← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18122

التفسير والتأويل في القرآن

صلاح الخالدي

Полный текст (192 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المراد بالتأويل في هذه السورة: تخبر الآيات- التي من ضمنها آية التأويل- عن كفر الكفار بالقرآن، وتكذيبهم به، وزعمهم أنه ليس كلام الله، وأن محمدا ﵊ قد افتراه، وتتحدّاهم الآيات وتطلب منهم معارضة القرآن، والإتيان بسورة مثله. وتقرر أن الكفار كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله، وكانوا في هذا كأسلافهم السابقين، حيث أوقع الله بهم عذابه وأهلكهم، وهؤلاء يسيرون علي طريق السابقين، والعذاب قادم إليهم، إن لم يؤمنوا. فما المراد بالتأويل هنا؟ إنه تأويل آيات القرآن التي كذبوا بها، ومعنى تأويلها بيان نهايتها ومآلها، أو وقوع صورتها المادية العملية! والسياق الذي وردت فيه الآية سياق وعيد وتهديد للكفار، وبيان أن العذاب قادم إليهم، وأن تأويل الآيات التي كذبوا بها سائر إليهم، وعما قريب سيشاهدون هذا التأويل ويعيشونه في عالم الواقع! لقد واجهت آيات القرآن الكفار، وكانت تخبرهم بانتصار رسول الله ﷺ ، وإظهار دينه، وتقرر عجز هؤلاء الكفار عن الوقوف أمام الاسلام، أو إطفاء نوره، وتدعوهم إلي الدخول فيه، فلا فائدة من المواجهة والمحاربة. وكانت آيات القرآن تقدم لهم الوعيد والتهديد، وتخبرهم أنّ العقاب واقع بهم، وأنهم في ذلك مثل الكفار السابقين. ولما كانوا يسمعون التهديد والوعيد في هذه الآيات، كانوا يزدادون تكذيبا بها، وسخرية واستهزاء بالرسول ﵊ وأتباعه. فهل من الممكن أو المعقول أن يهزمهم محمد ﷺ ، ومن معه مسلمون

стр. 72

مستضعفون فقراء؟ أمّا هم فهم أقوياء أغنياء أصحاب السلطة والمنزلة؟ في هذا الجو تنزلت آيات سورة يونس، وواجهت الكفار في تكذيبهم واستهزائهم. بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. كذّبوا بأخبار القرآن وحقائقه، كذّبوا بوعوده للمؤمنين، وتهديداته للكافرين، وأنكروا أن يكون المستقبل هو للإسلام والمسلمين، ولم يصدّقوا أنهم يمكن أن ينهزموا أمام المسلمين. فتقول لهم الآية: إنكم تكذّبون الآن بهذه الآيات، وأنتم لم تحيطوا علما بها، تكذّبون بها لأنه لما يأتكم تأويلها، ولما تشاهدوا صورتها العملية والواقعية، لكنّ تأويلها آت عن قريب، وستعيشون هذا التأويل عمليا عند ما تبدأ المعارك الفعلية بينكم وبين محمد ﷺ ، وهذه المعارك ستنشب عن قريب! إنّ «لما» في قوله: ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ تدلّ علي التوقّع، وتستعمل في قرب وقوع ما بعدها. وذلك كما في قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا. قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا. ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، ولَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ (١) إنّ «لما» هنا حرف «توقّع وإطماع». فالأعراب أسلموا، وجاءوا إلي رسول الله ﷺ ، وامتنّوا عليه، وزعموا تحقق الايمان بعد الإسلام فيهم، ولكنّ الآية تصحح لهم ذلك، وتقول لهم أنتم أسلمتم، نعم، ولكنكم لم تؤمنوا حتى الآن، لأن الإيمان لم يدخل في قلوبكم إلي الآن. لكن هذا الإيمان ليس بعيدا عنكم، وأنتم لستم بعيدين عنه، إنكم سائرون في طريقكم إليه، وسيدخل في قلوبكم عن قريب!

стр. 73

وفي الجملة التي أمامنا ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ التوقّع واضح. لم يقع تأويل الآيات التي كذّب بها الكفار حتى الآن، ولم تقع الصورة العملية للتهديدات النظرية لهم، التي حوتها آيات القرآن. إنهم مهزومون، لكن متي؟ لما يأتهم تأويل ذلك أي: لم تقع هزيمتهم فعلا الآن، لكنها ستحقق عن قريب، فتأويل الآيات التي تقرر ذلك علي وشك الوقوع! وإنّ الرسول منصور، والاسلام ظاهر، لكن؟ لما يتم تأويل ذلك، لأنّ المعركة لم تنشب مع الكفار فعلا حتى الآن، ولكنها ستنشب عن قريب، وعندها سيتمّ تأويل الآيات التي تقرر ذلك. وهذا ما حصل فيما، بعد، في حركة الدعوة الاسلامية، وحربها مع الكفار، فلم تمض إلا سنوات قليلة علي نزول هذه الآية من سورة يونس- والتي تقرر قرب وقوع وتأويل تهديدات القرآن- حتى تحققت تلك الوعود والتهديدات في عالم الواقع، وذلك في غزوة بدر، وما تلاها من الغزوات التي هزم الله فيها الكفار. وعندها أتي الكفار تأويل تلك الآيات، أي: تمّ تنفيذ وعود وتهديد الآيات القرآنية، وبذلك حوّلت من وعد نظري إلي صورة عملية واقعية، وبذلك تمّ ردّ وإرجاع معنى الآيات النظري إلي غايته الفعلية، ونهايته المادية. عمر بن الخطاب يروي عن وقوع التأويل: حملنا معنى التأويل في سورة يونس علي وقوع وعود القرآن للمؤمنين بالنصر، وتحقق تهديداته للكفار بالهزيمة. واعتبرنا غزوات الرسول ﷺ ، وهزيمته للكفار من اليهود والمشركين والأحزاب، تأويلا عمليا للنصوص القرآنية، وهذه الغزوات هي المرادة بقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.

стр. 74

ونقدم فيما يلي مثالا واحدا من السيرة النبوية وحركة الصحابة، تبيّن أنّ هذا هو المقصود بالتأويل، وأنّ الصحابة كانوا يفهمونه. إنّ آيات سورة القمر تقرر هزيمة كفار قريش، كما هزم الله الكفار السابقين، وبعد أن تقدم آيات السورة لقطات سريعة عن مصارع أشهر الكفار السابقين: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون، تخاطب كفار قريش قائلة: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، والسَّاعَةُ أَدْهي وأَمَرُّ (١). تسأل هذه الآيات كفار قريش: أأنتم خير من الكفار السابقين المعذّبين؟ أتظنون أن العذاب لن يقع بكم في الدنيا قبل الآخرة؟ هل معكم براءة من الله أنزلها عليكم في الزبر والكتب؟ أم تعتمدون علي قوتكم وجنودكم وأتباعكم؟ أتظنون أنكم ستنتصرون علي المسلمين في حربكم القادمة القريبة؟ وتقولون: نحن جميع منتصرون، والمسلمون مهزمون؟ لا تظنّوا هذا، ولا تتوقّعوه، إنّ المعارك قادمة بينكم وبين المسلمين، وستنهزمون أمامهم، وسيتفرق جمعكم، وستولون أدباركم للمسلمين، وسينزل الله نصره عليهم: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ. إنّ قوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ وعيد من الله وتهديد للكفار، وتقرير أنهم سينهزمون لا محالة! وهذه الآيات نزلت في مكة، بينما كان المسلمون قلة مستضعفين، والكافرون أقوياء غالبين، وقد أيقن المسلمون بتحقق وعدها في المستقبل، لكنّ الكافرين لم يصدّقوا ذلك. متي تمّ تأويل هذه الآيات؟ أي: متي تحقق بعدها العملي المادي الواقعي؟ ومتي ردّ الكلام النظري فيها الي غايته الفعلية المرادة منه؟

стр. 75

لقد حصل ذلك، وتمّ تأويلها بعد بضع سنوات من نزولها، وكان ذلك في غزوة بدر الكبري، في السنة الثانية من الهجرة!! وقد روي لنا عمر بن الخطاب ﵁ تحقق التأويل لهذه الآيات في غزوة بدر. قال عكرمة: «لما نزل قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال عمر: أي جمع سيهزم؟ وأي جمع سيغلب؟ فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله ﷺ يثبت في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ، فعرفت تأويلها يومئذ (١)!! وتأمّل معنا قول عمر «فعرفت تأويلها يومئذ» لتعرف معنى التأويل. إن نزول هذه الآية في مكة وعيد وتهديد نظري، وخبر عما سيحدث لهم في المستقبل علي أيدي المسلمين. هذا الوعيد النظريّ يحتاج إلي تأويل، أي: ردّ إلي غايته العملية المرادة منه، ورجوع به إلي صورته المادية، وبيان عاقبته وماله. ولقد تحقق ذلك الردّ والرجوع والتأويل في معركة بدر، وتحقق عمليا علي أرضها ذلك الخبر القرآني، وعندها فقط عرف عمر ﵁ تأويل الآية! هذا مثال من السيرة النبوية، وفهم الصحابة، يظهر فيه التأويل العملي لقوله تعالى: ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. وبهذا نعرف أنّ التأويل في سورة الأعراف تهديد ووعيد للكفار بتحقق العذاب بهم يوم القيامة- كما سبق أن بينا- وأما التأويل في سورة يونس، فهو وعيد وتهديد للكفار بتحقق الهزيمة بهم في الدنيا!!

стр. 76

المطلب الخامس: مع التأويل في سورة الإسراء ورد التأويل مرة واحدة في سورة الإسراء، وذلك تعقيبا علي أمر الله المؤمنين بتوفية المكيال، وإتمام الميزان، حيث اعتبر ذلك خيرا وأحسن تأويلا. قال تعالى: وأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ، وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ: ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (١). الكيل والوزن بين الإتمام والتطفيف: هذه الآية ضمن آيات تقدّم للمسلمين مجموعة من التوجيهات القرآنية حول الأخلاق والفضائل، حيث تأمرهم بالتحلي بمكارم الأخلاق ومحاسنها، وتنهاهم عن قبائحها ومساوئها. هذه الآيات من الآية الثالثة والعشرين إلي الآية التاسعة والثلاثين: ٢٣ - ٣٩. تأمر الآية المسلمين بالوفاء بالكيل عند ما يكيلون، والوزن بالقسطاس عند ما يزنون، وتعتبر هذا الأمر خيرا، كما تعتبره أحسن تأويلا. ونقيض الوفاء بالكيل هو إنقاصه، ونقيض الوزن بالقسطاس، هو بخس الميزان وتخسيره، وهذا هو التطفيف، الذي ذمّ الله المطففين من أجله. لقد كان قوم مدين ينقصون المكيال والميزان، فبعث الله له شعيبا عليه

стр. 77

الصلاة والسلام، فنهاهم عن التطفيف والإنقاص والبخس، وأمرهم بالإتمام والتوفية. قال تعالى: وإِلي مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، ولا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ والْمِيزانَ، إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ، وإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. ويا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ والْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ، ولا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١). وقد أمر الله المسلمين بالوزن بالقسط، وعدم إنقاص الميزان، كما ورد في قوله تعالى: والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ الْمِيزانَ. أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ. وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، ولا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٢). وذمّ الله المطففين لتلاعبهم في المكيال والميزان، فقال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَي النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٣). والمطففون هم الذين يطففون الكيل، فينقصونه ولا يتمونه. قال الامام الراغب في معنى «طفف»: «الطّفيف: الشيء النّزر القليل، والطّفافة هي الشيء الذي لا يعتدّ به لقلته. ويقال: طفّف الكيل: إذا قليل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه» (٤). إنّ المطفف في المكيال متلاعب به، فإذا اكتال من الناس وأخذ منهم زاد في المكيال، فأخذ أكثر من حقّه، لكنه بالمقابل إذا كال لهم وأعطاهم، فإنه ينقص المكيال، ويعطيهم أقلّ مما لهم.

стр. 78

وهذا ما فسّرته الآيات في تعريف المطففين. إنهم الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَي النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. التطفيف ظلم وتجاوز، والمطفّف ظالم متجاوز، إذا اكتال وإذا كال، إذا أخذ، وإذا أعطي. وقد لاحظ هذه اللفتة الإمام أحمد بن فارس في مقاييس اللغة، فقال: «التطفيف: نقص المكيال والميزان. وقال بعض أهل العلم: إنما سمي نقص المكيال والميزان تطفيفا، لأن الذي ينقصه منه يكون طفيفا أي: قليلا. ويقال لما فوق الإناء: الطّفاف» (١). الزيادة في المكيال والميزان تطفيف، يقال: طفّ المكيال: إذا زاد. والإنقاص منه تطفيف، يقال: طفّف المكيال: إذا أنقص منه. وتوحي جملة: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَي النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ بتجبر وظلم المطففين، وأنهم ذوو مكانة وسلطان ورئاسة في قومهم، والذي يوحي بهذا حرف الجر «علي»، الذي يدلّ علي الاستعلاء، فهم يكتالون علي الناس، ويتجبّرون عليهم، ويأمرونهم بقبول مكاييلهم وموازينهم، رغم ما فيها من بخس لهؤلاء الناس. إن آية سورة الإسراء تأمر بالتوفية في الكيل والوزن، وتنهي عن التطفيف فيه. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ: عليكم عند ما تكيلون أن توفوا الكيل، وأن لا تنقصوه إذا كان عليكم، وأن لا تزيدوه إذا كان لكم. وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ: عند ما تزنون بالميزان، فعليكم أن تكونوا عادلين في الوزن، فلا تأخذوا أكثر من حقكم، ولا تعطوا غيركم عند ما تبيعونهم أقلّ من حقهم.

стр. 79

القسط هو العدل، والمقسط هو العادل، وإنّ الله يحبّ المقسطين العادلين. و «القسطاس»: هو الميزان، وسمي قسطاسا مبالغة في وجوب تحقّق القسط والعدل فيه، عند ما يوزن به. وقد وصف القسطاس في الآية بالاستقامة: وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ والاستقامة ضرورية له ليتحقق العدل فيه، ويبدو الإنصاف والإيفاء منه. إنّ الميزان المؤمن الصادق قائم بالقسط، فهو قسطاس مستقيم، بينما ميزان المطفف أعوج، فهو ميزان خادع، يزن بالخسران والإنقاص والبخس. وقد قارن شعيب ﵇ بين الميزانين وصاحبيهما، عند ما نهي قوم مدين عن البخس وأمرهم بالقسط، وذلك في قوله تعالى: أَوْفُوا الْكَيْلَ، ولا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ (١). معنى التأويل في السورة: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ، وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ. ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. بعد ما أمرت الآية المسلمين بإيفاء الكيل وإتمام الوزن، عقبت علي هذا، بأنه خير، وأحسن تأويلا. «ذلك» في الجملة اسم إشارة، والمشار إليه هو المذكور في بداية الآية. والتقدير: إيفاؤكم الكيل والوزن هو خير. و «خير» في الجملة أفعل تفضيل، لكنّ التفضيل هنا ليس علي ظاهره، أي: ليس هنا مفضول وفاضل.

стр. 80

إذا كان التفضيل علي ظاهره، فكيف يكون المعني؟ هل يعتبر إيفاء الكيل والوزن أفضل من تركه وتطفيف المكيال والميزان؟ كلا. إنّ الإيفاء ليس أفضل من الإنقاص والتطفيف! لأنه لا مجال للمقارنة أو المفاضلة بينهما. فالإيفاء واجب والتطفيف حرام، ولا مفاضلة بين الواجب والحرام. هل نقول: إنّ الزواج أفضل من الزنا؟ وإنّ الصلاة أفضل من تركها؟ لو فعلنا ذلك لظلمنا الزواج والصلاة، عند مقارنتهما بأضدادهما. ألم تر أنّ السيف ينقص قدره ... إذا قيل: هذا السيف أمضي من العصا التفضيل هنا «ذلك خير» ليس علي ظاهره، ولا تفاضل بين الإيفاء والتطفيف، وإنما تفضيل الإيفاء في ذاته، لأنّ المقصود الثناء علي الإيفاء في نفسه، وبيان قيمته، وحثّ المسلمين عليه. أي: الإيفاء فاضل وخير وطيّب ونافع وجيد. وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا: هذه الجملة معطوفة علي ما قبلها، سيقت للدعوة إلي إيفاء المكيال والميزان، والثناء عليه، والترغيب فيه. إنّ ايفاء المكيال والميزان خير في ذاته، وهو أحسن تأويلا. فما معنى التأويل هنا؟ وهل يخرج عن معناه في الآيات السابقة التي حللناها؟. معنى أَحْسَنُ تَأْوِيلًا: إيفاء المكيال والميزان أحسن ردا، وأحسن عاقبة، وأحسن مالا، وأحسن نهاية، وأحسن إرجاعا، وهذا هو معنى التأويل الذي استعمله القرآن: «هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا». لماذا إيفاء المكيال والميزان أحسن مآلا وعاقبة وردا ونهاية؟ تريد الآية ترغيب المسلمين في إيفاء المكيال والميزان، وتحسينه في عيونهم، مع ترهيبهم من نقيضه، وتنفيرهم من التطفيف.

стр. 81

التطفيف أسوأ تأويلا: إنّ بعض المسلمين قد ينظر للموضوع نظرة تجارية مادية متعجلة، وتحركه الرغبة في زيادة المال وتحقيق المكاسب، فتعميه هذه الرغبة عن مشاهدة آخر الطريق، وملاحظة نهايته! ولذلك يظنّ أنّ تطفيف المكيال والميزان خير له، وأحسن من الإيفاء! ولماذا لا يكون خيرا وأحسن عنده؟ ألا ينتج عنه زيادة الكسب والمنفعة؟ ومضاعفة الربح؟ ألا يزداد ماله دراهم أو دنانير؟ ألا يزداد وزن سلعته غرامات أو كيلووات؟ أليس هذا خيرا له وأحسن؟ أمّا عند ما يوفي المكيال والميزان فإنه يفقد هذه المكاسب المادية، ويخسر هذه الأرباح الطائلة! تنقص أمواله، ويقلّ دخله، وهل هناك تاجر ذو حس تجاري، ورغبة في الربح، يرضي أن يفقد هذه المكاسب، ويترك استغلال هذه الفرص؟ مع أنّ التجارة «شطارة»!! تردّ الآية علي هذه التبريرات النفسية، فتقول للتاجر: ليس الأمر كما حدثتك نفسك الطامعة في الربح والكسب، ولو علي حساب الآخرين. إنّ تطفيفك للمكيال والميزان، وحصولك علي كسب أكثر، وربح أعلي، ليس خيرا لك في النهاية. هو خير لك الآن، لكن ما هي عاقبته عليك؟ ما هي نهايته؟ أي: ما هو تأويله؟ وما هي صورته الفعلية الواقعية التي ينتهي إليها، ويستقر عليها؟ إنّ الله لن يبارك له تجارته التي تقوم علي تطفيف المكيال والميزان. وإن الله لن يوفقه في حياته طالما أنه جني كسبا حراما، وأضاف إلي رصيده مالا حراما. ماذا سيحصل له عند ما يطفّف المكيال والميزان؟ سيقذف الله كراهيته في قلوب «الزبائن» لتلاعبه في الميزان، وظلمه لهم، ونهبه لأموالهم، وبهذا سينصرفون عنه، وستقل صفقاته التجارية، أي ستقلّ أرباحه،

стр. 82

وستصاب أمواله وتجارته بالركود. هذا هو «تأويل» تطفيف المكيال والميزان، وهذه هي عاقبة ونهاية ذلك! ثم إنّ الله قد يبتلي هذا التاجر المطفّف بابتلاءات شديدة، في نفسه وأسرته وممتلكاته، فيدفع أضعاف أضعاف ما حصّله من مال وربح حرام، عن طريق تطفيف المكيال والميزان. كم زاد رصيده من التطفيف والتلاعب؟ مائة دينار؟ أو ألف دينار؟ فليكن. لكن لينتظر «تأويل» هذه الزيادة المحرمة، قد يصيبه الله بمرض خطير، هو أو أحد أفراد أسرته، فيدفع لعلاجه آلاف الدنانير. فهل كان تأويل التطفيف خيرا أو شرا؟ وقد يصاب بحادث لسيارته، فتتضر بذلك كثيرا، فيدفع لإصلاحها مئات أو آلاف الدنانير! وهذا هو تأويل تطفيف ميزانه! وقد تصيب تجارته آفة أو جائحة، كأن يحترق محلّه التجاري، أو يسطو عليه اللصوص، فيدفع آلاف الدنانير للإصلاح والتعويض. وهذا هو تأويل التطفيف. هذه الأخطار التي تحدق به في الدنيا، أما يوم القيامة فماذا ينتظره هناك من أخطار؟ وماذا أعدّ الله له من عذاب؟ مقابل التطفيف والتلاعب، وأكل أموال الآخرين؟ وهذا هو تأويل التطفيف، وبيان عاقبته السيئة ونهايته الألمية! أبعد كلّ هذه الأخطار، ما زال بعض التجار يظنّ أنّ التطفيف خير وأحسن تأويلا له؟ لا بدّ أن يمدّ عينه بعيدا، ليري هذه الأخطار التي تحدق به في الدنيا والآخرة، ويقف علي «تأويل» هذه التطفيف، ويلاحظ صورته النهائية، وعاقبته المادية. بعد هذا الرد للتطفيف إلي عاقبته، سيقول ذلك التاجر بما تقرره الآية: إنّ عدم إيفاء الكيل تطفيف، وإنّ عدم الوزن بالقسطاس تطفيف، وهذا التطفيف شرّ، وهو أسوأ تأويلا، وأسوأ عاقبة ونهاية وردّا ومآلا!!

стр. 83

إيفاء الكيل والميزان أحسن تأويلا: هذا في الجانب السلبيّ القائم علي التطفيف، أما في الجانب الإيجابي المشرق، فإنّ إيفاء الكيل، والوزن بالقسطاس، هو خير وأحسن تأويلا، وأحسن عاقبة ومآلا وردّا ونهاية، في الدنيا وفي الآخرة! فكيف كان ذلك؟ وكيف يحسن التاجر تأويل التزامه بأخلاقيات التجارة؟ وكيف يلاحظ عاقبة ومآل ذلك؟ إنّ الله سيبارك له في تجارته، ويوفّقه في حياته، ويرزقه الهناء والسعادة، والرضي بالقضاء، والقبول عند الناس. إيفاء الكيل والوزن أحسن تأويلا وردا في الدنيا: سيحبّه «الزبائن»، ويحرصون علي التعامل معه، والشراء منه، وبهذا تزداد مبيعاته، وتكثر صفقاته، وبذلك تزداد أرباحه، وعندها يدرك أنّ هذه الخيرات كلها تأويل وعاقبة لالتزامه. وسيبارك الله في حياته، وسيعافيه هو وأسرته من الأمراض والابتلاءات، وبذلك سيوفر الكثير من الأموال، التي كان سينفقها علي مواجهة الأمراض وتكاليف العلاج، وهذا تأويل لالتزامه. وسيحفظ الله له تجارته، ويحميها من الآفات والكوارث، وهذا تأويل لالتزامه. هذا في الدنيا، وفي الآخرة فإنّ الله يعدّ له حسن الجزاء والثواب، ويمتعه في جنات النعيم، ويمنّ عليه بالرضي والرضوان، وهذا تأويل لالتزامه. إن هذا التاجر الصادق لم يكن ضيق الأفق، قصير النظر، كذلك التاجر المطفف، وإنما امتدّ ببصره للمستقبل، ورأي عاقبة ومآل الالتزام بتوجيهات الإسلام، فاستعلي علي وساوس النفس لتطفيف المكيال

стр. 84

والميزان، وسعي لإيفاء الكيل، وإتمام الوزن، راغبا في حسن تأويل ذلك، حريصا علي نيل عاقبته السعيدة، ومآله المطلوب، ونهايته المرضية، في الدنيا والآخرة!! هذا هو معنى التأويل، لمن يوفي المكيال والميزان، وهذه هي عاقبة ونهاية ذلك التصرف الجميل. إنّ التأويل في سورة الإسراء تأويل للمكيال والميزان، تأويل ناتج عن حسن التزام توجيهات القرآن، المتعلقة بالكيل والوزن، تأويل يلحظ فيه عاقبة ونهاية هذا الأمر، والرغبة في مآله وغايته. وهذا هو المعنى المتفق مع ورود التأويل في باقي السور.

стр. 85

المطلب السادس: مع التأويل في سورة النساء ورد التأويل مرة واحدة في سورة النساء، وذلك في سياق الأمر بالحكم بشرع الله، وطاعة أولي الأمر من المسلمين، وذمّ المنافقين الذين يرفضون الاحتكام إلي شرع الله، ويريدون أن يتحاكموا إلي الطاغوت. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلي أَهْلِها، وإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، أَلَمْ تَرَ إِلَي الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَي الطَّاغُوتِ، وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (١). المعنى الإجمالي للآيات: يأمر الله المسلمين أن يؤدّوا الأمانات- علي إطلاقها وعمومها- إلي أهلها، وأن يحكموا بين الناس- كلّ الناس- بالعدل والقسط، وأن لا يظلموا ولا يجوروا في أحكامهم، وهذه الأوامر من الله، فهي أوامر ممدوحة طيبة خيّرة نافعة، والله سمع لما يقولون وما ينطقون به من أحكام عند ما يصدرونها، وهو بصير بهم يراهم وهم يتحركون ويتنقّلون، لأداء الأمانات أو إصدار الأحكام، فلا بدّ أن يستحضروا رقابة الله عليهم،

стр. 86

وسمعه لكلامهم، وبصره بهم، ليحرصوا علي تنفيذ هذه الأوامر. وقد يختلف المسلمون فيما بينهم في تحديد الأمانات التي تؤدّي، وفي تحديد العدل عند إصدار الحكم، فلا بدّ من أصل يرجعون إليه، ومن ميزان يزنون فيه، ومن حكم يحتكمون إليه، وذلك ليردّوا إليه المتنازع فيه، طلبا للحق، وإنهاء للخلاف، وابتغاء للصواب! فما هو هذا الميزان والحكم والأصل؟ تحدّده الآية الثانية بأنه «شرع الله» المتمثل في كتابه الكريم وسنة رسوله العظيم ﷺ ، ولذلك تأمر الآية المسلمين بطاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: أَطِيعُوا اللَّهَ، وأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. ونري أنّ الآية كررت فعل «أطيعوا» مرة ثانية عند الأمر بطاعة الرسول، وذلك للتأكيد علي أن طاعة الرسول ﵊ من طاعة الله، ولأن هدية وسنته وسيرته مصدر ثان من مصادر التشريع الاسلامي، بعد القرآن الكريم. نري أن كلّ فعل يشير إلي مصدر مستقل من مصادر التشريع: أَطِيعُوا اللَّهَ: الإشارة إلي القرآن، المصدر الأول للتشريع. وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ: الإشارة إلي السنة، المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. وطاعة الله مطلقة، وطاعة الرسول أيضا ﵊ مطلقة لأنّ الرسول ﵊ لا يأمر بمعصية. أما طاعة أولي الأمر من المسلمين فهي مقيدة بقيدين: الأول: أن لا يأمروا بمعصية، فتطيعهم الرعية عند ما يأمرون بالطاعة والخير والبر، لكنها لا تطيعهم عند ما يأمرون بالمعصية، ولهذا أسقط فعل

стр. 87

«أطيعوا» من الجملة الثالثة، وعطفت علي «الرسول»: أَطِيعُوا اللَّهَ، وأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. الثاني: أن يكونوا من المسلمين وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وليس معنى هذا أن يكونوا من المسلمين بمجرد الانتساب، بل أن يكونوا من المسلمين قولا وفعلا وسلوكا وتصرفا، وبما أنهم أولوا الأمر، وأصحاب الحكم، فيجب أن ينفذوا شرع الله، ويطبّقوا حكم الله، ولا يجوز أن يقرّوا تشريعا أو قانونا أو نظاما يتعارض مع حكم الله، فإن فعلوا ذلك واحتكموا إلي غير شرع الله لم يعودوا من المسلمين الصادقين، وبذلك فقدوا حقهم علي الرعية في الطاعة. الرد إلي الله ورسوله: وبعد ما تعرّف الآيات المسلمين حكاما ومحكومين علي الميزان والحكم والأصل، وهو حكم الله ورسوله، تدلّهم علي طريقة حلّ نزاعاتهم الاجتهادية، وحلّ خلافاتهم الاجتهادية، وذلك بأن يردّوا المتنازع فيه من الامور والمسائل والقضايا إلي حكم الله ورسوله. وذلك حيث تقول: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ وفي هذا دليل علي جواز التنازع والاختلاف في المسائل الاجتهادية، وجواز تعدّد الآراء، وتباين وجهات النظر، في المسألة الواحدة، طالما أنه ليس فيها نص شرعي، وطالما أنّ هدف المختلفين المتنازعين المجتهدين مصلحة الأمة، وتحرّي الصواب! يجوز التنازع «الأخويّ» الاجتهادي بين الرعية فيما بينها، ويجب علي الأفراد المتنازعين ردّ الأمر المختلف فيه الي الله ورسوله. ويجوز التنازع «الاخويّ» الاجتهادي بين الرعية وحكامها، ويجوز أن يقف شخص من أفراد الأمة أمام الحاكم، ليقول له- بأدب واجتهاد-:

стр. 88

لا. ويجب ردّ المختلف فيه بين الرعية والحاكم إلي الله ورسوله. لا يجوز لوليّ أمر المسلمين أن يمنع الآراء المخالفة لرأيه، ولا أن يصادرها، ولا أن يؤذي أصحابها، ولا أن يحرص علي جعل الناس كلّهم ظلا له، تابعين لرأيه، بل يجب عليه أن يسمح بتعدّد الاجتهاد، وتعدّد الآراء ووجهات النظر، ووجود أفراد في الأمة مخالفين له في اجتهاده. في هذه الحالة يجب علي المختلفين المتنازعين المجتهدين من احكام والمحكومين أن يبحثوا عن حلّ نهائيّ للمسائل الخلافية، وأن يحتكموا إلي «حكم» ينهي النزاع، وأن يردّوا إليه الأمر، وأن يلتزموا بحكمة. هذا الحكم، هو الأصل والميزان، إنه شرع الله، المتمثل في القرآن الكريم وحديث رسول الله ﷺ : «فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلي الله والرسول، وإن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر». وترغب الآية المسلمين حكاما والمحكومين بالردّ إلي الله ورسوله، وتبيّن عاقبته الجيدة فيهم، فتقول: ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. و «ذلك» اسم إشارة، والمشار إليه هو المذكور في الجملة السابقة، وهو ردّ المتنازع فيه إلي كتاب الله وسنة رسوله، فهذا الرد والاحتكام فيه إلي الأصل خير وبركة! وأفعل التفضيل في «خير» ليس علي ظاهره. أي لا يوجد في المسألة فاضل وأفضل منه. فالردّ إلي كتاب الله وسنة رسوله ليس خيرا من عدم الردّ إليها وليس أفضل من ترك الردّ إليها! فإنّ عدم الردّ إليها شرّ خالص، وباطل محض، ليس فيه ذرة خير أو نفع! إنما يراد بيان فضل الردّ في ذاته، دون التفات إلي تفضيله علي غيره، إنّ ردّ الأمر المتنازع فيه إلي الله ورسوله أحسن عاقبة وردا، وأحسن مرجعا ومآلا، وأحسن نهاية وحكما، وأحسن علاجا وحلا.

стр. 89

ولا يوجد مسلم صالح حاكما أو محكوما يرفض الاحتكام إلي الله ورسوله، ويأبي ردّ المتنازع فيه إلي كتاب الله وسنة رسوله، بما أن هذا الاحتكام والردّ هو خير وأحسن تأويلا ومرجعا وقضاء. لكنّ المنافق او ضعيف الإيمان، ويرفض هذا الاحتكام والرد، ويأبي الخضوع لحكم الله ورسوله، ويسعي إلي حكم الطواغيت، ويقبل بحكم البشر المناقض لحكم الله ورسوله، ويكون بذلك قد فقد إيمانه، وأغضب ربّه، وعصي نبيه، وأطاع شيطانه. ولهذا تتعجب الآية التالية من موقف المنافقين، الراغبين في الاحتكام إلي الطاغوت، الرافضين لحكم الله ورسوله: أَلَمْ تَرَ إِلَي الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَي الطَّاغُوتِ، وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً. شتّان بين ردّ وردّ، وبين تأويل وتأويل شتّان بين ردّ المؤمنين المتنازع فيه إلي الله ورسوله، الذي هو خير وأحسن تأويلا، وبين ردّ المنافقين المتنازع فيه إلي الطاغوت، الذي هو شرّ وأسوأ تأويلا!! معنى التأويل في الآية: التأويل هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما أو فعلا. وتقدم الآية لنا الميزان الذي نزن به، والمرجع الذي نرجع إليه، والأصل الذي نردّ إليه الأمور المختلف فيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ، فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. هناك أمور متنازع فيها بين المسلمين، ليس فيها نصّ صريح يزيل التنازع

стр. 90

ويحلّ الإشكال. فكيف يزال التنازع؟ وما المرجع الذي يرجعون إليه؟ وما الأصل الذي يتحاكمون إليه؟ ما هو تأويل ذلك الأمر المتنازع فيه؟ بمعني: ما هي حقيقة ذلك الأمر؟ وما هو الراجح فيه من الأقوال والآراء المقدمة؟ أيّ رأي منها يوافق الحقّ والصواب؟ ومن الذي يقرر ذلك؟ ومن هو المؤهل للحكم فيه؟ ومن هو الصالح للردّ إليه؟ ومن هو الذي يؤول الموضوع، ويقدم حقيقته الراجحة الصحيحة؟ إنه رسول الله ﷺ في حياته، وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ بعد قبضه، وهذا ما صرّحت به الآية: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ: ردّوا الأمر المتنازع فيه إلي الله والرسول، أي ردّوه إلي كتاب الله وسنة الرسول ﵊. أي: أوّلوا المتنازع فيه، وابحثوا عن حلّ نهائي له، واذهبوا إلي من يؤوّله، ويريكم حقيقته ومآله، ومرجعه ونهايته، ردّوه إليه ليؤله لكم! وإذا كان التأويل هو ردّ الشيء إلي غايته، عرفنا حكمة الأمر بالردّ في الآية: فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ: قدّموه إلي الميزان الصحيح، المتمثل في كتاب الله وسنة الرسول، ليتمّ تأويله، وتعرف حقيقته. ذلِكَ خَيْرٌ: ردّ المتنازع فيه إلي الميزان والمرجع والأساس والأصل، إلي كتاب الله وسنة رسوله، خير وبركة وصواب. وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا: أحسن ردّا، وعاقبة ومآلا، ونهاية ومرجعا وحلا، وحكما وبيانا.

стр. 91

سبب نزول الآية: أورد الإمام ابن كثير في تفسيره بعض الروايات في سبب نزول هذه الآية، منها: ١ - ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: نزل قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ في عبد الله بن حذافة السّهمي، وإذ بعثه رسول الله ﷺ في سريّة. ٢ - وما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سريّة، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا، وجد عليهم في شيء (أي: غضب منهم بسبب خلاف بينهم وبينه، فأراد أن يعاقبهم) فقال لهم: ألي قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلي. قال: فاجمعوا لي حطبا. ثم دعا بنار فأضرمها فيه. ثم قال لهم: عزمت عليكم لتدخلنها! فقال لهم شابّ منهم: إنما فررتم إلي رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. فرجعوا إلي رسول الله ﷺ ، فأخبروه، فقال لهم: (لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا!! إنما الطاعة في المعروف) (١). تدلّ هذه الحادثة علي معنى الردّ والتأويل وحدود الطاعة في الآية، الآية تأمر بطاعة الله ورسوله ووليّ الأمر، لكنّ طاعة وليّ الأمر مقيدة

стр. 92

بتنفيذ الأوامر الشرعية. فهذا الأنصاري أمير السرية قد غضب من أصحابه، وتنازع معهم وتنازعوا معه في شيء، فأخذته صفاته البشرية من الضعف واستغلال المنصب وحبّ الانتقام، وهي أخطاء بشرية تعتري البشر ولو كانوا صالحين، فأمرهم بإلقاء أنفسهم في النار تنفيذا لأمره. فهل ينفّذون الأمر، ويلقون أنفسهم فيها؟ بعضهم همّ بذلك من باب الطاعة والالتزام!! ولكنّ ذلك الشابّ الذكيّ منهم أعاد الأمر إلي الميزان، وردّ المسألة إلي الأصل: كيف تلقون أنفسكم فيها، وأنتم أسلمتم واتبعتم الرسول ﷺ لينجيكم الله منها؟ لا تفعلوا! وعند ما نرجع للرسول ﵊ نعرف حكمه في المسألة، وننفّذه، فإن أمرنا بذلك فعلنا!! إنّ هذا التفكير المنهجي العلميّ من هذا الشابّ الصحابيّ هو بحث عن تأويل أمر الأمير الغاضب، وسعي لمعرفة حقيقة الأمر، والوقوف علي مآله وعاقبته ونهايته. ولذلك طالب بردّ الموضوع إلي الأصل، والاحتكام إلي المرجع والحكم، وهو رسول الله ﷺ ، وهذا هو معنى التأويل في الأسلوب القرآني. لقد أوّل لهم رسول الله ﷺ الأمر المتنازع فيه والمختلف عليه مع الأمير الغاضب، وأصدر حكمه فيه، وذلك عند ما قال لهم: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا. فلو نفذ جنود السرية أمر الأمير الغاضب، ألقوا أنفسهم في النار من باب طاعة وليّ الأمر، لكن فعلهم أعظم شرا، وأسوأ تأويلا وتنفيذا وردا وتطبيقا وعاقبة، حيث يدخلهم الله نار جهنم، ولا يخرجهم منها! ولكنّهم أحسنوا عند ما أحالوا الأمر المختلف فيه علي رسول الله ﷺ ،

стр. 93

فبيّن لهم الصواب والحقيقة، وهذا تأويل من الرسول ﵊ للأمر المتنازع فيه، وفعلهم هذا هو خير وأحسن تأويلا وعاقبة ومآلا وغاية. ثم أرسي رسول الله ﷺ القاعدة الدائمة للمسلمين من بعده حتى قيام الساعة، وقدّم لهم الأساس والميزان في صلة المحكومين بالحكام والرعية بالراعي. هذا الأساس والميزان في قوله تعقيبا علي الحادثة: (إنما الطاعة في المعروف). طاعة ولي الأمر المسلم الصالح واجبة، وتنفيذ أوامر الحاكم المسلم الصالح واجب، لكن علي شرط أن يأمر بالواجب والمعروف، أما إذا أمر الحاكم بمعصية ومنكر وحرام، فعندها تلغي طاعته، ويحرم تنفيذ أمره، ولا سمع له ولا طاعة، لأنّ الطاعة في المعروف الحلال. فهذه الجملة المحدّدة من رسول الله ﷺ «إنما الطاعة في المعروف» هي الميزان والأصل، والقاعدة والأساس، يرجع إليها المسلمون في حلّ خلافاتهم مع حكامهم ومسئوليهم وولاة أمورهم، ينظرون إلي أوامر مسئوليهم من خلالها، ويتعاملون مع حكامهم علي أساسها، فينفذون من تلك الأوامر ما اتّفق معها، ويرفضون تنفيذ ما تعارض معها!! وإعادة المسلمين لأوامر وتعليمات مسئوليهم وحكامهم إلي هذه القاعدة النبوية، هو ردّ إليها، وحمل عليها، أو: هو تأويل لتلك الأوامر علي أساس هذه القاعدة. وهذا تطبيق لقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا!!

стр. 94

المطلب السابع: مع التأويل في سورة آل عمران ورد التأويل مرتين في سورة آل عمران، والمرتان ذكرتا في آية واحدة، وهذه الآية في سياق آيات أخري، تتحدث عن المحكم والمتشابه في القرآن، وموقف فريقين من المتشابه، فريق الذين في قلوبهم زيغ، الراغبين في الفتنة، وفي تأويل المتشابه، وفريق الراسخين في العلم المعترفين بعجزهم عن تأويل المتشابه، حيث يسندون العلم بتأويل المتشابه إلي الله وحده. قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ. إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (١). المعنى الإجمالي للآيات: ما من مفسّر للقرآن إلا وقد وقف أمام هذه الآيات وقفة مطوّلة، واستطرد في الكلام عن ما تشير له الآيات، وتوسّع في الكلام عن المحكم والمتشابه في القرآن، وعن تأويل المتشابه وكيفيته وإمكانيته وضوابطه. واختلفت الأفهام كثيرا في هذه الموضوعات، وتعددت الآراء، وتباينت وجهات النظر، وكلّ رأي يدّعي صاحبه اعتماده فيه علي هذه الآيات. ولا يعنينا استعراض هذه الآراء المتعارضة، وحجج أصحابها، إنما نريد

стр. 95

أن ننظر في معنى التأويل المذكور فيها، ونربطه مع معنى التأويل الوارد في السور الأخرى الذي عرضناه من قبل! يقرر الله حقيقة إنزال القرآن علي محمد ﷺ : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ. وفي هذه الجملة إثبات أن القرآن كلام الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، تلقي القرآن من عند الله عن طريق الوحي. وتقسم الآية آيات القرآن إلي قسمين: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ- هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ- وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ. «منه»: من: حرف جر، تدلّ علي معنى التبعيض، وتفيد التقسيم. والضمير «الهاء» فيها، يعود علي القرآن. أي من القرآن آيات محكمات، ومنه آيات متشابهات. آياتٌ مُحْكَماتٌ: من «الإحكام» وهي اسم مفعول. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ: هذه جملة معترضة، جيء بها لوصف الآيات المحكمات من القرآن بأنهن أمّ الكتاب، ولتقرير حقيقة في فهم الآيات والمتشابهات. وأساس معنى «الأمّ» هو: الأصل والمرجع، فأمّ الطفل هي أصله، ومرجعه الذي يرجع اليه، وأمّ الجيش رايته التي يرجع الجنود إليها، وأمّ الرأس الدماغ، الذي يسيطر علي الجسم ويحركه. وأمّ القرآن هي الفاتحة، التي هي أساس وأصل القرآن، وكلّ معاني القرآن ترجع إليها، وتنبثق منها. ووصفت الآية الآيات المحكمات بأنهن أم الكتاب: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ بالمفرد، ولم تقل: هنّ أمهات الكتاب بالجمع. لأن الآيات المحكمات كلها أمّ الكتاب، فينظر إليهن بمجموعهن علي أنهن أمّ، ولا ينظر لكل آية علي حدة. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ: هذا هو القسم الثاني من آيات القرآن، وهو الآيات

стр. 96

المتشابهات، و «متشابهات» اسم فاعل من التشابه، وهو التماثل. وبعد ما ذكرت الآية هذين القسمين من آيات القرآن، ذكرت اختلاف نظرة الناس إلي الآيات المتشابهات. فمنهم من يتبعها بهدف الفتنة والرغبة في تأويلها، وهؤلاء هم الذين في قلوبهم زيغ، ومنهم من لا يعلم تأويلها، ويكل علم تأويلها إلي الله، ويسلّم بعجزه هو، وهم الراسخون في العلم، الذين يؤمنون بأنّ المحكمات والمتشابهات آيات القرآن من عند الله. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: هؤلاء متبعو المتشابه من القرآن، وهم المفتونون، الذين في قلوبهم زيغ وانحراف، وميل عن الحق، واتباع للباطل. فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: اسم الموصول «ما» في محل نصب مفعول به. والضمير في «منه» يعود إلي القرآن. أي: هؤلاء الزائغون يتبعون المتشابه من آيات القرآن. ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: تبين هذه الجملة هدف هؤلاء الزائغين من اتّباع المتشابه، وهو طلب الفتنة. و «ابتغاء» في الجملة: مصدر منصوب لأنه مفعول لأجله. فهم يتبعون المتشابه لأجل الفتنة. والفتنة هي التمويه والتلبيس والابتعاد عن الحق. فهم في أنفسهم مفتونون، لأنهم وقعوا في الشبهات، والتبست عليهم الأمور، وساروا مع الباطل والهوى والشيطان. ثم هم يريدون أن يفتنوا الآخرين ليكونوا مثلهم ضالين، يريدون أن يوقعوهم في الشبهات، وأن يموّهوا عليهم الحقائق، وأن يعموهم عن رؤية الحق، وأن يلبّسوا عليهم الأمور. وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: هذا هو هدف الزائغين من اتباع المتشابه، وهو

стр. 97

أنهم يريدون تأويله، ويحرصون عليه. والهاء في «تأويله» لا تعود علي القرآن كله، وإنما تعود علي المتشابه منه، هذا المتشابه المذكور في جملة «فيتبعون ما تشابه منه» وهو اسم الموصول وصلته في الجملة. والمعنى يتّبعون المتشابه من القرآن بهدف تأويل ذلك المتشابه. وبعد أن بينت الآية هدف الزائغين، وهو نشر الفتنة من خلال تأويلهم للمتشابه، بينت أن تأويل المتشابه مقصور علي الله، فقالت: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. والجملة حصرت تأويل المتشابه، وقصرته علي الله، بأداتي الحصر والقصر: ما وإِلَّا. والهاء في تَأْوِيلِهِ تعود علي المتشابه، كما عادت عليه الهاء الأولي في وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ. ومعنى الحصر والقصر في الجملة، أنه لا يعلم أحد من البشر تأويل المتشابه، لأنه لا يعلم تأويله إلا الله. وبعد ما ذكرت الآية الفريق الأول الراغب في تأويل المتشابه، طلبا للفتنة، وذمّتهم بسبب ذلك، بينت موقف الفريق الآخر، الذين لا يخوضون في تأويل المتشابه، والذين يكلون علم تأويله إلي الله، ومدحتهم، ووصفتهم بصفة الرسوخ في العلم، فقالت: والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. الراجح في سياق الجملة أنّ الواو في والرَّاسِخُونَ حرف استئناف، والجملة ليست معطوفة. أي الرَّاسِخُونَ ليس معطوفا علي لفظ الجلالة اللَّهُ. وليس وضع الجملة هكذا: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.

стр. 98

الراجح أنّ الوقف لازم علي لفظ الجلالة. وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وما بعدها جملة استئنافية تقرّر معنى جديدا، وهو موقف الراسخين في العلم من تأويل المتشابه. وهي جملة خبرية. الرَّاسِخُونَ مبتدأ. والجملة الفعلية يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ في محل رفع خبر. أي: الراسخون في العلم قائلون آمنا به كلّ من عند ربنا. وبينما ذمّت الآية الزائغين لرغبتهم في تأويل المتشابه، فقد مدحت الراسخين في العلم لعدم خوضهم في تأويل المتشابه، واعترافهم بالعجز عن تأويله، وقصرهم تأويله علي الله، وإعلانهم الإيمان بالقرآن كله وأنّ قسميه من المحكم والمتشابه هما من عند الله: يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. ووصفت الآية الراسخين في العلم وصفا آخر، مادحة لهم، فقالت: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. فهم أولوا ألباب، وأصحاب عقول كبيرة، ولذلك عرفوا حدّهم في التعامل مع الآيات المتشابهات، فلم يجاوزوه، وعرفوا عجزهم عن تأويلها، فآمنوا بها أنها من عند الله. ثم عرضت الآيتان التاليتان دعاء يدعو به الراسخون في العلم أولو الألباب، ويطلبون من الله فيه أن يثبتهم علي الحق، وأن لا يزيغ قلوبهم كما أزاغ قلوب متبعي المتشابه: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. وأعلنوا إيمانهم بقدوم يوم القيامة: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ. مناسبة نزول الآيات: قبل أن نتحدث عن معنى التأويل المذكور مرتين في هذه الآيات، واختلاف العلماء فيه، وقبل أن نقدم بعض اللطائف والدلالات من

стр. 99

الآيات، نحب أن نتعرف علي مناسبة وسبب نزول هذه الآيات، لأن معرفة مناسبة النزول تعين علي فهم صحيح للآية. روي محمد بن إسحاق في السيرة أن مطلع سورة آل عمران نزل في قدوم وقد نصاري نجران علي رسول الله ﷺ في المدينة، وجدالهم معه بشأن عيسي بن مريم ﵊. وقد كان الوفد مكونا من ستّين رجلا، وكان رؤساؤهم ثلاثة: العاقب واسمه عبد المسيح، وهو أميرهم. والسيد، واسمه الأيهم، وهو صاحب رحلهم ومجتمعهم. وأبو حارثة بن علقمة، وهو أسقفهم وحبرهم وإمامهم. وروي محمد بن إسحاق تفاصيل قصتهم مع رسول الله ﷺ ، عن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام ﵃. قال محمد بن جعفر بن الزبير: لما قدم وفد نصاري نجران علي رسول الله ﷺ في المدينة، دخلوا عليه مسجده بعد أن صلّى العصر، عليهم ثياب جبب وأردية وبرود، وكانوا ذوي هيئة وجمال. فلما رآهم بعض الصحابة قالوا: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم. ولما حانت صلاتهم، قاموا يصلون صلاتهم النصرانية في المسجد النبوي، فقال ﵊: دعوهم يصلون فصلوا نحو المشرق!! فكلم رسول الله ﷺ رؤساؤهم الثلاثة العاقب والسيد وأبو حارثة. وقالوا له: إن عيسي هو الله، وهو ابن الله، والله ثالث ثلاثة. واحتجوا علي أن عيسي هو الله، بأنه كان يحيي الموتي، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا.

стр. 100

واحتجوا علي أن عيسي ابن الله بأنه لم يكن له أب، وأنه قد تكلم في المهد. واحتجّوا علي أنّ الله ثالث ثلاثة: بقوله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، ولو كان الله واحدا لقال: فعلت، وقضيت، وأمرت، فالثلاثة هم: الله، وعيسي، ومريم!!! وقالوا للرسول ﵊: إن القرآن قد نزل بذلك، وقد قال بذلك، وقد دلت آياته علي أن عيسي هو الله، وهو ابن الله، وهو ثالث ثلاثة. فردّ عليهم رسول الله ﷺ ، وأبطل مزاعمهم، وأزال شباهتهم. ثم قال للحبرين: السيد وأبي الحارثة: أسلما. قالا: قد أسلمنا قبلك! قال لهما: كذبتما يمنعكما من الاسلام أنكما جعلتما مع الله ولدا، وعبدتما الصليب، وأكلتما الخنزير! قال محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام: فأنزل الله في قولهم، واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران، إلي بضع وثمانين آية منها. الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ: افتتح الله السورة بتنزيهه عما قالوا، وبتوحيده سبحانه بالخلق والأمر، لا شريك له، وهذا ردّ عليهم، بسبب ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه الأنداد، وذلك ليبطل شبهاتهم، ويبين ضلالهم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: ليس معه شريك في أمره. الْحَيُّ الْقَيُّومُ: هو الحيّ الذي لا يموت، وقد مات عيسي، وصلب كما يقول رهبان النصاري.

стр. 101

والله هو القيّوم: القائم علي خلقه، الذي لا يغيب ولا يزول، وقد غاب عيسي عن الناس، وزال عن مكانه الذي كان فيه، وتحول إلي غيره. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ: نزّل عليك القرآن بالصدق في المسائل التي اختلف النصاري فيها. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ والْإِنْجِيلَ: أنزل التوراة علي موسي، والإنجيل علي عيسي، كما أنزل الكتب علي من كان قبلهما. وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ: أنزل الله القرآن فرقانا، فيه الفصل بين الحق والباطل، فيما اختلف فيه الأحزاب، بشأن عيسي وغيره. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: إن الله منتقم ممن كفر بآياته، بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء فيها. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفي عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ: فهو عالم بما يريد النصاري، وما يكيدون، وما يقولون عن عيسي: إذ جعلوه إلها وربا، كفرا منهم بالله. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ: وكان عيسي ممن صور في الأرحام، كما صور كلّ البشر من بني آدم، والنصاري لا ينكرون ذلك ولا يدفعونه، فكيف يكون عيسي إلها، وقد كان مصوّرا في رحم أمه؟ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: هذا تنزيه لله، وتوحيده له، والله عزيز في انتصاره ممن كفر به، تحكيم في حجته، وعذره إلي عباده. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ: فيهنّ حجة الرب وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ: لهنّ تصريف وتأويل، ابتلي الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلي الباطل، ولا يحرفن عن الحق.

стр. 102

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: الذين في قلوبهم ميل وانحراف عن الهدي. فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: هؤلاء يتّبعون ما تصرّف منه، وذلك ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا: لتكون لهم حجة، وعلي ما قالوا شبهة. ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: يتّبعون المتشابه طلبا للبس. وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: ويتّبعون المتشابه طلبا لتأويله، علي ما ركبوا من الضلالة، كاستدلالهم علي التثليث من قوله: خلقنا وقضينا. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: الذي أرادوا به ما أرادوا. إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: فكيف يختلف القرآن وهو قول واحد من ربّ واحد؟ والراسخون في العلم قد ردوا تأويل المتشابه علي ما عرفوا من تأويل الآيات المحكمة، التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، وقد اتسق بقولهم القرآن، وصدّق بعضه بعضا، وبذلك نفذت به الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودمغ به الكفر. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: وما يتذكّر في مثل ردّ تأويل المتشابه إلي المحكم إلّا أولوا الألباب وأصحاب العقول الكبيرة (١). إنّ التابعيّ الجليل محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام- الذي أورد ابن اسحاق روايته عن قدوم نصاري نجران- قد فسّر الآيات الأولي من سورة آل عمران، وفق مناسبة نزولها في نصاري نجران، وبيّن لنا كيف تولت هذه الآيات نقض مزاعم نصاري نجران، وإظهار الحق بشأن عيسي بن مريم ﵊. ورأي محمد بن جعفر في المحكم والمتشابه والتأويل وجيه سديد، وفهمه

стр. 103

لكل واحد من هذه المصطلحات الثلاثة هو الصواب، وهذا الفهم والتفسير الذي قدّمه ابن جعفر هو الذي قال به علماء أهل السنة من بعده. لقد كان الامام محمد بن جرير الطبري معجبا بكلام ابن جعفر الذي أورده ابن إسحاق، وقد تبناه ورجّحه في تفسيره، كما تبني هذا الرأي مفسّرون لاحقون كالامام ابن كثير!! معنيان للتأويل في الآية: تكلمت الآية عن قسمي آيات القرآن: الآيات المحكمات: وهنّ أصل الآيات المتشابهات وأمّها ومرجعها، وهنّ أكثر عددا من المتشابهات. الآيات المتشابهات: وهنّ قلائل بالنسبة إلي عدد المحكمات، بدليل قوله وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وهذا الجمع للتقليل. وقد بينت الآية موقف فريقين من الناس من الآيات الأخر المتشابهات: الفريق الأول: الذين في قلوبهم زيغ، حيث يتّبعون الآيات المتشابهات بهدف الفتنة واللبس: وبهدف تأويلها وفق ما عندهم من الضلال! الفريق الثاني: الراسخون في العلم، الذين آمنوا بالآيات المتشابهات، وأيقنوا بعجزهم عن تأويلها، وبيان عاقبتها وصورتها الفعلية، وجعلوا هذا وقفا علي الله: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وقد اختلف العلماء في تأويل الآيات المتشابهات: هل تأويلها خاصّ بالله؟ وما المراد بالتأويل علي هذا التخصيص؟ أم أن الراسخين في العلم يعلمون تأويلها؟ وما الفرق بين تأويلهم المحمود وتأويل أهل الزيغ المذموم؟ سنوجز إن شاء الله حجة فريقين من العلماء: حجة من قال إن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، وحجة من قال: إنهم يعلمون تأويله!

стр. 104

المعنى الأول: هو ما تؤول إليه حقائق الآيات الغيبية إذا كان التأويل هو بيان المرجع والعاقبة والمآل، وردّ النص إلي صورته المادية الخارجية الواقعية، وتحديد ما تأول إليه حقائق الآيات، من الكيفيات والزمان والتفاصيل العملية، فهذا خاصّ بالله تعالى، ولا يعلمه الراسخون في العلم، ولا يدركون حقيقته ومآله وعاقبته، ولا يقدرون علي ردّ وإرجاع النصوص إلي صورتها الفعلية. ولذلك يجعلون تأويل النصوص العمليّ خاصا بالله، ويسلّمون بعجزهم عن ذلك، ويعلنون إيمانهم به، ويقولون آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. أما الذين في قلوبهم زيغ فإنه يتّبعون هذا المتشابه بهدف تأويله، والفتنة في تأويله، ويريدون الوقوف علي الصورة المادية للنصوص، وتحديد النهاية الفعلية التي تستقرّ عليها الأخبار، وبما أنّ هذا غير ممكن، لأنّ هذا التأويل العمليّ خاصّ بالله، لذلك يقعون في ليس وضلال! وعند ما نحمل التأويل علي هذا المعني، فإننا نجده يتفق مع معنى التأويل المذكور في السور الأخري، فقد سبق أن استعرضنا الآيات التي ورد فيها التأويل، حيث ورد سبع عشرة مرة في سبع سور قرآنية: يوسف والكهف والأعراف ويونس والإسراء والنساء وآل عمران. إنّ التأويل الوارد في هذه السور السبع سبع عشرة مرة يراد به هذا المعني، وهو ردّ الأشياء إلي حقائقها المادية، وإرجاع الأمور إلي صورتها العملية، وتحديد العاقبة والنهاية الواقعية للأخبار والوعود، وبيان ما تؤول إليه فعلا، وتستقرّ عليه واقعا، وتعيين كيفيتها وزمانها ومكانها وملامحها. هذا معنى التأويل في رؤيا يوسف والسجينين والملك في سورة يوسف، والتأويل في أعمال الخضر الثلاثة أمام موسي في سورة الكهف، والتأويل في وقوع وحدوث مضمون الآيات التي تتحدث عن مشاهد القيامة في

стр. 105

سورة الأعراف، والتأويل في وقوع آيات التهديد للكفار فعلا في سورة يونس، والتأويل في تحديد العاقبة والنهاية العملية للكيل والوزن بالقسط في سورة الإسراء، والتأويل في تحديد الصورة المادية الخيرة للأمة عند ما تردّ المتنازع فيه إلي الله والرسول في سورة النساء، والتأويل في تحديد كيفية وصورة الآيات المتشابهات، التي تتحدث عن الغيبيات، في سورة آل عمران. إنّ التأويل في القرآن لا يخرج عن هذا المعنى في التحديد العملي لما تؤول إليه حقائق النصوص النظرية. ولهذا قال الإمام الراغب في تعريف التأويل: هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما أو فعلا. هذا التحديد العملي لا يعلمه أحد من البشر، لا الراسخون في العلم ولا غيرهم، لأنه خاصّ بالله. إنّ تأويل النصوص الغيبية خاصّ بالله، تلك النصوص القرآنية التي تتحدث عن أحداث مستقبلية، تقع للناس علي وجه الأرض، أو تحدث قبيل قيام الساعة وأثناء قيامها وبعده، وتصف ما يجري يوم القيامة من مشاهد وتفاصيل، سواء علي أرض الموقف، أو في الجنة، أو في النار. الله وحده هو الذي يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهات، أي: هو الذي يعلم حقيقة حدوثها، وزمانه، ومكانه، وكيفيته، والصورة المادية الواقعية التي تكون عليها عند وقوعها وحدوثها، والعاقبة التي تؤول إليها هذه النصوص. هل الراسخون في العلم يعلمون تأويل هذه النصوص علي هذا المعني؟ وهل يقدرون علي تحديد مآلها العملي، وردها إلي كيفية حدوثها الواقعي؟ وتصوّر حقيقتها الفعلية؟ إنهم لا يقدرون علي ذلك!

стр. 106

فهم الآية علي هذا المعنى للتأويل: تتحدث الآية عن قسمين لآيات القرآن، وموقف فريقين من القسم الثاني، وتذمّ الفريق الأول، وتمدح الفريق الثاني. الآيات المحكمات هنّ أم الكتاب، وهي معظم آيات القرآن، والآيات المتشابهات هي آيات أخر قليلة. إنّ كلمة مُحْكَماتٌ في قوله: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ اسم مفعول بصيغة جمع المؤنث السالم، وفعلها الماضي الرباعي «أحكم»، وإذا كانت هذه الآيات محكمات، فمن الذي أحكمها؟ إنه الله ربّ العالمين! المحكم مشتق من «الحكم»: والحكم في اللغة هو: المنع (١). وقال الإمام الراغب في معناه «حكم: أصله: منع منعا للإصلاح» (٢). أما المحكم، فقد عرفه الراغب بقوله: «المحكم: ما لا يعرض فيه شبهة، من حيث اللفظ، ولا من حيث المعني.» (٣). وكم كان محمد بن جعفر بن الزبير دقيقا فطنا عند ما عرّف الآيات المحكمات بقوله: «فيهنّ حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم، والباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.» (٤). الآيات المحكمات هي الآيات واضحات الدلالة والمعني، لا شبهة في ألفاظها أو معانيها، تمنع من تسرّب أفهام خاطئة لها، لا تحتمل إلا معنى واضحا مفهوما، لا تصريف لها، ولا تحريف لها عن وضعها اللغوي، وبسبب هذه الصفات لها، فقد تحققت بها حجة الله علي عباده،

стр. 107

وعصمت العباد من سوء الفهم للقرآن، ودفعت شبهات الخصوم، وردّت التحريفات الباطلة. ولأجل ذلك فقد وصف الله هذه الآيات المحكمات بأنهن أُمُّ الْكِتابِ. قال الامام أحمد بن فارس في أصل معنى «أم» في اللغة: «أم: أصل واحد، يتفرع منه أربعة أبواب، هي: الأصل، والمرجع، والجماعة، والدين. وهذه الأربعة متقاربة، وبعد ذلك أصول ثلاثة، وهي: القامة، والحين، والقصد» (١). ونقل ابن فارس قول الخليل الجامع في معنى الأمة: قال الخليل: كلّ شيء يضمّ إليه ما سواه مما يليه، فإن العرب تسمي ذلك الشيء أمّا. من ذلك أمّ الرأس: الدماغ (٢). وقال أبو البقاء في الكليات: «وأم كلّ شيء أصله، قال الخليل: كلّ شيء ضمّ إليه ما يليه يسمي أمّا. قال ابن عرفة: ولهذا سميت أمّ القرآن وأم الكتاب. وقال الأخفش: كلّ شيء انضمّ إليه أشياء فهو أمّ لها، ولذلك سمي رئيس القوم أمّا لهم» (٣). الآيات المحكمات التي أحكمها الله في معناها، فلا تصرف إلي غيره ولا تحرف عنه هي أم القرآن، وأصل معانيه، وهي مرجع الآيات المتشابهات، بحيث يجب حمل الآيات المتشابهات عليها، وإرجاعها إليها، لأنها أم تلك الآيات المتشابهات وأصلها.

стр. 108

أما الآيات المتشابهات: فقد قال الله عنها وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وهذه الآيات المتشابهات قليلة من حيث الكمية والعدد إذا ما قيست بالآيات المحكمات، قليلة لدلالة الجمع أُخَرُ الذي يدلّ علي التقليل. ومُتَشابِهاتٌ اسم فاعل، جمع مؤنث سالم. أي أنّ التشابه موجود في نفسها وتركيبها ومعانيها، موجود في داخلها. الآيات المحكمات أحكمها الله. والآيات المتشابهات التشابه فيها نفسها، وفرق بعيد بين اسم المفعول مُحْكَماتٌ، واسم الفاعل مُتَشابِهاتٌ والفعل الماضي من مُتَشابِهاتٌ هو: تشابه. والتشابه هو التماثل والتشاكل. قال الامام الراغب في التّشابه والآيات المتشابهات: «والمتشابه من القرآن: ما أشكل تفسيره، لمشابهته بغيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعني. فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما. والمتشابه من جهة المعني: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإنّ تلك الصفات لا تتصور لنا، لأنه لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه وما لم نره من قبل، أو صورة ما لم يكن من جنس ما نحسّه ونراه. ثم جميع المتشابه علي ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه: كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابة، ونحو ذلك. وضرب للإنسان سبيل إلي معرفته، كالألفاظ العربية، والأحكام الغلقة الخفيّة.

стр. 109

وضرب متردّد بين الأمرين، يجوز ان يختصّ بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفي علي من دونهم» (١). إذن: الآيات المتشابهات هي التي في فهمها إشكال، لما فيها من تشابه في لفظها أو معناها، أو فيهما معا. كالآيات التي تتحدث عن صفات الله أو يوم القيامة. وحتي نفهم هذه الآيات المتشابهات، فلا بدّ من حملها علي أصلها وهي الآيات المحكمات، ولا بدّ من إرجاعها إلي أمّ الكتاب، لتفهم علي ضوئها. وهذا ما يوحي به تركيب الآية: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ- هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ- وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ. وكان محمد بن جعفر بن الزبير دقيقا وفطنا عند ما قال عن الآيات المتشابهات: «لهن تصريف وتأويل، ابتلي الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلي الباطل، ولا يحرفن عن الحق» (٢). ما هو موقف الناس من الآيات المتشابهات: التي في فهمهما إشكال، وتحتمل وجوها من التصريف والفهم؟ الناس فريقان: فريق الذين في قلوبهم زيغ، وفريق الراسخين في العلم، ولكلّ من الفريقين طريقة في فهم المتشابهات في القرآن. الفريق الأول: الذين في قلوبهم زيغ: قال الله عنهم: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ، وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وعند ما ننظر في هذه الكلمات التي تتحدث عن موقف هؤلاء الزائغين من المتشابه، فإننا نري فيها ما يلي:

стр. 110

١ - هم في قلوبهم زيغ وانحراف وميل عن الحق، والانحراف عن الحق في القلب هو أساس الداء، لأن استقامة القلب أساس استقامة العقل وحسن الفهم، وانحراف القلب هو سبب انحراف العقل وسوء الفهم. ٢ - زيغ قلوبهم دفعهم إلي اتباع الآيات المتشابهات: فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، فهم يبحثون عن الآيات المتشابهات ويتتبّعونها، ويجمعونها، ويريدون فهم معانيها بذاتها، مجردة عن غيرها. هي في ذاتها متشابهة، وفي فهمها إشكال، وهم في قلوبهم زيغ، وفي عقولهم اعوجاج، وفي أذهانهم شبهات، فكيف يفهمونها وهم علي هذه الحالة؟ وكيف يزيلون ما فيها من إشكال؟ لماذا تتبعونها؟ لماذا لم يتتبّعوا الآيات المحكمات الواضحات؟ وهي كثيرة في القرآن، وليس فيها إشكال، ولا تحتمل التحريف والتصريف؟ لم يفعلوا ذلك لأن في قلوبهم زيغا، وتتبعوا المتشابهات لأن في قلوبهم زيغا. ٣ - يهدف زائغو القلوب من اتباع المتشابهات الفتنة: ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ. والفتنة هي التلبيس وإثارة الشبهات، أي أنهم يريدون فتنة الآخرين، عند ما يتتبّعون المتشابهات أمامهم، وعند ما يثيرون الأسئلة عنها، وعند ما ينشرون الشبهات حولها، يريدون إيقاع الآخرين في اللبس والخلط، وهذه هي الفتنة، التي يفتنون بها الآخرين. ٤ - لزائغي القلوب هدف آخر من اتباع المتشابهات، وهو المتمثل في قوله تعالى: وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، إنهم يريدون تأويل هذه الآيات المتشابهات. تأويلها لماذا؟ لتحقيق هدفهم الأول، وهو فتنة أنفسهم، وفتنة الآخرين، والفتنة عندهم عن طريق تأويل هذه المتشابهات. كيف يؤوّلون الآيات المتشابهات؟ إنهم يريدون الوقوف علي حقيقتها الفعلية، ومآلها العملي يريدون تحديد ما ستئول هذه المتشابهات إليه، وتعيين كيفياتها، وزمانها ومكانها وتفاصيل حدوثها.
следующие страницы →