← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحَيْرانٍ لا يعرف ربًّا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكل بعضهم بعضًا، من استحسن شيئًا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضعُ قدمٍ مُشْرقٍ بنور الرسالة، وقد نظر الله حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على (١) آثارٍ من دين صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُّلَم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به (٢) بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلَة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، فعرف ﷺ الناس ربهم ومعبودهم غايةَ ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب، في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم (٣) في هذا الباب: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].

стр. 247

٢٠٩ - روى أبو داود في مراسيله (١)، عن النبي ﷺ أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعةً من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا (٢) كتابًا غير كتابهم (٣) أُنزل (٤) على (٥) غير نبيهم" فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي ﷺ ، فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان، وقدَّمه على كلام الله ورسوله ﷺ ؟. وعَرَّفهم الطريق المُوْصِلَ (٦) إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، فلم يدع حسنًا إلا أمرهم (٧) به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه. ٢١٠ - كما قال ﷺ : "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه" (٨).

стр. 248

٢١١ - قال أبو ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكَرَ لنا منه علمًا" (١). وعرفهم حالهم (٢) بعد القدوم على ربهم أتَمَّ تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يَدَع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مُشْكِلًا إلا بَيَّنَهُ وشرحه، حتى هدى الله تعالى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ ، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.

стр. 249

وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان: أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته ﷺ ، أما أتباعه فنالوا بها (١) كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين (٢) عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادةٌ لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره (٣)؛ وأما الأُمَم النَّائية عنه فإن الله رفع برسالته ﷺ العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النَّفع برسالته ﷺ . الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء

стр. 250

لهذا المرض، فإذا لم يستعمله المريض (١) لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض. وممّا يُحْمدُ عليه ﷺ : ما جَبَلَه الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشِّيَم، فإن مَنْ نظر في أخلاقه وشِيَمِه ﷺ علم أنها خير أخلاق بني آدم (٢)، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثًا وأحلمهم (٣)، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حِلْمًا؛ كما روى البخاري في "صحيحه" (٤): عن عبد الله بن عمرو؛ أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة: ٢١٢ - "محمدٌ عَبْدي ورَسُولي سَمَّيتُه المُتَوكِّل، ليس بفَظٍّ ولا غَليظٍ، ولا سَخَّابٍ بالأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة السَّيئة (٥)، ولكن يعفو ويغفر (٦)، "ولن أقبضه حتى أُقِيْم به المِلَّة العَوْجَاء، وأفتحُ به أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا، حتى يقُولوا: لا

стр. 251

إلَه إلَّا الله (١) ". وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعًا لهم (٢) في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيرًا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة علي المراد، وأصبرهم في مواطن الصَّبر، وأصدقهم في مواطن اللِّقاء، وأوفاهم بالعهد والذِّمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشَدُّهم تواضعًا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه، وأشد الخلق ذبًّا عن أصحابه وحمايةً لهم ودفاعًا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل (٣) الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل: بَرْدٌ على الأدْنَى ومرْحَمةٌ … وعَلَى الأعادِي مازنٌ (٤) جلد ٢١٣ - قال علي ﵁ (٥): "كان رسول الله ﷺ أجود

стр. 252

الناس صدرًا، وأصدق الناس (١) لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ ". فقوله: "كان أجود الناس صدرًا": أراد به بر الصدر وكثرة خيره، وأن الخير يتفجر منه تفجيرًا، وأنه منطو على كل خلق جميل وعلى كل خير، كما قال بعض أهل العلم: "ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيرًا من صدر رسول الله ﷺ ، قد جَمَعَ الخير بحذافيره، وأُوْدِعَ في صدره ﷺ ". وقوله: "أصدق الناس لهجة": هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له، ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط (٢)، دع شهادة أوليائه كلهم له به؛ فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات، مشركوهم وأهل الكتاب منهم، وليس أحد منهم يومًا من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة. ٢١٤ - قال المسور بن مخرمة (٣): قلت لأبي جهل -وكان

стр. 253

خالي-: يا خال! هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يُدْعَى فِيْنا الأمين، فلمَّا وَخَطَهُ الشيب لم يكن ليكذب. قلت: يا خال! فلم لا تتبعونه؟ فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف؛ فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فمتى نأتيهم بهذه؟!. أو كما قال. وقال تعالى: يسليه ويهون عليه قول أعدائه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤]. وقوله: "ألينهم عريكة": يعني أنه سهل لَيِّن، قريب من الناس، مجيب لدعوة من دعاه، قاض لحاجة من استقضاه، جابر لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائبًا، إذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه وتابعهم فيه، وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم، بل

стр. 254

يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم. وقوله: "أكرمهم عشرة": يعني أنه ﷺ لم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها وأكرمها، فكان لا يعبسن في وجهه، ولا يغلظ له في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال، فكانت عشرته لهم (١) احتمال أذاهم وجفوتهم جملة، لا يُعاتب (٢) أحدًا منهم ولا يلومه (٣) ولا يباديه (٤) بما يكره (٥). من خالطه يقول: أنا (٦) أحب الناس إليه، لما يرى من لطفه به، وقربه منه، وإقباله عليه، واهتمامه بأمره، ونصيحته (٧) له، وبذل إحسانه إليه، واحتمال جفوته، فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة. ٢١٥ - قال الحسين رضي (٨) الله عنه: سألت أبي عن سيرة

стр. 255

النبي ﷺ في جلسائه فقال: "كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح (١)، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه (٢)، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وترك ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث (٣): كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ (٤)، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه، ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام". وقوله: "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه": وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص: وهما الإجلال والمحبة، فكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل

стр. 256

من يراه يهابه ويجله، ويملأ قلبه تعظيمًا وإجلالًا وإن كان عدوًا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المُجَلُّ المُعَظَّم المحبوب المكرم، وهذا كمال المحبة، أنْ تُقْرَنَ بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة (١) - كما تكون للقادر الظالم - نقص أيضًا، والكمال: أن تجتمع المحبة والوِدّ والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يُعَظَّم لأجلها ويُحَبُّ لأجلها. ولما كان الله أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن (٢) يعظم ويكبر ويهاب، ويحب ويُوَدَّ بكل جزء من أجزاء القلب، ولا يجعل له شريك في ذلك، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه: أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب والتعظيم (٣)، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فأخبر أن من أحبَّ شيئًا غير الله مثل حُبِّه لله كان قد اتَّخذه ندًّا. وقال أهل النار في النار لمعبودهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ولم تكن تَسْويتهم لهم بالله في كونهم خَلَقُوا السماوات والأرض، أو خَلَقوْهم، أو (٤) خلقوا آباءهم،

стр. 257

وإنما سوُّوهم بربِّ العالمين في الحُبِّ لهم كما يحب الله تعالى، فإن حقيقة العبادة هي الحبُّ والذلُّ، وهذا هو الإجلال والإكرام الذي وَصَفَ به نفسه سبحانه في قوله : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]. وأصحُّ القولين في ذلك: أن الجلال هو التَّعظيم، والإكرام هو الحب، وهو سِرُّ قول العبد: "لا إله إلا الله، والله أكبر"، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد (١): من حديث أنس ﵁. ٢١٦ - عن النبي ﷺ أنه قال: "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" أي: الزموها والهجوا بها. ٢١٧ - وفي "مسند أبي يعلى الموصلي" (٢): عن بعض الصحابة؛ أنه طلب أن يعرف اسم الله الأعظم، فرأى في منامه في السماء مكتوبًا في النجوم: يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام".

стр. 258

وكل محبة وتعظيم للبشر، فإنما تجوز تبعًا لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسوله (١) وتعظيمه (٢)، فإنها من تمام محبة مُرْسِلِه وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لحب الله تعالى له، ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له، فهي محبة لله من موجبات محبة الله. وكذلك محبة أهل العلم والإيمان، ومحبة الصحابة ﵃ وإجلالهم = تابعٌ لمحبة الله ورسوله لهم. والمقصود أن النبي ﷺ ألقى الله عليه من المهابة والمحبة، ولكل مؤمن مخلص حظٌّ من ذلك. ٢١٨ - قال الحسن البصري ﵀: "إنَّ المُؤمنَ رُزِقَ حَلَاوَة ومَهَابة" (٣). يعني يُحَبُّ ويُهَابُ ويُجَلَّ بما (٤) ألبسة الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك، ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدر الصحابة ﵃. ٢١٩ - قال عمرو بن العاص بعد (٥) إسلامه: إنه لم يكن

стр. 259

شخص أبغض إليَّ منه، فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه، قال: "ولو سُئلتُ أن أصفه لكم لما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالًا له" (١). ٢٢٠ - وقال عروة بن مسعود لقريش: "يا قوم! والله لقد وفدت على كِسرى وقيصر والملوك، فما رأيت ملكًا يعظِّمه أصحابه ما يُعظِّم أصحاب محمدٍ محمدًا ﷺ ، والله ما يُحِدُّون النظر إليه تعظيمًا له، وما تنخَّم نُخَامةً إلا وقعت في كف رجل منهم، فيدْلِك بها وجهه وصدره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه" (٢). فلما كان رسول الله ﷺ مشتملًا على ما يقتضي أن يحمد عليه مرة بعد مرة سمي محمدًا، وهو اسم موافق لِمُسمَّاه، ولفظ مطابق لمعناه؛ والفرق بين لفظ (٣) "محمد" و"أحمد" من وجهين: أحدهما: أن "محمدًا" هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه. "وأحمد" أفعل (٤) تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره، فمحمد زيادة حمد

стр. 260

في الكمية، و"أحمد" زيادته (١) فى الكيفية، فيحمد أكثر حمد وأفضل حَمْدٍ حَمِدَه البَشَر. الوجه الثانى: أن "محمدًا" هو المحمود حمدًا متكررًا كما تقدم، "وأحمد" هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره، فدل أحد الاسمين وهو "محمد" على كونه محمودًا، ودل الاسم الثاني وهو "أحمد" على كونه أحمد الحامدين لربه، وهذا هو القياس، فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يُبْنَيَان إلَّا (٢) مِنْ فعل الفاعل، لا يبنيان من فعل المفعول، بناءً منهم على أنَّ أفْعَلَ التَّعجُّب والتفضيل إنما يُصاغان من الفعل اللازمِ، لا من المتعدي، ولهذا يقدرون نقله من فَعَل وفَعِل إلى بناء فعُل -بضم العين-، قالوا: والدليل على هذا أنه تعدَّى بالهمزة إلى المفعول، فالهمزة التي فيه للتَّعْدِية، نحو: ما أظرف زيدًا، وأكرم عمرًا، وأصلهما ظرُف وكرُم. قالوا: لأن المتعجب منه فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعله غير مُتَعَدٍّ. قالوا: وأما قولهم: ما أضرب زيدًا لعمرو، وفعله مُتَعَدٍّ في الأصل. قالوا: فهو منقول من ضَرُبَ إلى وزن فَعُلَ اللازم، ثم عُدِّيَ من فعل بهمزة التعدية.

стр. 261

قالوا: والدليل على ذلك مجيئهم باللام فيقولون: ما أضرب زيدًا لعمرو، ولو كان باقيًا على تعديه، لقيل: ما أضرب زيدًا عمرًا، لأنه متعد إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التَّعْدِية، فلما عُدِّيَ إلى المفعول بهمزة التعدية عدي إلى الآخر باللام، فَعُلِمَ أنه لازم، فهذا هو الذي أوجب لهم أن يقولوا (١): لا يصاغ ذلك إلا من فعل الفاعل، لا من الفعل (٢) الواقع على المفعول. ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: يجوز بناء فِعْلَي (٣) التعجب والتفضيل من فعل الفاعل، ومن الواقع على المفعول، تقول العرب: ما أشغله بالشيء، وهذا من شغل به على وزن سئل، فالتعجب من المشغول بالشيء لا من الشاغل، وكذا قولهم. ما أولعه بكذا، من أولع به مبني للمفعول، لأن العرب التزمت بناء هذا الفعل للمفعول، ولم تبنه للفاعل، وكذلك قولهم: ما أعجبه بكذا، هو من أعجب بالشيء، وكذا قولهم: ما أحبه إلي، هو تعجب من فعل المفعول، وكذا قولهم (٤): ما أبغضه إلي وأمقته إلي. وهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه (٥)، وهي أنك تقول: ما

стр. 262

أبغضني له، وما أحبني له، وما أمقتني (١) له، إذا كنت أنت المبغض الكاره، والمحب والماقت، فيكون تعجبًا من فعل الفاعل، وتقول (٢): ما أبغضني إليه وما أمقتني إليه، وما أحبني إليه؛ إذا كنت أنت المبْغَض الممقوت (٣) أو المحبوب، فيكون تعجبًا من الفعل (٤) الواقع على المفعول، فما كان باللام فهو للفاعل، وما كان بإلى فهو للمفعول، وكذا تقول: ما أحبه إلي، إذا كان هو المحبوب، وما أبغضه إلي، إذا كان هو المبغض (٥)، وأكثر النحاة لا يعللون هذا. والذي يقال في علته -والله أعلم-: إن اللام تكون للفاعل في المعنى نحو قولك: لمن هذا الفعل؟ فتقول: لزيد، فتأتي (٦) باللام، وأما "إلى" فتكون للمفعول في المعنى، لأنه يقول: إلى من يصل هذا الفعل؟ فتقول: إلى زيد. وسرُّ ذلك أن اللام في الأصل للملك، أو (٧) الاختصاص والاستحقاق، والملك والاستحقاق إنما يستحقه الفاعل الذي يملك

стр. 263

ويستحق، و"إلى" لانتهاء الغاية، والغاية منتهى (١) ما يقتضيه الفعل، فهي بالمفعول أليق، لأنه تمام مقتضى الفعل. ومن التعجب من فعل المفعول قول كعب بن زهير (٢) في النبي ﷺ : فَلَهُوَ أخوفُ عِنْدي إذْ أُكَلِّمُه … وَقِيْلَ إنَّكَ مَحْبُوسٌ وَمَقْتُولُ مِنْ ضَيْغَم بضراء الأرْضِ مَخْدَرُهُ … بِبَطْنِ عثراء غِيْل دُوْنَه غِيْل (٣) فأخوف هنا من خيف لا من خاف، وهو نظيرُ أحْمَد من حُمِد، كَسُئِلَ، لا من حَمِدَ كعَلِمَ، وتقول: ما أجَنَّه، من جَنَّ فهو مجنون. قال البصريون: هذا كله شاذ لا يُعَوَّل عليه. قال الآخرون: هذا قد كثر في كلامهم جدًّا، وحَمْلُه على الشذوذ غير جائز، لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كلامهم، وهذا غير مخالف لذلك. قالوا: وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى بناء فَعُل المضموم، فمما لا يساعد عليه دليل.

стр. 264

وأما ما تمسَّكتم به من التَّعْدية بالهمزة، فليس كما ذكرتم، والهمزة هنا ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل، كألف فاعل، وميم مفعول، وَوَائه (١)، وتاء الافتعال والمطاوعة، ونحوها من الحروف التي تلحق الفعل الثلاثي، لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرد مدلوله، فهذا هو السبب الجالب لهذه الألف، لا مجرد تعدية الفعل. قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يُعَدَّى (٢) بالهمزة يجوز أن يُعدَّى (٣) بحرف الجر وبالتَّضْعِيْف، تقول: أجلست زيدًا وجلَّستُه، وجلست به، وأقمته وقَوَّمته (٤) وقمت به، وأنمته ونَوَّمْتُه، ونمت به (٥)، وأثَّمْتُه وآثَمْته (٦)، ونظائر ذلك، وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها، فبطل أن تكون للتعدية. الثاني: أنها تجامع باء التعدية، فتقول: أحْسِنْ به وأَكْرِمْ به، والمعنى ما أكرمه وما أحسنه، والفعل لا يُجْمعُ (٧) عليه بين مُعَدَّيَيْنِ معًا.

стр. 265

الثالث: أنهم يقولون: ما أعطى زيدًا للدراهم، وما أكساه للثياب، وهذا من أعطى وكسا المتعدي، ولا يصح تقدير نقله إلى عَطَوَ: إذا تناول، ثم أُدْخِلَت عليه همزة التعدية، كما تأوله بعضهم لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه، لا من عَطْوه وهو تناوله، والهمزة فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية. قالوا: وأما قولكم: إنه عُدِّيَ باللام في قولهم: ما أضربه لزيد، ولولا أنه لازم لما (١) عدي باللام، فهذا ليس لِمَا (٢) ذكرتم من لزوم الفعل، وإنما هو تقْوِية له لما ضعف بمنعه من التصرُّف (٣)، وألزم طريقة واحدة خرج عن سنن الأفعال، وضعف عن مقتضاه، فقُوِّيَ باللام، وهذا كما يُقَوَّى باللَّام إذا تقدم معموله عليه، وحصل له بتأخره نوعُ وَهْنٍ جبروه باللَّام، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ [يوسف: ٤٣]، وكما يُقوّى باللام إذا كان اسم فاعل، كما تقول: أنا محب لك، ومُكْرم لزيد ونحوه، فلما ضعف هذا الفعل بمنعه من التصرُّف (٤) قُوِّيَ باللام، وهذا المذهب هو الراجح (٥) كما تراه، والله أعلم.

стр. 266

فلنرجع إلى المقصود، وهو أنه ﷺ سُمِّيَ "محمدًا" و"أحمد" لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره، وأفضل مما يحمد غيره، فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا هو المختار، وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى، ولو أريد به معنى الفاعل لسُمّي الحَمَّاد، وهو كثير الحمد، كما سُمي "محمدًا" وهو المحمود كثيرًا، فإنه ﷺ كان أكثر الخلق حَمْدًا لربه ، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى "حمادًا" كما أن اسم أمته الحَمَّادون. وأيضًا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله (١) المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى "محمدًا" و"أحمد"، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تَفُوتُ عدّ العادّين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القَدْر والصِّفَة. والله أعلم. فصل وقد ظن طائفة، منهم أبو القاسم السهيلي (٢) وغيره؛ أن تسميته ﷺ بـ "أحمد" كانت قبل تسميته بمحمد، فقالوا: ولهذا بشر به ﷺ المسيحُ باسمه (٣) أحمد.

стр. 267

٢٢١ - وفي حديث طويل (١) في حديث موسى لما قال لربه: "يا رب إني أجد أمة من شأنها كذا وكذا، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد يا موسى، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد"، قالوا: وإنما جاء تسميته ﷺ بمحمد في القرآن خاصة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وبنوا على ذلك أن اسمه "أحمد" تفضيل من فعل الفاعل، أي أحمد الحامدين (٢) لربه، و"محمد" هو المحمود الذي تحمده الخلائق، وإنما تُرِتِّبَ (٣) على (٤) هذا الاسم بعد وجوده وظهوره (٥)، فإنه حينئذ حمده أهل السماء والأرض، ويوم القيامة يحمده أهل الموقف، فلما ظهر إلى الوجود وترتَّب على ظهوره من الخيرات ما ترتَّب، حمده (٦) حينئذ الخلائق حمدًا مكررًا، فتأخرت تسميته بمحمد، على (٧) تسميته بأحمد.

стр. 268

وفي هذا الكلام مناقشة من وجوه: أحدها: أنه قد سُمي بمحمَّد قبل الإنْجيل، كذلك اسمه في التوراة. وهذا يُقِرُّ به كل عالم من مؤمني أهل الكتاب. ونحن نذكر النص الذي عندهم في التوراة وما هو الصحيح في تفسيره، قال في التوراة في إسماعيل قولًا هذه حكايته: "وعن إسماعيل سمعتك ها (١) أنا باركته وأيمنته بماذ ماذ" (٢) وذكر هذا بعد أن ذكر إسماعيل، وأنه سيلد اثني عشر عظيمًا، منهم عظيم يكون اسمه "ماد ماد" وهذا عند العلماء (٣) المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي ﷺ "محمد" (٤). ورأيت (٥) في بعض شروح التوراة ما حكايته بعد هذا المتن، قال الشارح: "هذان الحرفان في موضعين (٦) يتضمنان اسم السيد الرسول محمد ﷺ ، لأنك إذا اعتبرت حروف اسم "محمد" وجدتها في الحرفين المذكورين لأن مِيْمَي "محمد" ودَالَهُ بإزاء المِيْمَيْن من

стр. 269

الحرفين، وإحدى الدالين، وبقية اسم محمد وهي الحاء، فبإزاء بقية الحرفين وهي الباء، والألفان والدال الثانية". قلت: يريد بالحرفين الكلمتين، قال: لأن لِلْحَاءِ (١) من الحساب ثمانية من العدد، والباء لها اثنان، وكل ألف لها واحد، والدال بأربعة، فيصير المجموع ثمانية، وهي قسط الحاء من العدد الجُمَّلي، فيكون الحرفان معنى الكلمتين وهما "بماذ ماذ (٢) "، وقد تضمنا بالتصريح ثلاثة أرباع اسم محمد ﷺ ، وربعه الآخر قدْ دلَّ عليه بقية الحرفين بالكتابة بالطريق التي أشرت إليها. قال الشارح: فإن قيل: فما مستندكم في هذا التأويل؟. قلنا: مستندنا فيه مستند علماء اليهود في تأويل أمثاله من الحروف المُشْكِلة التي جاءت في التوراة، كقوله تعالى: "يا موسى قل لبني إسرائيل أن يجعل كل واحد منهم في طرف ثوبه خيطًا أزرق له ثمانية أرؤس، ويعقد فيه خمس عقد ويسميه صيصيت" قال علماء اليهود: تأويل هذا وحكمته أن كل من رأى ذلك الخيط الأزرق (٣) وعدد أطرافه الثمانية، وعقده الخمس، وذكر اسمه، ذكر ما يجب عليه من فرائض الله ، لأن الله تعالى افترض على بني إسرائيل ستمائة وثلاث عشرة شريعة، لأن الصادين والياءين بمائتين، والياء بأربعمائة، فيصير مجموع الاسم ستمائة،

стр. 270

والأطراف والعقد ثلاثة عشر، كأنه يقول بصورته واسمه: اذكر فرائض الله . قال هذا الشارح: وأما قول كثير من المفسرين: إن المراد بهذين الحرفين (جدًا جدًا) لكون لفظ (ماد) قد جاءت مفردة في التوراة بمعنى (جدًا) قال: فهذا لا يصحُّ لأجل الباء المُتَّصِلة بهذا الحرف، فإنه ليس من الكلام المستقيم قول القائل: أنا أكرمك بجدًا (١)، فلما نقل هذا الحرف من التوراة الأزلية التي نزلت في ألواح الجوهر على الكليم بالخط الكينوني، وهذا الحرف فيها موصولًا بالباء (٢)، علم أن المراد غير ما ذهب إليه من قال: هي (٣) بمعنى جدًا، إذ لا تأويل يَليقُ بها غير هذا التفسير، بدليل قوله تعالى في غير هذا الموضع لإبراهيم عن ولده إسماعيل: "إنه يلد اثني عشر شريفًا ومن شريف واحد (٤) منهم يكون شخص اسمه مماد (٥) باد" فقد صرحت التوراة أن هذين الحرفين اسم علم لشخص شريف معين من ولد إسماعيل، فبطل قول من قال: إنه بمعنى المصدر للتوكيد، فإن التصريح بكونه اسم عين يناقض من يدعي أنه اسم معنى، والله أعلم. تم كلامه.

стр. 271

وقال غيره: لا حاجة إلى هذا التَّعسُّف في بيان اسمه ﷺ في التوراة، بل اسمه فيها أظهر من هذا كُلّه، وذلك أن التوراة هي باللغة العِبْرية، وهي قريبة من العربية، بل (١) هي أقرب لغات الأمم (٢) إلى اللغة العربية، وكثيرًا ما يكون الاختلاف بينهما في كيفيات أداء الحروف والنُّطق بها من التَّفْخِيم والتَّرقِيْق والضَّم والفتح، وغير ذلك، واعتبر هذا بتقارب ما بين مفردات اللغتين، فإن العرب يقولون: "لا"، والعبرانيين يقولون: "لُوا" فيضمون اللام، ويأتون بالألف بين الواو والألف، وتقول العرب: "قدس"، ويقول العبرانيون: "قدِّيش" (٣)، وتقول العرب: "أنت"، ويقول العبرانيون: "أتا" (٤)، وتقول العرب: "يأتي كذا"، ويقول العبرانيون: "يؤتى" فيضمون الياء، ويأتون بالألف بين هاتين الواو والألف، وتقول العرب: "قدسك"، ويقول العبرانيون: "قِدِّ شْخا" (٥)، وتقول العرب: "منه"، ويقول العبرانيون: "ممنو" (٦)، وتقول العرب: "من يهوذا"، ويقول العبرانيون: "ميْهُوذا" (٧)، وتقول العرب: "سمعتك"، ويقول العبرانيون: "شمعتيخا" (٨)،

стр. 272

وتقول العرب: "من"، ويقول العبرانيون: "مي"، وتقول العرب: "يمينه"، ويقول العبرانيون: "مينو" (١)، وتقول العرب: "له"، ويقول العبرانيون: "لو" بين الواو والألف، وكذلك تقول العرب: "أمَّة"، ويقول العبرانيون: "إموا" (٢)، وتقول العرب: "أرض"، ويقول العبرانيون: "إيرض"، وتقول العرب: "واحد"، ويقول العبرانيون: "إيحاذ" (٣)، وتقول العرب: "عالم"، ويقول العبرانيون: "عولام"، وتقول العرب: "كيس"، ويقول العبرانيون: "كِيَيِش" (٤)، وتقول العرب: "يأكل"، ويقول العبرانيون: "يوخل"، وتقول العرب: "تين"، ويقول العبرانيون: "تِيْبِن" (٥)، وتقول العرب "إله"، ويقول العبرانيون: "أولوه"، وتقول الرب: "الهنا"، ويقول العبرانيون: "ألوهينو"، وتقول العرب: "أبانا"، ويقول العبرانيون: "أبوتينا"، ويقولون: "يا صباع (٦) إلوهيم" يعنون با أصبع (٧) الإله، ويقولون: "ما بنم (٨) " يعنون الابن، ويقولون: "حاليب" (٩) بمعنى حليب. فإذا

стр. 273

أرادوا يقولون: "لا تأكل الجدي في حليب أمه"، قالوا: لو (١٠) توخل لذي ما حالوب أمو. ويقولون: لو توخلو (٢)، أي لا تأكلوا. ويقولون للكتب: "المشنا" (٣) ومعناها بلغة العرب "المثناة" التي تثنى، أي: تقرأ مرة بعد مرة، ولا نطيل بأكثر من هذا في تقارب اللغتين، وتحت هذا سِرُّ يفهمه من فهم تقارب ما بين الاُمَّتين والشَّرِيعتين. واقتران التوراة بالقرآن في غير موضع من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٨ - ٤٩]، وقوله في سورة (٤) الأنعام ردًا على من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢]، وقال في آخر السورة: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٤ - ١٥٥]، وقال في أول سورة آل عمران:

стр. 274

﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٥٠]. ولهذا يُكرِّر (١) قصة موسى ويعيدها ويبديها، ويسلى رسول الله ﷺ ، ويقول رسول الله ﷺ عندما يناله من أذى الناس: ٢٢٢ - "لَقد أوْذِيَ مُوسَى بأكثرَ مِنْ هَذَا فَصبَر" (٢). ٢٢٣ - ولهذا قال النبي ﷺ : "إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حتى لو كان فيهم مَنْ أتى أُمَّهُ علانية لكان في هذه الأمة من يفعله" (٣). فتأمل هذا التناسب بين الرسولين والكتابين والشريعتين؛ أعني الشريعة الصحيحة التي لم تُبدَّل، والأمتين واللغتين، فإذا

стр. 275

نظرت في حروف "محمد" وحروف "ماذ ماذ (١) " وجدت الكلمتين كلمة واحدة، فإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحد، والدال كثيرًا ما تجد موضعها ذالًا في لغتهم: يقولون: "إيحاذ" (٢) للواحد، ويقولون: "قوذش" في القدس. والدال والذال متقاربتان، فمن تأمل اللغتين وتأمل هذين الاسمين لم يشك أنهما واحد. ولهذا نظائر في اللغتين مثل "موسى" فإنه في اللغة العبرانية "موشى" بالشين، وأصله الماء والشجر، فإنهم يقولون للماء: "مو" و"شا" هو الشجر، وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر، فالتفاوت الذي بين موسى وموشى كالتفاوت بين "محمد" و"ماذ ماذ (٣) ". وكذلك إسماعيل هو في لغتهم "يشماعيل" (٤) بالألف بين الياء والألف، وبشين بدل السين، فالتفاوت بينهما كالتفاوت بين "محمد" و"ماذ ماذ (٥) " وكذلك العيص وهو أخو يعقوب يقولون له: عيسى، وهو عيص. ونظير هذا في غير الأعلام مما تقدم قوله: (يشماعون) يعنون: يسمعون، ويقولون: (آقيم) بمد الهمزة مع ضمها، أي: أقيم، ويقولون (٦): لاهيم، أي: لهم،

стр. 276

ويقولون: مي قارب، أي (١): مَنْ قارب، ووسط أحيهيم (٢)، أي: إخوتهم. وهذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب. والمقصود أنَّ اسم النَّبيِّ ﷺ في التَّوراة (مُحمَّد) كما هو في القرآن، وأما المسيح ﵊ فإنما سماه (أحمد) كما حكاه الله عنه في القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدًا في التوراة، ومتقدمة على تسميته محمدًا في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما، وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة، والوصْفيَّة فيهما لا تنافي العَلَمِيَّة، وأن معناهما مقصود، فعُرفَ عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها، فمحمد مُفَعَّل من الحَمْد، وهو الكثير الخصال التي يُحْمَدُ عليها حَمْدًا متكررًا، حَمْدًا بعد حَمْدٍ، وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها (٣)، ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول، والكتاب (٤) الذي قال الله فيه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، ولهذا كانت أمة موسى

стр. 277

أوسع علومًا ومعرفة من أمة المسيح، ولهذا لا تتمُّ شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها، فإن المسيح ﵇ وأمّته مُحَالُونَ (١) في الأحكام (٢) عليها، والإنجيل كأنَّه مُكمِّل لها متمم لمحاسنها، والقرآن جامع لمحاسن الكتابين. فعُرف النبي ﷺ عند هذه الأمة باسم "محمد" الذي قد جمع خصال الخير، التي يستحق أن يحمد عليها حمدًا بعد حمد، وعُرف عند أمة المسيح بـ "أحمد" ﷺ الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره، وحمده أفضل من حمد غيره، فإن أمة المسيح ﵊ أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما ليس لأمة موسى، ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وزُهْد وأخلاق وحضّ (٣) على الإحسان والاحتمال والصفح، حتى قيل: إنَّ الشرائع الثلاثة: شريعة عدل، وهي شريعة التوراة، فيها الحُكْم والقِصَاص، وشريعة فَضْل، وهي شريعة الإنجيل، مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان؛ كقوله: "من أخذ رداءك فأعطه ثوبك، ومن لطمك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك ميلًا فامش معه ميلين" (٤) ونحو ذلك. وشريعة نبينا (٥) جمعت هذا وهذا، وهي شريعة القرآن، فإنه يذكر العدل

стр. 278

ويوجبه، والفضل ويندب إليه، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]، فجاء اسمه عند هذه الأمة بأفعل التفضيل الدال على الفضل والكمال، كما جاءت شريعتهم بالفضل المكمل لشريعة التوراة، وجاء في الكتاب الجامع لمحاسن الكتب قبله بالاسمين معًا، فتدبَّر هذا الفَصل (١) وتبين ارتباط المعاني بأسمائها ومناسبتها لها، والحمد لله المان (٢) بفضله وتوفيقه. وقول أبي القاسم (٣): إن اسم "محمد" ﷺ إنما تَرتَّب بعد ظهوره إلى الوجود، لأنه حينئذ حمد حمدًا مكررًا، فكذلك (يقال في اسمه "أحمد" أيضًا سواء) (٤)، وقوله في اسمه "أحمد": إنه تقدّم لكونه أحمد الحامدين لربه، وهذا يقدم على حمد الخلائق له؛ فبناء منه على أنه تفضيل من فعل الفاعل، وأما على القول الآخر الصحيح فلا يجيء هذا، وقد تقدم تقرير ذلك، والله أعلم.

стр. 279

الفصل الرابع في معنى الآل واشتقاقه وأحكامه وفيه قولان: أحدهما: أن أصله أهْل، ثم قلبت الهاء همزة فقيل: (أأل) (١) ثم سُهِّلتْ على قياس أمثالها فقيل: آل. قالوا: ولهذا إذا صُغِّر رَجَعَ إلى أصله فقيل: أهيل، قالوا: ولما كان فرعًا عن فرع خَصُّوه ببعض الأسماء المضاف إليها، فلم يضيفوه إلى أسْماءِ الزمان ولا المكان ولا غير الأعلام، فلا يقولون: آل رجل وآل امرأة، ولا يضيفونه إلى مُضْمَر فلا يقال آله وآلي، بل لا يضاف إلا إلى معظم (كما أن التاء لما كانت في القسم بدلًا عن الواو، وفرعًا عليها، والواو فرعًا عن (٢) فعل القسم، خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها، وهو اسم الله تعالى) (٣). وهذا القول ضعيف من وجوه: أحدها: أنه لا دليل عليه (٤).

стр. 280

الثاني: أنه يَلزمُ منه القَلْب الشَّاذ من غير مُوْجب، مع مخالفة الأصل. الثالث: أن الأهل يُضافُ (١) إلى العاقل وغيره، والآل لا تضاف إلا إلى عاقل. والرابع: أن الأهل يضاف (٢) إلى العلم والنكرة، والآل لا يضاف إلا إلى معظم من شأنه أن غيره يؤول إليه. الخامس: أن أهل يُضاف إلى الظاهر والمضمر. والآل من النحاة من منع إضافته إلى المضمر، ومن جوزها فهي شاذة قليلة. السادس: أن الرجل حيث أضيف إلى (٣) آله (٤) دخل فيه هو، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ [القمر: ٣٤]، وقول النبي ﷺ : ٢٢٤ - "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٥)، هذا إذا لم يُذكر معه مَنْ أُضيف إليه الآل، وأما إذا ذُكِرَ معه فقد يقال: ذكر مفردًا

стр. 281

وداخلًا في الآل، وقد يقال: ذكره (١) مفردًا أغنى عن ذكره مضافًا، والأهل بخلاف ذلك، فإذا قلت: جاء أهل زيد، لم يدخل فيهم. وقيل: بل أصله أَوَلَ، وذكره صاحب "الصحاح" (٢) في باب الهمزة والواو واللام، وقال: وآلُ الرجلِ أهلُهُ وعِيَاله، وآله أيضًا: أتْبَاعُه. وهو عند هؤلاء مُشْتقّ من آل يؤول: إذا رجع، فآل الرجل (٣) هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه، ويؤولهم، أي: يَسُوسهم، فيكون مآلهم إليه، ومنه الإيالة وهي السِّياسَة، فآل الرجل هم الذين يسوسهم ويؤولهم، ونفسه أحق بذلك من غيره، فهو أحق بالدخول في آله، ولكن لا يقال: إنه مختص بآله، بل هو داخل فيهم، وهذه المادة موضوعة لأصل الشيء وحقيقته، ولهذا سُمي (٤) حقيقة الشيء تأويله؛ لأنها حقيقته التي يرجع إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل ما أخبرت به الرسل هو مَجيءُ حقيقته ورُؤيتُها عيانًا، ومنه تأويل الرؤيا، وهو حقيقتها (٥)

стр. 282

الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال، ومنه التأويل بمعنى العاقبة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، قيل: أحسن عاقبة، فإن عواقب الأمور هي حقائقها التي تؤول إليها، ومنه التأويل بمعنى التفسير؛ لأن تفسير الكلام هو بيانُ معناه وحقيقته التي يُراد منه. قالوا: ومنه الأوَّل؛ لأنه أصل العدد ومبناه الذي يتفرع منه، ومنه الآل بمعنى الشخص نفسه، قال أصحاب هذا القول: والتزمت العرب إضافته، فلا يستعمل مفردًا إلا في نادر الكلام، كقول الشاعر (١): نَحْنُ آلُ اللهِ فِيْ بَلْدَتِنَا … لم نَزَلْ آلًا على عَهْد إِرَم والتزموا أيضًا إضافته إلى الظاهر، فلا يضاف إلى مضمر إلا قليلًا، وعَدَّ بعضُ النُّحاة إضافته إلى المُضْمَرِ لَحْنًا، قال أبو عبد الله بن مالك (٢)، والصحيح أنه ليس بلحن، بل هو من كلام العرب، لكنه قليل، ومنه قول الشاعر (٣):

стр. 283

أنَا الفَارِسُ الحَامِي حَقِيقَة والدِي … آلِي، فَمَا يَحْمِي حَقِيْقَة آلِكَا؟ وقال عبد المطلب في الفيل وأصحابه (١): وانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيْـ … ـبِ وَعَابِدِيْهِ اليَوْمَ آلَكَ فأضافه إلى الياء والكاف، وزعم بعض النُّحَاة أنه لا يُضاف إلَّا إلى عَلَم مَنْ يَعْقِل. وهذا الذي قاله هو الأكثر، وقد جاءت إضافته إلى غيرِ مَنْ يَعْقِل، قال الشاعر (٢): نَجوتُ ولَمْ يَمْنُنْ عليَّ طَلَاقَةً … سِوَى رَبَذِ (٣) التَّقْرِيْبِ من آلِ أعْوَجَا وأعوج: عَلَم فرس. قالوا: ومن أحكامه أيضًا أنه لا يُضافُ إلَّا إلى متبوع معظَّم، فلا يُقال: آل الحائك، وآل الحجَّام، ولا آل رجل (٤). فصل وأما معناه فقالت طائفة: يقال: آل (٥) الرجل له نفسه، وآل الرجل (٦) لمن يتبعه (٧)، وآله لأهله وأقاربه.

стр. 284

فمن الأول قول النبي ﷺ لما جاءه أبو أوفى بصدقته: ٢٢٥ - "اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى" (١)، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠] وقول النبي ﷺ : ٢٢٦ - "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيم" (٢)، فآلُ إبراهيم هو إبراهيم؛ لأنَّ الصَّلاة المطلوبة للنَّبي ﷺ هي الصَّلاة على إبراهيم نفسه ﵊، وآله تبع له فيها. ونازعهم (٣) في ذلك آخرون وقالوا: لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب، وما ذكرتموه من الأدلة فالمراد بها الأقارب، وقوله: "كما صليت على آل إبراهيم" آلُ إبراهيم هنا هم الأنبياءُ، والمطلوب من الله سبحانه أن يصلِّي على رسوله ﷺ كما صَلّى على جميع الأنبياء من ذُرّيّة إبراهيم، لا إبراهيم وحده، كما هو مُصرّح به في بعض الألفاظ من قوله (على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، وأما قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠] فهذه فيها قراءتان (٤):

стр. 285

إحداهما: إلْيَاسيْن بوزن إسماعيل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم ثانٍ للنَّبيّ إِلْيَاس (١)، وإلْيَاسيْن كَمِيْكَال ومِيْكَائِيْل. والوجه الثاني: أنه جَمْع، وفيه وجهان. أحدهما: (٢) أنه جَمْعُ إلْياس، وأصْلُه إِلْيَاسِيْينِ، بيائين كعبرانيين، ثم خففت (٣) إحدى اليائين فقيل: إلياسين، والمراد أتباعه، كما حكى سيبويه: الأشعرون ومثله الأعجمون. والثاني: أنه جمع إلياس محذوف الياء. والقراءة الثانية: ﴿سلام على آل ياسين﴾ وفيه أوجه: أحدها: أنّ ياسين اسم لأبيه، فأُضِيْف إليه الآل كما يُقالُ آل إبراهيم. والثانى: أنّ آلَ ياسين هو إلياس نفسه، فيكون آل (٤) مضافة إلى يس، والمراد بالآل يس نفسه، كما ذكر الأوَّلُون (٥).
следующие страницы →