Полный текст (619 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فجوابه من وجهين:
أحدهما: لا نسلم أن الحمل على ذلك يستلزم أن لا يتخلف أحد من المقول عن الطاعة، لأن الفعل مسند إليهم على سبيل الإجمال، لا إلى كل واحد منهم، فيجوز أن يكون التقدير: قل لعبادي أقيموا الصلاة يقمها أكثرهم، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فاتصل الضمير تقديرًا موافقًا لغرض الشارع، وهو انقياد الجمهور.
الثاني: سلمنا أن الحمل على ذلك يستلزم أن لا يتخلف أحد من المقول لهم عن الطاعة، لكن لا نسلم أن الواقع بخلاف ذلك، لجواز ألا يكون المراد بالعباد المقول لهم كل من أظهر الإيمان، ودخل في زمرة أهله، بل خلص المؤمنون ونجباؤهم، وأولئك لا يتخلف أحد منهم عن الطاعة أصلًا.
وأما (لا) الطلبية فهي الداخلة على المضارع في مقام النهي أو الدعاء، نحو ﴿لا تحزن﴾ [التوبة/٢٠] و ﴿لا تؤاخذنا﴾ [البقرة/٢٨٦]. وتصحب فعل المخاطب والغائب كثيرًا، وقد تصحب فعل المتكلم، كقول الشاعر: [من الطويل]
٦٣٠ - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد .... لها أبدًا ما دام فيها الجراضم
وكقول الآخر: [من البسط]
٦٣١ - لا أعرفن ربربًا حورًا مدامعها .... مردفات على أعقاب أكوار
وأما (لم) و (لما) أختها فينفيان المضارع، ويقلبان معناه إلى المضي. ولا بد في منفي (لما) أن يكون متصلًا بالحال.
стр. 492
وقد يحذف ويوقف على (لما) كقولهم: (كلا، ولما) أي: ولما يكن ذاك. وقد احترزت بقولي: (ولما أختها) أي: أخت (لم) من (لما) الحينية نحو قوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودًا﴾ [هود/٥٨] ومن (لما) بمعنى (إلا) نحو: عزمت عليك لما فعلت، أي إلا فعلت، والمعنى: ما أسألك إلا فعلك، فإن التي تدخل على المضارع، وتجزمه هي (لما) النافية لا غير.
وإنما عملت هي وأخواتها الجزم، لأنها اختصت بالمضارع ودخلت عليه لمعان لا تكون للأسماء، فناسب أن تعمل فيه العمل الخاص بالفعل، وهو الجزم.
وأما (إن) الشرطية: فهي التي تقتضي في الاستقبال تعليق جملة على جملة، تسمى الأولى منهما شرطًا والثانية جزاء. ومن حقهما أن يكونا فعليتين، ويجب ذلك في الشرط. فإن كانا مضارعين جزمتهما، لأنها اقتضتهما، فعملت فيهما، وذلك نحو: إن يقم زيد يقم عمرو.
ويساوي (إن) في ذلك الأدوات التي في معناها، وهي (من) و (ما) و (مهما) و (أي) و (متى) و (أيان) و (أين) و (إذما) و (حيثما) و (أنى) كقوله [٢٧٢] تعالى: ﴿من يعمل سوءًا//يجز به﴾ [النساء/١٢٣] وكقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ [البقرة/١٩٧] وكقوله تعالى: ﴿مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين﴾ [الأعراف/١٣٢] وكقوله تعالى: ﴿أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء/١١٠].
وكقول الشاعر: [من الطويل]
٦٣٢ - ولست بحلال التلاع مخافة .... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
وكقوله الآخر: [من البسيط]
٦٣٣ - أيان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا .... لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا
стр. 493
وكقول الآخر: [من الرمل]
٦٣٤ - صعدة نابتة في حائر .... أينما الريح تميلها تمل
وكقول الآخر: [من الطويل]
٦٣٥ - وإنك إذ ما تأت ما أنت آمر .... به تلف من إياه تأمر آتيا
وكقول الآخر: [من الخفيف]
٦٣٦ - حيثما تستقم يقدر لك اللـ .... ـه نجاحًا في غابر الأزمان
وكقوله الآخر: [من الطويل]
٦٣٧ - خليلي أني تأتياني تأتيا .... أخا غير ما يرضيكما لا يحاول
وعند النحويين أن (إذ) في (إذما) مسلوب الدلالة على معناه الأصلي، مستعمل مع (ما) المزيدة حرفًا بمعنى (إن) الشرطية.
وما سوى (إذما) من الأدوات المذكورة، فأسماء متضمنة معنى (إن) معمولة لفعل الشرط أو الابتداء، لا غير.
فما كان منها اسم زمان أو مكان كـ (متى وأين) ونحو ذلك فهو أبدًا في موضع منصوب بفعل الشرط على الظرفية.
стр. 494
وما كان منها أسماء غير ذلك كـ (من وما ومهما) فهو في موضع بالابتداء، إن كان فعل الشرط مشغولًا عنه بالعمل في ضميره كما في نحو، من يكرمني أكرمه، وما تأمر به أفعله، وإلا فهو في موضع منصوب بفعل الشرط لفظًا، كما في نحو: من تضرب أضرب، ومهما تصنع أصنع مثله، أو محلًا كما في نحو: بمن تمرر أمرر.
ولما فرغ من ذكر الجوازم أخذ في الكلام على أحكام الشرط والجزاء، فقال:
٦٩٨ - فعلين يقتضين شرط قدما .... يتلو الجزاء وجوابًا وسما
٦٩٩ - وماضيين أو مضارعين .... تلفيهما أو متخالفين
٧٠٠ - وبعد ماض رفعك الجزاء حسن .... ورفعه بعد مضارع وهن [٢٧٣] //
٧٠١ - وأقرن بها حتما جوابًا لو جعل .... شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل
٧٠٢ - وتخلف الفاء إذا المفاجأة .... كإن تجد إذا لنا مكافأه
كل من أدوات الشرط المذكورة يقتضي جملتين: تسمى الأولى منهما شرطًا، والثانية جزاء وجوابًا أيضًا.
وحق الجملتين أن تكونا فعليتين، ويجب ذلك في الشرط دون الجزاء، فقد يكون جملة فعلية تارة، واسمية تارة، كما ستقف عليه.
وإذا كان الشرط والجزاء فعليتين، جاز أن يكون فعلاهما مضارعين، وهو الأصل وأن يكونا ماضيين لفظًا، وأن يكون الشرط ماضيًا، والجواب مضارعًا، وأن يكون الشرط مضارعًا، والجواب ماضيًا.
فالأول نحو قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة/٢٨٤] والثاني نحو قوله: ﴿وإن عدتم عدنا﴾ [الإسراء/٨] والثالث نحو قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ [هود/١٥] والرابع نحو قول الشاعر: [من الخفيف]
٦٣٨ - من يكدني بسيئ كنت منه .... كالشجا بين حلقه والوريد
стр. 495
وقول الآخر: [من البسيط]
٦٣٩ - إن تصرمونا وصلناكم وإن تصلو .... ملأتم أنفس الأعداء إرهابًا
وأكثر النحويين يخصون هذا النوع بالضرورة.
وليس بصحيح: بدليل ما رواه البخاري من قول النبي ﷺ : (من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له) ومن قول عائشة ﵂: (إن أبا بكر أسيف متى يقم مقامك رق).
وما كان ماضيًا من شرط أو جواب فهو مجزوم تقديرًا.
وأما المضارع فإن كان شرطًا وجب جزمه لفظًا، وكذا إن كان جوابًا والشرط مضارع.
وإن كان الجواب مضارعًا والشرط ماض، فالجزم مختار والرفع كثير حسن، كقول زهير: [من البسيط]
٦٤٠ - وإن أتاه خليل يوم مسألة .... يقول لا غائب مالي ولا حرم
ورفعه عند سيبويه على تقدير تقديمه، وكون الجواب محذوفًا. وعند أبي العباس على تقدير الفاء.
وقد يجيء الجواب مرفوعًا والشرط مضارع، وإليه الإشارة بقوله:
................. .... ورفعه بعد مضارع وهن
стр. 496
وذلك نحو قول الشاعر: [من الرجز]
٦٤١ - يا أقرع بن حابس يا أقرع .... إنك إن يصرع أخوك تصرع
وقول الآخر: [من الطويل]
٦٤٢ - فقلت تحمل فوق طوقك إنها .... مطبعة من يأتها لا يضيرها
[٢٧٤] // وقراءة طلحة بن سليمان قوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء/٧٨].
واعلم أن الجواب متى صح يجعل شرطًا وذلك إذا كان ماضيًا متصرفًا مجردًا عن قد وغيرها، أو مضارعًا مجردًا أو منفيًّا بـ (لا أو لم) فالأكثر خلوه من الفاء، ويجوز اقترانه بها.
فإن كان مضارعًا رفع، وذلك كقوله تعالى: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت﴾ [يوسف/٢٦] وقوله تعالى: ﴿ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار﴾ [النمل/٩٠] وقوله تعالى: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسًا ولا رهقًا﴾ [الجن/١٣].
ومتى لم يصلح أن يكون الجواب شرطًا، وذلك إذا كان جملة اسمية أو فعلية طلبية أو فعلًا غير متصرف، أو مقرونًا بالسين أو سوف أو قد، أو منفيًّا بـ (ما)، أو (لن) أو
стр. 497
(إن) فإنه يجب اقترانه بالفاء، نحو قوله تعالى: ﴿إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم﴾ [الحج/٥] وقوله تعالى: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران/٣١] وقوله تعالى: ﴿إن ترن أنا أقل منك مالًا وولدًا * فعسى ربي أن يؤتيني خيرًا من جنتك﴾ [الكهف/٣٩ - ٤٠] وقوله تعالى: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ [يوسف/٧٧] وقوله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ [الطلاق/٦]، وقوله تعالى: ﴿من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم﴾ [المائدة/٥٤].
فالفاء في هذه الأجوبة ونحوها مما لا يصلح أن يجعل شرطًا واجبة الذكر، ولا يجوز تركها إلا في ضرورة أو ندور.
فحذفها في الضرورة، كقول الشاعر: [من البسيط]
٦٤٣ - من يفعل الحسنات الله يشكرها .... والشر بالشر عند الله مثلان
وكقول الآخر: [من الطويل]
٦٤٤ - ومن لم يزل ينقاد للغي والهوى .... سيلفى على طول السلامة نادما
وحذفها في الندور، كما أخرجه البخاري، من قوله ﷺ لأبي بن كعب: (فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها).
وتقوم مقام الفاء في الجملة الاسمية (إذا) المفاجأة، كما في قوله: (كإن تجد إذا لنا مكافأة).
стр. 498
ومثله قوله تعالى: ﴿وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم/ ٣٦]. وهذا لأن (إذا) المفاجأة لا يبتدأ بها، ولا تقع إلا بعد ما هو معقب بما بعدها، فأشبهت الفاء، فجاز أن تقوم مقامها.
٧٠٣ - والفعل من بعد الجزا إن يقترن .... بألفا أو الواو بتثليث قمن
٧٠٤ - وجزم أو نصب لفعل إثر فا .... أو واوٍ ان بالجملتين اكتنفا
إذا جاء بعد جواب الشرط المجزوم مضارع مقرون بـ (الفاء أو الواو) جاز جزمه عطفًا على الجواب، ورفعه على الاستئناف، وبصبه على إضمار (أن).
[٢٧٥] وقال سيبويه: فإذا انقضى الكلام // ثم جئت بـ (ثم) فإن شئت جزمت، وإن شئت رفعت، وكذا (الفاء والواو) إلا أنه قد يجوز النصب بالفاء والواو.
وبلغنا أن بعضهم قرأ قوله تعالى: ﴿يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ [البقرة/ ٢٨٤] وذكر غير سيبويه أنها قراءة ابن عباس، وقرأ بالرفع عاصم وابن عامر، والجزم باقي السبعة.
وروي بالأوجه الثلاثة (نأخذ) من قول الشاعر: [من الوافر]
٦٤٥ - فإن يهلك أبو قابوس يهلك .... ربيع الناس والبلد الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش .... أجب الظهر ليس له سنام
وجاز النصب بعد (الفاء والواو) إثر الجزاء، لأن مضمونه غير محقق الوقوع، قأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام.
وإذا وقع مضارع بعد (الفاء والواو) بين شرط وجزاء جاز جزمه بالعطف على فعل الشرط، ونصبه بإضمار (أن).
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله: (إن تأتني فتحدثني أحدثك، وإن تأتني وتحدثني أحدثك) فقال: هذا يجوز، والجزم الوجه.
стр. 499
ومن شواهد النصب قول الشاعر: [من الطويل]
٦٤٦ - ومن يقترب منا ويخضع نؤوه .... ولا يخش ظلمًا ما أقام ولا هضما
٧٠٥ - والشرط يُغني عن جوابٍ قد عُلم .... والعكس قد يأتي إن المعنى فُهم
إذا تقدم على الشرط ما هو الجواب في المعنى أغنى ذلك عن ذكره، كما في نحو: أفع كذا إن فعلت.
وإذا لم يتقدم على الشرط ما هو الجواب في المعنى فلا بد من ذكره، إلا إذا دل عليه دليل، فإنه حينئذ يسوع حذفه، كما في قوله تعالى: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية﴾ [الأنعام/ ٣٥] تتمته: فافعل، وفي قوله تعالى: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا﴾ [فاطر/ ٨] تتمته: ذهبت نفسك عليهم حسرة. فحذفت لدلالة: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر/ ٨]، أو تتمته: كمن هداه الله تعالى، منبهًا عليه بقوله تعالى: ﴿فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [فاطر/ ٨].
وإذا دل على فعل الشرط دليل فحذفه بدون (إن) قليل، وحذفه معها كثير، فمن حذفه بدون (إن) قول الشاعر: [من الوافر]
٦٤٧ - فطلقها فلست لها بكفء .... وإلا يعلُ مفرقك الحسام
أراد: وإلا تطلقها يعل مفرقك الحسام. ومثله قول الآخر: [من الطويل]
٦٤٨ - متى تؤخذوا قسرًا بظنة عامرٍ .... ولا ينج إلا في الصفاد يزيد
стр. 500
[٢٧٦] // أراد: متى تُثقفوا تؤخذوا.
ومن حذف الشرط مع (إن) قوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم﴾ [الأنفال/ ١٧] تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم ﴿ولكن الله قتلهم﴾ [الأنفال/ ١٧] وقوله تعالى: ﴿فالله هو الولي﴾ [الشورى/ ٩] تقديره: إن أرادوا وليًا بحق فالله هو الولي بالحق، لا ولي سواه. وقوله تعالى: ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾ [العنكبوت/ ٥٦]. أصله: فإن لم يتأت أن تخلصوا العبادة لي في أرض، فإياي في غيرها فاعبدون.
وقد يحذف الشرط والجزاء، ويكتفى بـ (إن) كقول الشاعر: [من الرجز]
٦٤٩ - قالت بناتُ العم يا سلمى وإن .... كان فقيرًا مُعلمًا قالت وإن
أي قالت: وإن كان فقيرًا معدمًا رضيته.
٧٠٦ - واحذف لدى اجتماع شرط وقسم .... جواب ما أخرت فهو ملتزم
٧٠٧ - وإن تواليا وقبل ذو خبر .... فالشرط رجح مطلقًا بلا حذر
٧٠٨ - ورُبما رجح بعد قسم .... شرط بلا ذي خبر مقدم
القسم مثل الشرط في احتياجه إلى جواب، الا أن جواب القسم مؤكد بـ (إن) أو اللام أو منفي، وجواب الشرط مقرون بالفاء أو مجزوم.
فإذا اجتمع الشرط والقسم اكتفي بجواب أحدهما عن جواب الآخر، فإن لم يتقدم الشرط والقسم ما يحتاج إلى خبر اكتفي بجواب السابق منهما عن جواب صاحبه، فيقال في تقدم الشرط: إن تقم والله أقم، وإن تقم والله فلن أقوم، وفي تقدم القسم: والله إن تقم لأقومن، ووالله إن تقم ما أقوم.
وإن تقدم على الشرط والقسم ما يحتاج إلى خبر، رجح اعتبار الشرط على اعتبار القسم: تأخر أو تقدم، فيقال: زيد والله إن تقم يُكرمك، بالجزم لا غير.
وربما رجح اعتبار الشرط على القسم السابق، وإن لم يتقدم عليه مخبر عنه، كقول
стр. 501
الشاعر: [من البسيط]
٦٥٠ - لئن مُنيت بنا عن غب معركة .... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
وقول الآخر: [من الطويل]
٦٥١ - لئن كان ما حدثته اليوم صادقًا .... أصم في نهار القيظ للشمس باديا
وأركب حمارًا بين سرجٍ وفروةٍ .... وأعر من الخاتام صُغرى شماليا
стр. 502
فصل لو
٧٠٩ - لو حرف شرط في مضي ويقل .... إيلاؤها مستقبلا لكن قبل [٢٧٧] //
٧١٠ - وهي في الاختصاص بالفعل كإن .... لكن لو أن بها قد تقترن
٧١١ - وإن مضارع تلاها صرفا .... إلى المضي نحو لو يفي كفى
(لو) في الكلام على ضربين: مصدرية وشرطية.
فالمصدرية: هي التي تصلح في موضعها (أن) وأكثر ما تقع بعد (ود) أو ما في معناها، كقوله تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة/ ٩٦] وقد تقدم ذكرها.
وأما الشرطية: فهي للتعليق في الماضي، كما أن (إن) للتعليق في المستقبل، ومن ضرورة كون (لو) للتعليق في الماضي أن يكون شرطها منتفي الوقوع، لأنه لو كان ثابتًا لكان الجواب كذلك، ولم يكن تعليق في البين، بل إيجاب لإيجاب، لكن (لو) للتعليق لا للإيجاب، فلا بد من كون شرطها منتفيًا.
وأما جوابها: فإن كان مساويًا للشرط في العموم، كما في قولك: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا، فلا بد من انتفائه أيضًا، وإن كان أعم من الشرط، كما في قولك: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودًا. فلا بد من انتفاء القدر المساوي منه للشرط.
ولذلك تسمع النحويين يقولون: (لو) حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، أي: تدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط، ولا يريدون أنها تدل على امتناع الجواب مطلقًا، لتخلفه في نحو: (لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه)، وإنما يريدون أنها تدل على انتفاء المساوي من جوابها للشرط.
стр. 503
والأولى أن يقال: (لو) حرف شرط يقتضي نفي ما يلزم من ثبوته ثبوت غيره، فينبه على أنها تقتضي لزوم شيء لشيء، وكون الملزوم منتفيًا، ولا يتعرض لنفي اللازم مطلقًا ولا لثبوته لأنه غير لازم من معناها.
وذهب بعض النحويين: إلى أن (لو) كما تكون للشرط في الماضي، كذا تكون للشرط في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله:
................ ويقل .... إيلاؤها مستقبلا لكن قبل
أي: ويقل إيلاء (لو) فعلا مستقبلًا.
المعنى: وما كان من حقها أن يليها ذلك، لكن ورد به السماع فوجب قبوله. وعندي أن (لو) لا تكون لغير الشرط في الماضي.
وما تمسكوا به من نحو قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم) [النساء /٩].
وقول الشاعر: [من الطويل]
٦٥٢ - ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
لا حجة فيه، لصحة حمله على المضي.
و (لو) مثل (إن) في أن شرطها لا يكون إلا فعلا.
وقد شذ عند سيبويه كونه مبتدأ مؤلفًا من (أن) وصلتها، نحو: لو أنك جئتني [٢٧٨] لأكرمتك، وشبه // شذوذ ذلك بانتصاب (غدوة) بعد (لدن) فجعل (أن) بعد (لو) في موضع رفع بالابتداء، وإن كانت لا تدخل على مبتدأ غيرها، كما أن (غدوة) بعد (لدن) تنصب، وإن كان غيرها بعدها يجب جره.
стр. 504
ومنهم من حلم (أن) بعد (لو) على فاعل لـ (ثبت) مضمرًا، كما أضمر بعد (ما) المصدرية في قولهم: (لا أفعل ذلك ما أن في السماء نجمًا). وهو أقرب في القياس مما ذهب إليه سيبويه.
فإن قلت: فما تصنع بقول الشاعر: [من الرمل]
٦٥٣ - لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
قلت: خرجه أبو علي أن تقديره: لو شرق بغير الماء حلقي هو شرق، فقوله: (هو شرق) جملة اسمية مفسرة للفعل المضمر.
وأسهل من هذا التخريج عندي أن يحمل البيت على إضمار (كان) الشأنية، وتجعل الجملة المذكورة بعد (لو) خبرًا لها، كما فعل مثل ذلك في قول الشاعر: [من الطويل]
٦٥٤ - ونبئت ليلى أرسلت بشفاعةٍ ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها
وزعم الزمخشري أن خبر (إن) بعد (لو) لا يكون إلا فعلا.
وهو باطل، بنحو قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) [لقمان /٢٧].
стр. 505
وبنحو قول الشاعر: [من الطويل]
٦٥٥ - ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمامٍ ما تأود عودها
وقول الآخر: [من الطويل]
٦٥٦ - لو أن حيا فائت الموت فاته ... أخو الحرب فوق القارح العدوان
ولكون (لو) للتعليق في الماضي غلب دخولها على الفعل الماضي وهو مبني. فلذلك إذا دخلت على المضارع لم تعمل فيه شيئًا، ووجب أن يكون دخولها مصروفًا إلى المضي كما في قوله تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) [الحجرات /٨] قول الشاعر: [من الكامل]
٦٥٧ - لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزة ركعًا وسجودا
ولا يكون جواب (لو) إلا فعلا ماضيًا أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم) وقلما يخلو من (اللام) إن كان مثبتًا، نحو قوله تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) [الأنفال /٢٣].
ومن خلوه منها قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم) [النساء /٩]، وإن كان منفيا بـ (لم) امتنعت اللام، وإن كان منفيا بـ (ما) جاز لحاقها، والخلو منها، إلا أن الخلو منها أجود، وبذلك نزل القرآن العظيم، فقال تعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه) [الأنعام /١١٢].
стр. 506
وقد يستغنى عن جواب (لو) لقرينة، كما يستغنى عن جواب (إن) فمن ذلك قوله تعالى: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى [٢٧٩] بل لله // الأمر جميعًا) [الرعد /٣١] وقوله تعالى: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به) [آل عمران /٩١].
وندر حذف شرط (لو) وجوابها، كما في قول الشاعر: [من الخفيف]
٦٥٨ - إن يكن طبك الدلال فلو ... في سالف الدهر والسنين الخوالي
قال أبو الحسن الأخفش: أراد فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا.
стр. 507
أما ولولا ولوما
٧١٢ - أما كمهما يك من شيءٍ وفا ... لتلو تلوها وجوبًا ألفا
٧١٣ - وحذف ذي الفاقل في نثرٍ إذا ... لم يك قول معها قد نبذا
(أما) حرف تفصيل مؤول بمهما يكن من شيء، لأنه قائم مقام حرف شرط وفعل شرط. ولابد بعده من ذكر جملة هي جواب له، ولابد فيها من ذكر الفاء، إلا في ضرورة كقول الشاعر: [من الطويل]
٦٥٩ - فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرًا في عراض المواكب
أو في ندور نحو ما خرج البخاري من قوله ﷺ : (أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله).
стр. 508
أو فيما حذف منه القول، وأقيم حكايته مقامه، كقوله تعالى: (وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم) [آل عمران /١٠٦] أي: فيقال لهم: أكفرتم؟.
وما سوى ذلك: فذكر الفاء بعد (أما) فيه لازم، نحو: أما زيد فقائم. والأصل أن يقال: أما فزيد قائم، فتجعل الفاء في صدر الجواب، كما مع غير (أما) من أدوات الشرط، ولكن خولف هذا الأصل مع (أما) فرارًا من قبحه، لكونه في صورة معطوف بلا معطوف عليه، ففصلوا بين (أما) والفاء بجزء من الجواب. وإلى ذلك الإشارة بقوله:
.............. وفا ... لتلو تلوها ..................
فإن كان الجواب شرطيٌا فصل بجملة الشرط، كقوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم) [الواقعة /٨٨ - ٨٩] التقدير مهما يكن من شيء فإن كان المتوفي من المقربين، فجزاؤه روح وريحان وجنة نعيم. ثم قدم الشرط على الفاء، فالتقى فاءان. فحذفت الثانية منهما حملا على أكثر الحذفين نظائر.
وإن كان جواب (أما) غير شرطي، ففصل بمبتدأ نحو: أما زيد فقائم، أو خبر نحو: أما قائم فزيد، أو معمول فعل أو شبهه، أو معمول مفسر به نحو: أما زيد فاضرب، وأما زيد فأنا ضارب، وأما عمرًا فأعرض عنه.
ولا يفصل بين (أما) والفاء بفعل، لأن (أما) قائمة مقام حرف شرط وفعل [٢٨٠] شرط، فلو وليها فعل؛ لتوهم أنه // فعل الشرط، ولم يعلم بقيامها مقامه.
وإذا وليها اسم بعده الفاء كان في ذلك تنبيه على ما قصد من كون ما وليها مع ما بعده جوابًا.
٧١٤ - لولا ولوما يلزمان الابتدا ... إذا امتناعًا بوجود عقدا
٧١٥ - وبهما التحضيض مز وهلا ... ألا ألا وأولينها الفعلا
٧١٦ - وقد يليها اسم بفعل مضمر ... علق أو بظاهرٍ مؤخر
لـ (لولا ولوما) استعمالان: أحدهما يدلان فيه على امتناع شيء لثبوت غيره وهذا أراد بقوله:
................... ... إذا امتناعًا بوجودٍ عقدا
أي: إذا عقدا، وربطا امتناع شيء بوجود غيره ولازمًا بينهما.
وتقتضيان حينئذ مبتدأ ملتزمًا حذف خبره وجوبًا في الغالب، وجوابًا مصدرًا بفعل ماض أو مضارع مجزوم بـ (لم).
стр. 509
فإن كان الماضي مثبتًا قرن باللام غالبًا، وإن كان منفيًا تجرد منها غالبًا. وإذا دل على الجواب دليل جاز حذفه كقوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) [النور /١٠].
والاستعمال الآخر: يدلان فيه على التحضيض، ويختصان بالأفعال، كقوله تعالى: (لولا أنزل علينا الملائكة) [الفرقان /٢٢] وكقوله تعالى: (لوما تأتينا بالملائكة) [الحجر /٧].
ويشاركهما في التحضيض والاختصاص بالأفعال: (هلا وألا وألا).
وقد يلي حرف التحضيض اسم عامل فيه فعل مؤخر نحو: هلا زيدًا ضربت، أو مضمرًا كقول الشاعر: [من الكامل]
٦٦٠ - الآن بعد لجاجتي تلحونني ... هلا التقدم والقلوب صحاح
أي: هلا كان التقدم باللحى إذ القلوب صحاح، وكقول الآخر: [من الطويل]
٦٦١ - أتيت بعبد الله في القد موثقًا ... فهلا سعيدًا ذا لخيانة والغدر
أي: فهلا أسرت سعيدًا. وكقول الآخر: [من الطويل]
٦٦٢ - تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطري لولا الكمي المقنعا
стр. 510
أي: لولا تعدون عقر الكمي أو قتله. فحذف مع الفعل المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
وقد يقع بعد حرف التحضيض مبتدأ وخبر، فيقدر المضمر كان الشأنية كقول الشاعر: [من الطويل]
٦٦٣ - ونبئت ليلى أرسلت بشفاعةٍ ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها
أي: فهلا كان الأمر والشأن نفس ليلى شفيعها
стр. 511
[٢٨١] // الإخبار بالذي والألف واللام
٧١٧ - ما قيل أخبر عنه بالذي خبر ... عن الذي مبتدأ قبل استقر
٧١٨ - وما سواهما فوسطه صله ... عائدها خلف معطى التكملة
٧١٩ - نحو الذي ضربته زيد فذا ... ضربت زيدًا كان فادر المأخذا
٧٢٠ - وباللذين والذين والتي ... أخبر مراعيًا وفاق المثبت
المخبر عنه في هذا الباب هو المجعول في آخر الجملة خبرًا عن الموصول مبتدأ.
فالباء في قولهم: (الإخبار بالذي) باء السببية، لا باء التعدية، لدخولها على المخبر عنه حقيقة. فإذا قلت: أخبر عن زيد، من قولك: زيد منطلق، فالمعنى: أخبر عن مسمى زيدٍ بواسطة التعبير عنه، بعد إضماره بـ (الذي) موصولا بالجملة، وجعل لفظ (زيد) خبرًا. ولذلك يقال في الجواب: الذي هو منطلق زيد.
وكثيرًا ما يصار إلى هذا الإخبار لقصد الاختصاص، أو تقوي الحكم، أو تشويق السامع، أو إجابة الممتحن.
فإذا أردت أن تخبر عن اسم في الجملة أخرته إلى العجز، وإن كان ضميرًا متصلا فصلته وصيرت ما عداه صلة للذي أو شبهه، واضعًا مكان المؤخر ضميرًا مطابقًا عائدًا على الموصول يخلف المؤخر فيما كان له من الإعراب.
فإن كان مفعولا له أو ظرفًا متصرفًا، قرن الضمير بـ (اللام) أو (في)، تقول في الإخبار عن (زيد): من نحو ضربت زيدًا: الذي ضربته زيد، وعن التاء: الذي ضرب زيدًا أنا، فتأتي بالموصول مبتدأ، وتؤخر ما تريد الإخبار عنه، وتجعله خبرًا عن الموصول،
стр. 512
وتجعل ما بينهما صلة، فيها ضمير مطابق للموصول، موضوع في مكان الاسم المؤخر المعبر عنه في النظم بـ (معطي التكملة) أي: الذي كان به تكميل الكلام، قبل تركيب الإخبار.
وتقول في الإخبار عن (رغبة) من نحو: جئت رغبةً فيك: الذي جئت له رغبةً فيك، وعن يوم الجمعة من نحو: صمت يوم الجمعة: الذي صمت فيه يوم الجمعة، فتفعل فيهما كما فعلت فيما قبل، ثم تقرن ضمير ما كان مفعولا له بـ (اللام)، وضمير ما كان ظرفًا بـ (في) لأن الضمائر ترد معها الأشياء إلى أصولها؛ إذ لم تقو قوة الأسماء الظاهرة، ولم تتضمن ما تضمنته.
وإذا كان المخبر عنه في هذا الباب مثنى، أو مجموعًا على حدة، أو مؤنثًا جيء بالموصول على وفقه لوجوب مطابقة المبتدأ خبره.
تقول في الإخبر عن الزيدين من نحو: بلغ الزيدان العمرين رسالة. اللذان بلغا [٢٨٢] العمرين رسالة الزيدان، وعن العمرين // الذين بلغهم الزيدان رسالةً العمرون. وعن (الرسالة): التي بلغها الزيدان العمرين رسالةً.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن ليس كل اسم يجوز أن يخبر عنه، بل لا يصح الإخبار عن اسم في الكلام إلا بسبعة شروط، وقد نبه على أربعة منها بقوله:
٧٢١ - قبول تأخيرٍ وتعريفٍ لما ... أخبر عنه ها هنا قد حتما
٧٢٢ - كذا الغنى عنه باجنبي أو ... بمضمرٍ شرط فراع ما رعوا
الشرط الأول: جواز التأخير، فلا يخبر عن اسم يلزم صدر الكلام، كضمير الشأن واسم الاستفهام لامتناع تأخر ما التزمت العرب تقديمه، ووجوب تأخير الخبر في هذا الباب.
الثاني: جواز تعريفه، فلا يخبر عن الحال والتمييز لأنهما ملازمان التنكير فلا يصح جعل المضمر مكانهما لأنه ملازم للتعريف.
الثالث: جواز الاستغناء عنه بأجنبي، فلا يخبر عن ضمير عائد إلى اسم في الجملة كالهاء من نحو: زيد ضربته، ومن نحو: زيد ضرب غلامه، لأنه لو أخبر عنها لخلفها مثلها في العود إلى ما كانت تعود إليه فليلزم إما إبقاء الموصول بلا عائد، وإما عود ضمير واحد إلى شيئين، وكلاهما محال. ولو كان الضمير عائدًا إلى اسم من جملة أخرى جاز الإخبار عنه كقولك في الإخبار عن الهاء من (لقيته) في نحو: جاء زيد ولقيته: الذي لقيته هو.
стр. 513
الرابع: جواز الاستغناء عنه بمضمر، فلا يخبر عن موصوف دون صفته، ولا عن مصدر عامل دون معموله، ولا عن مضاف دون مضاف إليه، فلا يخبر عن عمرو وحده من نحو: سر أبا زيدٍ قرب من عمرو الكريم، بل مع صفته نحو: الذي سر أبا زيد قرب منه عمرو الكريم، ولا عن القرب وحده بل مع معموله نحو: الذي سر أبا زيد قرب عن عمرو الكريم، ولا عن الأب وحده بل مع المضاف إليه نحو: الذي سره قرب من عمرو الكريم أبو زيد.
الخامس: جواز استعماله مرفوعًا، فلا يخبر عما لازم الظرفية كـ (عند ولدى وذات مرة).
السادس: جواز وروده مثبتًا، فلا يخبر عن نحو: (أحد، وديار، وعريب) لئلا يخرج عما ألزمه من الاستعمال في النفي.
السابع: أن يكون بعض ما يوصف به جملة خبرية، أو جملتين في حكم واحدة، فلا يخبر عن اسم في جملة طلبية ولا في إحدى جملتين مستقلتين ليس في الأخرى منهما ضمير ذلك الاسم، ولا بين الجملتين عطف بالفاء، وإنما يخبر عنه إذا كان بخلاف ذلك. فيخبر عن الاسم إذا كان من جملة واحدة خبرية كما مر، أو من إحدى جملتين غير مستقلتين كالشرط والجزاء نحو: إن قام زيد قام عمرو.
[٢٨٣] وتقول في الإخبار عن زيد: الذي // إن قام قام عمرو وزيد، وعن عمرو: الذي إن قام زيد قام عمرو. ويخبر عن الاسم أيضًا، إذا كان من إحدى جملتين مستقلتين، إذا كان في الأخرى منهما ضمير الاسم، أو كان بينهما عطف بالفاء.
فالأول: كالمتنازع فيه، من نحو: ضربني، وضربت زيدًا، ونحو: أكرمني، وأكرمته عمرو. تقول في الإخبار عن زيدٍ: الذي ضربني وضربته زيد، وعن عمرو: الذي أكرمني وأكرمته عمرو.
الثاني كأحد المرفوعين من نحو: يطير الذباب فيغضب زيد، تقول في الإخبار عن الذباب: الذي يطير، فيغضب زيدًا الذباب، وعن زيد: الذي يطير الذباب فيغضب زيد.
ويكتفي بضمير واحد في الجملتين الموصول بهما، لأن ما في الفاء من معنى السببية نزلهما منزلة الشرط والجزاء، فجاز ذلك جواز قولك: الذي إن يطر يغضب زيد الذباب.
ولو كان العطف بالواو امتنع الإخبار، إلا أن ذكر الضمير لا يجوز: الذي يطير ويغضب زيد الذباب، لأن الواو للتشريك، وليس فيها معنى السببية كالفاء، فلا يعطف
стр. 514
على الصلة ما لا يصلح أن يكون صلة، فلا يعطف على الصلة جملة خالية من ضمير الموصول، بل جملة مشتملة عليه نحو: الذي يطير ويغضب منه زيد الذباب.
٧٢٣ - وأخبروا هنا بأل عن بعض ما ... يكون فيه الفعل قد تقدما
٧٢٤ - إن صح صوغ صلةٍ منه لأل ... كصوغ واقٍ من وقى الله البطل
٧٢٥ - وإن يكن ما رفعت صلة أل ... ضمير غيرها أبين وانفصل
إذا أريد الإخبار عن اسم، وكان من جملة اسمية تعين الإخبار عنه بالذي أو أحد فروعه. فإن كان من جملة فعلية جاز الإخبار عنه بذلك، وبالألف واللام أيضًا.
هذا إن صح أن يبني من الفعل صفة توصل بها الألف واللام، وذلك إذا كان الفعل متصرفًا مثبتًا فلا يخبر بالألف واللام من معمول نحو: (نعم وبئس وما زال وما انفك) بل عن معمول نحو: (وقى) من قولك: وقى الله البطل، تقول في الإخبار عن الفاعل: الواقي البطل الله، وعن المفعول: الواقيه الله البطل، ولك أن تحذف الهاء، ولا فرق في الإخبار بين الذي والألف واللام إلا في وجوب رد الفعل مع الألف واللام إلى لفظ اسم الفاعل أو المفعول لامتناع وصلها بغير الصفة، إلا فيما لا اعتداد به.
ثم صلة الألف واللام، إن رفعت ظاهرًا فهي معه بمنزلة الفعل، وإن رفعت مضمرًا فإن كان للألف واللام وجب استتاره، وإن كان لغير الألف واللام وجب بروزه لما [٢٨٤] عرفت أن الصفة // متى جرت على غير ما هي له امتنع أن ترفع ضميرًا مستترًا بخلاف الفعل.
تقول في الإخبار عن التاء من نحو: بلغت من الزيدين إلى العمرين رسالة: المبلغ من الزيدين إلى العمرين رسالة أنا، وعن الزيدين: المبلغ أنا منهما إلى العمرين رسالةً الزيدان، وعن العمرين: المبلغ أنا من الزيدين إليهم رسالة العمرون، وعن الرسالة: المبلغها أنا من الزيدين إلى العمرين رسالة. فتأتي بضمير الرفع في المثال الأول مستترًا، لأنه ضمير الألف واللام، فلم يبرز لأن رافعه جار على ما هو له، وفي الأمثلة الأخر بارزًا، لأنه ضمير غير الألف واللام، فوجب بروزه، لأن رافعه جار على غير ما هو له، لأنه جار على الألف واللام، وهو في المعنى للمخبر عنه، ولا فرق في ذلك بين ضمير الحاضر، وضمير الغائب.
تقول في الإخبار بالألف واللام عن الضمير في ضرب جاريته من قولنا: زيد ضرب جاريته: الضارب جاريته هو، وعن الجارية: زيد الضاربها هو جاريته.
стр. 515
العدد
٧٢٦ - ثلاثةً بالتاء قل للعشره ... في عد ما آحاده مذكره
٧٢٧ - في الضد جرد والمميز اجرر ... جمعًا بلفظ قلةٍ في الأكثر
يستعمل العدد من ثلاثة إلى عشرة بالتاء إن كان واحد المعدود مذكرًا، وبتركها إن كان مؤنثًا نحو: عندي ثلاثة من العبيد وثلاث من الإماء.
وكان حق هذه الأعداد أن تستعمل بالتاء مطلقًا، لأن مسماها جموع، والجموع غالب عليها التأنيث، ولكن أرادوا التفريق بين المذكر والمؤنث، فجاؤوا بعدد المذكر لكونه أصلا بالتاء على القياس، وبعدد المؤنث بغير التاء للتفريق.
ثم المميز لهذا العدد: إن كان اسم جنس كالغنم، أو اسم جمع كقوم جر بـ (من) نحو: ثلاث من الغنم، وقد يضاف إليه العدد، نحو: ثلاث ذودٍ و (تسعة رهطٍ) [النمل /٤٨]، وإن كان غير ذلك أضيف العدد إليه مجموعًا، ما لم يكن مائة.
فإن أهمل جمع المميز على مثال قلة جيء به جمع كثرة نحو: ثلاثة دراهم، وخسم جوارٍ. وإن لم يهمل جيء به في الغالب جمع قلة نحو: ثلاثة أجبلٍ وخمس آكمٍ.
وقد يجاء به جمع كثرة كقوله تعالى: (والطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ) [البقرة /٢٢٨] مع مجيء الأقراء.
стр. 516
وإن كان المميز مائة أفردت في الأعراف تخفيفًا لثقلها بالتأنيث والاحتياج إلى مميز بعدها فيقال: ثلاث مائة وقد يقال: ثلاث مئات وثلاث مئين قال الشاعر: [من الطويل]
٦٦٤ - ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
[٢٨٥] // وقد ينصب مميز هذا العدد نحو قول بعضهم: خمسة أثوباا، ولا يشركه في جر المميز الواحد والاثنان استغناء بإفراد المميز وتثنيته، إلا في الضرورة، كقول الشاعر: [من الرجز]
٦٦٥ - كأن خصييه من التدلدل ... ظرف عجوزٍ فيه ثنتا حنظل
وإذا قد عرفت أن مميز العدد المذكور على ضربين: مجرور بـ (من) ومضاف إليه، فاعلم أن المميز المضاف إليه، إما أن يكون اسمًا أو صفة.
فإن كان اسمًا: فاعتبار التذكير فيه والتأنيث في الغالب بلفظه لا بمعناه، ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى، فيقال: ثلاثة أشخصٍ. وثلاث أعين، والمراد بالأول نسوة وبالثاني رجال اعتبارًا للفظ.
стр. 517
ولو اتصل بالكلام ما يقوي المعنى جاز اعتبار اللفظ واعتبار المعنى، ومنه قول الشاعر: [من الطويل]
٦٦٦ - فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوصٍ كاعبان ومعصر
وقول الآخر: [من الطويل]
٦٦٧ - وإن كلابًا هذه عشر أبطنٍ ... وأنت بريء من قبائلها العشر
وقد يغلب المعنى وإن لم يكن في الكلام ما يقويه، كقولهم: ثلاثة أنفس، والنفس مؤنثة، ولكن كثر استعمالها مرادًا بها إنسان، فجعل عددها بالتاء، قال الشاعر: [من الوافر]
٦٦٨ - ثلاثة أنفسٍ وثلاث ذودٍ ... لقد جار الزمان على عيالي
стр. 518
وحكى يونس: أن رؤبة قال: ثلاث أنفس، فأسقط التاء مراعاة للفظ.
وإن كان المميز صفة فاعتبار التذكير فيه والتأنيث بلفظ موصوفها المنوي، لا بلفظها، فيقال: ثلاثة ربعات، إذا قصد رجال، وثلاثة دواب، إذا قصد ذكور، لأن الدابة صفة في الأصل، فالاعتبار بموصوفها، ومن ذلك قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام /١٦٥] المعنى: فله عشر حسنات أمثالها.
وأما المميز المجرور بـ (من) فاعتبار التذكير فيه والتأنيث باللفظ، ما لم يفصل بينه وبين العدد صفة دالة على المعنى. تقول: عندي ثلاث من الغنم بحذف التاء، لأن الغنم مؤنث، وتقول: عندي ثلاث من البقر، وثلاثة من البقر بالوجهين، لأن في البقر لغتين: التذكير والتأنيث.
فلو فصل المميز بصفة دالة على المعنى وجب اعتباره، نحو: عندي ثلاثة ذكور من البط. ولا أثر للوصف المتأخر، نحو: ثلاث من البط ذكور.
٧٢٨ - ومائةً والألف للفرد أضف ... ومائة بالجمع نزرًا قد ردف
تضاف المائة والألف إلى المعدود بهما: مفردًا نحو مائة دينار وألف درهم، وقد [٢٨٦] تضاف // المائة إلى جمع، كقراءة حمزة والكسائي قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين) [الكهف /٢٥]. وإليه الإشارة بقوله:
.......................... ... ومائة بالجمع نززًا قد ردف
وقد شذ تمييز المائة بمفرد منصوب في قول الربيع بن ضبع الفزاري: [من الوافر]
٦٦٩ - إذا عاش الفتى مائتين عامًا ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء
فلا يقاس عليه.
стр. 519
٧٢٩ - وأحد اذكر وصلنه بعشر ... مركبًا قاصد معدودٍ ذكر
٧٣٠ - وقل لدى التأنيث إحدى عشره ... والشين فيها عن تميمٍ كسره
٧٣١ - ومع غير أحدٍ وإحدى ... ما معهما فعلت فافعل قصدا
٧٣٢ - ولثلاثةٍ وتسعةٍ وما ... بينهما إن ركبا ما قدما
٧٣٣ - وأول عشرة اثنتي وعشرا ... إثني إذا أنثى تشا أو ذكرا
حاصل هذه الأبيات بيان أن العشرة تركب مع ما دونها، فيقال في التذكير: أحد عشر واثنا عشر وثلاثة عشر، إلى تسعة عشر، وفي التأنيث: إحدى عشرة واثنتا عشرة وثلاث عشرة، إلى تسع عشرة، بإسكان الشين، على لغة أهل الحجاز، وكسرها على لغة بني تميم.
فيجري أول الجزءين على ما كان له قبل التركيب من المجيء في التذكير بثلاثة وما فوقها مؤنثة، وبما دونها مذكرًا، وفي التأنيث بثلاث وما فوقها مذكرة، وبما دونها مؤنثًا، ويجري الثاني من الجزءين على العكس مما كان له قبل التركيب، فأسقطوا تاءه قي التذكير، وأثبتوها في التأنيث.
وإنما لم يقولوا في التذكير ثلاثة عشرة، كراهية الجمع بين علامتين بلفظ واحد فيما هما كشيء واحد، ولا في التأنيث ثلاث عشر، كراهة إخلاء المؤنث من علامة، لا محذور في لحاقها.
٧٣٤ - واليا لغير الرفع وارفع بالألف ... والفتح في جزءي سواهما ألف
كل عدد مركب فجزآه مبنيان على الفتح، إلا اثنا واثنتا.
أما بناء الصدر منهما، فلتنزله منزلة صدر الاسم، وأما بناء العجز فلتضمنه معنى الحرف لأن الأصل في نحو: خمسة عشر: خمسة وعشر، كما تقول: خمسة وعشرون فلما تركبا ذهبت الواو ن اللفظ، وتضمن معناها ثاني الجزءين. فبني على الفتح.
[٢٨٧] وإنما لم يبن المركب على السكون، لأن له أصلا في // التمكن، ولا على حركة غير الفتح، لكونه مستطالا بالتركيب، فأوثر بأخف الحركات.
وأما اثنا واثنتا فيستصحب إعرابهما في التركيب، فيكونان بألف في الرفع نحو: جاءني اثنا عشر رجلا، واثنتا عشرة امرأة، وبياء في النصب والجر نحو: رأيت اثني عشر رجلا، ومررت باثنتي عشرة امرأةً.
стр. 520
وإنما أعرب اثنا واثنتا من بين صدور المركبات، لوقوع العجز منها موقع النون، فكما كان الإعراب مع النون ثابتًا ثبتت مع الواقع موقعها.
فإن قلت: كيف صح وقوع العجز من هذا موقع النون، فأعرب صدره، وما صح وقوع العجز من نحو خمسة عشر موقع التنوين من خمسة فأعرب صدره.
قلت: صح ذلك في اثنا عشر، لأن ثبوت عشر بعد الألف منه متأخر عن ثبوت النون في اثنان، لما علمت أن التركيب متأخر عن الإفراد، والمتأخر لا يمتنع أن يقال وقع موقع المتقدم.
ولم يصح ذلك في نحو: خمسة عشر، لأن ثبوت عشر بعد التاء منه ليس متأخرًا عن ثبوت التنوين في خمسة، بل متقدمًا عليه، لأن تركيب المزج من الأوضاع المتقدمة على الإعراب المقارن للتنوين، والمتقدم لا يمكن أن يقال وقع موقع المتأخر.
٧٣٥ - وميز العشرين للتسعينا ... بواحدٍ كأربعين حينا
٧٣٦ - وميزوا مركبًا بمثل ما ... ميز عشرون فسوينهما
٧٣٧ - وإن أضيف عدد مركب ... يبق البنا وعجز قد يعرب
من أسماء العدد (العشرون) وأخواتها إلى (التسعين)، وتستعمل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، ويذكر معها النيف متقدمًا، كقولك في التذكير: ثلاثة وعشرون، وفي التأنيث خمس وأربعون.
وتميز هي والأعداد المركبة بمفرد منصوب، نحو قوله تعالى: (أحد عشر كوكبًا) [يوسف /٤] وقوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً) [الأعراف /١٤٢].
وقد تميز بجمع صادق على الواحد منها، فيقال: عندي عشرون دراهم، على معنى عشرون شيئًا كل واحد منها دراهم.
ومنه قوله تعالى: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا أممًا) [الأعراف /١٦٠] المعنى والله أعلم: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة، كل فرقة منهم أسباط.
وقد يضاف العدد إلى مستحق المعدود، فيستغني عن التمييز، نحو: هذه عشر وزيدٍ، يفعل ذلك بجميع الأعداد المركبة، إلا اثني عشر، فيقال: أحد عشرك، وثلاثة عشرك ولا يقال اثنا عشرك، لأن (عشر) من اثني عشر بمنزلة نون اثنين، فلا تجامع الإضافة ولا يقال اثناك؛ لشلا يلتبس بإضافة اثنين بلا تركيب.
стр. 521
وإذا أضيف العدد المركب استصحب البناء في صدره، وفي عجزه أيضًا، إلا على لغة.
[٢٨٨] قال سيبويه: (ومن العرب // من يقول: خمسة عشرك، وهي لغة رديئة).
وعند الكوفيين أن العدد المركب إذا أضيف أعرب صدره بما تقتضيه العوامل وجر عجزه بالإضافة، نحو: هذه خمسة عشرك، وخذ خمسة عشرك، وأعط من خمسة عشرك.
وحكي الفراء عن أبي فقعس الأسدي وأبي الهيثم العقيلي: ما فعلت خمسة عشرك.
والبصريون لا يرون ذلك، بل يستصحب عندهم البناء في الإضافة. كما يستصحب مع الألف واللام، بإجماع.
٧٣٨ - وصغ من اثنين فما فوق إلى ... عشرةٍ كفاعلٍ من فعلا
٧٣٩ - واختمه في التأنيث بالتا ومتى ... ذكرت فاذكر فاعلا بغير تا
٧٤٠ - وإن ترد بعض الذي منه بني ... تضف إليه مثل بعضٍ بين
٧٤١ - وإن ترد جعل الأقل مثل ما ... فوق فحكم جاعلٍ له احكما
يصاغ من اثنين فما فوقه إلى عشرة موازن (فاعل) مجردًا عن التاء في التذكير ومتصلا بها في التأنيث، لأن مدلوله مفرد، فلم يسلك به سبيل ما اشتق منه، بل سبيل الصفات المفردة، من نحو: ضارب وضاربة. ويستعمل على ضربين: مفرد وغير مفرد. فالمفرد نحو: ثانٍ وثانية، إلى عاشر وعاشرة. وغير المفرد: إما أن يستعمل مع ما اشتق منه، كثان مع اثنين، وإما أن يستعمل مع ما يليه ما اشتق منه كثالث مع اثنين.
فالمستعمل مع ما اشتق منه يجب إضافته، فيقال في التذكير. ثاني اثنين، وفي التأنيث: ثانية اثنين، إلى عاشر عشرة، وعاشرة عشر، والمراد: أحد اثنين. وإحدى اثنتين، وأحد عشرة وإحدى عشر.
والمستعمل مع ما يليه ما اشتق منه: يجوز أن يضاف، وأن ينون، وينصب ما يليه فيقال: هذا رابع ثلاثةٍ ورابع ثلاثة، وهذه رابعة ثلاث ورابعة ثلاثا، لأن المراد: هذا جاعل
стр. 522
ثلاثة أربعة فعومل معاملة ما هو بمعناه، ولأنه اسم فاعل حقيقة فإنه يقال: ثلثت الرجلين: إذا انضممت إليهما، فصرتم ثلاثة، وكذلك ربعت الثّلاثة، إلى عشرت التسعة.
فـ (فاعل) هذا مساو لـ (جاعل) في المعنى، والتفريع على فعل، فجرى مجراه في العمل، بخلاف (فاعل) المراد به واحد مما أضيف إليه فإنه ليس في معنى ما يعمل، ولا مفرعا على فعل، فالتزمت إضافته، كما التزمت إضافة ما اشتق منه.
وقد نبه على استعمال فاعل المشتق من اسم العدد بالمعنيين المذكورين، فأشار إلى الاستعمال الأول بقوله:
وإن ترد بعض الذي منه بني .... تضيف إليه مثل بعض بين
[٢٨٩] أي: وإن ترد بالمصوغ من اثنين فما فوق واحدا من الذي اشتق منه فأضف إليه مثله في اللفظ، وهو ما اشتق منه.
وأشار إلى الاستعمال الثاني بقوله:
وإن ترد جعل الأقل مثل ما .... فوق فحكم جاعل له احكما
معناه: وإن ترد بالمصوغ من اثنين فما فوق أنه جعل ما هو أقل عددا مما اشتق منه مساويا له، فاحكم لذلك المصوغ بحكم (جاعل) من معناه، وجواز أن يليه مفعوله منصوبا به تارة ومجرورا به أخرى.
ويفهم من ذلك: أن الذي يكون مفعولا للمصوغ للمعنى المذكور هو اسم ما يليه المشتق منه، لأنه هو الذي يصح أن يساويه بزيادة واحد.
٧٤٢ - وإن أردت مثل ثاني اثنين .... مركبا فجئ بتركيبين
٧٤٣ - أو فاعلا بحالتيه أضف .... إلى مركب بما تنوي يفي
٧٤٤ - وشاع الاستغنا بحادي عشرا .... ونحوه وقبل عشرين اذكرا
٧٤٥ - وبابه الفاعل من لفظ العدد .... بحالتيه قبل واو يعتمد
صدر العدد المركب مثل غيره من العدد المفرد في جواز صوغ (فاعل) منه، ولكن لا من كل وجه، فإنه لا يبنى من صدر المركب (فاعل) للدلالة على جعل ما يليه مما اشتق الفاعل منه مساويا له، وإنما يبنى (فاعل) من صدر المركب، للدلالة على واحد من العدد الذي اشتق من صدره، لا غير.
وفي استعماله ثلاثة أوجه:
стр. 523
أحدها: وهو الأصل أن يجاء بتركيبين: صدر أولهما (فاعل) في التذكير و (فاعلة) في التأنيث، وصدر ثانيهما الاسم المشتق منه، وعجز المركبين (عشر) في التذكير و (عشرة) في التأنيث، فيقال في التذكير: ثاني عشر اثني عشر، وثالث عشر ثلاثة عشر، وفي التأنيث: ثانية عشرة اثنتي عشرة، وثالثة عشرة ثلاث عشرة، إلى تاسع عشر تسعة عشر، وتاسعة عشرة تسع عشرة: بأربع كلمات مبنية للتركيب: أولاهن مع الثانية، وثالثتهن مع الرابعة، وأول المركبين إلى الثاني إضافة (فاعل) إلى ما اشتق منه.
الاستعمال الثاني: أن يقتصر على صدر المركب الأول، فيعرب لعدم التركيب ويضاف إلى المركب الثاني، باقيا بناؤه، فيقال: ثاني اثني عشر، وثالث ثلاثة عشر، وثانية اثنتي عشرة، وثالثة ثلاث عشرة.
الاستعمال الثالث: أن يقتصر على المركب الأول باقيا بناء صدره، وبعض العرب يعربه.
حكي ذلك ابن السكيت وابن كيسان رحمهما الله.
ولما أراد الشيخ بينان هذا الاستعمال الثالث قال:
وشاع الاستغنا بحادي عشرا .... ونحوه ...............
فمثل بـ (حادي عشر) لم يمثل بثاني عشر، ليتضمن التمثيل فائدة التنبيه [٢٩٠] // على ما التزموه، حين صاغوا أحدا وإحدى على (فاعل وفاعلة) من القلب، وجعل الفاء بعد اللام، فقالوا: حادي عشر وحادية عشرة، والأصل واحد وواحدة.
ولا يستعمل حاد وحادية إلا مع عشرة أو مع عشرين، وأخواته، فيقال: حاد وعشرون، وحادية وعشرون، إلى حاد وتسعين، وحادية وتسعين، كما يقال: ثان وعشرون وثالث وعشرون، ورابعة وثلاثون، ونحو ذلك.
وقد تضمن التنبيه على هذا كله قوله:
................. .... ...... وقبل عشرين اذكرا
وبابه الفاعل من لفظ العدد .... بحالتيه قبل واو يعتمد
وحالتاه: كونه على (فاعل) في التذكير، وعلى (فاعلة) في التأنيث.
стр. 524
كم وكأين وكذا
٧٤٦ - ميز في الاستفهام كم بمثل ما .... ميزت عشرين ككم شخصا سما
٧٤٧ - وأجز أن تجره من مضمرا .... إن وليت كم حرف جر مظهرا
٧٤٨ - واستعملنها مخبرا كعشره .... أو مائة ككم رجال أو مره
(كم) اسم لجواز كونها مبتدأ ومفعولا، ومجرورة بالإضافة إليها، أو بدخول حرف الجر عليها.
وهي اسم لعدد مبهم المقدار والجنس، ولا بد لها من مميز مذكور، وقد يحذف للعلم به، كما في قولك: كم صمت وكم سيرت وكم لقيت؟ التقدير: كم يوما صمت، وكم فرسخا سرت، وكم رجلا لقيت.
وتنقسم (كم) إلى استفهامية وخبرية، مقصود بها الكناية عن التكثير، ولكليهما صدر الكلام.
أما (كم) الاستفهامية: فإن لم يدخل عليها حرف جر، فمميزها مفرد منصوب، حملا على مميز العدد المركب وما جرى مجراه، إذ كانت فرعا على (كم) الخبرية، كما أن العدد المركب فرع على المفرد.
وعلى هذا نبه بقوله:
ميز في الاستفهام كم بمثل ما .... ميزت عشرين .........
فإن عشرين وأخواته جار مجرى العدد المركب في إفراد مميزه ونصبه، لكونه في المعنى مثله، فإن عشرين في معنى عشرة وعشرة، وإن ثلاثين في معنى ثلاث عشرات.
وإن دخل على (كم) الاستفهامية حرف جر جاز في مميزها النصب والجر. فيقال: بكم درهما اشتريت ثوبك؟ وبكم درهم اشتريت؟
стр. 525
فالنصب: لأن (كم) استفهامية، وهي محمولة على العدد المركب في نصب التمييز. والجر: بـ (من) مضمرة، لا بإضافة (كم) إليه، خلافا لبعضهم.
والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن (كم) الاستفهامية، لا تصلح أن تعمل الجر، لأنها قائمة مقام عدد مركب، والعدد المركب لا يعمل الجر، فكذا ما قام مقامه.
[٢٩١] الثاني: أن الجر بعد (كم) الاستفهامية لو كان بالإضافة لم يشترط دخول حرف الجر على (كم).
فاشترط ذلك دليل على أن الجر بـ (من) مضمرة، لكون حرف الجر الداخل على (كم) عوضا عن اللفظ بها.
وأما (كم) الخبرية فمميزها مجرور مجموع تارة، ومفرد أخرى، لأنها بمنزلة عدد مفرد يضاف إلى مميزه، وهو على ضربين:
أحدهما: يضاف إلى جمع. والآخر: يضاف إلى مفرد.
فاستعملت بالوجهين: إجراء لها مجرى الضربين، فيقال: كم رجال صحبت، كما يقال: عشرة رجال صحبت، وكم امرأة رأيت، كما يقال: مائة امرأة رأيت.
وقد تجري بنو تميم (كم) الخبرية مجرى (كم) الاستفهامية، فينصبون مميزها، وإن كان جمعا، ومنه قول الشاعر: [من الكامل]
٦٧٠ - كم عمة لك يا جرير وخالة .... فدعاء قد حلبت علي عشاري
ويروى بالجر على اللغة المشهورة، وبالرفع على حذف المميز، ورفع عمة بالابتداء، وجعل (كم) نصبا على المصدرية.
стр. 526
فصل
ويفصل في السعة بين (كم) الاستفهامية، ومميزها بالظرف وشبهه نحو: كم عندك غلاما؟ وكم لك جارية؟
ولا يجوز مثل ذلك في العدد المركب، وما جرى مجراه، إلا في الضرورة، كقول الشاعر: [من المتقارب]
٦٧١ - يذكرنيك حنين العجول .... ونوح الحمامة تدعو هديلا
على أنني بعد ما قد مضى .... ثلاثون للهجر حولا كميلا
ولا يفصل بين (كم) الخبرية ومميزها، إلا في الضرورة، فيجوز لأجلها الفصل بينهما بالظرف وشبهه، وبالجملة.
فإذا فصل بالظرف وشبهه اختير نصب المميز، وجاز أيضا جره.
فمن نصبه قول الشاعر: [من المتقارب]
٦٧٢ - تؤم سنانا وكم دونه .... من الأرض محدودبا غارها
стр. 527
ومن جره قول الآخر: [من الكامل]
٦٧٣ - كم في بني سعد بن بكر سيد .... ضخم الدسيعة ماجد نفاع
وقول لآخر: [من الرمل]
٦٧٤ - كم بجود مقرف نال العلا .... وكريم بخله قد وضعه
وإذا فصل بالجملة وجب نصب المميز، كما في قول الشاعر: [من البسيط]
٦٧٥ - كم نالني منهم فضلا على عدم .... إذ لا أكاد من الإقتار أجتمل [٢٩٢] //
٧٤٩ - ككم كأين وكذا وينتصب .... تمييز ذين أو به صل من تصب
(كأين وكذا) مثل (كم) الخبرية في الدلالة على تكثير العدد، وفي الافتقار إلى مميز، لكن مميز (كم) مجرور كما سبق، ومميز (كأين) منصوب، نحو: كأين رجلا رأيت. وكذا مميز (كذا) نحو: رأيت كذا رجلا.
وأكثر ما يقع مميز (كأين) مجرورا بـ (بمن) كقوله تعالى: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون﴾ [آل عمران/ ١٤٦] وكقوله تعالى: و ﴿وكأين من آية في السموات والأرض﴾ [يوسف/ ١٠٥]. و (كأين) مثل (كم) في لزوما صدر الكلام، بخلاف (كذا) فلذلك يقال: رأيت كذا وكذا رجلا، وعندي كذا وكذا درهما، ولا يجوز مثل ذلك في (كأين).
стр. 528
الحكاية
٧٥٠ - إحك بأي ما لمنكور سئل .... عنه بها في الوقف أو حين تصل
٧٥١ - ووقفا احك ما لمنكور بمن .... والنون حرك مطلقا وأشبعن
٧٥٢ - وقل منان ومنين بعد لي .... إلفان بابنين وسكن تعدل
٧٥٣ - وقل لمن قال أتت بنت منه .... والنون قبل تا المثنى مسكنه
٧٥٤ - والفتح نزر وصل التا والألف .... بمن بإثر ذا بنسوة كلف
٧٥٥ - وقل منون ومنين مسكنا .... إن قيل جا قوم لقوم فطنا
٧٥٦ - وإن تصل فلفظ من لا يختلف .... ونادر منون في نظم عرف
٧٥٧ - والعلم احكينه من بعد من .... إن عريت من عاطف بها اقترن
إن سئل بـ (أي) عن مذكور منكر حكي فيها وصلا ووقفا ما للمسئول عنه من إعراب، وتذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية وجمع تصحيح، موجود فيه، أو صالح لوصفه، كقولك لمن قال: رأيت رجلا وامرأة، وغلامين وجاريتين، وبنين وبنات، أيا وأية، وأيين وأيتين، وأين وأيات.
وإن سئل عنه بـ (من) حكي في لفظها في الموقف خاصة ما له من الحركات بإشباع، وما له من تذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية وجمع، فتقول لمن قال: جاءني رجل (منو) ولمن قال رأيت رجلا (منا) ولمن قال مررت برجل (مني).
стр. 529
[٢٩٣] وتقول لمن قال لقيني رجلان: (منان) ولمن قال رأيت رجلين: (منين) بالألف في حكاية المثنى المرفوع، وبالياء في حكاية المثنى المنصوب.
ولما أراد بيان هذه المسألة، ولم يستقم له في الوزن أن يمثل، بـ (منان ومنين) مسكني النون مثل بهما محركي النون للضرورة، ثم نبه على ما يلزم في الاستعمال من إسكان النون بقوله:
وقل منان ومنين بعد لي .... إلفان بابنين وسكن تعدل
وتقول لمن قال رأيت امرأة: (منه) أو (منت) بفتح ما قبل التاء في أحد الوجهين، ثم قلبها هاء، وببقاء ما قبل التاء ساكنا في الوجه الآخر وسلامتها. وتقول لمن قال رأيت امرأتين: (منتين أو منتين) بإسكان النون أو فتحها، كما في الإفراد، والإسكان أجود وأكثر.
وقد نبه على ذلك بقوله:
........... .... والنون قبل تا المثنى مسكنه
والفتح نزر ........ .... .....................
وتقول لمن قال رأيت نسوة: (منات) ولمن قال جاء رجال: (منون) ولمن قال مررت برجال: (منين).
فإن وصلت قلت: من يا فتى في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، ولذلك قال:
وإن تصل فلفظ من لا يختلف .... ............
فأما قول الشاعر: [من الوافر]
٦٧٦ - أتوا ناري فقلت منون أنتم .... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما
стр. 530
ففيه على ندوره شذوذ من وجهين: أحدهما: أنه حكي مقدرا، غير مذكور. والثاني: أنه أثبت العلامة في الوصل، وحقها ألا تثبت إلا في الوقف.
وإذا سئل بـ (من) عن علم مذكور، فجيء به بعد (من) غير مقرونة بعاطف فأهل الحجاز يحكون فيه إعراب الأول، رفعا لتوهم أن المسئول عنه غير المذكور، فيحركونه بالضم إن كان الأول مرفوعا، وبالفتح إن كان منصوبا، وبالكسر إن كان مجرورا، فيقولون لمن قال جاء زيد: من زيد. ولمن قال رأيت زيدا: من زيدا. ولمن قال مررت بزيد: من زيد.
وأما غير الحجازيين فلا يحكون، بل يجيئون بالعلم المسئول عنه بعد (من) مرفوعا، لأنه مبتدأ، خبره (من) أو خبر مبتدؤه (من).
فلو اقترنت (من) بعاطف، كما في قولك لمن قال: مررت بزيد: ومن زيد؟ تعين الرفع عند جميع العرب. ولا يحكى غير العلم.
وأجاز يونس حكاية كل معرفة، فيقول لمن قال رأيت غلام زيد: من غلام زيد؟ ولمن قال: مررت بغلام زيد: من غلام زيد؟
قال شيخنا ﵀: ولا أعلم له موافقا.
وفي حكاية العلم: معطوفا أو معطوفا عليه غير علم خلاف.
فمنهم من منع ذلك، ومنهم من أجازه، فتقول لمن قال رأيت سعيدا وابنه: من سعيدا وابنه؟ ولمن قال رأيت غلام زيد وعمرا: من غلام زيد وعمرا؟
وإذا وصف العلم بابن حكي بصفته، كقولك لمن قال: مررت بزيد بن عمرو: من زيد بن عمرو؟
فإن وصف بغير ذلك لم يجز أن يحكى بصفته، بل إن حكي حكي بدونها. وربما [٢٩٤] // حكي المضمر بـ (من) كما يحكى المنكر، فيقال (منين): لمن قال مررت بهم. و (منون) لمن قال: ذهبوا.
ومن العرب من يحكي الاسم النكرة مجردة من (أي) ومنه قول بعضهم: ليس بقرشيا، رادا على من قال: إن في الدار قرشيا، أو نحو ذلك.
ومثله قول من قال: (دعنا من تمرتان). فأما قول الشاعر: [من الكامل]
٦٧٧ فأجبت قائل كيف أنت بصالح .... حتى مللت وملني عوادي
следующие страницы →