← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وداخلًا في الآل، وقد يقال: ذكره (١) مفردًا أغنى عن ذكره مضافًا، والأهل بخلاف ذلك، فإذا قلت: جاء أهل زيد، لم يدخل فيهم. وقيل: بل أصله أَوَلَ، وذكره صاحب "الصحاح" (٢) في باب الهمزة والواو واللام، وقال: وآلُ الرجلِ أهلُهُ وعِيَاله، وآله أيضًا: أتْبَاعُه. وهو عند هؤلاء مُشْتقّ من آل يؤول: إذا رجع، فآل الرجل (٣) هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه، ويؤولهم، أي: يَسُوسهم، فيكون مآلهم إليه، ومنه الإيالة وهي السِّياسَة، فآل الرجل هم الذين يسوسهم ويؤولهم، ونفسه أحق بذلك من غيره، فهو أحق بالدخول في آله، ولكن لا يقال: إنه مختص بآله، بل هو داخل فيهم، وهذه المادة موضوعة لأصل الشيء وحقيقته، ولهذا سُمي (٤) حقيقة الشيء تأويله؛ لأنها حقيقته التي يرجع إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل ما أخبرت به الرسل هو مَجيءُ حقيقته ورُؤيتُها عيانًا، ومنه تأويل الرؤيا، وهو حقيقتها (٥)

стр. 282

الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال، ومنه التأويل بمعنى العاقبة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، قيل: أحسن عاقبة، فإن عواقب الأمور هي حقائقها التي تؤول إليها، ومنه التأويل بمعنى التفسير؛ لأن تفسير الكلام هو بيانُ معناه وحقيقته التي يُراد منه. قالوا: ومنه الأوَّل؛ لأنه أصل العدد ومبناه الذي يتفرع منه، ومنه الآل بمعنى الشخص نفسه، قال أصحاب هذا القول: والتزمت العرب إضافته، فلا يستعمل مفردًا إلا في نادر الكلام، كقول الشاعر (١): نَحْنُ آلُ اللهِ فِيْ بَلْدَتِنَا … لم نَزَلْ آلًا على عَهْد إِرَم والتزموا أيضًا إضافته إلى الظاهر، فلا يضاف إلى مضمر إلا قليلًا، وعَدَّ بعضُ النُّحاة إضافته إلى المُضْمَرِ لَحْنًا، قال أبو عبد الله بن مالك (٢)، والصحيح أنه ليس بلحن، بل هو من كلام العرب، لكنه قليل، ومنه قول الشاعر (٣):

стр. 283

أنَا الفَارِسُ الحَامِي حَقِيقَة والدِي … آلِي، فَمَا يَحْمِي حَقِيْقَة آلِكَا؟ وقال عبد المطلب في الفيل وأصحابه (١): وانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيْـ … ـبِ وَعَابِدِيْهِ اليَوْمَ آلَكَ فأضافه إلى الياء والكاف، وزعم بعض النُّحَاة أنه لا يُضاف إلَّا إلى عَلَم مَنْ يَعْقِل. وهذا الذي قاله هو الأكثر، وقد جاءت إضافته إلى غيرِ مَنْ يَعْقِل، قال الشاعر (٢): نَجوتُ ولَمْ يَمْنُنْ عليَّ طَلَاقَةً … سِوَى رَبَذِ (٣) التَّقْرِيْبِ من آلِ أعْوَجَا وأعوج: عَلَم فرس. قالوا: ومن أحكامه أيضًا أنه لا يُضافُ إلَّا إلى متبوع معظَّم، فلا يُقال: آل الحائك، وآل الحجَّام، ولا آل رجل (٤). فصل وأما معناه فقالت طائفة: يقال: آل (٥) الرجل له نفسه، وآل الرجل (٦) لمن يتبعه (٧)، وآله لأهله وأقاربه.

стр. 284

فمن الأول قول النبي ﷺ لما جاءه أبو أوفى بصدقته: ٢٢٥ - "اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى" (١)، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠] وقول النبي ﷺ : ٢٢٦ - "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيم" (٢)، فآلُ إبراهيم هو إبراهيم؛ لأنَّ الصَّلاة المطلوبة للنَّبي ﷺ هي الصَّلاة على إبراهيم نفسه ﵊، وآله تبع له فيها. ونازعهم (٣) في ذلك آخرون وقالوا: لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب، وما ذكرتموه من الأدلة فالمراد بها الأقارب، وقوله: "كما صليت على آل إبراهيم" آلُ إبراهيم هنا هم الأنبياءُ، والمطلوب من الله سبحانه أن يصلِّي على رسوله ﷺ كما صَلّى على جميع الأنبياء من ذُرّيّة إبراهيم، لا إبراهيم وحده، كما هو مُصرّح به في بعض الألفاظ من قوله (على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، وأما قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠] فهذه فيها قراءتان (٤):

стр. 285

إحداهما: إلْيَاسيْن بوزن إسماعيل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم ثانٍ للنَّبيّ إِلْيَاس (١)، وإلْيَاسيْن كَمِيْكَال ومِيْكَائِيْل. والوجه الثاني: أنه جَمْع، وفيه وجهان. أحدهما: (٢) أنه جَمْعُ إلْياس، وأصْلُه إِلْيَاسِيْينِ، بيائين كعبرانيين، ثم خففت (٣) إحدى اليائين فقيل: إلياسين، والمراد أتباعه، كما حكى سيبويه: الأشعرون ومثله الأعجمون. والثاني: أنه جمع إلياس محذوف الياء. والقراءة الثانية: ﴿سلام على آل ياسين﴾ وفيه أوجه: أحدها: أنّ ياسين اسم لأبيه، فأُضِيْف إليه الآل كما يُقالُ آل إبراهيم. والثانى: أنّ آلَ ياسين هو إلياس نفسه، فيكون آل (٤) مضافة إلى يس، والمراد بالآل يس نفسه، كما ذكر الأوَّلُون (٥).

стр. 286

والثالث: أنه على حذف ياء النَّسَب، فيقال (١): يس، وأصله ياسيين كما تقدم، وآلُهم أتباعُهم على ديِنهم. والرابع: أن يس هو القرآن، وآله هم أهل القرآن. والخامس: أنه النبي ﷺ ، وآله أقاربه وأتباعه كما سيأتي. وهذه الأقوال كلها ضعيفة، والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة "آل" إلى "يس"، واسمه إلياس وإلياسين ورأوها في المصْحَفِ مفصولة، وقد قرأها بعض القُرَّاء: "آل ياسين" فقال طائفة منهم: له أسماء: يس، وإلياسين، وإلياس، وقالت طائفة: "يس" اسم لغيره، ثم اختلفوا، فقال الكَلْبي: يس محمد ﷺ ، وقالت طائفة: هو القرآن. وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه، والصَّواب -والله أعلم- في ذلك: أن أصل الكلمة آلُ إلْياسين (٢)، كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوَّلِه لاجتماع الأمْثَال، ودِلَالة الاسم على موضِع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كَرِهُوا النُّطق بها كلها، فحذفوا منها ما لا إلْبَاسَ في حَذْفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال. ولهذا يحذفون (٣) النُّون

стр. 287

من "إنِّي، وأنِّي، وكأنِّي (١)، ولكنِّي" ولا يحذفونها من "لَيْتَنِي". ولما كانت اللام في "لعل" شبيهة بالنون حذفوا النون معها. ولاسيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعْجَمي وتغييرها له، فيقولون مرة: "إلياسين"، ومرة "إلياس" ومرة "ياسين" وربما قالوا: "ياس" ويكون على إحدى القراءتين قد (٢) وقع على المسلَّم عليه (٣) وعلى القراءة الأخرى: على آله. وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل: أن الآل إنْ أُفْرد دخل فيه المضاف إليه، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، ولا ريب في دخوله في آله هنا. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ونظائره، وقول النبي ﷺ : ٢٢٧ - "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٤). ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسه في ذلك، وقوله: ٢٢٨ - "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم" (٥)، هذه أكثرُ رِوَاياتِ البُخَاريّ، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعل هذا مراد من قال: آل الرجل نفسه.

стр. 288

وأمّا إنْ ذُكِرَ الرجل، ثم ذُكِرَ آله، لم (١) يدخلْ فيهم. فَفَرْقٌ بين اللَّفظ المجرَّد والمقرون، فإذا قلت: أعط هذا لزيد وآل زيد، لم يكن زيد (٢) هنا داخلًا في آله، وإذا قلت: أعطه لآل زيد تناول زيدًا وآله، وهذا له نظائر كثيرة، قد (٣) ذكرناها في غير هذا الموضع، وهي أن اللّفْظَ تخْتلفُ دِلالَتُه بالتَّجْرِيْد والاقْتِران، كالفَقِير والمِسْكين، هما (٤) صنفان إذا قرن بينهما، وصنف واحد إذا أفرد كل منهما، ولهذا كانا في الزكاة صنفين، وفي الكفارات صنف واحد، وكالإيمان والإسلام، والبِرّ والتَّقوى، والفَحْشَاء والمُنْكر، والفُسُوق والعِصْيان، ونظائر ذلك كثيرة ولاسيما في القرآن. فصل واخْتُلِفَ في آلِ النَّبيِّ ﷺ على أربعةِ (٥) أقوال: فقيل: هم الذين حُرُمَتْ عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه (٦).

стр. 289

والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الثانية (١) عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك. والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى بني (٢) غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب (٣) وهذا اختيار أشهب (٤) من أصحاب مالك، حكاه صاحب "الجواهر" عنه (٥)، وحكاه اللخمي (٦) في "التبصرة" عن أصبغ (٧)، ولم يحكه عن أشهب. وهذا القول في الآل (٨) أعني أنهم الذين تَحْرُم عليهم الصدقة

стр. 290

هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي. والقول الثاني أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" (١) قال في باب عبد الله بن أبي بكر، في شرح حديث أبي حُمَيْد السّاعِدي (٢): "استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذُريته خَاصَّة، لقوله في حديث مالك عن نُعيْم المُجْمِر، وفي غير ما حديث: ٢٢٩ - "اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد" (٣). وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد: ٢٣٠ - "اللهم صل على محمدٍ وأزواجه وذريته". قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويُبيِّن أن آل محمد هم أزواجه وذُريته، قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد ﷺ ومن ذريته صلى الله عليك إذا واجهه، وصلى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم، قالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم الأزواج والذُّرية بدليل هذا الحديث".

стр. 291

والقول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم (١)، وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله ﵁، ذكره البيهقي عنه (٢)، ورواه عن سفيان الثوري وغيره، واختاره (٣) بعض أصحاب الشافعي، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في "شرح مسلم" (٤)، واختاره الأزهري (٥). والقول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين، والراغب (٦) وجماعة. فصل في ذِكْر حُجَجِ هذهِ الأقْوال وتَبْيِيْن مَا فِيْها من الصَّحِيْح والضَّعِيْف فأما القول الأول: وهو أن الآل من تَحْرُم عليهم الصدقة على

стр. 292

ما فيهم من الاختلاف، فحجته من وجوه: ٢٣١ - أحدها: ما رواه البخاري في "صحيحه" (١): من حديت أبي هريرة، ﵁، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بالنخل عند صرامه، فيجيءُ هذا بتَمْرِهِ وهذا بتَمْرِه حتى يصير عنده كَوْمًا مِنْ تَمْر، فَجَعَل الحَسَن والحُسَيْن يَلْعَباَنِ بذَلِك التَّمْر، فَأَخَذَ أَحدُهما تَمْرةً فجعلها في فِيْهِ، فَنَظَر إليْه رسولُ اللهْ ﷺ فأخْرَجَهَا مِنْ فِيْهِ، فقال: "أمَا عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحمدٍ لا يأْكلُون الصَّدَقَة"، ورواه مسلم (٢) وقال: "إنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَة". ٢٣٢ - الثاني: ما رواه مسلم في "صحيحه" (٣): عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا فينا بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: "أمَّا بعْدُ ألا أيُّها النَّاس إنَّما أنا بَشَر يُوشك أنْ يأتِيني رسولُ ربِّي ، وإنِّي تارك فيكم ثَقَلَيْن: أوَّلُهُما كتابُ اللهِ فيه الهُدى والنُّور فخُذُوا بكتاب اللهِ واسْتمْسِكُوا به"، فحث على كتاب اللهِ ورغَّب فيه، وقال: "وأهْل بَيْتِي، أُذكِّركُم اللهَ في أهْلِ بيْتِي، أُذكِّركُم اللهَ في أهْل بَيْتِي".

стр. 293

فقال له حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من (١) أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عَقِيْل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: أكُلَّ هؤلاء حرِمَ الصدقة؟ قال: نعم. ٢٣٣ - وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الصَّدَقةَ لا تَحِلُّ لآلِ مُحمَّد" (٢). ٢٣٤ - الدليل الثالث: ما في الصحيحين (٣): من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂؛ أن فاطمة ﵂ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ مما أفاء الله على رسوله ﷺ (٤)، فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نُوْرَث، مَا تَركْنَا صَدَقَة"، إنما يأكل آل محمدٍ من هذا المال -يعني مال الله- ليس لهم أن يزيدوا على المأكل.

стр. 294

فآله ﷺ لهم خواص: منها حِرْمان الصدقة، ومنها أنهم لا يَرِثُونه، ومنها استحقاقُهم خُمُس الخُمُس، ومنها اختِصَاصهم بالصّلاة عليهم. وقد ثَبَت أن تحريم الصدقة، واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه ﷺ ، فكذلك الصلاة على آله. ٢٣٥ - الدليل الرابع: ما رواه مسلم (١): من حديث ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره، أن أباه ربيعة بن الحارث، قال لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن العباس ﵄: ائتيا رسول الله ﷺ فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات -فذكر الحديث- وفيه: فقال لنا: "إنَّ هذِهِ الصَّدقة إنَّمَا هِيَ أوْسَاخُ النَّاسِ، وإنَّها لا تَحِلُّ لِمُحمّدٍ ولا لآلِ مُحمّد". ٢٣٦ - الدليل الخامس: ما رواه مسلم في "صحيحه" (٢): من حديث عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ أمر بكبشٍ أقرن، يطأ في سوادٍ، ويبرك في سواد (٣) -فذكر الحديث- وقال فيه: فأخذ النبي ﷺ الكبش، فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال:

стр. 295

"بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحمّد، ومن آلِ مُحمّد، ومن أُمَّة محمد". ثم ضحى به (١). هكذا رواه مسلم بتمامه، وحقيقة العطف المغايرة، وأمَّته ﷺ أعمُّ من آله. قال أصحاب هذا القول: وتفسير الآل بكلام النبي ﷺ أولى من تفسيره بكلام غيره. فصل وأما القول الثاني: أنهم ذُريته وأزواجه خاصَّة، فقد تقدم احتجاج ابن عبد البر له (٢)، بأنّ في حديث أبي حميد: ٢٣٧ - "اللَّهُمّ صَلِّ على مُحمَّد وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِه" (٣)، ٢٣٨ - وفي غيره من الأحاديث: "اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ مُحمَّد" (٤)، وهذا غايته أن يكون الأول مُبْهمًا (٥) قدْ فسَّرهُ اللفظ الآخر. ٢٣٩ - واحتجوا أيضًا بما في "الصحيحين" (٦): من حديث

стр. 296

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهُمَّ اجْعَل رزقَ آلِ محمَّدٍ قُوْتًا" ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تنَلْ كُلّ بني هاشم، ولا بني المُطَّلب، لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجِدَة وإلى الآن. وأما أزواجه (١) وذُرِّيته ﷺ فكان رزقهم قوتًا، ومَا كان يحصل لأزواجه بعده (٢) من الأموال كُنَّ يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتًا. ٢٤٠ - وقد جاءَ عائشةَ ﵂ مالٌ عظيمٌ فقسمته كُله في قَعْدَةٍ واحدةٍ، فقالت لها الجارية: "لو خَبَّيْتِ لنا منه دِرْهمًا نشْتري به لَحْمًا؟ فقالت لها: لو ذَكَّرتِني فَعَلْتُ (٣) ". ٢٤١ - واحتجوا أيضًا بما في "الصحيحين" (٤): عن عائشة ﵂، قالت: "ما شَبِعَ آلُ محمَّدٍ ﷺ من خُبْز بُرٍّ مأْدُوم ثلاثة أيام حتّى لَحِقَ باللهِ ". قالوا: ومعلوم أن العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها. قال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصًا أزواج

стр. 297

النبي ﷺ تشبيهًا لذلك بالنَّسَب، لأنَّ اتِّصالهُنَّ بالنَّبي ﷺ غير مرتفع، وهُنَّ مُحَرَّمات على غيره في حياته وبعد مماته، وهُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسّبب الذي لهُنَّ (١) بالنبي ﷺ قائمٌ مَقَام النَّسَبِ. وقد نَصَّ النَّبي ﷺ على الصلاة عَليْهِنَّ، ولهذا كان القول الصحيح، وهو منصوص الإمام أحمد ﵀: أن الصَّدَقة تَحْرُم عليهِنَّ؛ لأنها أوْساخ الناس، وقد صَانَ اللهُ سبحانه ذلك الجَنَاب الرَّفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويالله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله ﷺ : ٢٤٢ - "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رزقَ آلِ مُحمَّد قُوْتًا" (٢)، ٢٤٣ - وقوله في "الأضحية": "اللَّهُمَّ هذا عن مُحمَّد وآل محمد" (٣)، وفي قول عائشة ﵂: ٢٤٤ - "مَا شَبِعَ آلُ رسولِ الله ﷺ مِن خُبْز بُرٍّ" (٤). وفي قول المصلي: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" (٥)، ولا يدخُلْنَ فى قوله: ٢٤٥ - "إنَّ الصدَقة لا تَحِلُّ لمُحمَّد ولَا لآلِ مُحمَّد" (٦)، مع

стр. 298

كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله ﷺ أوْلى بالصِّيانة عنها، والبُعْد منها. فإنْ قيل: لو كانتِ الصَّدقة حَرَامًا عليهِنَّ لحَرُمتْ على مواليْهِنَّ، كما أنَّها لمَّا حَرُمتْ على بني هاشم حَرُمت على مواليْهِم. ٢٤٦ - وقد ثبت في الصحيح (١) أنَّ بَرِيْرَة تُصُدِّقَ عليها بلَحْم فأكلته، ولم يُحرِّمه النَّبي ﷺ ، وهي مولاة لعائشة ﵂. قيل: هذا هو شُبْهَة مَنْ أباحها لأزواج النبي ﷺ . وجواب هذه الشبهة: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي ﷺ ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع (٢) لتحريمها عليه ﷺ ، وإلَّا فالصَّدقة حلال لهُن قبل اتِّصَالِهِن به، فَهُنَّ فرع في هذا التَّحريم، والتَّحْريم على المَوْلى فرع التَّحريم على سيده، فلمَّا كان التَّحريم على بني هاشم أصْلًا اسْتَتْبع ذلك مواليهم، ولمَّا كان التحريم على أزواجِ النبي ﷺ تَبَعًا، لم يَقْوَ ذلك على اسْتِتْباع مواليهِنَّ، لأنه فَرْعٌ عن فرْع (٣). قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ

стр. 299

يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣١ - ٣٤]. فدخلْنَ في أهل البيت، لأن هذا الخِطاب كُلّه في سياق ذِكرهِنَّ، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه (١). والله أعلم. فصل وأما القول الثالث: وهو أنَّ آلَ النَّبيِّ ﷺ أُمَّته وأتْباعه إلى يومِ القيامة. فقد احْتُجَّ له بأن آلَ المعظّم المتبوع هم (٢) أتباعه على دينه وأمره، قريبهم وبعيدهم. قالوا: واشتقاق هذه اللفظة يدل عليه، فإنه من آل يؤول إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لأنه إمامهم وموْئِلهم. قالوا: ولهذا كان قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ [القمر: ٣٤]، المراد به أتباعه (٣) وشيعته (٤) (المؤمنون به من

стр. 300

أقاربه (١) وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، المراد به أتباعه وشيعته (٢)) (٣). ٢٤٧ - واحتجوا أيضًا بأن واثلة بن الأسقع (٤) روى: أن النبي ﷺ دعا حسنًا وحسينًا، فأجلس كل واحد منهما على فَخِذِه، وأدْنى فاطمة ﵂ من حِجْره وزوجها، ثم لفَّ عليهم ثوبه، ثم قال (٥): "اللهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي"، قال واثلة: فقلت: يا رسول الله، وأنا مِنْ أهلك؟ فقال: "وأنْتَ من أهْلي". ورواه البيهقي بإسناد جيد. قالوا (٦): ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة، وإنَّما هو مِن أتْبَاعِ النَّبي ﷺ . فصل وأما أصحاب القول الرابع: أنَّ آله الأتْقِياء مِنْ أُمَّته.

стр. 301

٢٤٨ - فاحتجوا بما رواه الطبراني في "معجمه" (١): عن جعفر بن إلياس بن صدقة، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: "سئل رسول الله ﷺ : من آل محمد؟ فقال: "كل تقي"، وتلا النبي ﷺ : ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ". قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم. ٢٤٩ - وقد رواه البيهقي (٢): من حديث أحمد (٣) بن عبد الله ابن يونس، حدثنا نافع أبو هرمز، عن أنس، فذكره. ونوح هذا، ونافع أبو هرمز لا يحتج بهما أحد من أهل العلم، وقد رُمِيَا بالكذب. واحْتُجَّ لهذا القول أيضًا بأن الله قال لنوح عن ابنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فأخرجه بِشِرْكه أنْ يكون من أهله، فعُلِمَ أن آل الرسول ﷺ هم أتباعه.

стр. 302

وأجاب عنه الشافعي (١) ﵀ بجواب جيد، وهو أن المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم، وعدناك نجاتهم، لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم. قلت: ويدل على صحة هذا أن سياق الآية يدل على أن المؤمنين به (٢) قِسْم غير أهله الذين هم أهله، لأنه قال سبحانه: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ [هود: ٤٠]، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل، وهم الأهل والاثنان من كل زوجين. واحتجوا أيضًا بحديث واثلة بن الأسقع المتقدم، قالوا: وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه (٣) جعل واثلة في حكم الأهل تشبيهًا بمن يستحق هذا الاسم. فهذا ما احتج به أصحاب كل قول من هذه الأقوال. والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني. وأما الثالث والرابع فضعيفان، لأن النبي ﷺ قد رفع الشبهة بقوله (٤):

стр. 303

٢٥٠ - "إن الصدقة لا تحل لآل محمد"، وقوله (١): ٢٥١ - "إنما يأكل آل محمد من هذا المال"، وقوله (٢): ٢٥٢ - "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا". وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعًا. فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة: الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك. وأما تَنْصِيْصُه على الأزواج والذُّرية (٣)، فلا يدل على اخْتِصاص الآل بهم، بل هو حُجَّة على عدم الاختصاص بهم، لما روى أبو داود (٤) من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة ﵁ في الصلاة على النبي ﷺ : ٢٥٣ - "اللهم صل على محمدٍ النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على آل (٥) إبراهيم"، فجمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنما نصَّ عليهم بتعيينهم ليُبيِّن أنهم حَقِيْقُون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه،

стр. 304

بل هم أحق من دخل فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاصِّ على العامّ، وعكسه، تنبيهًا على شرفه، وتخصيصًا له بالذِّكْر من بَيْن النّوع، لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه. وهُنَا للناس طريقان: أحدهما: أنَّ ذكر الخاص قبل العام، أو بعده قرينة تدلُّ على أنَّ المراد بالعام ما عداه. والطريق الثاني: أن الخاص ذكر مرتين، مرة بخصوصه، ومرة بشمول الاسم العام له، تنبيهًا على مزيد شرفه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨]. وأيضًا فإن الصّلاةَ على النبي ﷺ حقٌ له ولآله دون سائر الأُمَّة، ولهذا تَجِبُ عليه وعلى آله عند الشافعي ﵀ وغيره كما سيأتي، وإن كان عندهم في الآل اختلاف. ومَنْ لم يُوجبْها فلا رَيْبَ أنه يستحبُّها عليه وعلى آله، ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين، أو لا يجوزها على غير النبي ﷺ وآله. فمن قال: إن آله في الصَّلاة هم كلُّ الأُمَّة، فقد أبْعَد غايةَ الإِبْعاد. وأيضًا فإن النبي ﷺ شَرَعَ في التَّشَهُّد السَّلام والصَّلاة، فشرع

стр. 305

في (١) السَّلام تَسْليم المصلِّي على الرسول ﷺ أوَّلًا، وعلى نفسه ثانيًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثلاثًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ٢٥٤ - "فإذا قلتم ذلك فقد سَلَّمْتُم علَى كُلِّ عَبْدٍ للهِ صَالِح في السَّماءِ والأرْض" (٢). وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه، وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه. وأيضًا فإن الله سبحانه أمرنا (٣) بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خَصَّه به دون أُمَّته مِن حلِّ نكاحه لمن تَهبُ نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأَمة بَعْده، ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتَعْظيمه وتَوْقيره وتبْجيله. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ثم ذكر رفع الجُنَاح عن أزواجه في تَكْلِيمهِنَّ (٤) آباءهنَّ وأبناءهنَّ ودخولهم عليهنَّ، وخلوتهم بِهِنَّ، ثم عَقَّبَ ذلك

стр. 306

بما هو (١) حق من حقوقه الأكيدة (٢) على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم (٣) مُسْتَفْتِحًا (٤) ذلك الأمر بإخباره بأنه سبحانه هو وملائكته يُصَلُّون عليه، فسأل الصحابة رسول الله ﷺ : على أي صفة يؤدون هذا الحق؟ فقال (٥): ٢٥٥ - "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد"، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقرُّ به عَيْنُه، ويزيده الله له شرفًا وعُلوًّا. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. وأما من قال: إنهم الأتقياء من أمته، فهؤلاء هم أولياؤه، فمن كان منهم من أقربائه (٦) فهو من أوليائه وآله (٧)، ومن لم يكن منهم من أقربائه (٨)، فهم من أوليائه، لا من آله. فقد يكون الرجل من آله وأوليائه، كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه، وقد (٩) لا يكون من آله ولا من أوليائه، وقد يكون من أوليائه (وإن لم يكن

стр. 307

من آله) (١) كخلفائه في أُمَّته الدَّاعين إلى سُنَّته، الذَّابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكن من أقاربه. ٢٥٦ - وثبت في الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إنّ آلَ أبي فلان لَيْسُوا لِيْ بأوْلياء، إنَّ أوْليائي المُتَّقُون أيْنَ كانوا، ومَنْ كانوا"، وغلط بعض الرواة في هذا الحديث وقال: "إن آل بني (٣) … بياض". والذي غَرَّ هذا أن في الصحيح: "إن آل بني … ليسوا لي بأولياء"، وأخلى بياضًا بين "بني" وبين "ليسوا" فجاء بعض النساخ فكتب على ذلك الموضع "بياض" يعني أنه كذا وقع، فجاء آخر فَظَنَّ (٤) أن "بياض" هو المضاف إليه، فقال: بني (٥) بياض، (ولا يعرف في العرب بنو بياض، والنبي ﷺ لم يذكر ذلك، وإنَّما سَمّى قبيلة كبيرة من قبائل قريش، والصواب لمن قرأها في تلك النسخ أن يقرأها إن آل بني "بياضٌ") (٦) بضَمِّ الضَّاد من بَيَاض لا بِجَرِّها. والمعنى: وثَمَّ بياضٌ، أو هُنَا بَيَاضٌ.

стр. 308

٢٥٧ - ونظير هذا ما وقع في كتاب مسلم (١) في حديث البجلي (٢) الطويل: "ونحن يوم القيامة -أي: فوق كذا انظر -"، وهذه الألفاظ لا معنى لها هنا أصْلًا، وإنَّما هي من تَخْبيط النُّسَّاخ، والحديث بهذا السند والسياق في "مسند الإمام أحمد" (٣): "ونحن يوم القيامة على كَوْم، أو (٤) تَلٍّ فوق الناس"، فاشتبه على الناسخ التل، أو الكوم، ولم يفهم ما المراد فكتب في أول (٥) الهامش "انظر"، وكتب هو أو غيره "كذا"، فجاء آخر فجمع بين ذلك كله وأدخله في متن الحديث.، سمعته من شيخنا أبي العباس أحمد (٦) بن تيمية رحمه (٧) الله (٨). والمقصود أن المتقين (٩) هم أولياء رسول الله ﷺ ، وأولياؤه هم أحب إليه من آله. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾

стр. 309

[التحريم: ٤]. ٢٥٨ - وسئل النبي ﷺ : "أَيُّ النَّاسِ أحبُّ إلَيْك؟ قال: "عَائِشَة" ﵂، قيل: مِن الرِّجال؟ قال: "أبُوْهَا". متفق عليه". وذلك أن المتقين هم أولياء الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، وأولياء الله أولياء لرسوله ﷺ . وأما من زعم أن الآل هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ "الآل" في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ "الآل" يُراد به الأتباع، لما ذكرنا من (١) النُّصُوص. والله أعلم. فصل وأما الأزواج فَجَمْعُ زَوْج، وقد يُقال: زوجة، والأول أفْصَحُ، وبها جاء القرآن، قال تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقال تعالى في حق زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ومن الثاني: قول ابن عباس (٢) ﵁ في عائشة ﵂:

стр. 310

٢٥٩ - "إنَّها زَوْجَةُ نَبيِّكم في الدُّنْيا والآخرة" (١). وقال الفرزدق: (٢) وإنَّ الَّذي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي … كَسَاع إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيْلُهَا (٣) وقد يُجْمع على "زوجات"، وهذا إنما هو جمع زوجة، وإلا فجمع زوج "أزواج" قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ [الزخرف: ٧٠]، وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج مفردًا وجمعًا كما تقدم. وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، والإخبار عن أهل الشرك بلفظ "المرأة" قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ [المسد: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]، فلمَّا كانتا مشركتين أوقع عليهما اسم "المرأة" وقال في فرعون: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، لما كان هو المشرك وهي المؤمنة (٤) لم يسمها زوجًا

стр. 311

له، وقال في حق آدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال في حق المؤمنين: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]. فقالت طائفة -منهم السهيلي وغيره-: إنما لم يقل في حق هؤلاء الأزواج؛ لأنهن لسْنَ بأزواج لرجالهم في الآخرة، ولأن التزويج حِلْية (١) شَرْعيِّة، وهو من أمر الدِّيْن، فَجَرَّد الكافرة منه كما جَرَّد منها امرأة نوح وامرأة لوط. ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥]، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩]. وأجاب بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع، لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة، فذكر المرأة أولى به؛ لأن الصّفة التي هي الأنُوثة هي المقْتَضِية للحَمْل والوَضْع، لا من حيث كانت زوجًا. قلت: ولو قيل: إن السِّرَّ في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ الأزواج أنَّ هذا اللفظ مُشْعِرٌ بالمُشَاكلة والمجانسة والاقتران، كما هو المفهوم من لفظه، فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان (٢) المتشاكلان أو المتساويان، ومنه قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].

стр. 312

قال عمر بن الخطاب ﵁ (١): ٢٦٠ - "أزواجهم: أشْباهُهُم ونُظَراؤُهُم". وقاله الإمام أحمد أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: ٧]. أي: قُرِن بَيْن كُلِّ شَكْلٍ وشَكْلِه في النَّعيم والعذاب. ٢٦١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في هذه الآية: "الصَّالح مع الصَّالح في الجَنَّة، والفاجر مع الفاجر في النَّار" (٢). وقاله الحسن (٣)، وقتادة (٤)، والأكثرون. وقيل: زُوِّجتْ أنفس المؤمنين بالحُوْر العِيْن، وأنفس الكافرين بالشَّياطين، وهو راجع إلى القول الأول. وقال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ثم فسرها: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣، ١٤٤]، فجعلَ الزَّوْجَين هما الفَرْدان من نوعٍ واحدٍ، ومنه قولهم: "زوجا خُفٍّ (٥)، وزوجا

стр. 313

حمام" ونحوه. ولا ريب أن الله قطع المشابهة والمشاكلة بين الكافر والمؤمن، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقال تعالى في حق مؤمني (١) أهل الكتاب وكافرهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٣] الآية. وقطع المقارنة (٢) سبحانه بينهما في أحكام الدنيا، فلا يتوارثان، ولا يتناكحان، ولا يتولّى أحدهما صاحبه. فكما انقطعت الوصْلَة بينهما في المعنى انقطعت في الاسم، فأضاف فيها "المرأة" بلفظ الأنوثة المجرد، دون لفظ المشاكلة والمشابهة. فتأمَّل (٣) هذا المعنى تجِدْه أشَدَّ مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه، ولهذا وقع على المسلمة امرأَةِ الكافر، وعلى الكافرة امرأةِ المؤمن = لفظُ "المرأة" دون "الزوجة"، تحقيقًا لهذا المعنى. والله أعلم. وهذا أولى من قول من قال: إنما سَمَّى صاحبة أبي لهب "امرأته"، ولم يقل لها: زوجته، لأن أنكحة الكفار لا يثبت لها حكم الصحة، بخلاف أنكحة أهل الإسلام، فإن هذا باطل، بإطلاقه اسم "المرأة" على امرأة نوح وامرأة لوط، مع صحة ذلك النكاح. وتأمل هذا (٤) المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه

стр. 314

التوارث فيها (١) بلفظ الزَّوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، إيذانًا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتَّشاكل والتَّناسب؛ والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب (٢)، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين. فصل وهذا أليق المواضع بذكر أزواجه ﷺ . * وأولهن خديجة بنت خويلد (٣): بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. وتزوجها ﷺ بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله تعالى برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت (٤) له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، ولها خصائص ﵂. منها: أنه لم يتزوج عليها غيرها. ومنها: أن أولاده كلهم منها إلا إبراهيم ﵁، فإنه

стр. 315

من سُرِّيَّتِه مارية ﵂. ومنها: أنها خير نساء الأمة. واختلف في تفضيلها على عائشة ﵂ على ثلاثة أقوال، ثالثها الوقف. وسألت شيخنا ابن تيمية ﵀ فقال: اخْتَصَّ كل واحدة منهما بخاصة، فخديجة كان تأثيرها في أوَّل الإسلام، وكانت تُسَلِّي رسول الله ﷺ وتثبته وتسكنه، وتبذل دونه مالها، فأدركت غُرَّة الإسلام، واحْتمَلَت الأذى في الله، وفي رسوله ﷺ ، وكانت نصرتها للرسول ﷺ في أعظم أوقات الحاجَّة، فلها من النُّصرة والبَذْل ما ليس لغيرها. وعائشة ﵂ تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التَّفقُّه في الدين، وتبليغه إلى الأُمَّة، وانتفاع بنيها (١) بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها. هذا معنى كلامه ﵁. قلت: ومن خصائصها أيضًا أن الله سبحانه بعث إليها السلام مع جبريل فبلغها النبي ﷺ ذلك. ٢٦٢ - قال البخاري في "صحيحه" (٢): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁، قال: أتى جبريلُ النبيَّ ﷺ فقال: "يا رسولَ الله،

стр. 316

هذه خديجةُ قد أتتْ معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربِّها ومنِّي، وَبشِّرْها بِبَيْتٍ في الجَنَّة مِن قَصَبٍ لا صَخَب فيه ولا نَصَب". وهذه لعَمْر الله خاصَّة لم تكن لسواها. وأما عائشة ﵂، فإن جبرائيل سلم عليها على لسان النبي ﷺ . ٢٦٣ - قال البخاري (١): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال أبو سلمة: إن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: "يا عائشُ (٢) هَذا جِبْرائيل يُقْرئُكِ السَّلام"، فقالت: "وعَليْه السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، تَرَى ما لا أرَى". تُريدُ رسولَ الله ﷺ . ومن خواص خديجة ﵂: أنها لم تسُؤْه قط، ولم تغاضبه، ولم ينلها (٣) منه إيلاء (٤) ولا عَتَب قط، ولا هجر (٥)، وكفى به (٦) منقبة وفضيلة. ومن خواصها أنَّها أوَّل امرأة آمنت بالله ورسوله ﷺ من هذه الأُمّة.

стр. 317

فصل * فلما توفاها اللهُ تزوج بعدها سَوْدَة بنت زَمْعَة (١) ﵂، وهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدِ وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي. وكبرت عنده، وأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة ﵂، فأمسكها. وهذا من خواصها: أنها آثرت بيومها (٢) حِبّ النبي ﷺ ، تقربًا إلى رسول الله ﷺ وحُبًّا له، وإيثارًا لمقامها معه، فكان يَقْسِم لنسائه، ولا يَقْسِم لها، وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ ، ﵂. * وتزوج الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر (٣)، ﵂، وعن أبيها، وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة ﵁ سنة ثمان وخمسين. ٢٦٤ - ومن خصائصها: أنها كانت أحب أزواج رسول الله

стр. 318

ﷺ إليه، كما ثبت عنه ذلك في البخاري (١) وغيره، وقد سئل: "أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قيل: فمن الرجال؟ قال: "أبوها". ومن خصائصها أيضًا: أنه لم يتزوج امرأة بكرًا غيرها. ومن خصائصها: أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لِحَافِها (٢) دون غيرها. ومن خصائصها: أن الله لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال: ٢٦٥ - "ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة" (٣). فاسْتنَّ بها بقيةُ أزواجِه ﷺ ، وقُلْنَ كما قالت. ومن خصائصها: أن الله بَرَّأَها مِمَّا رَمَاهَا به أهْلُ الإفْك، وأنزل في عُذْرِها وبراءتها وحْيًا يُتْلى (٤) في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها بأنها من الطيبات،

стр. 319

ووعدها المغفرة والرزق الكريم، وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرًّا لها، ولا عائبًا لها (١)، ولا خافضًا من شأنها، بل رفعها الله تعالى بذلك، وأعْلى قَدْرها، وعظَّم (٢) شأنها، وصار (٣) لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها. وتأمل هذا التَّشْريف والإكرام النَّاشئ عن فَرْط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت (٤): ٢٦٦ - "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللهُ فيَّ بوحْي يُتْلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يُبرِّئني الله بها". فهذه صِدِّيقة الأُمّة، وأم المؤمنين، وحبُّ رسول الله ﷺ (٥)، تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها (٦) ظالمون لها، مفترون عليها، قد بلغ أذاهم بها إلى أبويها، وإلى رسول الله ﷺ ، وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها. فما ظنك بمن قد (٧)

стр. 320

صام يومًا أو يومين أو شهرًا وشهرين، وقام ليلة أو ليلتين، وظهر عليه شيء من الأحوال، فلاحظوا (١) أنفسهم بعَيْن استحقاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وإجَابة الدعوات، وأنهم ممن يُتَبرَّكُ بلقائهم، ويُغتَنم صالح دعائهم، وأنهم يَحبُ على الناس احترامهم، وتعظيمهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم؛ فيتمسح بأثوابهم، ويقبل ثرى أعتابهم، وأنهم من الله بالمكانة التي ينتقم لهم لأجلها ممن تنقَّصهم في الحال، وأن يؤخذ مِمَّن (٢) أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وأن إساءة (٣) الأدب عليهم ذَنْب لا يكفِّره شيء إلَّا رضاهم (٤)!، ولو كان هذا من وراء كفاية (٥) لهان، ولكن من وراء تخلُّف (٦)؛ وهذه الحَمَاقات والرُّعونات نتائج الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصْدرُ من جاهل مُعْجَبٍ بنفسه، غافلٍ عن جُرْمه وذنوبه، مُغْترٍّ بإمهال الله تعالى له عن أخذه بما هو فيه من الكِبْر والإزْرَاء على مَنْ لَعَلَّه عند الله تعالى خيرٌ منه. نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة. وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيمًا، وهو عند الله حقيرًا.
следующие страницы →