Полный текст (619 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
درهمٍ اشتريت ثوبك) على ما يراه سيبويه ﵀ من أن الجر فيه بعد (كم) بإضمار (من) لا بالإضافة. والدليل على أن العطف المذكور لا يجوز في القياس من وجهين.
أحدهما: أن الضمير المجرور شبيه بالتنوين لمعاقبته له، وكونه على حرف واحد، فلا يجوز العطف عليه، كما لم يجز العطف على التنوين.
الثاني: أن الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد، فإذا اجتمع على الضمير الاتصالان أشبه العطف عليه العطف على بعض الكلمة، فلم يجز، ووجب إما تكرير الجار، وإما النصب بإضمار فعل.
فإن قيل: لو كان الشبه بالتنوين، أو ببعض الكلمة مانعًا من العطف على الضمير المجرور لمنع من توكيده، ومن الإبدال منه، واللازم منتف بالإجماع.
قلنا: لا نسلم صدق الملازمة.
والفرق بين التوكيد والعطف أن التوكيد مقصود به بيان متبوعه، فينزل منه منزلة الجزء، وذلك يقتضي أمرين:
الأول: أن شبه الضمير المجرور بالتنوين حال توكيده أقل من شبهه به حال العطف عليه، لطلبه حال التوكيد ما لا يطلبه التنوين، وهو التكميل بما بعده، فلا يلزم أن يؤثر شبه التنوين في التوكيد ما أثره في العطف لاحتمال ترتيب الحكم على أقوى الشيئين.
الثاني: أن شبه الضمير المجرور ببعض الكلمة، وإن منع من العطف لا يمنع من التوكيد، لأن بعض الكلمة لا يمتنع عليه تكميله ببقية أجزائه، فكذا لا يمتنع على ما أشبه بعض الكلمة تكميله بما بعده
وأما البدل فالفرق بينه وبين العطف أن البدل في نية تكرار العامل، فإتباعه الضمير المجرور في الحقيقة إتباع له وللجار جميعًا، لأن البدل في قوة المصرح معه بالعامل، وليس كذلك المعطوف، فجاز أن تقول: مررت به المسكين جواز قولك: مررت به وبزيد.
٥٦١ - والفاء قد تحذف مع ما عطفت ... والواو إذ لا لبس وهي انفردت
٥٦٢ - بعطف عاملٍ مزالٍ قد بقي ... معموله دفعًا لوهمٍ اتقي
قد تحذف (الفاء) مع المعطوف بها إذا أبقى أمن اللبس، وكذلك (الواو) فمن حذف الفاء مع المعطوف قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم [٢١٤] عند بارئكم فتاب // عليكم) [البقرة /١٥٤] التقدير: فامتثلتم، فتاب عليكم،
стр. 387
وقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيامٍ أخر) [البقرة /١٨٤] معناه: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر.
ومن حذف الواو مع المعطوف قوله تعالى: (لا نفرق بين أحدٍ من رسله) [البقرة /٢٨٥]، أي: بين أحد وأحد من رسله، وقوله تعالى: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) [النحل /٨١] المعنى: تقيكم الحر والبرد، ومثله قول النابغة الذبياني: [من الطويل]
٥١٣ - فما كان بين الخير لو جاء سالمًا ... أو حجرٍ إلا ليالٍ قلائل
أي: فما كان بين الخير وبيني، وقول امرئ القيس: [من الطويل]
٥١٤ - كأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها حذف أعسرا
أراد: إذا نجلته رجلها ويدها.
قوله:
.................. ... .......... وهي انفردت
بعطف عاملٍ مزالٍ قد بقي ... معموله ...................
إشارة إلى نحو قوله تعالى: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان) [الحشر /٩] فإن (الإيمان) منصوب بفعل محذوف معطوف على (تبوؤوا) وتقديره، والله أعلم: تبوؤوا الدار وألفوا الإيمان.
стр. 388
وقد اندفع بهذا التقدير من الإضمار توهم أن يكون الإيمان مفعولا معه. فإن قلت: ولم دفع هذا التوهم؟ قلت: لأنه لا فائدة في تقييد الذين يحبون من هاجر إليهم بمصاحبه الإيمان، بخلاف تقييدهم بألف الإيمان. ومثل الآية الكريمة في الاستشهاد قول الشاعر: [من الطويل]
٥١٥ - تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
تقديره: يجدع أنفه ويفقأ عينيه. وكذا قول الآخر: [من الوافر]
٥١٦ - إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا
أراد: زججن الحواجب وكحلن العيون.
ومما ينبغي أن يعد من هذا القبيل قوله تعالى: (اسكن أنت وزوجك الجنة) [البقرة /٣٥] لأن فعل أمر المخاطب لا يعمل في الظاهر، فهو على معنى: اسكن أنت، ولتسكن زوجك الجنة.
٥٦٣ - وحذف متبوع بدا هنا استبح ... وعطفك الفعل على الفعل يصح
٥٦٤ - واعطف على اسمٍ شبه فعل فعلا ... وعكسًا استعمل تجده سهلا
يعني: أنه يستباح حذف المتبوع في باب العطف، لأن التابع مع العاطف يدل عليه. مثال ذلك قولهم: (وبك وأهلا [و] سهلا) لمن قال: مرحبًا وأهلا، فحذف (مرحبًا) وعطف عليه أهلا وسهلا.
ومنه قوله تعالى: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به) [آل عمران /٩١] المعنى، والله أعلم: لو ملكه، ولو افتدى به، وقوله تعالى: (ولتصنع على عيني) [طه /٣٩] أي: لترحم ولتصنع.
стр. 389
وقال صاحب الكشاف في قوله تعالى: (أفلم تكن آياتي تتلى عليكم) [٢١٥] [الجاثية /٣١] المعنى: ألم // يأتكم رسلي، فلم تكن آياتي تتلى عليكم.
قوله:
................... ... وعطفك الفعل على الفعل يصح
تنبيه على أن الأفعال كالأسماء في جواز التشريك بينهما في الأحكام بحروف العطف إلا أن ذلك مشروط بالاتفاق في الزمان، فلا يعطف ماض على مستقبل، ولا مستقبل على ماض، فإن اختلفا في اللفظ دون الزمان جاز، كقوله تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورًا) [الفرقان /١٠]. وقوله تعالى: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) [هود /٩٨].
وقوله:
واعطف على اسمٍ شبه فعل فعلا ... ................
مثاله قوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافاتٍ ويقبضن) [الملك /١٩] وقوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا) [الحديد /١٨] وقوله تعالى: (فالمغيرات صبحًا * فأثرن به نقعًا) [العاديات /٣ - ٤].
وقوله:
............................ ... وعكسًا استعمل تجده سهلا
يعني أن الاسم المشبه للفعل يعطف على الفعل لتقارب المعنى، كقوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) [الأنعام /٩٥] وقول الراجز:
[من الرجز]
٥١٧ - يا رب بيضاء من العواهج ... أم صبي قد حبا أو دارج
стр. 390
وقول الآخر: [من الرجز]
٥١٨ - بات يعشيها بغضبٍ باتر ... يقصد في أسوقها وجائر
فـ (دارج) عطف على (حبا)، و (جائر) عطف على (يقصد) لأنهما بمعنى: درج، ويجور.
стр. 391
البدل
اعلم أن الغرض من الإبدال أن يذكر الاسم مقصودًا بالنسبة، كالفاعلية والمفعولية والإضافة، بعد التوطئة لذكره بالتصريح بتلك النسبة إلى ما قبله، لإفادة توكيد الحكم وتقريره، لأن الإبدال في قوة إعادة الجملة، ولذلك تسمع النحويين يقولون: البدل في حكم تكرار العامل.
ولما أخذ الشيخ في تعريف البدل قال:
٥٦٥ - التابع المقصود بالحكم بلا ... واسطةٍ هو المسمى بدلا
فصدر التعريف بجنس البدل، وهو (التابع) ثم تممه بخاصة البدل، وهو: (المقصود بالحكم بلا واسطة).
فأخرج بـ (المقصود بالحكم) النعت والتوكيد وعطف البيان، لأنهن مكملات للمقصود بالحكم، و (بلا واسطة) المعطوف بـ (بل، ولكن) فإنهما مقصودان بالحكم، لكن بواسطة.
ثم أخذ بيان أقسام البدل، فقال: [٢١٦]
٥٦٦ - مطابقًا أو بعضًا أو ما يشتمل ... عليه يلفى أو كمعطوف ببل //
٥٦٧ - وذا للإضراب اعز إن قصدًا صحب ... ودون قصدٍ غلط به سلب
فبين أن البدل يجيء على أربعة أضرب:
الأول: بدل كل من كل، وهو المطابق للمبدل منه، المساوي له في المعنى، كقولك: مررت بأخيك زيدٍ، ومثله قوله تعالى: (إلى صراط العزيز الحميد * الله) [إبراهيم /١ - ٢].
стр. 392
والثاني: بدل بعض من كل، كقولك: أكلت الرغيف نصفه، ومثله قوله تعالى: (ثم عموا وصموا كثير منهم) [المائدة /٧١].
والثالث: بدل الاشتمال: وهو ما يدل على معنى في متبوعه، أو يستلزم معنى في متبوعه. فالدال على معنى في المتبوع، كقولك: أعجبني زيد حسنه، وكقول الراجز: [من الرجز]
٥١٩ - وذكرت تقتد برد مائها ... وعتك البول على أنسائها
والدال على ما يستلزم معنى في المتبوع كقولك: أعجبني زيد ثوبه، وكقوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) [البقرة /٢١٧] لأن القتال في الشهر الحرام يستلزم معنى فيه، وهو ترك تعظيمه، وكقوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا) [مريم /١٦] فإن وقت الانتباذ، وما عقبه يستلزم معنى في مريم ﵍ وهو كونها على غاية من التقى والبر والعفاف، فلذلك صح في (إذ) أن تكون بدل اشتمال من (مريم).
ولابد في بدل الاشتمال من رعاية أمرين:
أحدهما: إمكان فهم معناه مع الحذف، كما في قولك: أعجبني زيد علمه وأدبه، فإن ذكر زيدٍ يشتمل على علمه وأدبه اشتمالا يفهم معناه في الحذف، ومن ثم امتنع، نحو: عقلت زيدًا بعيره، لأن ذكر زيد لا يشتمل على البعير، ولا يشعر به.
والأمر الآخر: حسن الكلام على تقدير حذفه، ومن ثم امتنع نحو: أسرجت زيدًا فرسه، لأنه وإن فهم معناه في الحذف لا يحسن استعمال مثله، وإن جاء شيء منه حمل على الإضراب أو الغلط.
والغالب في بدل البعض والاشتمال مصاحبة ضمير عائد على المبدل منه، وقد يخلوان عنه، كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) [آل عمران /٩٧] على أظهر الاحتمالين.
стр. 393
والاحتمال الثاني: أن يكون الحج مصدرًا مضافًا إلى المفعول، و (من) فاعل المصدر، على معنى: ولله على الناس أن يحج البيت المستطيع، وقوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود) [البروج /٤ - ٥] وقول الشاعر: [من الكامل]
٥٢٠ - هل تدنينك من أجارع واسطٍ ... أوبات يعملة اليدين حضار
من خالدٍ أهل السماحة والندى ... ملك العراق إلى رمال وبار
فـ (من خالد) بدل من (أجارع واسط) لاشتمالها عليه، وهو خالٍ عن ضمير المبدل منه.
الرابع: (البدل المباين للمبدل منه، بحيث لا يشعر به ذكر المبدل منه بوجه. وهو نوعان:
[٢١٧] الأول: // بدل الإضراب وهو: ما يذكر متبوعه بقصد، ويسمى بدل البداء، مثاله قولك: أكلت تمرًا زبيبًا. أخبرت أولا بأكل التمر، ثم أضربت عنه، وجعلته في حكم المتروك ذكره، وأبدلت منه الزبيب، على حد العطف بـ (بل) إذا قلت: أكلت تمرًا بل زبيبًا، ومنه قوله ﷺ : (إن الرجل ليصلي الصلاة وما كتب له نصفها ثلثها ربعها ....... إلى عشرها). وإلى هذا الإشارة بقوله:
وذا للاضراب أعز إن قصدًا صحب ... .................
والثاني: بدل الغلط والنسيان، وهو: ما لا يريد المتكلم ذكر متبوعه، بل يجري لسانه عليه من غير ما قصد، كقولك: لقيت رجلا حمارًا، أردت أن تقول: لقيت حمارًا، فغلطت أو نسيت، فقلت: رجلا، ثم تذكرت فأبدلت منه الحمار. ويصان عن هذا النوع الفصيح من الكلام. وإليه الإشارة بقوله:
................. ... ودون قصدٍ غلط به سلب
أي: ببدل الغلط يستفاد سلب الحكم عن الأول، وإثباته للثاني.
стр. 394
٥٦٨ - كزره خالدًا وقبله اليدا ... واعرفه حقه وخذ نبلا مدى
اشتمل هذا البيت على أمثلة أنواع البدل: (فزره خالدًا) بدل كل، و (قبله اليدا) بدل بعض، و (اعرفه حقه) بدل اشتمال، و (خذ نبلا مدى) يصلح أن يجعل بدل إضراب وبدل غلط على المأخذين المذكورين.
٥٦٩ - ومن ضمير الحاضر الظاهر لا ... تبدله إلا ما إحاطةً جلا
٥٧٠ - أو اقتضى بعضًا أو اشتمالا ... كأنك ابتهاجك استمالا
تبدل المعرفة من النكرة، نحو قوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم * صراط الله) [الشورى /٥٢ - ٥٣]. والنكرة من النكرة نحو قوله تعالى: (إن للمتقين مفازًا * حدائق وأعنابًا) [النبأ /٣١ - ٣٢]. والنكرة من المعرفة نحو قوله تعالى: (لنسفعًا بالناصية * ناصيةٍ كاذبةٍ) [العلق /١٥ - ١٦]. والمعرفة من المعرفة نحو قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم) [الفاتحة /٦ - ٧].
ويبدل المضمر من المظهر نحو: رأيت زيدًا إياه. ويبدل المظهر من المضمر؛ لكن في ذلك تفصيل؛ لأن الضمير إما للمتكلم، أو المخاطب، أو الغائب.
أما ضمير الغائب فيبدل منه كما يبدل من الظاهر، تقول: ضربته زيدًا، ومررت به عمرو، وقال الشاعر: [من الطويل]
٥٢١ - على حالةٍ لو أن في القوم حاتمًا ... على جوده لضن بالماء حاتم
بجر (حاتم) على البدل من الهاء في (جوده).
стр. 395
[٢١٨] وقد قيل في قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين // ظلموا) [الأنبياء /٣] وجوه: منها: أن يكون (الذين ظلموا) بدلا من الواو في (أسروا).
وأما الضمير المتكلم والمخاطب قد يبدل منه بدل كل إلا إذا أفاد البدل فائدة التوكيد من الإحاطة والشمول، كقولهم: جئتم كبيركم وصغيركم، وكقول عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب: [من الطويل]
٥٢٢ - فما برحت أقدامنا في مقامنا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
ويصح إبداله بدل بعض واشتمال.
أما بدل البعض فكقولك: إني باطني وجل، قال الشاعر: [من الرجز]
٥٢٣ - أوعدني بالسجن والأداهم ... رجلي فرجلي شثنة المناسم
وفي التنزيل العزيز: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) [الأحزاب /٢١].
وأما بدل الاشتمال فكقول الشاعر: [من الوافر]
٥٢٤ - ذريني إن أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا
فـ (حلمي) بدل من (ياء) (ألفيتني) وكقول الآخر: [من الطويل]
стр. 396
٥٢٥ - بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فـ (مجدنا) بدل من فاعل (بغلنا).
وأجاز الأخفش الإبدال من ضمير الحاضر مطلقًا، واحتج له بقول الشاعر: [من الطويل]
٥٢٦ - وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل
يريد: بمستلئم: متدرعًا، ولا يعني إلا نفسه. والأوجه عد هذا البيت من النوع المسمى في علم البيان بالتجريد، على معنى: تعدوني إلى صارخ الوغى ومعي من نفسي مستلئم، فجرد من نفسه مستلئمًا، وجعله مصاحبًا له.
ومثله قوله تعالى: (لهم فيها دار الخلد) [فصلت /٢٨] فكأنه جرد من الدار دارًا. وقرأ علي كرم الله وجهه وابن عباس ﵄: (فهب لي من لدنك وليا * يرثني وارث من آل يعقوب) [مريم /٤ - ٥] قال أبو الفتح؛ يريد: (فهب لي من لدنك وليا يرثني منه أو به وارث من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، فكأنه جرد منه وارثًا).
وأنشد الأخطل: [من الطويل]
٥٢٧ - بأشعث لا يفى ولا هو يقمل ... بنزوة لص بعد ما مر مصعب
стр. 397
مصعب نفسه هو الأشعث، فكأنه استخلص منه (أشعث) ومثله بيت الأعشى: [من الخفيف]
٥٢٨ - لات هنا ذكرى جبيرة أو من ... جاء منها بطائف الأهوال
وهي نفسها طائف الأهوال.
٥٧١ - وبدل المضمن الهمز يلي ... همزًا كمن ذا أسعيد أم علي
[٢١٩] // يعني أن المبدل من اسم الاستفهام لابد من اقترانه بالهمزة، كقولك: من ذا أسعيد أم علي؟ وكم مالك أعشرون أم ثلاثون؟ وكيف أصبحت أفرحًا أم ترحًا؟ ومتى سفرك أغدًا أم بعد غد؟.
٥٧٢ - ويبدل الفعل من الفعل كمن ... يصل إلينا يستعن بنا يعن
يبدل الفعل من الفعل فيشتركان في الإعراب كقوله:
.............. من ... يصل إلينا يستعن بنا يعن
فالجزم في (يستعن) من (يصل).
فإن قلت: من أي أنواع البدل يعد هذا المثال؟. قلت من بدل الاشتمال، لأن الاستعانة تستلزم معنى في الوصول، وهو مجيئه.
ومن ذلك قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثامًا * يضاعف له العذاب يوم القيامة) [الفرقان /٦٨ - ٦٩]، فـ (يضاعف) بدل من (يلق) ولذلك جزم.
وقول الراجز: [من الرجز]
٥٢٩ - إن علي الله أن تبايعا ... تؤخذ كرهًا أو تجيء طائعا
فأبدل (تؤخذ) من (تبايع) ولذلك اشتركا في النصب.
وكثيرًا ما تبدل الجملة من الجملة إذا كانت الثانية أوفى بتأدية المعنى المقصود من
стр. 398
الأولى، كما قال الشاعر: [من الطويل]
٥٣٠ - أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما
فأبدل (لا تقيمن) من (ارحل) لأنه أوفى منه بتأدية معنى الكراهة لإقامته الدلالة عليه بالمطابقة، ودلالة (ارحل) عليه بالالتزام.
ومن أمثلة ذلك في التنزيل العزيز في قوله تعالى:﴾ بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ﴿(المؤمنون/٨٢)، وقوله تعالى:﴾ أمدكم بما تعلمون* أمدكم بأنعامٍ وبنين* وجناتٍ وعيونٍ ﴿[الشعراء/١٣٢ - ١٣٤]، وقوله تعالى:﴾ قال يا قوم اتبعوا المرسلين* اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ﴿[يس/٢٠ - ٢١]
стр. 399
النداء
٥٧٣ - وللمنادى الناء أو كالناء يا ... وأي وآ كذا أيا ثم هيا
٥٧٤ - والهمز للداني ووا لمن ندب ... أو يا وغير وا لدى اللبس اجتنب
للمنادى من الحروف في غير الندبة إن كان بعيدا أو نحوه كالنائم والساهي (يا وأي وأيا وهيا). وزاد الكوفيون (آ) و (آي).
وإن قريبا فله الهمزة، نحو: أزيد أقبل، وله في الندبة وهي نداء المتفجع عليه أو المتوجع منه (وا) نحو: (وازيداه واظهراه) وتعاقبهما (يا) إن أمن اللبس ودلت القرينة على إرادة الندبة وعلى هذا أشار بقوله:
[٢٢٠]-------------------- ... ---- وغير وا لدى اللبس //اجتنب
وذهب المبرد إلى أن (أيا وهيا) للبعيد، و (أي والهمزة) للقريب، و (يا) لهما.
وذهب ابن برهان إلى أن (أيا وهيا) للبعيد، والهمزة للقريب، و (أي) للمتوسط، و (يا) للجميع.
وأجمعوا على جواز نداب القريب بما للبعيد توكيدا، وعلى منع العكس.
٥٧٥ - وغير مندوب ومضمر وما ... جا مستغاثا قد يعرى فاعلما
٥٧٦ - وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قل ومن يمنعه فانصر عاذله
يجوز حذف حرف النداء اكتفاء بتضمن المنادى معنى الخطاب إن لم يكن مندوبا أو مضمرا أو مستغاثا أو اسم الجنس أو اسم إشارة، لأن الندبة تقتضي الإطالة ومد الصوت، فحذف حرف النداء فيها غير مناسب، وهكذا الاستغاثة فإن الباعث عليها هو
стр. 400
شدة الحاجة إلى الغوث والنصرة فتقتضي مد الصوت ورفعه، حرصا على الإبلاغ، وحرف النداء معين على ذلك، وأما المضمر فلا يحذف منه حرف النداء، لأنه لو حذف فاتت الدلالة على النداء، لأن الدال عليه هو حرف النداء وتضمن المنادى معنى الخطاب، فلو حذف الحرف من المنادى المضمر بقى الخطاب، وهو فيه غير صالح للدلالة على إرادة النداء، لأن دلالته على الخطاب وضعية لا تفارقه بحال.
وأما اسم الجنس أو اسم الإشارة فلا يحذف منهما حرف النداء إلا فيما ندر من نحو قولهم: (أصبح ليل)، و (أطرق كرا)، و (افتد مخنوق)، وقوله في الحديث الشريف: (ثوبي [يا] حجر)، وقوله :﴾ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴿[البقرة/ ٨٥].
стр. 401
وذلك لأن حرف النداء في اسم الجنس كالعوض من أداة التعريف، فحقه ألا يحذف كما لم تحذف الأداة واسم الإشارة في معنى اسم الجنس، فجرى مجراه.
وعند الكوفيين أن حذف حرف النداء من اسم الجنس والمشار إليه، قياس مطرد. والبصريون يقصرونه على السماع وقول الشيخ:
-------------- ... ---- ومن يمنعه فانصر عاذله
يوهم اختيار مذهب الكوفيين.
هذا إن لم يحمل المنع على عدم قبول ما جاء من ذلك.
٥٧٧ - وابن المعرف المنادى المفردا ... على الذي في رفعه قد عهدا
٥٧٨ وانو انضمام ما بنوا قبل الندا ... وليجر مجرى ذي بناءٍ جددا
٥٧٩ - والمفرد المنكور والمضافا ... ... وشبهه انصب عادما خلافا
كل منادى فحقه النصب لأنه مفعول بفعل مضمر تقديره: أدعوا أو أنادي، إلا [٢٢١] أنه //لا يجوز إظهاره لكون حرف النداء كالعوض منه.
ولا يفارق المنادى النصب إلا إذا كان مفردا معرفة، فإنه إذ ذاك يبنى على ما كان يرفع به قبل النداء، كقولك: يا زيد ويا زيدان ويا زيدون.
والوجه في بنائه شبهه بالضمير من نحو: يا أنت في التعريف والإفراد، وتضمن معنى الخطاب، وكان بناؤه على صورة الرفع إيثارا له بأقوى الأحوال إذ كان معربا في الأصل.
وأما ما ليس معرفة ولا مفردا وهو النكرة التي لم يقصد بها معين كقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي، وقول الشاعر: [من الطويل]
٥٣١ - أيا راكبا غما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا
стр. 402
والمضاف نحو: يا غلام زيد، والشبيه بالمضاف نحو: يا حسنا وجهه، ويا طالعا جبلا، ويا ثلاثةً وثلاثين، فلاحظ له في البناء لقصوره عن المفرد والمعرفة بالشبه في الضمير المذكور.
وقد فهم من هذا أن مما يستحق البناء المركب من نحو: معدي كرب، لأنه ليس مضافا او شبيها بالمضاف.
فإن كان مبنيا كـ (سيبويه) كان في محل النصب وقدر بناؤه علي الضم كما يقدر الرفع إذا كان بناؤه يشبه الإعراب من جهة وروده في الاستعمال على قياس مطرد، وكذا كل اسم مبني قبل النداء.
ويظهر أثر هذا التقدير في التباع فإنه يجوز فيه النصب إتباعا للمحل نحو: يا سيبويه الظريف، والرفع إتباعا للبناء المقدر نحو: يا سيبويه الظريف.
وإلى هذا أشار بقوله:
---------------- ... وليجر مجرى ذي بناءٍ جددا
يعني في الحكم له بنصب المحل وبناء آخره على الضم.
٥٨٠ - ونحو زيد ضم وافتحن من ... نحو أزيد بن سعيد لا تهن
٥٨١ - والضم إن لم يل الابن علما ... أو يل الابن علم قد حتما
يجوز في المنادى العلم الموصوف بابن متصل مضاف إلى علم؛ الضم على الأصل والفتح على الإتباع والتخفيف فيما كثر دوره في الاستعمال، كقولك: يا زيد بن سعيد، ويجوز: يا زيد بن سعيد، وهو عند المبرد أولى من الفتح، فإنه أنشد عليه قول الراجز: [من الرجز]
٥٣٢ - يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود
ثم قال: ولو قال (يا حكم بن المنذر) كان أجود
стр. 403
ولو كان الابن مفصولا عن موصوفه كما في نحو: يا زيد الظريف ابن عمرو فليس في الموصوف إلا الضم، لأن مثل ذلك لم يقصر في الكلام، فلم يستثقل مجيئه على الأصل، وهكذا إذا كان الموصوف بابن غير علم نحو: يا غلام بن زيد، أو لم يكن المضاف [٢٢٢] إليه علم
نحو: يا زيد بن أخينا.
٥٨٢ - واضمم أو انصب ما اضطرارا نونا ... مما له استحقاق ضم بيننا
قد تقدم أن المنادى المفرد المعرفة يستحق البناء على الضم، وبين هنا أن ما حقه الضم إذا اضطر الشاعر إلى تنوينه جاز له فيه وجهان:
أحدهما: الضم تشبيها بمرفوع إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف.
الثاني: النصب تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين وبقاء الضم في العلم أولى من النصب، والنصب في غير العلم أولى من الضم، لأن سبب البناء في العلم أقوى منه في اسم الجنس الدال على معين.
ومن شواهد الضم إنشاد سيبويه: [من الوافر]
٥٣٣ - سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
وقول كثير: [من البسيط]
٥٣٤ - ليت التحية كانت لي فأشكرها ... مكان يا جمل حييت يا رجل
الرواية المشهورة: (يا جمل) بالضم.
стр. 404
ومن شواهد النصب قول الشاعر: [من الوافر]
٥٣٥ - أعبدا حل في شعبي غريبا ... ألوما لا أبا لك واغترابا
٥٨٣ - وباضطرار خص جمع يا وال ... إلا مع الله ومحكي يا الجمل
يقول: الجمع بين حرف النداء والألف واللام، مخصوص بالضرورة إلا في موضعين:
أحدهما: الاسم الأعظم (الله) فإنه يجمع فيه بين الألف واللام وحرف النداء على الوجهين: على قطع الهمزة نحو: يا ألله، وعلى وصلها نحو: يا الله. والثاني: المنادى إذا كان جملة محكية نحو: يا المنطلق زيد، في رجل مسمي بالجملة. وأما غير ذلك فلا يجمع فيه بين حرف النداء والألف واللام إلا في ضرورة الشعر كقول: [من الرجز]
فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تكسبانا شرا
وإنما لم يجز مثل هذا في السعة كراهية الجمع بين أداتي تعريف على شيء واحد، واغتفر الجمع بينهما في (يا الله) إذا كانت الألف واللام فيه لازمة معوضا بها عن همزة الإله، فلا يقاس عليه سواه.
وقد أجاز البغداديون: (يا الرجل) في السعة، قالوا: لأنا لم نر موضعا يدخله التنوين ولا تدخله الألف واللام.
٥٨٤ - والأكثر اللهم بالتعويض ... وشذ يا اللهم في قريض
[٢٢٣] //لما بين أنه يجمع بين الأداتين في الاسم الأعظم نبه على أن له في النداء استعمالا آخر هو الأكثر، وهو تعويض ميم مشددة مفتوحة في الآخر عن حرف النداء كقولك: اللهم ارحمنا. ولكون الميم عوضا عن حرف النداء لم يجمع بينهما إلا في الضرورة كقول الراجز: [من الرجز]
إني إذا حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما
стр. 405
ولو كان أصل (اللهم) يا الله أمنا، كما يراه الكوفيون للزم باطراد جواز أمرين:
أحدهما: يا الله أمنا ارحمنا، بلا عطف قياسا على اللهم ارحمنا.
والثاني: اللهم وارحمنا، بالعطف قياسا على يا اللهم أمنا وارحمنا. واللازم منتف إجماعا.
стр. 406
فصل
٥٨٥ - تابع ذي الضم المضاف دون أل ... ألزمه نصبا كأزيد ذا الحيل
٥٨٦ - وما سواه ارفع أو انصب واجعلا ... كمستقل نسقا وبدلا
٥٨٧ - وإن يكن مصحوب أل ما نسقا ... ففيه وجهان ورفع ينتقى
كل منادى مضموم فحق تابعه النصب مفردا كان أو غيره، لأن متبوعه مبني اللفظ منصوب المحل، وما كان كذلك فإنما حق تابعه ان يجري على محله فقط، ولكن خولف ذلك في باب النداء فجاء بعض توابعه بوجهين: فما نصب منه فعلى الأصل، وما رفع فلشبه متبوعة بالمرفوع في اطراد الهيئة.
ولا يرفع إلا وهو مفرد أو مضاف يشبه المفرد لكون إضافته غير محضة نحو: يا زيد الحسن الوجه.
ولأصالة نصب التابع في هذا الباب فضل على الرفع بأن اشترك معه في التابع المفرد والشبيه به، وخص بالتابع المضاف إضافة محضة، وإلى هذا الاختصاص أشار بقوله:
تابع ذي الضم المضاف دون أل ... ألزمه نصبا --------------
ففهم أن المضاف المصاحب لـ (أل) وهو ذو الإضافة اللفظية كالمفرد، ثم نص على حكمها فقال:
وما سواه ارفع أو انصب واجعلا ... كمستقل نسقا وبدلا
ففهم أن النعت والتوكيد وعطف البيان إذا كان شيء منها مفردا أو شبيها به جاز فيه النصب حملا على الموضع، والرفع حملا على اللفظ، فيقال: يا زيد الحسن والكريم الأب (بالنصب) ويا زيد الحسن والكريم الأب (بالرفع) وهكذا التوكيد وعطف البيان نحو: يا تميم أجمعين وأجمعون، ويا غلام بشرا وبشرٌ.
стр. 407
وأما البدل والمنسوق الخالي من الألف واللام فحكمهما في الإتباع فحكمهما في [٢٢٤] الاستقلال، ولا فرق في ذلك بين الواقع بعد مضموم والواقع بعد //منصوب، فما كان منهم مفردا ضم كما يضم لو وقع بعد حرف النداء، لأن البدل في قوة تكرار العامل؛ والعاطف كالنائب عن العامل، وما كان منهما مضافا فينصب كما ينصب لو وقع بعد حرف النداء.
فإن قرن المعطوف بالألف واللام امتنع تقدير حرف النداء قبله فأشبه النعت، وجاز فيه الرفع والنصب نحو قوله تعالى:﴾ يا جبال أوبي معه والطير ﴿[سبأ/١٠] بالنصب والرفع. واختلف في المختار منهما، فقال الخليل وسيبويه والمازني: هو الرفع، وإليه أشار بقوله:
------------- ... ------------ ورفع ينتقى
وقال أبو عمرو وعيسي بن عمر ويونس والجرمي: هو النصب. وقال المبرد: إن كانت الألف واللام للتعرف كما هي في (الطير) فالمختار النصب، لأن المعلاف بالألف واللام يشبه المضاف، وإن كانت غير معرفة كما هي في﴾ اليسع ﴿[الأنعام/٨٦] فالمختار الرفع، لأن الألف واللام إذا لم تعرف لم يشبه ما هي فيه المضاف.
٥٨٨ - وأيها مصحوب أل بعد صفة ... يلزم بالرفع لدى ذي المعرفة
٥٨٩ - وأيها ذا أيها الذي ورد ... ... ووصف أي بسوى هذا يرد
إذا قلت يا أيها الرجل فـ (أي) و (الرجل) كاسم واحد، و (أي) منادي، و (الرجل) تابع مخصص له ملازم، لأن (أيا) مبهم لا يستعمل بدون المخصص، وكان قبل النداء يتخصص بالإضافة، فعوض عنها في النداء بالتخصيص بالتابع، إن كان مشتقا
стр. 408
فهو نعت نحو: يا أيها الفاضل، وإن كان جامدا فهو عطف بيان نحو: أيها الغلام، ولزمته (هاء) التنبيه تعويضا عما فاته من الإضافة، وإن أريد به مؤنث أنت بالتاء نحو قوله تعالى:﴾ يا أيتها النفس ﴿[الفجر/٢٧].
ولا توصف (أي) في النداء إلا بما فيه الألف واللام نحو: يا أيها الرجل، أو بالموصول ومنه قوله تعالي:﴾ يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ [الحجر/٦]، وباسم الإشارة نحو: يا أيهذا أقبل، قال الشاعر: [من الطويل]
٥٣٨ - ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر
ولا توصف (أي) بغير ذلك. وإليه الإشارة بقوله:
------------- ... ووصف أي بسوى هذا يرد
ومتي كانت صفة (أي) معربة لم تكن إلا مرفوعة لأنها هي لمنادى في الحقيقة، وإنما جيء معها بـ (أي) توصلا إلى نداء ما فيه الألف واللام.
وأجاز المازني والزجاج نصب صفة (أي) قياسا على صفة غيره من المناديات المضمومة، ويجوز أن توصف صفة (أي) إلا أنها لا تكون إلا مرفوعة، مفردة كانت أو مضافة، كقول الراجز: [من الرجز]
يا أيها الجاهل ذو التنزي ... لا توعدني حيةً بالنكز
وذو إشارة كأي في الصفة ... إن كان تركها يفيت المعرفة
بين بهذا ان اسم الإشارة إذا جعل سببا إلى نداء ما فيه الألف واللام فعل به كما فعل بـ (أي)، فتقول: يا هذا الرجل، بالرفع، لا غير إذا أردت ما أردت بقولك: يا أيها الرجل، فإذا قدرت الوقف على هذا ولم تجعله وصلة إلى نداء ذي الألف واللام، بل
стр. 409
مستغنيا بإفراده عنه، جاز نصب صفته ورفعها، وهذا ما أراد بقوله:
------------ ... إن كان تركها يفيت المعرفة
ففهم أن صفة هذا متى لم يكن تركها يفيت المعرفة المراد به لم يجب رفعها، بل يجوز فيه الوجهان
٥٩١ - في نحو سعد سعد الأوس ينتصب ... ثان وضم وافتح أولا تصب
إذا كرر اسم مضاف في النداء نحو: يا سعد سعد الأوس، وكقول الشاعر: [من الرجز]
٥٤٠ - يا زيد زيد اليعملات الدبل ... تطاول الليل عليك فانزل
تعين نصب الثاني وجاز في الأول وجهان: الضم والفتح.
فإن ضم، فلأنه منادى مفرد معرفة، ونصب الثاني حينئذ لأنه منادى مضاف، أو توكيد أو عطف بيان أو بدل أو منصوب بإضمار (أعني).
وإن فتح الأول، فهو على مذهب سيبويه: منادى مضاف إلى ما بعد الثاني، والثاني مقحم بين المضاف والمضاف إليه.
ومذهب المبرد: أن الأول منادى مضاف غلى محذوف دل عليه الآخر، والثاني مضاف إلى الآخر.
ومن النحويين من جعل الاسمين عند فتح الأول مركبين تركيب خمسة عشر.
стр. 410
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم
٥٩٢ - واجعل منادى صح إن يضف ليا ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
كثيرا ما يضاف المنادى إلى ياء المتكلم، وكثرة ذلك تستتبع فيه التخفيف، فاستعمل على الأصل، وهو إثبات الياء وفتحها،
ومخففا على أربعة أوجه، وأكثرها استعمالا حذف الياء وإبقاء الكسرة تدل عليها نحو: يا عبد، ثم ثبوتها ساكنة، نحو: يا عبدي، ثم قلب الياء ألفا بعد قلب الكسرة قبلها فتحة نحو: يا عبدا، ثم حذف الألف وإبقاء الفتحة دليلا عليها نحو: يا عبد، وذكروا وجها من التخفيف خامسا وهو الاكتفاء من الإضافة بنيتها، وجعل الاسم مضموما كالمنادى المفرد، ومن قراءة بعضهم بقوله تعالى: ﴿قال رب السجن أحب إلي﴾ [يوسف/٣٣]
وحكي يونس عن بعض العرب: (يا أم لا تفعلي)
٥٩٣ - وفتح أو كسر وحذف اليا استمر ... في يا ابن أم يا ابن عم لا مفر
[٢٢٦] إذا نودي المضاف إلى المضاف إلى ياء المتكلم لم تحذف الياء كما تحذف إذا نودي المضاف إليها إلا في يا ابن أم، ويا ابن عم، وذلك قولك: يا ابن أخي، ويا ابن خالي، وكان الأصل في (ابن الأم، وابن العم) أن يقال فيهما يا ابن أمي، ويا ابن عمي، إلا أنهما كثر استعمالهما في النداء، فخصا بالتخفيف بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلا عليها في قول من قال: يا ابن أم وابن عم، وبإبدال الياء ألفا ثم حذفها وإبقاء الفتحة دليلا عليها في قول من قال: يا ابن أم وابن عم، ولا يكادون يثبتون الياء ولا الألف إلا في
стр. 411
الضرورة كقول الشاعر: [من الخفيف]
٥٤١ - يا ابن أمي ويا شقيق نفسي ... انت خليتني لدهر شديد
وقوله الآخر: [من الرجز]
٥٤٢ - يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ... ولا يخرق اللوم حجاب مسمعي
٥٩٤ - وفي النداء أبت أمت عرض ... واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض
(التاء) في ﴿يا أبت﴾ [يوسف/٤] تاء التأنيث معوض بها عن ياء المتكلم، ولذلك يبدلها في الوقف هاء ابن كثير وابن عامر. وأما الباقون: فيقفون بالتاء رعاية للرسم، ولكونها عوضا عن ياء المتكلم لم يجمع بينهما. فأما قولها: [من السريع]
٥٤٣ - يا أمتا أبصرني راكب ... يسير في مسحنفر لاحب
فقمت أحثي الترب في وجهه ... عمدا وأحمي حوزة الغائب
فالألف فيه الألف التي تلحق المستغاث والمندوب، أو بدل من ياء المتكلم، وهون أمر الجمع بينها وبين التاء ذهاب صورة المعوض عنه.
وفي (تاء) (يا أبت) لغتان:
стр. 412
إحدهما: تحريكها بالكسرة لأنها كانت مستحقة قبل ياء الإضافة، فلما عوض عنها بالتاء، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا جعلت الكسرة عليها دليلا، لتكون كالمعوض عنه في مجامعة الكسرة بالجملة.
واللغة الثانية: تحريك التاء بالفتحة، وهو أقيس؛ لأنها الحركة التي للمعوض عنه، غلا أن الكسرة أكثر.
وقالوا في الأم: (يا أمت) كما قالوا في الأب: (يا أبت) ولا تعوض التاء من ياء المتكلم إلا مع الأب والأم في النداء خاصة، ولهذا قال:
وفي النداء أبت أمت -------- ------ .... ----------------------
стр. 413
أسماء لازمت النداء
٥٩٥ - وفل بعض ما يخص بالندا ... لؤمان نومان كذا واطردا
٥٩٦ - في سب الأنثى وزن يا خباث ... والأمر هكذا من الثلاثي [٢٢٧]
٥٩٧ - وشاع في سب الذكور فعل ... ولا تقص وجر في الشعر فل
خص بالنداء أسماء لا تستعمل في غيره إلا في ضرورة الشعر، فمن ذلك قولهم للرجل (يا فل) بمعنى يا فلان، ويقال للمرأة: (يا فلة) كما يقال: يا فلانة، وليس هو ترخيم (فلان)، ولو كان ترخيما لم تلحقه التاء، ولم تحذف منه الألف، لأنه لا يحذف في الترخيم مع الآخر ما قبله إذا كان حرف مد زائد، إلا إذا كان المرخم خماسيا فصاعدا، و (فلان) على أربعة أحرف فلو رخم قيل فيه: (يا فلا) بإثبات الألف.
ومن ذلك قولهم: (يا لؤمان) و (يا ملأمان) و (يا ملأم) بمعنى عظيم اللؤم. وقولهم: (يا نومان) للكثير النوم، ومثله (يا مكرمان) للعظيم الكرم. ولا يقاس على هذه الصفات بالإجماع.
وأما ما عدل به إلى (فعال) في سب المؤنث، نحو: (يا خباث، ويا لكاع، ويا فساق) فهو مقيس عند سيبويه في كل وصف من فعل ثلاثي، ولا يستعمل إلا مبينا على الكسر، تشبيها له بـ (نزال).
стр. 414
قوله:
-------------- ... والأمر هكذا من الثلاثي
يعني به أن بناء (فعال) للأمر من كل فعلا ثلاثي مقيس عند سيبويه، نحو: نزال، وتراك.
وقوله:
------------ ... ---- وجر في الشعر فل
إعلام بخروج (فل) عن اختصاصه بالنداء في الضرورة، وذلك قول الراجز: [من الرجز]
٥٤٤ - تدافع الشيب ولم تقتل ... في لجة أمسك فلانا عن فل
ونحوه عن الخروج عن الاختصاص بالنداء قول الآخر: [من الوافر]
٥٤٥ - أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع
стр. 415
الاستغاثة
٥٩٨ - إذا استغيث اسم منادى خفضا ... باللام مفتوحا كيا للمرتضى
٥٩٩ - وافتح مع المعطوف إن كررت يا ... وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا
إذا نودي منادى ليخلص من شدة أو يعين على مشقة، فنداؤه استغاثة، وهو مستغاث.
وكثيرا ما تدخل على المنادى الذي بهذه الصفة لام الجر المقوية للتعدية، لتنص على الاستغاثة، فتفتح مع المشتقات، مالم يكن معطوفا فرقا بين المستغاث والمستغاث من أجله، ولا يجوز استعماله مع اللام إلا معربا، لأن تركيبه مع اللام أعطاه شبها بالمضاف وذلك قولك: يا لزيد.
[٢٢٨] فإن عطفت المستغاث، فلا يخلو إما أن تكرر حرف النداء، أولا: فإن كررته فلابد من فتح اللام، كقول الشاعر: [من الخفيف]
٥٤٦ - يا لقمي ويا لأمثال قومي ... لأناس عتوهم في ازدياد
وإن لم تكرر كسرة اللام، لذهاب اللبس حينئذ، قال الشاعر: [من البسيط]
٥٤٧ - يبكيك ناءٍ بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشبان للعجب
стр. 416
وهكذا تكسر مع المستغاث منى أجله، ما لم يكن مضمرا، قال الشاعر: [من الوافر]
٥٤٨ - تكنفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع
ففتح اللام مع (الناس) لأنه مستغاث وكسرها مع (الواشي) لأنه مستغاث من أجله.
وإلى كسر اللام مع المستغاث من أجله، ومع المعطوف غير المكرر معه ياء أشار بقوله:
------------------- ... وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا
أي: جئ بكسر اللام فيما ليس مستغاثا ولا معطوفا مكررا معه (يا) وهو المعطوف بدون (يا) والمستغاث من أجله.
وقد تلي (يا) لام مكسورة، فيستدل بكسرها على أن المستغاث محذوف، وأن مصحوبها مستغاث من أجله، كقول العرب: يا للعجب، ويا للماء، على معنى: يا للناس للعجب، ويا للرجال للماء، ثم حذف المنادى، كما حذف في قول الآخر: [من البسيط]
٥٤٩ - يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار
٦٠٠ - ولام من استغيث عاقبت ألف ... ومثله اسم ذو تعجب ألف
تعاقب لام الاستغاثة ألف تلي آخره، إذا وجدت عدمت اللام، وإذا وجدت اللام عدمت.
стр. 417
مثال الأول قول الشاعر: [من الخفيف]
٥٥٠ - يا يزيدا لآمل نيل عز ... وغنى بعد فاقة وهوان
ومثال الثاني كثير، وفيما تقدم منه كفاية.
وقد يخلو المستغاث من اللام والألف كقول القائل: (من الوافر)
٥٥١ - ألا يا قوم للعجب العجيب ... وللغفلات تعرض للأريب
وينادي المتعجب منه فيعامل معاملة المستغاث من غير فرق. فمن ذلك قول بعضهم: يا للعجب ويا للماء، بفتح اللام على معنى، يا عجب احضر فهذا أوانك.
стр. 418
الندبة
٦٠١ - ما للمنادى اجعل لمندوب وما ... نكر لم يندب ولا ما أبهما
المندوب: هو المذكور توجعا منه، نحوك: وا رأساه، أو تفجعا عليه لفقده بموت أو غيبة، نحو: وا زيداه.
[٢٢٩] // والقصد من الندبة الإعلام بعظمة المصاب.
فلذلك لا يندب إلا العلم نحوه، كالمضاف إضافة توضح المندوب، كما يوضح الاسم العلم.
ولا يندب إلا الاسم النكرة، ولا اسم الإشارة، ولا الموصول المبهم، ولا اسم الجنس المفرد؛ لأنها غير دالة على المندوب دلالة تبين بها عذر النادب.
ويجوز أن يندب الموصول إذا اشتهرت صلته شهرة ترفع عنه الإبهام، كقولهم: (وامن حفر بئر زمزماه).
وإلى هذه المسألة وأمثالها أشار بقوله:
٦٠٢ - ويندب المندوب بالذي اشتهر ... كبئر زمزم يلي وامن حفر
واعلم أن المندوب له استعمالان:
احدهما: أن يجري مجرى غيره من الأسماء المناداة في بنائه على الضم، عن كان مفردا، ونصبه عن كان مضافا، وفى جواز تنوينه للضرورة على الوجهين المذكورين، فمن
стр. 419
ذلك قول الراجز: [من الرجز]
٥٥٢ - وافقعسا وأين منى فقعس ... أإبلي يأخذها كروس
والاستعمال الثاني: أن يلحق آخر ما تم به ألف. وقد نبه على ذلك بقوله:
٦٠٣ - ومنتهى المندوب صلة بالألف ... متلوها إن كان مثلها حذف
٦٠٤ - كذاك تنوين الذي به كمل ... من صلة أو غيرها نلت الأمل
تقول في زيد: وازيداه، وفي عبد الملك: واعبد الملكا، وفي حفر بئر زمزم: وامن حفر بئر زمزما، فتجيء بألف الندبة في الأخر، لأنه الذي انتهى به الاسم، قال الشاعر: [من البسيط]
٥٥٣ - حملت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
ويحذف لألف الندبة ما قبلها من ألف أو تنوين في صلة أو غيرها، كقولك في (موسى) واموساه، وفي قولك أبى بكر: واأبا بكراه، وفي من نصر محمدا: وامن نصر محمداه.
وأجاز يونس: وصل ألف الندبة بآخر الصفة، نحو: وازيد الظريفاه، ويشهد له قول بعض العرب: (واجمجمتي الشاميتيناه).
ولما ذكر لحاق ألف الندبة ذكر حال ما قبل الألف، فقال:
٦٠٥ - والشكل حتما أوله مجانسا ... إن يكن الفتح بوهم لابسا
الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا.
فإذا لحقت المنادى ألف الندبة، وكان ما قبلها غير مفتوح وجب فتحه، إلا أن يوقع ذلك في اللبس، فيجب إبدال ألف الندبة من جنس حركة ما قبلها.
مثال ما يفتح قبل الألف قولك في (رقاش): وارقشاه، وفي عبد الملك: واعبد الملكاه، وفي من اسمه (قام الرجل): وأقام الرجلاه: برد الحركة قبل الألف في ذلك [٢٣٠] // كله فتحة لتسلم الألف ما لم يوقع في لبس.
стр. 420
ومثال ما تبدل فيه ألف الندبة من جنس حركة ما قبلها قولك في ندبة (فتى) مضاف إلى كاف المخاطبة: وافتاكيه، وفي ندبة (فتى) مضاف إلى هاء الغائب، وافتاهوه تبدل الألف بعد الكسرة ياء وبعد الضمة واوا، لأنك لو سلمتها وقبلت الكسرة، والضمة فتحة لأوهم الإضافة إلى كاف المخاطب وهاء الغائبة، ولم يعرف المراد.
٦٠٦ - وواقفا زد هاء سكت إن ترد ... وإن تشأ فالمد والها لا تزد
علامة الندبة لا تلزم المندوب إلا المندوب إلا إذا خيف اللبس، كما إذا كان الحرف المستعمل معه (يا) ولم يقم على المراد قرينة، وما أمن فيه اللبس جاز أن تلحقه العلامة وألا تلحق.
فما كان من المندوب بلا علامة، ولا يجوز أن تلحقه الهاء بحال، وما كان منه بالعلامة نحو: وازيدا جاز أن تلحقه في الوقف هاء السكت، توصلا إلى زيادة المد، نحو: وازيداه، وجاز ألا تلحقه، كما ينبئ عنه قوله:
............................. وإن تشأ فالمد والهاء لا تزد
أي: وإن تشأ ألا تزيد في الوقف الهاء فالمد كاف.
ولا تثبت هذه الهاء في الوصل إلا للضرورة، كما في قول الشاعر: [من الهزج]
٥٥٤ - ألا يا عمرو عمراه ... وعمرو بن الزبيراه
٦٠٧ - وقائل واعبديا واعبدا ... من في الندا اليا ذا سكون أبدى
إذا ندب المضاف إلى ياء المتكلم على لغة من أثبتها مفتوحة زيدت الألف، ولم يحتج إلى عمل ثان، لأن الياء مهيئ' لمباشرة الألف، وإذا ندب على لغة من حذف الياء، مكتفيا بالكسرة جعل بدل الكسرة فتحة وزيدت الألف.
وإذا ندب على لغة من يثبت الياء ساكنة، وهو المشار إليه في البيت جاز حذف الياء لالتقاء الساكنين وإبقاؤها مفتوحة، فيقال على الأول: واعبداه، وعلى الثاني: واعبديا. وأما المندوب المضاف إلى المضاف إلى ياء المتكلم، نحو، واانقطاع ظهرياه، فلا تحذف منه الياء، لأن المضاف إليها غير منادى.
стр. 421
الترخيم
٦٠٨ - ترخيما احذف آخر المنادى ... كيا سعا فيمن دعا سعادا
الترخيم في اللغة: ترقيق الصوت وتليينه، يقال: صوت رخيم، أي: رقيق.
وعند النحويين: هو حلف بعض الكلمة على وجه مخصوص. وهو على ثلاثة أنواع:
أحدهما: حذف آخر الاسم في النداء، وهو المذكور هنا.
والثاني: حذف الآخر في غير النداء لغير موجب، ويختص بضرورة الشعر، وسينبه عليه.
والثالث: ترخيم التصغير، ولما أخذ في بيان أحكام الترخيم في النداء قال:
ترخيما احذف آخر المنادى ................................
فعلم أنه يجوز ترخيم المنادى بحذف آخره في سعة الكلام، لأنه لم يقيده بالضرورة ونصبه (ترخيما) يجوز أن يكون مفعولا له أو مصدرا في موضع الحال أو ظرفا على حذف المضاف.
ولما بين أن ترخيم المنادى بحذف آخره مثله، فقال:
..................... كيا سعا فيمن دعا سعادا
وفي الكلام حذف مضاف تقديره: في قول من دعا سعادا، ونحوه قولك في حارث يا حار، قال الشاعر: [من البسيط]
стр. 422
٥٥٥ - يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
وليس كل منادى يقبل الترخيم.
فلما أخذ في بيان ما لا يجوز ترخيمه ومالا يجوز ترخيمه قال:
٦٠٩ - وجوزنه مطلقا في كل ما ... أنث بالها والذي قد رخما
٦١٠ - بحذفها وفره بعد واحظلا ... ترخيم ما بعد هذه الها قد خلا
٦١١ - إلا الرباعي فما فوق العلم ... دون إضافة وإسناد متم
لا يجوز ترخيم المنادى إلا إذا كان مفردا معرفة وهو مؤنث بالها، أو علم. أما المؤنث بالهاء فيجوز ترخيمه مطلقا أي: سواء كان علما أو غير علم، وسواء كان على أربعة أحرف فصاعدا، أو أقل، قال الراجز: [من الرجز]
٥٥٦ - جاري لا تستنكري عذيري ... سيري وإشفاقي على بعيري
أراد: يا جارية، وقالوا: (يا شا ادجني) أي: يا شاة أقيمي، وقوله:
................................... والذي قد رخما
بحذفها وفره بعد ....................................
أي لا تنقص منه بعد حذف الهاء شيئا، وإنما ذكره ليعلم أن قوله بعد:
ومع الآخر احلف الذي تلا ..........................
مقصور الحكم على العلم الخالي من هاء التأنيث وأن نحو: (عقنباة) لو رخمته لم تحذف منه مع الهاء لأن هاء التأنيث في حكم الانفصال فلا يستتبع حذفها حذف ما
стр. 423
قبلها، وغير الهاء ليس كذلك، تقول في مروان: يا مرو، وفي زيدون: يا زيد، وفي عرفات: يا عرف. فتتبع الآخر ما قبله في الحذف.
[٢٣٢] وأما العلم فلا يرخم إلا إذا كان// مفردا زائدا على ثلاثة أحرف، وهو قوله:
..................... واحظلا .................
أي: أمنع.
.................... ترخيم ما من هذه الها قد خلا
إلا الرباعي فا فوق العلم ... دون إضافة وإسناد متم
فعلم أن غير المؤنث بالهاء لا يرخم وهو ثلاثي كعمر، ولا اسم الجنس كعالم، ولا مضاف ولا شبيه به ومنه المركب من جملة ك (تأبط شرا).
وإنما يرخم منه العلم المفرد الزائد على الثلاثة، ومنه المركب تركيب المزج ك (معدي كرب وسيبويه) إلا أن هذا النوع إنما يرخم بحذف عجزه.
٦١٢ - ومع الآخر احذف الذي تلا ... إن زيد لينا ساكنا مكملا
٦١٣ - أربعة فصاعدا والخلف في ... واو وياء بهما فتح قفي
إذا كان قبل آخر المنادى الجائز الترخيم حرف لين ساكن زائد مسبوق بأكثر من حرفين حذف في الترخيم هو والآخر بإجماع إن كان حرف مد، كقولك في عمران: يا عمر، وفي مسكين: يا مسك، وفي منصور: يا منص، وبخلاف إن لم يكن كذلك، نحو: غرنيق، وفرعون. فمذهب الفراء والجرمي أنهما في الترخيم بمنزلة مسكين ومنصور، وغيرهما من النحويين لا يرى ذلك، بل يقول: يا غرني، ويا فرعو. وإلى هذا أشار بقوله:
............... والخلف في ... واو وياء بهما فتح قفي
أي: وقعا بعد فتحة وتبعاها.
ولا يخرج عن هذا الضابط إلا ما آخره هاء التأنيث، وقد سبق التنبيه عليه، ونقول في مختار: يا مختا، ولا تحذف الألف، لأنها بدل من عين الكلمة، فليست زائدة، وتقول في نحو هبيخ وقنور: يا هبي ويا قنو، فتحذف الآخر، وتبقي ما قبله، وإن كان حرف لين زائد، إلا أنه غير ساكن، وتقول في عماد ومجيد وثمود، يا عما ويا مجي ويا ثمو، فلا تحذف ما قبل الآخر، لأنه ليس قبله إلا حرفان.
стр. 424
وعند الفراء: أن الرباعي كالزائد عليه، فتقول: يا عم ويا مج ويا ثم، وأجاز أيضا إبقاء الألف والياء ولم يجز إبقاء الواو لأنه يستلزم عدم النظير لأنه ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واو قبلها ضمة، وليس شرطا عند الفراء في حذف ما قبل الآخر كونه حرف لين، بل مجرد كونه ساكنا فنقول في قمطر: يا قم، قال: لأنه إذا قيل: يا قمط بسكون الطاء لزم عدم النظير، إذا ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره حرف صحصح ساكن.
ومما انفرد به الفراء: جواز ترخيم الثلاثي المحرك الوسط، نحو حكم، فإنه إذا قيل في ترخيمه: يا حك لم يلزم منه عدم النظير، إذ في الأسماء المتمكنة ما هو على حرفين ثانيهما متحرك كغد ويد.
فلو كان الثلاثي ساكن الوسط لم يجز ترخيمه بإجماع، لأنه موقع في عدم [٢٣٣] النظير.//
٦١٤ - والعجز احذف من مركب وقل ... ترخيم جملة وذا عمرو نقل
إذا رخم المركب من نحو: (معدي كرب وسيبويه) حذف عجزه لأنه منه بمنزلة هاء التأنيث من نحو: طلحة، إلا أنه خالف هاء التأنيث في أنه قد يحلف معه ما قبله كقولك في اثنا عشر: يا اثن.
قال سيبويه: وأما اثنا عشر فإذا رخمته حذفت [عشر مع] الألف، لأن عشر بمنزلة نون مسلمين] والألف بمنزلة الواو].
وأكثر النحويين: لا يجيز ترخيم المركب من جملة، وهو جائز، لأن سيبويه قال في بعض أبواب النسب: تقول في النسب إلى تأبط شرا: تأبطي: لأن من العرب من يقول: يا تأبط.
ومنع من ترخيمه في باب الترخيم، فعلم أن جوازه على لغة قليلة.
قوله:
............................................. وذا عمرو نقل
هو اسم سيبويه.
стр. 425
٦١٥ - وإن نويت بعد حذف ما حذف ... فالباقي استعمل بما فيه ألف
٦١٦ - واجعله إن لم تنو محذوفا كما ... لو كان بالآخر وضعا تمما
٦١٧ - فقل على الأول في ثمود يا ... ثمو ويا ثمي على الثاني بيا
٦١٨ - والتزم الأول في كمسلمة ... وجوز الوجهين في كمسلمة
للعرب في ترخيم المنادى مذهبان: أحدهما: وهو الأكثر أن ينوي ثبوت المحذوف، فلا يغير ما بقي عن شيء مما كان عليه قبل الحذف.
والثاني: ألا ينوى المحذوف، فيصبر ما بقي كأنه اسم تام موضوع على تلك الصيغة، ويعطى من البناء على الضم وغيره ما يستحقه لو لم يحذف منه شيء.
فيقال على المذهب الأول في نحو: حارث وجعفر وقمطر: يا حار ويا جعف ويا قمط، وعلى الثاني: يا حار ويا جعف ويا قمط.
وتقول على الأول في ثمود: يا ثمو فلا تغير ما بقي عن حاله، وعلى الثاني: يا ثمي، لأنك لما لم تنو المحذوف جعلت ما بقي في حكم اسم تام قد تطرقت فيه الواو بعد ضمة، فوجب قلب الضمة كسرة والواو ياء، كما في نحو: أدل وأجر، وهكذا تقول في نحو: صميان وعلاوة على الأول: يا صمي ويا على. وعلى الثاني: يا صما ويا علاو، لأنه لما تحركت الياء من (صمي) وانفتح ما قبلها ولم يكن بعدها ما يمنع من الإعلال قلبت ألفا على حد رمى وسعى، ولما تطرفت الواو من (علاو) وقبلها ألف مزيدة وجب قلب الواو همزة على حد كساء وغطاء.
ومن الأسماء ما لا يرخم إلا على نية المحذوف. فمن ذلك ما فيه هاء التأنيث للفرق نحو: مسلمة تقول في ترخيمه: يا مسلم، ولا يجوز أن يرخم على المذهب الثاني،
لأنك لو [٢٣٤] قلت فيه: يا مسلم// لالتبس المؤنث بالمذكر، فلو لم تكن الهاء للفرق كما في مسلمة اسم رجل جاز ترخيمه على المذهبين، وتقول في طيلسان: على لغة من كسر اللام يا طيلس بنية المحذوف، ولا يجوز يا طيلس، لأنه ليس في الكلام فيعل صحيح العين، إلا ما ندر من (صيقل) اسم امرأة، ومن قوله تعالى: ﴿بعذاب بئيس﴾ [الأعراف/١٦٥]
следующие страницы →