلها، كقولك: امرر بقومٍ كرماء.
ولا تنعت المعرفة بنكرة، صونًا لها من توهم طرآن التنكير عليها، وإنما تنعت بالمعرفة، كقولك: امرر بالقوم الكرماء. اللهم إلا إذا كان التعريف بلام الجنس فإنه لقرب مسافته من التنكير يجوز نعتها حينئذ بالنكرة الخصوصة. ولذلك تسمع النحويين يقولون في قوله: [من الكامل]
٤٥١ - ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأعف ثم أقول ما يعنيني
أن (يسبني) صفة لا حال، لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم من اللئام. ومثله قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) [يس /٣٧] وقولهم: ما ينبغي للرجل مثلك، أو خير منك أن يفعل كذا.
٥٠٩ - وهو لدى التوحيد والتذكير أو ... سواهما كالفعل فأقف ما قفوا
يجرى النعت في مطابقة المنعوت وعدمها؛ مجرى الفعل الواقع موقعه؛ فإن كان جاريًا على ما هو له رفع ضمير المنعوت وطابقه في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجلين حسنين، وامرأةٍ حسنةٍ، كما تقول: برجلين حسنا، وامرأةٍ حسنت.
стр. 350
وإن كان جاريًا على ما هو لشيء من سببه؛ فإن لم يرفع السببي فهو كالجاري على ما هو له في مطابقته المنعوت، لأنه مثله في رفعه ضمير المنعوت، وذلك قولك: مررت بامرأة حسنة الوجه، وبرجالٍ حسان الوجوه.
وإن رفع السببي كان بحسبه في التذكير والتأنيث، كما في الفعل، فيقال: مررت برجال حسنةٍ وجوههم، وبامرأةٍ حسنٍ وجهها، كما يقال: حسنت وجوههم، وحسن وجههًا، وجاز فيه رافعًا لجميع الإفراد والتكسير، فيقال: مررت برجل كريمٍ آباؤه، وكرامٍ آباؤه، وجاز فيه أيضًا أن يجمع جمع المذكر السالم، والمطابقة في التثنية، والجمع على لغة (أكلوني البراغيث) فيقال: مررت برجل حسنين غلمانه، وكريمين أبواه.
٥١٠ - وانعت بمشتق كصعب وذرب ... وشبهه كذا وذي والمنتسب
[١٩٣] // المشتق: ما أخذ من لفظ المصدر للدلالة على معنى منسوب إليه.
فلو قال: (وانعت بوصفٍ مثل صعب وذرب) كان أمثل؛ لأن من المشتق أسماء الزمان والمكان والآلة، ولا ينعت بشيء منها، إنما ينعت بما كان صفة، وهو ما دل على حدث وصاحبه، كصعبٍ وذرب وضارب ومضروب، وأفضل منك، أو اسمًا مضمنًا معنى الصفة، إما وصفًا كاسم الإشارة، وذي بمعنى صاحب، أو بمعنى الذي، وكأسماء النسب، وإما استعمالا، كقولهم: مررت بقاع عرفج كله، أي: خشن.
٥١١ - ونعتوا بجملةٍ منكرا ... فأعطيت ما أعطيته خبرا
٥١٢ - وامنع هنا إيقاع ذات الطلب ... وإن أتت فالقول أضمر تصب
تقع الجملة موقع المفرد نعتًا، كما تقع موقعه خبرًا، إلا أنه لتأولها بالمفرد النكرة لا يكون المنعوت بها إلا نكرة، أو ما في معناها، كالذي في قوله: [من الكامل]
٤٥٢ - ولقد أمر على اللئيم يسبني ... .......................
على ما تقدم ذكره. ولابد في الجملة المنعوت بها من ضمير يربطها بالمنعوت، ليحصل بها تخصيصه كقولك: مررت برجلٍ أبوه كريم، وعرفت امرأةً يبهر حسنها. وقد يحذف الضمير للعلم به، كقوله: [من الوافر]
٤٥٣ - فما أدري أغيرهم ثناءً ... وطول العهد أم مال أصابوا
стр. 351
وإلى هذا الإشارة بقوله:
.................... ... فأعطيت ما أعطيته خبرا
ولما أوهم هذا الإطلاق جواز النصت بالجملة الطلبية، إذ كان يجوز الإخبار بها رفع ذلك الإيهام بقوله:
وامنع هنا إيقاع ذات الطلب ... ..........................
فعلم أنه لا ينعت بالجملة إلا إذا كانت خبرية، لأن معناها محصل، فيمكن أن تخصص المنعوت، ويحصل بها فائدة بخلاف الجملة الطلبية، فإنها لا تدل على معنى محصل، فلا يمكن أن تخصص المنعوت ولا يحصل بها فائدة، فلا يصح النعت بها.
وما أوهم ذلك أول، كقول الراجز يصف قومًا سقوا ضيفهم لبنًا، مخلوطًا بالماء: [من الرجز]
٤٥٤ - ما زلت أسعى نحوهم وأختبط ... حتى إذا كاد الظلام يختلط
جاؤوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط
أي: مقول فيه عند رؤيته هذا القول، لإيراده في خيال الرائي لون الذئب بورقته لكونه سمارًا.
٥١٣ - ونعتوا بمصدرٍ كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا
ينعت بالمصدر كثيرًا على تأويله بالمشتق، كقولهم: رجل عدل ورضًا، ويلتزمون [١٩٤] فيه // الإفراد والتذكير فيقولون: امرأة رضًا، ورجلان رضًا، ورجال رضًا، كأنهم قصدوا بذلك التنبيه على أن أصله: رجل ذو رضًا، وامرأة ذات رضًا، ورجلان ذوا رضًا، ورجال ذوو رضًا، فلما حذفوا المضاف تركوا المضاف إليه على ما كان عليه.
стр. 352
٥١٤ - ونعت غير واحدٍ إذا اختلف ... فعاطفًا فرقه لا إذا ائتلف
يجوز نعت غير الواحد بمتفق المعنى ومختلفه. فإذا نعت بمتفق المعنى استغنى عن تفريق النعت بالتثنية والجمع، فيقال: رأيت رجلين حسنين، ومررت برجالٍ كرماء.
وإذا نعت بمختلف المعنى وجب تفريق النعت، وعطف بعض على بعض، فيقال: رأيت رجلين: عالمًا وجاهلا، ومررت برجال: شاعر وفقيهٍ وكاتبٍ.
٥١٥ - ونعت معمولي وحيدي معنًى ... وعملٍ أتبع بغير استثنا
إذا نعت معمولا عاملين بما لهما في المعنى، فلا يخلو العاملان من أن يتحدا في المعنى والعمل، أو يختلفا فيهما، أو في أحدهما. فإن اتحدا فيهما كان النعت تابعًا للمنعوت في الرفع والنصب والجر. وهذا مراده من قوله
.......................... ... ................. بغير استثنا
فيقال: انطلق زيد وذهب عمرو الكريمان، وحدثت بكرًا وكلمت بشرًا الشريفين، وقعدت إلى زيدٍ وجلست إلى عمروٍ الكريمين.
وإن اختلف العاملان وجب في النعت القطع، فيرفع على إضمار مبتدأ، وينصب على إضمار فعل، فيقال: جاء زيد وذهب عمرو الكريمان، على تقدير: هما الكريمان، وإن شئت قلت: الكريمين على تقدير، أعني: الكريمين، وكذا القول في نحو انطلق بكر وكلمت بشرًا الشريفان والشريفين، وكذا تقول نحو: مررت بزيدٍ وجاوزت عمرًا العالمان والعالمين، بإضمار مبتدأ، أو فعل ناصب، لأن الإتباع في كل هذا متعذر. إذ العمل الواحد. لا يمكن نسبته إلى عاملين، من شأن كل منهما أن يستقل بالعمل.
٥١٦ - وإن نعوت كثرت وقد تلت ... مفتقرًا لذكرهن اتبعت
٥١٧ - واقطع أو اتبع إن يكن معينا ... بدونها أو بعضها اقطع معلنا
٥١٨ - وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا ... مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا
قد يكون للاسم نعتان فصاعدًا، بعطف وغير عطف. فالأول: كقوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى) [١٩٥] [الأعلى /١ - ٤]. والثاني: // كقوله تعالى: (ولا تطع كل حلافٍ مهين * هماز مشاءٍ بنميمٍ * مناعٍ للخير معتدٍ أثيمٍ * عتل بعد ذلك زنيم) [القلم /١٠ - ١٣].
стр. 353
ثم إن المنعوت إن لم يعين المسمى إلا بجميع النعوت وجب فيها الإتباع. وإن كان متعينًا بدونها جاز فيها الإتباع والقطع، وإن كان متعينًا ببعض النعوت جاز القطع فيما عداه. وإلى هذا الإشارة بقوله:
.................... ... .............. أو بعضها اقطع معلنا
أي: وإن يكن معينًا ببعضها اقطع ما سواه، تقول: مررت بزيدٍ الكريم العاقل اللبيب، بالإتباع، وإن شئت قطعت، وذلك على وجهين:
أحدهما: أن ترفع على إضمار مبتدأ تقديره: هو الكريم العاقل اللبيب.
والثاني: أن تنصب على إضمار فعل لا يجوز إظهاره تقديره: أخص الكريم العاقل اللبيب.
ولك أن تتبع بعضًا وتقطع بعضًا، ولك في القطع أن ترفع بعضًا وتنصب بعضًا، فتقول: مررت برجل كريمٍ عاقلٍ لبيبًا.
ولا يجوز في هذا قطع الجميع، لأن النكرة لا تستغني عن التخصيص، فلابد من إتباع بعض النعوت، ثم بعد ذلك يجوز القطع، كما قال الشاعر: [من المتقارب]
٤٥٥ - ويأوي إلى نسوةٍ عطل ... وشعثًا مراضيع مثل السعالي
٥١٩ - وما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل
يعني أنه إذا علم النعت أو المنعوت جاز حذفه، فيكثر حذف المنعوت للعلم به، إذا كان النعت صالحًا لمباشرة العامل، كقوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب) [ص /٥٢].
فإن لم يصلح لمباشرة العامل امتنع الحذف غالبًا، إلا في الضرورة، كقوله: [من الرجز]
стр. 354
٤٥٦ - ما لك عندي غير سهمٍ وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
يرمي بكفي كان من أرمى البشر
وقول الآخر: [من الوافر]
٤٥٧ - كأنك من جمال بني أقيشٍ ... يقعقع بين رجليه بشن
وقولي (غالبًا): تنبيه على نحو قوله تعالى: (ولقد جاءك من نبا المرسلين) [الأنعام /٣٤] وهو مطرد في النفي، كقولهم: (ما منهما مات حتى رأيته يفعل كذا).
وقد يحذف النعت للدلالة عليه بقرينة حالية أو مقالية.
فالأول: كقوله تعالى: (تدمر كل شيءٍ بأمر بها) [الأحقاف /٢٥] وقول الشاعر وهو العباس بن مرداس: [من المتقارب]
٤٥٨ - وقد كنت في الحرب ذا تدرا ... فلم أعط شيئًا ولم أمنع
والثاني: كقوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم [١٩٦] على القاعدين درجة // وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا * درجاتٍ منه ومغفرةً ورحمةً) [النساء /٩٥ - ٩٦].
التقدير: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من أولي الضرر درجةً، وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولى الضرر درجاتٍ.
стр. 355
التوكيد
٥٢٠ - بالنفس أو بالعين الاسم أكدا ... مع ضميرٍ طابق المؤكدا
٥٢١ - واجمعهما بأفعلٍ إن تبعا ... ما ليس واحدًا تكن متبعا
اعلم أن التوكيد نوعان: لفظي ومعنوي. فأما اللفظي فسيأتي ذكره. وأما المعنوي فهو: التابع الرافع احتمال تقدير إضافة إلى المتبوع، أو إرادة الخصوص بما ظاهره العموم.
ويجيء في الغرض الأول بلفظ (النفس والعين) مضافين إلى ضمير المؤكد، مطابقًا له في الإفراد والتذكير وفروعهما، تقول: جاء زيد نفسه، فترفع بذكر (النفس) احتمال كون الجائي رسول زيد أو خبره أو نحو ذلك، ويصير به الكلام نصا على ما هو الظاهر منه، وكذا إذا قلت: لقيت زيدًا عينه.
ولفظ توكيد (النفس والعين) في توكيد المؤنث كلفظهما في توكيد المذكر، كقولك: جاءت هند نفسها، وكلمتها عينها.
أما في توكيد الجمع فيجمعان على (أفعل) كقولك: جاء الزيدون أنفسهم، وكلمت الهندات أعينهن، وكذا في توكيد المثنى على المختار، كقولك: جاء الزيدان أنفسهما، ولقيتهما أعينهما، ويجوز فيهما أيضًا الإفراد والتثنية، وكذا كل مثنى في المعنى مضاف إلى متضمنه يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية.
فألول: كقوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) [التحريم /٤].
следующие страницы →