← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18122

التفسير والتأويل في القرآن

صلاح الخالدي

Полный текст (192 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فهم الآية علي هذا المعنى للتأويل: تتحدث الآية عن قسمين لآيات القرآن، وموقف فريقين من القسم الثاني، وتذمّ الفريق الأول، وتمدح الفريق الثاني. الآيات المحكمات هنّ أم الكتاب، وهي معظم آيات القرآن، والآيات المتشابهات هي آيات أخر قليلة. إنّ كلمة مُحْكَماتٌ في قوله: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ اسم مفعول بصيغة جمع المؤنث السالم، وفعلها الماضي الرباعي «أحكم»، وإذا كانت هذه الآيات محكمات، فمن الذي أحكمها؟ إنه الله ربّ العالمين! المحكم مشتق من «الحكم»: والحكم في اللغة هو: المنع (١). وقال الإمام الراغب في معناه «حكم: أصله: منع منعا للإصلاح» (٢). أما المحكم، فقد عرفه الراغب بقوله: «المحكم: ما لا يعرض فيه شبهة، من حيث اللفظ، ولا من حيث المعني.» (٣). وكم كان محمد بن جعفر بن الزبير دقيقا فطنا عند ما عرّف الآيات المحكمات بقوله: «فيهنّ حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم، والباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.» (٤). الآيات المحكمات هي الآيات واضحات الدلالة والمعني، لا شبهة في ألفاظها أو معانيها، تمنع من تسرّب أفهام خاطئة لها، لا تحتمل إلا معنى واضحا مفهوما، لا تصريف لها، ولا تحريف لها عن وضعها اللغوي، وبسبب هذه الصفات لها، فقد تحققت بها حجة الله علي عباده،

стр. 107

وعصمت العباد من سوء الفهم للقرآن، ودفعت شبهات الخصوم، وردّت التحريفات الباطلة. ولأجل ذلك فقد وصف الله هذه الآيات المحكمات بأنهن أُمُّ الْكِتابِ. قال الامام أحمد بن فارس في أصل معنى «أم» في اللغة: «أم: أصل واحد، يتفرع منه أربعة أبواب، هي: الأصل، والمرجع، والجماعة، والدين. وهذه الأربعة متقاربة، وبعد ذلك أصول ثلاثة، وهي: القامة، والحين، والقصد» (١). ونقل ابن فارس قول الخليل الجامع في معنى الأمة: قال الخليل: كلّ شيء يضمّ إليه ما سواه مما يليه، فإن العرب تسمي ذلك الشيء أمّا. من ذلك أمّ الرأس: الدماغ (٢). وقال أبو البقاء في الكليات: «وأم كلّ شيء أصله، قال الخليل: كلّ شيء ضمّ إليه ما يليه يسمي أمّا. قال ابن عرفة: ولهذا سميت أمّ القرآن وأم الكتاب. وقال الأخفش: كلّ شيء انضمّ إليه أشياء فهو أمّ لها، ولذلك سمي رئيس القوم أمّا لهم» (٣). الآيات المحكمات التي أحكمها الله في معناها، فلا تصرف إلي غيره ولا تحرف عنه هي أم القرآن، وأصل معانيه، وهي مرجع الآيات المتشابهات، بحيث يجب حمل الآيات المتشابهات عليها، وإرجاعها إليها، لأنها أم تلك الآيات المتشابهات وأصلها.

стр. 108

أما الآيات المتشابهات: فقد قال الله عنها وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وهذه الآيات المتشابهات قليلة من حيث الكمية والعدد إذا ما قيست بالآيات المحكمات، قليلة لدلالة الجمع أُخَرُ الذي يدلّ علي التقليل. ومُتَشابِهاتٌ اسم فاعل، جمع مؤنث سالم. أي أنّ التشابه موجود في نفسها وتركيبها ومعانيها، موجود في داخلها. الآيات المحكمات أحكمها الله. والآيات المتشابهات التشابه فيها نفسها، وفرق بعيد بين اسم المفعول مُحْكَماتٌ، واسم الفاعل مُتَشابِهاتٌ والفعل الماضي من مُتَشابِهاتٌ هو: تشابه. والتشابه هو التماثل والتشاكل. قال الامام الراغب في التّشابه والآيات المتشابهات: «والمتشابه من القرآن: ما أشكل تفسيره، لمشابهته بغيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعني. فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما. والمتشابه من جهة المعني: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإنّ تلك الصفات لا تتصور لنا، لأنه لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه وما لم نره من قبل، أو صورة ما لم يكن من جنس ما نحسّه ونراه. ثم جميع المتشابه علي ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه: كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابة، ونحو ذلك. وضرب للإنسان سبيل إلي معرفته، كالألفاظ العربية، والأحكام الغلقة الخفيّة.

стр. 109

وضرب متردّد بين الأمرين، يجوز ان يختصّ بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفي علي من دونهم» (١). إذن: الآيات المتشابهات هي التي في فهمها إشكال، لما فيها من تشابه في لفظها أو معناها، أو فيهما معا. كالآيات التي تتحدث عن صفات الله أو يوم القيامة. وحتي نفهم هذه الآيات المتشابهات، فلا بدّ من حملها علي أصلها وهي الآيات المحكمات، ولا بدّ من إرجاعها إلي أمّ الكتاب، لتفهم علي ضوئها. وهذا ما يوحي به تركيب الآية: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ- هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ- وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ. وكان محمد بن جعفر بن الزبير دقيقا وفطنا عند ما قال عن الآيات المتشابهات: «لهن تصريف وتأويل، ابتلي الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلي الباطل، ولا يحرفن عن الحق» (٢). ما هو موقف الناس من الآيات المتشابهات: التي في فهمهما إشكال، وتحتمل وجوها من التصريف والفهم؟ الناس فريقان: فريق الذين في قلوبهم زيغ، وفريق الراسخين في العلم، ولكلّ من الفريقين طريقة في فهم المتشابهات في القرآن. الفريق الأول: الذين في قلوبهم زيغ: قال الله عنهم: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ، وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وعند ما ننظر في هذه الكلمات التي تتحدث عن موقف هؤلاء الزائغين من المتشابه، فإننا نري فيها ما يلي:

стр. 110

١ - هم في قلوبهم زيغ وانحراف وميل عن الحق، والانحراف عن الحق في القلب هو أساس الداء، لأن استقامة القلب أساس استقامة العقل وحسن الفهم، وانحراف القلب هو سبب انحراف العقل وسوء الفهم. ٢ - زيغ قلوبهم دفعهم إلي اتباع الآيات المتشابهات: فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، فهم يبحثون عن الآيات المتشابهات ويتتبّعونها، ويجمعونها، ويريدون فهم معانيها بذاتها، مجردة عن غيرها. هي في ذاتها متشابهة، وفي فهمها إشكال، وهم في قلوبهم زيغ، وفي عقولهم اعوجاج، وفي أذهانهم شبهات، فكيف يفهمونها وهم علي هذه الحالة؟ وكيف يزيلون ما فيها من إشكال؟ لماذا تتبعونها؟ لماذا لم يتتبّعوا الآيات المحكمات الواضحات؟ وهي كثيرة في القرآن، وليس فيها إشكال، ولا تحتمل التحريف والتصريف؟ لم يفعلوا ذلك لأن في قلوبهم زيغا، وتتبعوا المتشابهات لأن في قلوبهم زيغا. ٣ - يهدف زائغو القلوب من اتباع المتشابهات الفتنة: ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ. والفتنة هي التلبيس وإثارة الشبهات، أي أنهم يريدون فتنة الآخرين، عند ما يتتبّعون المتشابهات أمامهم، وعند ما يثيرون الأسئلة عنها، وعند ما ينشرون الشبهات حولها، يريدون إيقاع الآخرين في اللبس والخلط، وهذه هي الفتنة، التي يفتنون بها الآخرين. ٤ - لزائغي القلوب هدف آخر من اتباع المتشابهات، وهو المتمثل في قوله تعالى: وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، إنهم يريدون تأويل هذه الآيات المتشابهات. تأويلها لماذا؟ لتحقيق هدفهم الأول، وهو فتنة أنفسهم، وفتنة الآخرين، والفتنة عندهم عن طريق تأويل هذه المتشابهات. كيف يؤوّلون الآيات المتشابهات؟ إنهم يريدون الوقوف علي حقيقتها الفعلية، ومآلها العملي يريدون تحديد ما ستئول هذه المتشابهات إليه، وتعيين كيفياتها، وزمانها ومكانها وتفاصيل حدوثها.

стр. 111

وهذا غير ممكن لهم ولا لغيرهم. ولهذا هم مذمومون بذلك الهدف، ومذمومون لمحاولاتهم تأويل المتشابهات، وتحديد ما ستئول إليه من نهاية عملية، وعاقبة مادية. ٥ - ذمّ الله زائغي القلوب لمحاولاتهم اليائسة في تأويل الآيات المتشابهات، لأنّ تأويلها خاصّ به سبحانه، ولهذا ورد بعد ذمّهم قوله تعالى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. والتأويل هنا هو بمعنى التأويل في السور الأخري، وهو تحديد العاقبة والمآل، وبيان ما تؤول إليه النصوص والأخبار القرآنية، وتعيين صورتها الواقعية العملية، وإرجاعها إليها، من حيث الزمان والمكان والكيفية. وهذا التأويل العملي، بهذه الكيفية المادية، لا يعلمه أحد من البشر، لا الراسخون في العلم ولا الذين في قلوبهم زيغ، فهو خاصّ بالله سبحانه. الفريق الثاني: الراسخون في العلم، قال الله عنهم: والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. هؤلاء الراسخون في العلم وقفوا أمام متشابه القرآن، الذي يتحدث عن أمور غيبية، فعلموا أنّ تأويله خاصّ بالله، وفهموا معنى قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. أي علموا أنّ تحديد عاقبة ومآل الآيات المتشابهات خاصّ بالله، فالله وحده هو الذي يعلم ما تؤول إليه تلك الآيات، ويعلم كيفية وزمان ومكان وصورة حدوثها ووقوعها، في إطارها العملي الواقعي. لما علم الراسخون في العلم هذا، أيقنوا بعجزهم عن تأويل الآيات المتشابهات، فأعلنوا إيمانهم بالقرآن كله، وقالوا: آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. والضمير في بِهِ يعود علي متشابه القرآن. أي آمنا بمتشابه القرآن،

стр. 112

وسلمنا بمدلوله، مع عجزنا عن تأويله وتحديد عاقبته العملية. والتنوين في كُلٌّ عوض عن كلمة مقدرة، تقديرها: القرآن. أي: كلّ القرآن من عند ربنا، سواء كانت آياته محكمات أم كانت متشابهات. فالله أنزل الآيات المحكمات، والله أنزل الآيات المتشابهات. وقد أثني الله علي هذا الموقف للراسخين في العلم بقوله: وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. وصفهم بأنهم أولوا الألباب، والألباب هي العقول الواعية، إنه لا يتذكر هذا المعنى للآيات المتشابهات إلا أولو الألباب، ولا يعلم عجزه عن تأويلها العمليّ إلا الراسخون في العلم، أصحاب العقول الواعية الكبيرة. وبينما ذمّت الآية الذين في قلوبهم زيغ لرغبتهم في تأويل المتشابه، فإنها أثنت علي الراسخين في العلم لموقفهم العلميّ منه، ويبدو هذا الثناء في ما يلي: ١ - وصفهم بالرسوخ في العلم. ومعنى الرسوخ: التمكن والتثبت والتوثق. فهم ليسوا مجرد علماء، ولكنهم راسخون في العلم، متمكنون منه، واثقون من مسائله ومباحثه. وإنّ رسوخهم في العلم دلهم علي صلاحياتهم وقدراتهم وطاقاتهم ومجالاتهم، فخاضوا فيها وبحثوها، وأحسنوا استخدام عقولهم ومعرفة علومهم. وإنّ رسوخهم في العلم أوقفهم علي ما ليس في وسعهم وطاقتهم، وعرّفهم علي ما لم يزوّدهم الله وسائل البحث فيه، من موضوعات الغيب، فوقفوا عند حدّهم لم يتجاوزوه، ووفروا طاقتهم العقلية فلم يضيعوها في تلك المجالات التي لم تجهّز للخوض فيها. ٢ - إعلان الراسخين في العلم إيمانهم بقسمي القرآن: محكمه ومشابهه،

стр. 113

وتسليمهم بعجزهم عن إمكانية تأويل المتشابه تأويلا عمليا، وقصر هذا التأويل علي الله. وبذلك أحسنوا فهم آيات القرآن وتدبرها، وأحسنوا التعامل مع القرآن، ولم يضربوا بعض آياته ببعض. ٣ - وصفهم بأنهم أولو الألباب، فصاحب العقل الكبير يعلم حدوده، يعلم ما يقدر عليه، فيشتغل فيه، ويعلم ما يعجز عنه، فيقف عنده، ولا يضيع قدراته ووقته فيه. ٤ - لاحظ الراسخون في العلم افتتان زائغي القلوب في متشابهات القرآن، وضياعهم في محاولات تأويلها، فطلبوا من الله أن لا يكونوا مثلهم، وأن لا يزيغ قلوبهم كما أزاغ قلوب أولئك، وأن يثبتهم علي الهداية، وأن ينشر عليهم الرحمة، ودعوا الله قائلين: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. ٥ - ذكر الراسخون في العلم نوعا من أنواع متشابه القرآن الذي لا يعلمون تأويله، فلا يعلم تأويله إلا الله، ولا يأتي به إلا الله، علي الكيفية التي يريدها سبحانه. إنه يوم القيامة. ولهذا أعلنوا إيمانهم به، وبمجيئه حتما، بدون شك ولا ريب: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ. لقد تحدثت آيات القرآن عن أشراط الساعة، ومشاهد يوم القيامة، وأخبرت عن أحداث قادمة ستقع فيه. والذين في قلوبهم زيغ حاولوا تأويل تلك الآيات، وتحديد حقيقة ما ستئول إليه عمليا، فافتتنوا وضلوا وأضلوا. أما الراسخون في العلم فقد أيقنوا بعجزهم عن تأويل تلك الآيات، وتحديد ما ستئول إليه عمليا، فأعلنوا إيمانهم بها، وسلموا لله حقيقة تأويلها، وكيفية تحقيقها.

стр. 114

عدم التأويل لا يعنى عدم الفهم: علي هذا المعنى للتأويل- وهو تحديد حقيقة الأخبار الغيبية عمليا- يكون الذين في قلوبهم زيغ مفتونين ضالين لخوضهم فيه، ويكون الراسخون في العلم مهتدين ممدوحين، وعلميين موضوعيين، لعجزهم عن تأويله، وتسليمهم بقصره علي الله وإيمانهم به. لكن هل عجز الراسخين في العلم عن التأويل العلمي لهذه الآيات، يعنى عدم فهمهم لها؟ وعدم تفسيرهم لها؟ وعدم بيانهم لمعانيها؟ وهل في القرآن ما لا يفهم معناه؟ وهل خاطبنا الله بما لا نفهمه؟ بعض الناس لم يفرّقوا بين العجز عن التأويل وبين فهم معاني الآيات، وظنّوا أن عجز العلماء عن تأويل الآيات المتشابهات يلزم منه عدم فهمهم لمعانيها، وعدم قدرتهم علي تفسيرها. وقالوا: ليس في القرآن ما لا يفهم معناه، ولم يخاطبنا الله في القرآن بما لا نعلمه، ويجب علينا أن نفهم كلّ الآيات، محكمات أو متشابهات، ويجب أن نؤوّل كلّ الآيات، محكمات أو متشابهات. ومنشأ الخطأ عندهم عدم تفريقهم بين فهم معاني الآيات المتشابهات، وبين العجز عن تأويلها. إنّ العجز عن تأويل الآيات التي تتحدث عن أمور غيبية، وعدم القدرة علي تحديد الصورة العملية النهائية التي تؤول لها تلك الآيات، لا يعنى عدم فهمها وعدم تفسيرها، وعدم معرفة معانيها. لم يخاطبنا الله في القرآن بما لا نفهم معناه، فكلّ آية وكلمة في القرآن مفهومة المعني، ويجب علينا أن نتدبّرها ونفسرها ونبين معناها، لأنّ القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكلماته عربية، والكلام العربي له معنى معلوم مفهوم.

стр. 115

إن الراسخين في العلم يفهمون معاني الآيات المتشابهات، ويعلمون تفسيرها، ويحسنون استخراج دلالاتها والوقوف علي لطائفها. لكن هذا شيء، وتأويلها شيء آخر، فعلمهم بمعانيها لا يلزم منه القدرة علي تأويلها، وتحديد كيفية وصورة مآلها! عند ما يقف الراسخون في العلم أمام آية تتحدث عن مسألة غيبية، يفسّرونها ويبيّنون معانيها، ويقولون: هذا هو تفسيرها وبيانها، أما تأويلها وتحديد كيفيتها النهائية، وبيان متي وكيف ستقع فعلا، فهذا خاصّ بالله. ونورد فيما يلي مثالين عن ذلك: مثالا عن كلام القرآن عن مشاهد القيامة، ومثالا عن إخبار القرآن عن صفات الله! عرضت آيات القرآن بعض مشاهد القيامة، وأخبرت عن بعض الأحداث التي ستقع عند قيام الساعة. منها قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ. وإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ. وإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ. وإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ. وإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ. وإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ. وإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. وإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ. وإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ. وإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ. وإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ... (١). تخبر الآيات عن اثني عشر حدثنا يحدث عند قيام الساعة، وتقدم اثنتي عشرة لقطة من لقطات تلك الأحداث، وهذه الآيات لها فهم وتفسير، كما أن لها تأويلا وتحديدا. الراسخون في العلم يفهمونها ويفسّرونها، إنهم يعلمون معنى تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير الجبال، وتعطيل العشار، وحشر الوحوش، وتسجير البحار، وتزويج النفوس، وسؤال الموءودة، ونشر الصحف، وكشط السماء، وتسعير الجحيم، وإزلاف الجنة. يعلمون

стр. 116

معاني الكلمات، ويفهمون ما تتضمنه من حقائق ودلالات، ويؤمنون بحدوث ما أخبرت عنه من هذه المشاهد واللقطات. أما تأويل هذه الآيات التي تعرض هذه اللقطات فإنهم لا يعلمونه، لأنّ تأويلها خاصّ بالله. تأويل هذه الآيات هو تحديد عاقبتها ومآلها، وتعيين الصورة العملية التي ستقع بها، وبيان متي وكيف ستحدث وتتحقق، من حيث الزمان والمكان والكيفية، هذا لا يعلمه الراسخون في العلم. إنّ فهمهم لمعاني هذه الآيات قد تحقق، لكنه لا يلزم منه إمكانية تأويلها!!. وبالنسبة إلي صفات الله، فقد أخبرت آيات القرآن عنها، وأشارت إلي بعض هذه الصفات، وتحدثت عن بعض أفعال الله، تكملت آيات القرآن عن يد الله، وعن وجه الله، وعن معية الله، وعن استواء الله علي العرش، وعن علو الله. هذه الآيات لها تفسير وفهم، ولها تأويل وتحديد. والراسخون في العلم يفهمونها ويفسّرونها، ويعرفون معنى اليد والوجه والاستواء والعلو، ويسندونها لله كما أخبر الله. لكنهم عاجزون عن تأويلها وتحديدها، أي: عاجزون عن بيان حقيقة اتصاف الله بها، وتحديد كيفية وجودها عند الله سبحانه، ولهذا لا يخوضون في تحديد كيفية استواء الله علي عرشه، وكيفية علوه عن خلقه، وكيفية يده ووجهه ونفسه ومعيته سبحانه. إنّ فهمهم لمعاني هذه الآيات، ومعرفة ما تخبر عنه من أفعال وصفات، قد تحقق، لكنه لا يلزم منه إمكانية تأويلها وتحديدها وتكييفها!!

стр. 117

سياق الآية علي هذا المعنى للتأويل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ: جملة خبرية. مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ: جملة خبرية أخري، مفصّلة للجملة الخبرية السابقة. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ: مبتدأ وخبر، وهي جملة معترضة، جيء بها بهدف وصف الآيات المحكمات من القرآن بأنهنّ أمّ القرآن وأصله ومرجعه، وذلك لحمل الآيات المتشابهات عليها، أي أنّ الآيات المحكمات أمّ وأصل للآيات المتشابهات. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ: معطوفة علي مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، وفيها الخبر عن القسم الثاني من آيات القرآن، ووصفها بأنها متشابهات. ووصفها بوصف أُخَرُ دليل علي أنها قليلة، لأنّ كلمة أُخَرُ جمع قلّة. بعد حديث الآية عن قسمي آيات القرآن: المحكمات الكثيرة أم القرآن وأصله، والآيات المتشابهات القليلة، تحدثت عن موقف فريقين من الناس من الآيات المتشابهات. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: أما: حرف شرط بمعنى التفصيل، حيث ورد ذكر الفريقين بعدها: الزائغون والراسخون في العلم. الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: فعل الشرط. فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: جواب الشرط. ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: مفعول لأجله. وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ معطوف علي المفعول لأجله، يدلّ علي معناه، أي: لزائغي القلوب هدفان من اتباع الآيات المتشابهات: الهدف الأول:

стр. 118

إحداث الفتنة بالقرآن، والثاني: الرغبة في تأويل تلك الآيات المتشابهات، والوقوف علي كيفيتها العملية، وتحديد عاقبتها المادية. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ: علم تأويل متشابه القرآن خاصّ بالله، لا يعلمه أحد غيره. فالجملة معترضة، لتقرير هذه الحقيقة، ولذمّ زائغي القلوب في محاولاتهم تأويل المتشابه، لأنه لا يعلم تأويله إلا الله، ولا يعلم حقيقته المادية إلا الله، ولا يعلم كيفية ووقت ومكان وقوعه إلا الله. لهذا يكون الوقف علي لفظ الجلالة اللَّهُ واجبا. هكذا: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: جملة استئنافية جديدة، تخبر عن موقف الراسخين في العلم من تأويل المتشابه، وهم الفريق الثاني من الناس. فالواو: حرف استئناف. والرَّاسِخُونَ مبتدأ. يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ: جملة فعلية في محلّ رفع خبر. أي: الراسخون في العلم قائلون آمنا بالمتشابه دون أن نعلم تأويله، وآمنا بأن كلّ القرآن- محكمه ومتشابهه- من عند ربنا. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: جملة استئنافية جديدة، للثناء علي الراسخين في العلم، في عدم محاولاتهم تأويل المتشابه، ووصفهم بأنهم أولو الألباب.

стр. 119

الذاهبون إلي هذا المعنى للتأويل: كثير من أئمة التفسير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ذهب إلي هذا المعنى للتأويل في آية سورة آل عمران التي أمامنا، حيث اعتبروها متوافقة مع ورود كلمة التأويل في القرآن في المواضع الأخري- التي استعرضناها فيما سبق-. لا سيما أنّ أمامهم حديث صحيح عن رسول الله ﷺ يذم زائغي القلوب، الراغبين في تأويل المتشابه، ويحذر المسلمين منهم. فقد روي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ. ثم قال: «فإذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّاهم الله، فاحذروهم». وفي رواية أخرى عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ فقال: «إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّي الله، فاحذروهم». وممن ذهب إلي هذا الرأي الإمامان: ابن جرير الطبري وابن كثير الدمشقي. قال الطبري في تفسير قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ: الله الذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك القرآن. من هذا القرآن آيات محكمات. وهنّ اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهنّ وأدلتهن علي ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك.

стр. 120

ثم وصف الله هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن أم الكتاب، أي أنهن أصل الكتاب، الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما يحتاج إليه الخلق، من أمر دينهم، وما كلّفوا به من الفرائض في عاجلهم وآجلهم. وإنما سماهنّ أم الكتاب، لأنهنّ معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه (١). وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ: ومن القرآن آيات أخر، هنّ متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى (٢). فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وحيف عنه، فيتّبعون من آيات القرآن ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات، باحتماله المعاني المختلفة، وذلك إرادة اللبس علي نفسه وعلي غيره، واحتجاجا بذلك علي باطله الذي مال إليه قلبه، دون الحقّ الذي أبانه الله، وأوضحه بالمحكمات من آيات القرآن! وهذه الآية- وإن كانت نزلت في نصاري نجران- فإنه معنى بها كلّ من ابتدع بدعة في دين الله، فمال إليها قلبه، تأويلا منه لبعض متشابه القرآن، ثم حاج به وجادل أهل الحق، وعدل عن الواضح من أدلة الآيات المحكمات، وذلك ليلبس علي أهل الحق من المؤمنين دينهم، وطلبا منه لعلم تأويل ما تشابه من القرآن. تشمل كلّ من كان كذلك، كائنا من كان، سواء كان من أهل اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، أو كان سبئيا، أو حروريا، أو قدريا، أو جهميا. فهو من الذين قال عنهم رسول الله ﷺ : (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما

стр. 121

تشابه منه فأولئك الذين سمي الله، فاحذروهم) (١). وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: اتّبعوا المتشابه ابتغاء تأويله، بمعرفة انقضاء مدة أمة محمد ﷺ ، ووقت قيام الساعة. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ: ما يعلم وقت قيام الساعة، وانقضاء مدة أجل محمد ﷺ وأمته، وما هو كائن، إلا الله، دون من سواه من الذين ابتغوا إدراك علم ذلك عن طريق الحساب والتنجيم والكهانة. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ: وأما الراسخون في العلم، فيقولون: آمنا به، كلّ من عند ربنا. لا يعلمون تأويل ذلك، وفضل علمهم في ذلك علي غيرهم، هو علمهم بأن الله وحده هو العالم بتأويل ذلك، دون من سواه من خلقه. (٢) وبعد ذكر الطبريّ لقولين في موقع جملة والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وهل هي معطوفة علي إِلَّا اللَّهُ فيعلمون تأويل المتشابه، أو استئنافية فلا يعلمون تأويله، رجّح القول الثاني، فقال: «والصواب عندنا في ذلك: أنهم- الراسخون في العلم- مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم، وهي يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ. لما قد بيّنا أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله في هذه الآية» (٣). ثم قال الطبري: وأما تأويل قوله: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: فإنه يعني: أنّ الراسخين في العلم يقولون: صدقنا بما تشابه من آيات الكتاب، وأنه حق، وإن لم نعلم تأويله (٤). وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: وما يتذكّر ويتعظ وينزجر عن أن

стр. 122

يقول في متشابه آيات كتاب الله ما لا علم له به إلا أولوا العقل والنهي. (١). ولا يخرج كلام الإمام ابن كثير عن كلام ابن جرير، فقال في تفسير الآية: «يخبر الله أن في القرآن آيات محكمات، هنّ أمّ الكتاب. أي: بينات واضحات الدلالة علي كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه إلي الواضح منه، وحكّم محكمه علي متشابه، فقد اهتدي، ومن عكس انعكس. ولهذا قال تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ: أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد» (٢). ثم قال ابن كثير: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: أي ضلال، وخروج عن الحقّ إلي الباطل فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: إنما يأخذون منه بالمتشابه، الذي يمكن أن يحرّفوه إلي مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب له فيه، لأنه دافع لهم، وحجة عليهم. ولهذا قال عنهم ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: أي: الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجّون علي بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم وليس لهم. وقوله تعالى: وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: أي: تحريفه علي ما يريدون. وقال مقاتل والسدي: وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: يبتغون أن يعلموا ما يكون، وما عواقب الأشياء، من القرآن (٣).

стр. 123

المعنى الثاني للتأويل: التفسير والبيان: عرضنا فيما سبق المعنى الأول للتأويل المذكور في آية آل عمران، وهو بيان الحقيقة التي تؤول إليها النصوص الغيبية، وبيّنّا أن التأويل علي هذا المعنى خاصّ بالله، ولا يعلمه الراسخون في العلم، ولا غيرهم، وفسّرنا الآية علي هذا المعني. ونقدم الآن المعنى الثاني للتأويل المذكور في هذه الآية، وهو التفسير والبيان. قال ابن منظور في لسان العرب عن ورود التأويل بمعنى التفسير: يقال: أوّل الكلام، وتأوّله: إذا فسّره. والمراد بالتأويل: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلي ما يحتاج إلي دليل، لولاه لما ترك ظاهر اللفظ. وسئل أبو العباس أحمد بن يحيي عن التأويل فقال: التأويل والتفسير بمعنى واحد. وقال أبو منصور: يقال: ألت الشيء أؤوله: إذا جمعته وأصلحته. فكأنّ التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه (١). وقال أبو البقاء الكفوي في الكليات: «والتفسير والتأويل واحد: وهو كشف المراد عن اللفظ المشكل» (٢). ومع أنّ التأويل في القرآن لم يرد بمعنى التفسير، لكن استعمله بعض الصحابة والتابعين بمعنى التفسير، وشاع استعماله بعد عصر التابعين بهذا المعني، واشتهر بعد ذلك به، واصطلح عليه المفسّرون، وقديما قال العلماء: لا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 124

وذهب إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري إلي هذا الرأي، واستخدم التأويل بمعنى التفسير، ولذلك سمّي تفسيره «جامع البيان عن تأويل أي القرآن». وكان ابن جرير يكثر من استعمال التأويل بمعنى التفسير، ولذلك أدار تفسيره علي هذا المعني. فهم الآية علي هذا المعنى للتأويل: الراسخون في العلم يعلمون تأويل الآيات المتشابهات، بينما لا يعلم تأويلها الذين في قلوبهم زيغ. ويكون فهم الآية علي هذا المعنى هكذا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ: الآيات المحكمات أمّ وأصل للآيات المتشابهات، فمن أراد فهم وتأويل وتفسير الآيات المتشابهات فلا بدّ من ردّها إلي أصلها وهو الآيات المحكمات. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ زائغو القلوب لا يحسنون فهم الآيات المتشابهات ولا تأويلها، ولذلك يفتنون فيها وتصاب قلوبهم بالزيغ والانحراف والميل عن الحق، إنهم ينظرون إليها وحدها، ويتعاملون معها بمعزل عن أصلها، وهو الآيات المحكمات، ولذلك يخطئون في تفسيرها وتأويلها. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: تأويل الآيات المتشابهات، ومعناها الصحيح يعلمه الله، لأنه منزل تلك الآيات. كما يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهات الراسخون في العلم، فرسوخهم في العلم، وتمكنهم منه، أوجد عندهم ملكة في تفسير القرآن وتأويله، ففهموا آياته المحكمات الكثيرة، ولما وقفوا أمام آياته المتشابهات القليلة،

стр. 125

أحسنوا تأويلها وحملها. وإرجاعها إلي أمها من الآيات المحكمات، وبذلك أحسنوا استخراج دلالاتها ومعرفة معانيها وحقائقها. يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: لما أحسن الراسخون في العلم فهم وتفسير وتأويل الآيات المتشابهات، صرّحوا قائلين: آمنا بمتشابه القرآن الذي علمنا تأويله، كما آمنّا بمحكمة، فالقرآن بمحكمة ومتشابهه، كلّ من عند ربنا. علي هذا المعنى للتأويل تكون الواو في قوله: والرَّاسِخُونَ حرف عطف، عطفت الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ علي لفظ الجلالة اللَّهُ. ويكون الأولي وصل المعطوف بالمعطوف عليه، والوقف علي الْعِلْمِ، فتكون الجملة هكذا: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وتكون يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا جملة حالية. أي: الراسخون في العلم عالمون بتأويل المتشابه، قائلين: آمنّا به كلّ من عند ربنا. وممن ذهب إلي هذا المعنى للتأويل، واعتبر نفسه ممن يعلم تأويل المتشابه: عبد الله بن عباس ﵄، فقد روي عنه ابن جرير الطبري قوله: أنا ممن يعلم تأويله. وقال مجاهد: والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: يعلمون تأويله، ويقولون آمنا به. وقال محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام: والراسخون في العلم قد ردّوا تأويل المتشابه علي ما عرفوا من تأويل الآيات المحكمة، التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، وقد اتسق بقولهم القرآن، وصدّق بعضه بعضا، وبذلك نفذت به الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر (١).

стр. 126

وإذا قلنا: إنّ التأويل بمعنى التفسير والبيان، وأنّ العلماء يعلمون تأويل متشابه القرآن، فإن هذا القول لا يتعارض مع المعنى اللغوي للتأويل، بل يتفق معه، ويتحقق المعنى اللغوي فيه. فالتأويل- كما مرّ معنا- هو ردّ الشيء إلي غايته، وحمله علي أصله، وإرجاعه إلي حقيقته، وتحديد عاقبته ومآله. وتأويل متشابه القرآن- وهو الآيات التي فيها اشتباه في المعني، وإشكال في الدلالة- لا يعلمه الناس العاديون، ولا الذين في قلوبهم زيغ. إنّ الآية ذمت محاولة الذين في قلوبهم زيغ تأويل متشابه القرآن، لأنهم لا يحسنون تأويله وردّه إلي محكم القرآن، وبذلك يقعون في الفتنة. بينما مدحت الآية الراسخين في العلم، لحسن تأويلهم لمتشابه القرآن. فكيف أوّله الراسخون في العلم؟ وكيف تحقّق في تأويلهم له المعنى اللغوي الاشتقاقي للتأويل؟ لقد قام الراسخون في العلم بردّ المتشابه إلي المحكم، وحمل المتشابه علي الأصل المحكم، قاموا بإعادة الأخر المتشابهات إلي أصلها وهو أم الكتاب المحكمات، وفهموا الآيات المتشابهات علي ضوء أصلها من الآيات المحكمات، وبذلك التأويل والردّ أزالوا الاشتباه فيها، وحلوا ما فيها من إشكال، وبذلك أحسنوا فهم الآيات المتشابهات. وهذا الفعل منهم ردّ الشيء إلي غايته، وإعادة الكلام إلي أصله، وحمله علي مرجعه وأساسه، وهذا هو المعنى اللغوي الاشتقاقي للتأويل. وبهذا نعرف دقة عبارة الامام الراغب الأصفهاني، وشمولها للمعنيين المذكورين للتأويل، حيث يقول: «هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا» (١).

стр. 127

الفصل الثالث التأويل في كلام الرسول وأصحابه

стр. 128

المبحث الأوّل: التأويل في الحديث النبوي ورد التأويل في حديث رسول الله ﷺ ، وكان أحيانا يرد بمعنى تعبير الرؤيا وتأويلها، وأحيانا بمعنى الفهم والتفسير. ونورد فيما يلي أمثلة من الأحاديث علي كل واحد من المعنيين: المطلب الأول: تأويل الرؤيا وتعبيرها خصّص علماء الحديث في مصنفاتهم كتبا خاصة لتأويل الرؤيا وتعبيرها. ففي صحيح البخاري كتاب «تفسير الرؤيا» وفي صحيح مسلّم كتاب «الرؤيا». والباب الثالث من كتاب «الرؤيا» في صحيح مسلّم، أطلق عليه الإمام النووي شارح الصحيح اسم: «باب تأويل الرؤيا». ونقرأ في هذا الباب هذه الأحاديث التي ورد فيها مصطلح التأويل: ١ - قال أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ :- رأيت ذات ليلة فيما يري النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب.

стр. 129

فأوّلت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأنّ ديننا قد طاب (١). رؤيا الرسول ﵊ أنه كان مع بعض أصحابه في دار رجل اسمه «عقبة بن رافع»، فتفاءل بذلك، وأكل من تمر ابن طاب فتفاءل بذلك. وأوّل هذه الرؤيا بأنها تشير إلي مبشرات قادمة. «رافع» يشير إلي الرفعة في الدنيا. و «عقبة» يشير إلي حسن العاقبة في الآخرة، وتمر «ابن طاب» يشير إلي طيبة واستقرار وانتصار الاسلام. وهذا ما حصل في الدنيا، وتحقق تأويل الرسول ﵇ لهذه الرؤيا، فقد طاب الاسلام وكمل واستقر، ونال المسلمون الرفعة في الدنيا. ٢ - قال ابن عباس ﵄: قدم مسيلمة الكذاب علي عهد النبي ﷺ المدينة. فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته. فقدمها في بشر كثير من قومه. فأقبل إليه النبي ﷺ ، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبيّ ﷺ قطعة جريدة، حتى وقف علي مسيلمة في أصحابه. فقال له: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولكن أتعدّي أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنّك الله، وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت. وهذا ثابت يجيبك عني). ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ (إنك أري الذي أريت فيك ما رأيت)، فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (بينا أنا نائم- رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما. فأوحي إليّ في المنام أن أنفخهما، فنفختهما فطارا.

стр. 130

فأوّلتهما كذابين يخرجان من بعدي. فكان أحدهما العنسيّ، صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة، صاحب اليمامة) (١). كانت رؤيا رسول الله ﷺ سوارين من ذهب في يديه، فلما نفخهما طارا. وكان تأويلها ظهور كذابين يدّعيان النبوة: الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في اليمامة. وقد تحققت رؤياه فعلا، وتأويلها: حدوثها في عالم الواقع، فقد خرج الكذابان العنسي ومسيلمة، وكانا من أخطر مدّعي النبوة علي المسلمين، وبذل المسلمون جهودا كبيرة للقضاء عليهما، وتمكّنوا أخيرا من التغلب عليهما وقتلهما، وكان قتلهما هو تأويل طيران السوارين لما نفخهما رسول الله ﷺ في المنام. ونقف مع هذه الأحاديث التي أوردها الامام مسلّم في كتاب «فضائل الصحابة» والتي تتحدث عن تأويل الرسول ﵊ لرؤيا رآها بشأن عمر بن الخطاب ﵁: ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص. منها ما يبلغ الثديّ، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه. قالوا: ماذا أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين!) (٢) رأي الرسول ﷺ في منامه الناس يمرّون أمامه، وكلّ منهم يلبس قميصا. وهذه القمصان متفاوتة في المقاس، منها الطويل ومنها القصير، أما عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان قميصه طويلا يجرّه.

стр. 131

وتأويل هذه الرؤيا أن القمصان هي الدين، ومعلوم أنّ التزام المسلمين بأحكام الدين الاسلامي متفاوت، منهم من يكون التزامه وثيقا، ومنهم من يكون التزامه ضعيفا. أما التزام عمر بن الخطاب ﵁ بأحكام الدين فهو وثيق متين، ولهذا كان قميصه في المنام طويلا. وقد تحققت رؤيا الرسول ﵊ عمليا فيما بعد، فصار عمر أميرا للمؤمنين. وترك بعد وفاته آثاره وسننه، وصار قدوة للمسلمين من بعده. ٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: (بينا أنا نائم، إذ رأيت قدحا أتيت به، فيه لبن. فشربت منه، حتى إني لأري الريّ يجري في أظفاري. ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم) (١). اللّبن في هذه الرؤيا لرسول الله ﷺ هو العلم، وهذا هو تأويل الرسول ﵇ لهذه الرؤيا. وقد تحققت رؤياه ﵇ في عالم الواقع، فشربه اللبن في الرؤيا، وارتواؤه منه، تأويله الواقعيّ تمكنه من العلم، ورسوخه فيه، وهذا متحقق في سيرته وشخصيته ﵊. وتأويل إعطائه فضله من اللبن لعمر في عالم الواقع، هو تمكّن عمر من العلم ورسوخه فيه، وهذا متحقق في شخصيته ﵁. وممّا أوّله وعبّره رسول الله ﷺ من رؤيا، ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال:

стр. 132

(رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة. فتأوّلتها أنّ وباء المدينة نقل إلي مهيعة، وهي الجحفة) (١). رؤيا رسول الله ﷺ في المنام: رأي امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة، وسارت في الطريق، وذهبت إلي الجحفة، واستقرّت فيها. والجحفة لها اسم آخر هو «مهيعة»، وهي في الطريق بين المدينة ومكة. وتأويل هذه الرؤيا الواقعيّ أن الحمّي والمرض والوباء قد أخرجه الله من المدينة إلي الجحفة، فتأويل الرؤيا هو تحقيقها الماديّ في عالم الواقع. قال ابن حجر في فتح الباري: «تقدّم في آخر فضل المدينة، في آخر كتاب الحج من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (اللهمّ حبّب إلينا المدينة. وانقل حمّاها إلي الجحفة قالت عائشة: وقدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله». «قال المهلب: هذه الرؤيا من الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شقّ من اسم «السوداء» السّوء والدّاء، فتأوّل خروجها بما جمع من اسمها. «وقيل: ثوران الرأس يؤول بالحمي، لأنها تثير البدن بالاقشعرار» (٢) نكتفي بهذه الأحاديث الخمسة الصحيحة، التي أشارت إلي رؤي رآها رسول الله ﷺ في منامه- ورؤيا الأنبياء حق- كما أشارت إلي تأويل وتعبير الرسول ﵊ لهذه الرؤي الخمسة. إنّ تأويله لهذه الرؤي هو ملاحظته لبعدها الواقعي، وتسجيله لمدلولها العملي، وبيانه لحقيقتها المادية. وهكذا يكون كلّ تأويل وتعبير للرؤي. والملاحظ أنّ حقيقة تلك الرؤي المادية قد وقعت بالفعل، وانطبقت علي الواقع، كما أوّلها وعبّرها رسول الله ﷺ .

стр. 133

المطلب الثاني: التأويل بمعنى الفهم والتفسير ورد التأويل بالمعنى الثاني- الذي سبق أن قرّرناه أثناء حديثنا عن آية المحكم والمتشابه، وفي سورة آل عمران- وهو: التفسير والبيان والفهم، في بعض أحاديث رسول الله ﷺ . وهو في هذه الأحاديث موجّه لتأويل القرآن، أي: فهمه وتفسيره وبيان معناه. من هذه الأحاديث: ١ - روي الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني ﵁، عن رسول الله ﷺ وقال: هلاك أمتي في الكتاب واللبن! قالوا: يا رسول الله: وما الكتاب واللّبن؟ قال: يتعلّمون القرآن، فيتأوّلونه علي غير ما أنزل الله. ويحبون اللبن، فيدعون الجماعات والجمع، ويبدون! (١) إنّ الرسول ﷺ يذمّ هذا الصنف من الناس، وهم الذين يتعلمون القرآن، ويدرسونه، ولكنهم لا يفهمونه فهما صائبا، ولا يتأوّلونه تأوّلا صحيحا، وإنما يفهمونه فهما خاطئا، ويفسّرونه تفسيرا مغلوطا، ويؤوّلونه تأويلا مردودا باطلا، علي غير ما أنزل الله، وبذلك يحرّفون بهذا التأويل الباطل الآيات عن معناها الصحيح، إلي معنى آخر مرفوض، لا تدلّ عليه، ولا تشير إليه. وبينما ذمّ رسول الله ﷺ المتأولين السابقين، لأنهم تأوّلوا القرآن علي

стр. 134

غير ما أنزل الله، فقد صوّب المتأولين من الصحابة تأويلات خاطئة، وقدّم لهم الفهم والتأويل الصحيح، ولم يذمّهم لحسن نيتهم في التأويل غير السديد، وأعذرهم، ثم صوّب لهم فهمهم وتأويلهم. قال الإمام ابن حجر في ضابط التأويل المردود الذي يعذر صاحبه ولا يذمّ: «قال العلماء: كلّ متأوّل معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم» (١). وقد أورد الإمام البخاري أربعة أحاديث لذلك، في كتاب «استتابة المرتدين المعاندين وقتالهم»، وأفرد لها بابا خاصا، أطلق عليه اسم: «باب ما جاء في المتأولين». الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت هشام ابن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها علي حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ كذلك، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلّم، ثم لببته بردائه- أو بردائي- فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . قلت له: كذبت. فو الله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها. فانطلقت أقوده إلي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان علي حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! فقال رسول الله ﷺ : أرسله يا عمر. اقرأ يا هشام.

стр. 135

فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها. فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت. ثم قال رسول الله ﷺ : اقرأ يا عمر. فقرأت، فقال: هكذا أنزلت! ثم قال: إن هذا القرآن أنزل علي سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسّر منه» (١). قال ابن حجر في شرح الحديث: «ومناسبته للترجمة من جهة أن النبيّ ﷺ لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام، ولا بكونه لبه بردائه، وأراد الإيقاع به، بل صدّق هشاما فيما نقله، وعذر عمر في إنكاره، ولم يزده علي بيان الحجة في جواز القراءتين» (٢). إنّ عمر ﵁ قال ما قال في حقّ هشام متأوّلا، وقد عذره رسول الله ﷺ علي خطأ تأويله لحسن نيته، ثم صوّب له تأويله، وقدّم له الصواب في المسألة. الحديث الثاني: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (٣) شق ذلك علي أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس كما تظنّون. إنما هو كما قال لقمان لابنه يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٤) (٥). قال ابن حجر: «ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه ﷺ لم يؤاخذ

стр. 136

الصحابة بحملهم الظلم في الآية علي عمومه، حتى يتناول كلّ معصية، بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل، ثم بيّن لهم المراد بما رفع الإشكال» (١). لقد أوّل بعض الصحابة الآية علي غير وجهها، وفهموها فهما غير صائب، واعتبروا الظلم فيها شاملا لكلّ معصية، وهذا تأويل خاطئ منهم، لكنه تأويل باجتهاد، فلم يؤاخذهم الرسول ﷺ علي ذلك، بل عذرهم، ثم صحح لهم تأويلهم وصوب لهم فهمهم. وهكذا الحديثان الآخران في الباب- الثالث والرابع- ففي الحديث الثالث أخطأ بعض الصحابة فهم وتأويل موقف أحدهم، وهو مالك بن الدخشن، واعتبروه منافقا بسبب ذلك الموقف، فصوّب لهم رسول ﷺ تأويلهم، واعتبره مسلما صادقا، وطالبهم بإجراء أحكام الاسلام علي الظاهر، ومع ذلك عذرهم في فهمهم، ولم يؤاخذهم بتأويلهم. وفي الحديث الرابع بيان خطأ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في فهمه وتأويله حيث كتب كتابا إلي أهله في مكة، يخبرهم بتوجّه رسول الله ﷺ لفتح مكة، وذلك ليس إذاعة منه لسرّ رسول الله ﷺ ، وإنما ليقدم خدمة لأهله في مكة. وقد صوّب له رسول الله ﷺ فهمه وتأويله، ولم يؤاخذه به (٢). إن رسول الله ﷺ قد رفض تأويلات غير سديدة لبعض المسلمين، وبيّن لهم المعنى الصائب والموقف الصحيح، ولكنه عذرهم لأنّ ظاهر النص أو الحادثة قد يوحي بذلك التأويل الذي فهموه. ومن هذه الأمثلة نري أنّ التأويل في عهد رسول الله ﷺ قد ورد بمعنى الفهم والتفسير والبيان، سواء كان هذا صوابا أم خطأ.

стр. 137

المطلب الثالث: كيف كان رسول الله يتأول القرآن ؟ للصحابة بعض الروايات في تأويل رسول الله ﷺ لبعض آيات القرآن، يوضحون فيها كيفية تأويله لها. من هذه الروايات: ١ - روي البخاريّ عن أسامة بن زيد ﵄ قال: ركب رسول الله ﷺ علي حمار، علي قطيفة فدكيّة، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدر. فمرّ بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يسلّم عبد الله بن أبيّ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمّر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبّروا علينا. فسلّم عليهم رسول الله ﷺ ، ثم وقف فنزل، فدعاهم إلي الله، وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبيّ: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا تؤذينا به في مجلسنا، ارجع إلي رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلي يا رسول الله، فاغشنا به في مجلسنا فإنا نحبّ ذلك! فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبيّ ﷺ يخفّضهم حتى سكنوا!

стр. 138

ثم ركب النبيّ ﷺ دابته، فسار، حتى دخل علي سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ : (يا سعد: ألم تسمع ما قال أبو حباب- يريد عبد الله ابن أبيّ- قال: كذا وكذا). قال سعد: يا رسول الله: اعف عنه واصفح عنه. فو الذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحقّ الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة علي أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما أبي الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت! فعفا عنه رسول الله ﷺ . وكان النبيّ ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصطبرون علي الأذي. قال الله : ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذيً كَثِيراً (١). وقال الله: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً، حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، فَاعْفُوا واصْفَحُوا حَتَّي يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (٢). وكان النبيّ ﷺ يتأوّل العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم. فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، وقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجّه، فبايعوا رسول الله ﷺ علي الإسلام، وأسلموا.» (٣). الشاهد في الحديث ذكر- رواية- أسامة بن زيد- ﵁ آية من كتاب الله، أمر الله فيها الرسول ﷺ والمؤمنين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب والمشركين، حتى يأتي الله بأمره، ويأمرهم بقتال الكافرين.

стр. 139

وقول أسامة بن زيد ﵁ بعد ذكر الآية: وكان النبيّ ﷺ يتأوّل العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم. فكيف كان تأويل رسول الله ﵊؟ لقد كان تأويله فيهم هو التطبيق العمليّ للآية التي أمرته بالعفو والصفح، والتنفيذ الفعليّ لمضمونها، حيث كان يعفو ويصفح فعلا، حتى أنزل الله آيات بعد ذلك تأذن له بقتالهم. إن تأويله الفعليّ للآية ليس مجرد فهمها وتفسيرها نظريا، ولكنه تحقيقها في عالم الواقع، وبيان مآلها العملي والواقعي. ٢ - روي الامام البخاري في تفسير سورة النصر عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك. اللهمّ اغفر لي، يتأوّل القرآن. وفي رواية أخرى عنها قالت: «ما صلّى النبي ﷺ صلاة، بعد أن نزلت عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (١). إنّ ما ترويه عائشة عن رسول الله ﷺ ، كان تأويلا منه للقرآن. وتأويله للقرآن كان تأويلا عمليا، وتنفيذا وتطبيقا للأمر الذي أمره الله به. أنزل الله عليه سورة النصر، وأمره فيها بتسبيح الله وحمده واستغفاره: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ، ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً. فكيف نفذ الرسول ﵊ هذه الأوامر الربانية: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ؟ لقد جعلها في صلاته، ونفذها عمليا، فكان كثيرا ما يقول في ركوعه

стр. 140

وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، وهذا تنفيذ لقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ. ويقول: اللهم اغفر لي، وهذا تنفيذ لقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْهُ. وعلقت عائشة ﵂ علي هذا التطبيق العملي للأوامر الربانية النظرية، بأنه في هذا الفعل: يتأول القرآن. وقال الإمام ابن حجر في شرحه للحديث: «ومعنى قوله: يتأول القرآن: يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال» (١). تأويل الرسول ﷺ للآية: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ ليس مجرد فهم وتفسير وبيان لها، ولكنه تطبيق وتنفيذ. وهذا هو معنى التأويل الوارد في القرآن- كما سبق أن بيّنا- فإذا كان تأويل الأمر هو فعله وتطبيقه عمليا، فإن الرسول ﷺ هو أوّل مؤول للأوامر الربانية في القرآن، لأنه فعلها عمليا، وأوجد حقيقتها المادية التي آلت إليها النصوص التكليفية. ٣ - أخرج الإمام أبو داود في سننه صفة حجة رسول الله ﷺ ، كما رواها عنه جابر بن عبد الله ﵄. ونقتطف من كلام جابر ماله صلة بموضوع تأويل الرسول ﵊ للقرآن. قال جابر ﵄: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ، ويعمل بمثل عمله. حتي أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلي رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟

стр. 141

قال: اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي. فصلّى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته علي البيداء. فنظرت إلي مد بصري، من بين يديه، من راكب وماش، وعنه يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك. ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به ....» (١). إن جابر بن عبد الله ﵄ يحمل تأويل القرآن علي معناه العملي، وتطبيق أوامر وأحكام القرآن بصورة فعلية مادية. فالله أمر المسلمين بالحج، وتحدثت آيات القرآن عن مناسك الحج وأركانه، لكن كيف يحجّ المسلمون عمليا؟ وكيف ينفذون أوامر الله بالحج فعلا؟ وبعبارة أخري: كيف يؤول المسلمون آيات الحج تأويلا واقعيا؟ يؤدّون به مناسك الحج فعلا! يخبرنا جابر ﵁ أنهم اقتدوا بالرسول ﷺ وهو يؤدّي مناسك الحج، فهو موجود بين أظهرهم، وهو حيّ معهم، وتنزل عليه آيات القرآن التي تبيّن أركان ومناسك الحج، وهو يعلم تأويل هذه الآيات، وهم يقتدون به في تأويله العملي للآيات. إنّ تأويل الرسول ﷺ لآيات القرآن الآمرة بالحج هو أداؤه لمناسك الحج فعلا، وتحقيق الصورة المادية الواقعية لها، وهذا هو معنى التأويل الوارد في القرآن. تأويل الأمر أداؤه وتنفيذه، ولهذا كان الرسول ﷺ في حجة الوداع هو أول مؤوّل لآيات الحج في القرآن.

стр. 142

المبحث الثاني: كيف كان الصّحابة يتأوّلون القرآن ؟ عرفنا من النماذج السابقة التي عرضناها كيف كان تأويل الرسول ﷺ للقرآن، وأنّ تأويله لأوامره هو تنفيذها فعلا وتحقيقها في عالم الواقع. وإذا أردنا أن نقف علي هذا اللون من تأويل الصحابة للقرآن، فإنه لا يخرج عن تأويل رسول الله ﷺ ، أي أنهم كانوا ينفّذون أوامر النصوص عمليا أو يلاحظون صورتها المادية، ومآلها العملي المستقبلي. من الأمثلة التي توضح ذلك: ١ - أخرج الإمام أحمد عن سعيد بن جبير أنّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي حيثما توجهت به راحلته. ويقول: قد رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. ويتأوّل عليه قوله تعالى: ولِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (١) (٢). إنّ عبد الله بن عمر ﵄ يري جواز صلاة التطوع علي الراحلة حيثما توجّهت به الراحلة، ولا يشترط فيها استقبال القبلة، فلو صلّى التطوع إلي غير القبلة وهو علي راحلته صحت صلاته. ويعتمد ابن عمر علي ظاهر الآية، فالآية تبين أنّ المشرق والمغرب لله، وأنّ المصلي نافلة أينما ولّي وجهه فهو يوليه الله، وصلاته مقبولة الله.

стр. 143

كما يعتمد ابن عمر على فعل رسول الله ﷺ ، ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. أي: رأى الرسول ﷺ يصلّي النافلة على الراحلة إلي غير القبلة. والشاهد في هذا المثال في جملة: ويتأول عليه قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. أي: كان ابن عمر يفهم من الآية هذا الفهم، ويعتبرها دليلا على جواز عدم استقبال القبلة في صلاة النافلة، وبعد ذلك كان يصلي كما فهم. فتأويل ابن عمر للآية هو فهمها أولا، ثم تطبيقها فعلا، وتحقيقها عمليا، وأداؤه صلاة النافلة وفق ما أذنت به. ٢ - روي الإمام البخاري عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟ قال عروة: تأوّلت ما تأوّل عثمان! (١) تروي عائشة ﵂ أنّ الصلاة كانت ركعتين في السفر والحضر، عند ما فرضها الله على المسلمين، وبعد ذلك جعل الله صلاة الحضر أربع ركعات، وأبقي صلاة السفر ركعتين. وفي كلامها إشارة إلي إنّ الأفضل للمسافر هو أن يقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين. ولكنّ عائشة كانت تسافر فتتمّ الصلاة ولا تقصرها، وهذا الفعل منها

стр. 144

لا يتفق مع روايتها، فلماذا لا تقصر الصلاة؟ وقد لفت هذا نظر راوي الحديث ابن شهاب الزهري، فسأل شيخه عروة بن الزبير عنه: ما بال عائشة تتمّ الصلاة عند ما تسافر؟ فأجابه عروة قائلا: تأوّلت كما تأوّل عثمان! يشير عروة إلي ما فعله عثمان بن عفان ﵁، عند ما كان أمير المؤمنين، حيث ذهب إلي الحج، وفي مكة كان يتمّ الصلاة ولا يقصرها. لقد سمّي عروة إتمام عثمان للصلاة رغم سفره تأويلا، لقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (١). كما اعتبر إتمام عائشة للصلاة تأويلا لهذه الآية كما تأوّلها عثمان. إن الآية تأذن للمسلمين في قصر الصلاة الرباعية عند ما يضربون في الأرض، ويخرجون للسفر. وجملة إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ليست قيدا للقصر، بمعنى أنّ القصر ليس مقرونا بخوف فتنة الكفار، فإذا أمن المسلمون وزال الخوف والفتنة زال القصر. إنّ هذه الجملة خرجت مخرج غالب أحوال الصحابة، حيث كانوا في حرب مع الكفار، وكانت أسفارهم فيها خوف الفتنة. وبعد ما زال خطر الكفار، وانتهت الفتنة، وأمن المسلمون، استمرت رخصة قصر الصلاة. قال الإمام ابن كثير في تفسير الآية: «وأما قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب، حال نزول هذه

стр. 145

الآية، فإن في مبدأ الاسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلي غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة، فلا مفهوم له» (١). ولهذا استوضح عمر بن الخطاب ﵁ من رسول الله ﷺ قصر الصلاة للمسافر مع الأمن. أخرج الإمام مسلم عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب: قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. فكيف نقصر وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال لي: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). وجواب الرسول ﷺ على تساؤل عمر دليل على أنّ القصر ليس مقرونا بالخوف، فيجوز أن يكون مع الأمن، وهذا القصر للمسافر رخصة من الله لعباده، وصدقة تصدق بها عليهم. ولهذا كان رسول الله ﷺ يقصر الصلاة لما حجّ حجة الوداع، وقد زال خطر المشركين، ودخل الناس في الإسلام. وأخرج البخاري وغيره عن حارثة بن وهب الخزاعيّ ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ آمن ما كان بمني ركعتين. وفي رواية أخرى له قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمني، أكثر ما كان الناس، وآمنه، ركعتين. وأخرج البخاريّ ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال:
следующие страницы →