← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الذي اجتمعت له الأسماء الحسنى والصفات العليا (١) "، ولذلك شُدِّدَت لتكون عِوَضًا عن علامتي (٢) الجمع، وهي الواو والنون في "مسلمون" ونحوه. وعلى الطريقة التي ذكرناها أنَّ نفس الميم دالة على الجمع، لا يحتاج إلى هذا. يبقى أن يقال: فهلا جمعوا بين "يا" وبين هذه الميم على المذهب الصحيح؟. فالجواب أنَّ القياس يقتضي عدم دخول حرف النداء على هذا الاسم، لمكان الألف واللام منه، وإنما احتملوا ذلك فيه لكثرة استعمالهم دعاءه واضطرارهم إليه، واستغاثتهم به، فإما أن يحذفوا الألف واللام منه، وذلك لا يسوغ للزومهما له، وإما أن يتوصلوا إليه بـ "أي"، وذلك لا يسوغ (٣)؛ لأنها لا يتوصل بها إلا إلى نداء اسم الجنس المُحَلَّى بالألف واللام كالرجل والرسول والنَّبِيّ، وأما في الأعلام فلا، فخالفوا قياسهم في هذا الاسم لمكان الحاجة. فلما أدخلوا الميم المشددة في آخره عِوَضًا عن جميع (٤) الأسماء، جعلوها عوضًا عن حرف النداء، فلم يجمعوا بينهما، والله أعلم.

стр. 212

الفصل الثاني (١) في بيان معنى الصلاة على النبي ﷺ - وأصل هذه اللفظة في اللغة (٢) يرجع إلى معنيين: أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني: العبادة، فمن الأول قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. ١٨٦ - وقول النبي ﷺ : "إِذا دُعِيَ أحدُكُم إلى الطَّعام فليُجبْ، فإنْ كانَ صائِمًا فليُصَلِّ" (٣)، فُسِّر بهما (٤) قيل: "فليدع لهم بالبرَكة"، وقيل: "يصلي عندهم" بدل أكله. وقيل: إن "الصلاة" في اللغة معناها الدعاء.

стр. 213

والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما (١) فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قيل: أطيعوني أثبْكم، وقيل: سلوني أعْطِكم، وفُسِّر بهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والصواب: أن الدعاء يعم النوعين، وهو لفظ متواطئ لا اشتراك فيه، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. والصحيح من القولين (٢): لولا أنكم (٣) تدعونه وتعبدونه، أي: أي شيء يعبأ بكم لولا عبادتكم إياه، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]، وقال تعالى إخبارًا عن أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وهذه الطريقة أحسن من

стр. 214

الطريقة الأولى؛ ودعوى الاختلاف في مسمى الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضوعه (١) في اللغة: فيكون حقيقة شرعية (٢) أو مجازًا شرعيًا؟. فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مُسمَّاها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقةً لا مجازًا (٣)، ولا من منقولة، لكن خُصَّ اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة، كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مُسمّاها، كالدابة، والرأس، ونحوهما، فهذا غايته (٤) تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، وهذا (٥) لا يوجب نقلًا ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي، والله أعلم. فصل هذه صلاة الآدمي، وأما صلاة الله (٦) على عبده فنوعان: عامَّة، وخاصَّة. أما العامَّة: فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال تعالى:

стр. 215

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ومنه دعاء النبي ﷺ الصلاة على آحاد المؤمنين، كقوله: ١٨٧ - "اللهُمَّ صَلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (١). ١٨٨ - وفي حديث آخر: أنَّ امرأة قالت له: صل عليَّ وعَلَى زَوْجي، قال: "صلَّى اللهُ عَلَيكِ وعَلَى زَوْجِكِ" (٢). وسيأتي ذكر (٣) هذا الحديث وما (٤) شابهه إن شاء الله تعالى. النوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله، خصوصًا (٥) على خاتمهم (٦) وخيرهم محمد ﷺ . فاختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال:

стр. 216

أحدها: أنها (١) رحمته. ١٨٩ - قال إسماعيل (٢): حدثنا نصر بن علي، حدثنا محمد ابن سواء، عن جويبر، عن الضحاك قال: "صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء". وقال المبرد (٣): "أصل الصلاة الرحمة (٤)، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة (٥) واستدعاء للرحمة من الله" (٦)، وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين. والقول الثاني: أن صلاة الله مغفرته. ١٩٠ - قال إسماعيل (٧): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمَّد بن سواء، عن جويبر، عن الضحاك، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي

стр. 217

عَلَيْكُمْ﴾، قال: "صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء". وهذا القول هو من جنس الذي (١) قبله، وهما ضعيفان؛ لوجوه: أحدها: أن الله سبحانه فَرَّقَ بين صلاته على عباده، ورحمته، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] فعطف الرحمة على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف، وأما قولهم (٢): وألْفَى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا (٣) فهو شاذ نادر، لا يحمل عليه أفصح الكلام (٤)، مع أن المَيْنَ أخَصُّ من الكذب. الوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفةً للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها. فمن فَسَّرها بالرحمة فقد فسَّرها ببعض ثمرتها ومقصودها، وهذا كثيرًا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول ﷺ ، تُفَسَّرُ اللفظة

стр. 218

بلازمها وجزء معناها، كتفسير الرَّيْب بالشَّكِّ؛ والشَّكُّ جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر؛ وهو جزء مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان؛ وهو لازم الرحمة، ونظائر ذلك كثيرة، قد ذكرناها في أصول التفسير. الوجه الثالث: أنه لا خلاف في جواز التَّرحُّم (١) على المؤمنين، واختلف السلف والخلف في جواز الصلاة على غير (٢) الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فعلم أنهما ليسا بمترادفين. الوجه الرابع: أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال: "اللهم ارحم محمدًا وآل محمَّد" وليس الأمر كذلك. الوجه الخامس: أنه لا يقال لمن رحم غيرَه ورقَّ عليه فأطعمه أو (٣) سقاه أو [٣] كساه: إنه صلى عليه، ويقال: إنه قد رحمه. الوجه السادس: أن الإنسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له رحمة ولا يصلي عليه.

стр. 219

الوجه السابع: أن الصلاة لا بُدَّ فيها من كلام، فهي ثناء من المصلِّي على مَنْ يُصلي عليه، وتنويه به وإشارة لمحاسنه ومناقبه (١) وذِكْره. ١٩١ - ذَكَرَهُ البخاري في "صحيحه" (٢) عن أبي العالية قال: "صلاةُ اللهِ عَلَى رسولهِ ثناؤُه عَلَيْه عِنْدَ المَلَائِكَة". ١٩٢ - وقال إسماعيل في كتابه (٣): حدثنا نصر بن علي، حدثنا خالد بن يزيد، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قال: صلاةُ اللهِ ثناؤُهُ عَلَيْه، وصلاةُ الملائكةِ عَلَيه الدُّعاء. الوجه الثامن: أن الله سبحانه فرق بين صلاته وصلاة ملائكته وجمعهما في فعل واحد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة، وإنما هي ثناؤه سبحانه وثناء ملائكته عليه، ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معًا، لأن في ذلك محاذير متعددة:

стр. 220

أحدها: أن الاشتراك خلاف الأصل، بل لا (١) يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نص على ذلك أئمة اللغة، منهم المبرد وغيره، وإنما يقع وقوعًا عارضًا اتفاقيًا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة فيقع (٢) الاشتراك. الثاني: أن الأكثرين لا يجوزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز. وما حكي عن الشافعي ﵁ من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه، وإنما أخذ من قوله: "إذا أوصى لمواليه (٣) وله موالٍ من فوق ومن أسفل تناول جميعهم". فظن من ظن أن لفظ "المولى" مشترك بينهما، وأنه عند التَّجَرُّد يحملُ (٤) عليهما، وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ "المولى" من الألفاظ المتواطئة، (فالشافعي -في ظاهر مذهبه- وأحمد) (٥) يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ، وهو عنده عام متواطئ لا مشترك. وأما ما حكي عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله (٦): ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]،

стр. 221

وقد قيل له: قد يراد بالملامسة الجماع (١) قال: "هي محمولة على الجَسِّ باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازًا". فهذا لا يصح عن الشافعي، ولا هو من جنس المألوف من كلامه، وإنما هذا كلام بعض الفقهاء المتأخرين، وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معًا بضعة عشر دليلًا في مسألة "القرء" في كتاب "التعليق على الأحكام". فإذا كان معنى الصلاة: هو الثناء على الرسول ﷺ ، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو معروف من هذه اللفظة، لم يكن لفظ "الصلاة" في الآية مشتركًا محمولًا على معنييه، بل قد (٢) يكون مستعملًا في معنى واحد، وهذا هو الأصل في الألفاظ (٣). وسنعود إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]. الوجه التاسع: أن الله أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يصلون عليه، والمعنى: أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسوله ﷺ فصلوا أنتم أيضًا عليه، فأنتم أحق

стр. 222

بأن تصلوا عليه وتسلموا تسليمًا، لِمَا نالكم ببركة رسالته ويُمْنِ سفارته من خير (١) شرف الدنيا والآخرة. ومن المعلوم أنه لو عبر عن هذا المعنى بالرحمة، لم يحسن موقعه، ولم يحسن النظم، فينقص (٢) اللفظ والمعنى، فإن التقدير يصير إلى: أن الله وملائكته يرحم (٣) ويستغفرون لنبيه، فادعوا أنتم له (٤) وسلموا. وهذا ليس مراد الآية قطعًا، بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله تعالى ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي: ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه، فهي تتضمن الخبر والطلب، وسُمِّيَ هذا السؤال والدعاء مِنَّا نحن صلاة عليه، لوجهين: أحدهما: - أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشارة بذكر شرفه وفضله، والإرادة والمحبة لذلك (٥) من الله تعالى، فقد (٦) تضمنت الخبر، والطلب. والوجه الثاني: أن ذلك سُمِّيَ مِنَّا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه، فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه،

стр. 223

وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به. وضِدُّ هذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاء ﷺ به، فإنها تضاف إلى الله، وتضاف إلى العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فلعنة الله تعالى لهم تتضمن ذمَّه وإبعاده وبغضه لهم، ولعنة العبد تتضمن (١) سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك بمن هو أهل للعنته (٢). وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه (٣) لو كانت الصَّلاة هي الرَّحمة لم يصح أن يقال لطالبها من الله تعالى مصلِّيًا، وإنما يقال له مسترحمًا له (٤)، كما يقال لطالب (المغفرة مستغفرًا له، ولطالب العطف مستعطفًا ونظائره، ولهذا لا يقال لمن سأل الله) (٥) المغفرة لغيره: قد (٦) غفر له، فهو غافر، ولا لمن سأله العفو عنه: قد عفا عنه. وهنا قد سُمِّي العبد مصليًا، فلو كانت الصلاة هي الرحمة لكان العبد راحمًا لمن صلى عليه، وكان يقال (٧) قد رحمه

стр. 224

يرحمه (١)، ومن رَحِمَ النبي ﷺ مرة ﵀ بها عشرًا، وهذا معلوم البطلان. فإن قيل: ليس معنى صلاة العبد عليه ﷺ رحمته، وإنما معناها طلب الرحمة له (٢) من الله تعالى. قيل: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن طلب الرحمة مشروع (٣) لكل مسلم، وطلب الصلاة من الله تعالى يختص (٤) رسله صلوات الله وسلامه عليهم، عند كثير من الناس، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. الثاني: أنه لو سُمّي طالب الرحمة مصليًا، لسُمِّي طالب المغفرة غافرًا، وطالب العفو عافيًا، وطالب الصفح صافحًا، ونحوه. فإن قيل: فأنتم قد سَمَّيتم طالب الصلاة من الله مصليًا. قيل: إنما سُمي مصليًا لوجود حقيقة الصلاة منه، فإن حقيقتها (٥) الثناء، وإرادة الإكرام والتقريب وإعلاء المنزلة، وهذا

стр. 225

حاصل من صلاة العبد، لكن العبد يريد ذلك من الله ، والله سبحانه يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله ﷺ . وأما على الوجه الثاني، وأنه (١) سمي مصليًا لطلبه ذلك من الله، فلأنَّ الصلاة نوع من الكلام (٢) الطلبي والخبري والإرادة، وقد وجد ذلك (٣) من المصلي، بخلاف الرحمة والمغفرة؛ فإنها أفعال لا تحصل من الطالب، وإنما تحصل من المطلوب منه، والله أعلم. الوجه العاشر: أنه قد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (٤): ١٩٣ - "من صلَّى عَلَيه مَرَّة صَلّى اللهُ عليه بها عَشْرًا". وأن الله قال له: ١٩٤ - "إنه من صلى عليك من أمتك مرة صليت عليه بها عشرًا" (٥)، وهذا موافق للقاعدة المستقرة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل، فصلاة الله تعالى على المصلي على رسوله ﷺ جزاءً لصلاته هو عليه، ومعلوم أن صلاة العبد على رسول الله ﷺ ليست هي

стр. 226

رحمة من العبد لتكون صلاة الله تعالى عليه (١) من جنسها، وإنما هي ثناءٌ على الرسول ﷺ وإرادةٌ من الله تعالى أن يُعْلي ذكره ويزيده تعظيمًا وتشريفًا، والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول الله ﷺ جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه. فَصَحَّ ارتباط الجزاء بالعمل ومشاكلته له ومناسبته له، كقوله: ١٩٥ - "مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْه (في الدُّنْيا والآخِرَة) (٢)، ومَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَتَره اللهُ في الدُّنيا والآخرة، ومن نَفَّسَ عنْ مؤمنٍ كُرْبَة من كُرَب الدَنْيا نَفَّس اللهُ عنه كُرْبة من كُرَبِ يومِ القِيامَة، واللهُ في عَوْنِ العَبدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيْه، ومن سَلكَ طَرِيْقًا يَلْتمسُ فِيْه عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لهُ طَريقًا إلى الجَنَّة" (٣). ١٩٦ - " (٤) ومن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم

стр. 227

القيامة بلجام من نار". ١٩٧ - "ومن صَلّى عَلى النبي ﷺ مَرةً صلى اللهُ عليه بها عَشْرًا" (١)، ونظائره كثيرة، يوضحه (٢). الوجه الحادي عشر: أن أحدًا لو قال عن رسول الله: "﵀" أو قال: "رسول الله ﵀": بدل ﷺ لبادرت الأمة إلى (٣) الإنكار عليه، وعدوه مبتدعًا غير مُوَقِّر للنبي ﷺ ولا مصلٍّ عليه، ولا مُثْن عليه بما يستحقه، ولا يستحق أن يصلي الله عليه بذلك عشر صلوات، ولو كانت الصلاة من الله الرحمة لم يمتنع شيء من ذلك. الوجه الثاني عشر: أن الله قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فأمر سبحانه أن لا يُدْعَى رسوله ﷺ بما يدعو الناس به بعضهم بعضًا، بل يقال يا رسول الله، ولا يقال: يا محمد. وإنما كان يُسمَّيه باسمه

стр. 228

وقت الخطاب الكفار، وأما المسلمون فكانوا يخاطبونه برسول (١) الله. وإذا كان هذا في خطابه فهكذا في مغيبه، لا ينبغي أن يجعل ما يدعى به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض، بل يُدْعى (٢) له بأشرف الدعاء وهو الصلاة عليه. ومعلوم أن الرحمة يدعى بها لكل مسلم، بل ولغير الآدمي من الحيوانات. كما في دعاء الاستسقاء: ١٩٨ - "اللهم ارحم عبادك وبلادك وبهائمك" (٣). الوجه الثالث عشر: أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلًا، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء، قال (٤): وإنْ ذُكِرتْ صَلَّى عَلَيها وزَمْزَمَا أي: برَّك عليها ومدحها. ولا تعرف العرب قط "صلى عليه"

стр. 229

بمعنى "رَحِمَه" (١)، فالواجب حمل اللفظة (٢) على معناها المتعارف في اللغة. الوجه الرابع عشر: أنه يسوغ، بل يستحب لكل واحد أن يسأل الله (٣) أن يرحمه، فيقول: اللهم ارحمني، كما علم النبي ﷺ الداعي أن يقول: ١٩٩ - "اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ وارْحَمْنِي وعافِنِي وارْزقنِي"، فلما حفظها قال: "أما هذا فقد ملأ يديه من الخير" (٤). ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: "اللهم صل علي"، بل الداعي بهذا معتدٍ في دعائه، والله لا يحب المعتدين. بخلاف

стр. 230

سؤاله (١) الرحمة، فإن الله يحب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته، فعلم أنه ليس معناهما واحدًا. الوجه الخامس عشر: أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع (٢) فيها الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ٢٠٠ - وقوله (٣): "إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]. ٢٠١ - وقول النبي ﷺ : "للهُ أرْحَمُ بعِبادِه مِن الوالِدَةِ بَوَلَدِها" (٤). ٢٠٢ - وقوله: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (٥)،

стр. 231

٢٠٣ - وقوله: "مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ" (١)، ٢٠٤ - وقوله: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" (٢)، ٢٠٥ - وقوله: "والشَّاةُ إنْ رحِمْتَها رَحِمَكَ اللهُ" (٣). فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع (٤) الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة، والله أعلم. ٢٠٦ - وقد قال ابن عباس (٥) ﵄: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، قال: "يُبارِكُون عَليْه". وهذا لا ينافي تفسيرها بالثناء وإرادة التكريم والتعظيم، فإن التبريك من الله

стр. 232

يتضمن ذلك، ولهذا قرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه، وقالت الملائكة لإبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، قال غير واحد من السلف: معلمًا (١) للخير أينما كنت. وهذا جزء المسمى، فالمبارك كثير الخير في نفسه، الذي يُحصِّله لغيره تعليمًا (٢) وإقدرًا ونصحًا وإرادةً واجتهادًا، ولهذا يكون العبد مباركًا، لأن الله تعالى بارك فيه وجعله كذلك، والله تعالى مُتَبارِك؛ لأن البركة كلها منه، فعبده المبارك وهو المتبارك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]، وسنعود إلى هذا المعنى عن قريب إن شاء الله تعالى. وقد ردَّ طائفة من الناس تفسير الصلاة من الله بالرحمة، بأن قال: الرحمة (٣) معناها: رقة القلب (٤)، وهي مستحيلة في حق الله سبحانه، كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل. وهذا الذي قاله هذا (٥) عِرْق جَهْمِي يَنِضُّ (٦) من قلبه على لسانه. وحقيقته (٧) إنكار

стр. 233

رحمة الله جُمْلة، وكان جَهْمٌ يخرج إلى الجَذْمَى ويقول: أرحم الراحمين يفعل هذا! إنكارًا لرحمته . وهذا الذي ظنه هذا القائل هو شبهة منكري صفات الرب ، فإنهم قالوا: الإرادة: حركة النفس لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، والرب تعالى يتعالى عن ذلك فلا إرادة له، والغضب: غليان دم القلب طلبًا للانتقام، والرب منزه عن ذلك، فلا غضب له، وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته وكلامه وسائر صفاته. وهو من أبطل الباطل، فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائصَ المخلوق، ثم نفاها جملةً عن الخالق سبحانه، وهذا في غاية التلبيس والإضلال؛ فإن الخاصية (١) التي أخذها في الصفة لم تثبت (٢) لها لذاتها، وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن، ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه، ولا إثبات أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له، كما أن ما نُفِيَ عن صفات الرب من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق، ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق، لإطلاق (٣) الصفة على الخالق والمخلوق. وهذا مثل الحياة والعلم، فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادة

стр. 234

لها، من النوم والمرض والموت، وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضاد له، وهذا محال في حياة الرَّبِّ وعلمه. فمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق فقد أبطل، وهو نظير نفي (١) مَنْ نَفَى رحمة الرب (٢) عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقة الطبع، وتوهم المتوهم أنه لا تُعْقَل رحمة إلا هكذا، نظير تَوهُّم المتوهم أنه لا يُعْقَل علم ولا حياة ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق. وهذا الغلطُ منشؤه إنما هو توهّم صفة المخلوق المقيدة به أوَّلًا، وَتَوهُّم أنَّ إثباتها لله تعالى هو مع هذا القيد، وهذان وهمان باطلان؛ فإنّ الصِّفَةَ الثابتة للهِ تعالى مضافة إليه لا يتوهم فيها شيء من خصائص المخلوقين، لا في لفظها، ولا في ثبوت معناها، وكل من نفى عن الرب تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله ، لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق، بل ويلزمه نفي ذاته، لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة، ومعلوم أن الرب لا يشبهه شيء منها. وهذا الباطل قد التزمه غلاة المعطلة.

стр. 235

وكلما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشد تناقضًا وأظهر بطلانًا، ولا يسلم على محك العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ [الصافات: ١٥٩، ١٦٠]، فنزه نفسه (١) عما يصفه به كل أحدٍ إلا المخلصين (٢) من عباده، وهم الرسل ومن اتبعهم (٣)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]، فنزه نفسه عما يصفه به الواصفون، وسلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من كل نقص وعيب، وحمد نفسه إذ هو الموصوف بصفات الكمال التي يستحقُّ لأجلها الحمد، ومُنزَّهٌ عن كل نقص يُنافِي كمال حمدِه.

стр. 236

الفصل الثالث في معنى اسم النبي ﷺ واشتقاقه هذا الاسم هو أشهر أسمائه ﷺ ، وهو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه، هذا هو حقيقة الحمد. وبُنيَ على زِنَة "مُفَعَّل" مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّب، ومُسَوَّد، ومُبَجَّل، ونظائرها، لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فإن اشتق منه اسم فاعل، فمعناه: مَنْ كَثرُ صدورُ الفعلِ منه مرةً بعد مرةٍ، كَمُعلَّم، ومُفَهِّم، ومُبيِّن، ومُخَلِّص، ومُفَرِّج، ونحوها. وإن اشتق منه اسم مفعول، فمعناه: من (١) تكرر وقوع الفعل عليه مرةً بعد أخرى إما استحقاقًا أو وقوعًا. فمحمد: هو الذي كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى (٢)، أو الذي يستحق (٣) أن يُحْمَد مرة بعد أخرى (٤). ويقال: حُمِد فهو مُحَمَّد، كما يقال: عُلِم فهو مُعَلَّم. وهذا عَلَم وصِفَة اجتمع فيه الأمران في حقه ﷺ ، وإن كان عَلَمًا

стр. 237

محضًا (١) في حق كثير ممن تَسمَّى به غيره. وهذا شأن أسماء الرب وأسماء كتابه وأسماء نبيه، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تُضادُّ فيها العَلَمِيَّةُ الوَصْفَ، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو اللهُ، الخالقُ، البارئُ، المصوِّرُ، القهَّار. فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه. وكذلك أسماء النبي ﷺ "محمد، وأحمد، والماحي". ٢٠٧ - وفي حديث جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ لِي أسْماءً: أنا مُحمَّد، وأنا أحْمَد، وأنا الماحِي الذِي يَمْحُو اللهُ به الكُفْر" (٢). فذكر رسول الله ﷺ هذه الأسماء مبينًا ما خصه الله تعالى به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلامًا محضة لا معنى لها، لم تدل على مدح؛ ولهذا قال حسان (٣) ﵁:

стр. 238

وشَقَّ لَه مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّه (١) … فَذُو العَرْشِ مَحْمُود وَهَذا مُحمَّد (٢) وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظًا مجردة لا معاني لها؛ لم تدل على المدح، وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لما سمع بعض العرب قارئًا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، "والله غفور رحيم"، قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال القارئ: أتكذِّبُ بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى، فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾، فقال الأعرابي: صدقت، عَزَّ فَحَكَم فَقَطع؛ ولو غَفَر وَرَحَم لَما قَطَع. ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه. ٢٠٨ - وفي السنن (٣) من حديث أُبيِّ بن كعب حديث: "قراءة

стр. 239

القرآن على سبعة أحرف"، ثم قال: "ليس منهن إلا شافٍ كافٍ إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمةٍ بعذاب". ولو كانت هذه الأسماء أعلامًا محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا. وأيضًا فإنَّه سبحانه يُعَلِّل أحكامه وأفعاله بأسمائه (١)، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحًا، كقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١٠]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى

стр. 240

رضي الزوجة والإحسان إليها، بأنه غفور رحيم يعود على (١) عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه، والجزاء من جنس العمل، فكما رجع إلى التي هي أحسن، رجع الله تعالى إليه بالمغفرة والرحمة: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ فإن الطلاق لما كان لفظًا يُسْمَع ومعنى يُقْصَد، عقبه باسم "السميع" للنطق به "العليم" بمضمونه. وكقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فلما ذكر سبحانه التعريض بخِطْبة المرأة الدال على أن المعرِّض في قلبه رغبة فيها، ومحبة لها، وأن (٢) ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، رفع (٣) الجناح عن التعريض وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة. ونفْيُ مواعدتهن سرًّا، فقيل: هو النكاح، والمعنى: لا تصرحوا لهنَّ بالتزويج إلا أن تعرضوا تعريضًا، وهو القول المعروف. وقيل: هو أن يتزوجها في عدَّتِها سرًّا، فإذا انقضت العدَّة أظهر العقد، ويدل على هذا قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وهو انقضاء العدة.

стр. 241

ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بنفي (١) المواعدة سرًّا، وتحريم عقد (٢) النكاح قبل انقضاء العدة، فلو كان معنى مواعدة السِّر هو إسرار العقد كان تكرارًا. ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أن تتعدوا ما حَدَّ لكم، فإنه مُطَّلع على ما تُسِرُّون وما تعلون. ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ لولا مغفرته وحلمه لَعَنِتُّم غايَة العَنَتِ، فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه، فبادروا إليه (٣) بالتوبة والاستغفار، فإنه الغفور الحليم. وهذه طريقة القرآن، يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤]، لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم، قالوا: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾، وفي هذا: معنى التعليل، أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات، وشكر لنا الحسنات. وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ

стр. 242

شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧] فهذا جزاءٌ لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليم بشكركم، لا يخفى عليه مَنْ شَكَرَهُ ممن كفَرَه. والقرآن مملوء من هذا، والمقصود التنبيه عليه. وأيضًا فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماء (١) لا معنى لها لم تدل على ذلك، كقول هارون ﵇ لِعبَدَةِ العِجْل: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، وقوله سبحانه في القصة: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [طه: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، فنزه (٢) نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له. ومن تدبر هذا المعنى في القرآن، هبط له على رياض من العلم، حماها الله تعالى عن كل أفَّاكٍ مُعْرِضٍ عن كتاب الله تعالى واقتباس الهدى منه. ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا الفصل

стр. 243

وحده لكفى من له ذوق ومعرفة، والله الموفق للصواب. وأيضًا فإن الله سبحانه يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلامًا محضة لم يصح فيها ذلك، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾ [الحجرات: ١٦]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾ [الجمعة: ٧]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ [آل عمران: ٦٣]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء: ٣٩]، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف: ٤٥]، ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾ [هود: ١١١]، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحجرات: ١٨]، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]، ونظائره كثيرة. وأيضًا فإنه سبحانه يجعل أسماءه دليلًا على ما ينكره الجاحدون من صفات كماله، كقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]. وقد اختلف النُّظَّارُ في هذه الأسماء؛ هل هي متباينة نظرًا إلى تباين معانيها، وأن كل اسم يدل على معنى غير ما يدل عليه الآخر، أم هي مترادفة، لأنها تدل على ذات واحدة، فمدلولها لا تعدد فيه، وهذا شأن المترادفات؟ والنزاع لفظي في ذلك. والتحقيق أن يقال: هي مترادفة بالنظر إلى الذات، متباينة بالنظر إلى الصفات، وكل اسم منها يدل على الذات

стр. 244

الموصوفة بتلك الصفة بالمطابقة، وعلى أحدهما وحده بالتضمن، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام. فصل إذا ثبت هذا: فتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مُسَمَّاهُ وهو الحَمْدُ، فإنه ﷺ محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم؛ فإنَّ ما (١) فيه من صفات الكمال محمودة (٢) عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحودًا، أو عنادًا، أو جهلًا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده بها (٣)؛ فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها (٤) فيه، فهو في الحقيقة حامد له. وهو ﷺ اختُصَّ من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد وأحمد، وأمته الحَمَّادون، يحمدون الله تعالى في (٥) السَّراء والضَّراء، وصلاته (٦) وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخُطَبُهُ (٧) مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد. هكذا كان عند الله تعالى في

стр. 245

اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه للشفاعة، ويؤذن له فيها، يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. ومن أحب الوقوف على معنى المقام المحمود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصحابة والتابعين فيه في تفسير هذه السورة؛ كتفسير ابن أبي حاتم، وابن جرير، وعبد بن حميد، وغيرها من تفاسير السلف. وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم. وهو محمود ﷺ بما ملأ به (١) الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وفتح به القلوب، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم مِن أسْرِ الشياطين (٢)، ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به، حتى نال به أتباعُهُ شَرفَ الدنيا والآخرة، فإن رسالته وَاْفَت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين: عُبَّاد أوثان، وعُبَّاد صُلْبان، وعُبَّاد نيران، وعُبَّاد الكواكب،

стр. 246

ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحَيْرانٍ لا يعرف ربًّا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكل بعضهم بعضًا، من استحسن شيئًا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضعُ قدمٍ مُشْرقٍ بنور الرسالة، وقد نظر الله حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على (١) آثارٍ من دين صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُّلَم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به (٢) بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلَة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، فعرف ﷺ الناس ربهم ومعبودهم غايةَ ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب، في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم (٣) في هذا الباب: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].

стр. 247

٢٠٩ - روى أبو داود في مراسيله (١)، عن النبي ﷺ أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعةً من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا (٢) كتابًا غير كتابهم (٣) أُنزل (٤) على (٥) غير نبيهم" فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي ﷺ ، فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان، وقدَّمه على كلام الله ورسوله ﷺ ؟. وعَرَّفهم الطريق المُوْصِلَ (٦) إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، فلم يدع حسنًا إلا أمرهم (٧) به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه. ٢١٠ - كما قال ﷺ : "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه" (٨).

стр. 248

٢١١ - قال أبو ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكَرَ لنا منه علمًا" (١). وعرفهم حالهم (٢) بعد القدوم على ربهم أتَمَّ تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يَدَع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مُشْكِلًا إلا بَيَّنَهُ وشرحه، حتى هدى الله تعالى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ ، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.

стр. 249

وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان: أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته ﷺ ، أما أتباعه فنالوا بها (١) كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين (٢) عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادةٌ لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره (٣)؛ وأما الأُمَم النَّائية عنه فإن الله رفع برسالته ﷺ العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النَّفع برسالته ﷺ . الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء

стр. 250

لهذا المرض، فإذا لم يستعمله المريض (١) لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض. وممّا يُحْمدُ عليه ﷺ : ما جَبَلَه الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشِّيَم، فإن مَنْ نظر في أخلاقه وشِيَمِه ﷺ علم أنها خير أخلاق بني آدم (٢)، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثًا وأحلمهم (٣)، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حِلْمًا؛ كما روى البخاري في "صحيحه" (٤): عن عبد الله بن عمرو؛ أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة: ٢١٢ - "محمدٌ عَبْدي ورَسُولي سَمَّيتُه المُتَوكِّل، ليس بفَظٍّ ولا غَليظٍ، ولا سَخَّابٍ بالأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة السَّيئة (٥)، ولكن يعفو ويغفر (٦)، "ولن أقبضه حتى أُقِيْم به المِلَّة العَوْجَاء، وأفتحُ به أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا، حتى يقُولوا: لا
следующие страницы →