← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فهذا دليل على أنّ الصَّلاة على النبي ﷺ في الخطب كان أمرًا مشهورًا معروفًا عند الصحابة ﵃ أجمعين. وأما وجوبها فلم نرَ فيه (١) دليلًا يجب المصير (إليه و) (٢) إلى مثله. والله أعلم. فصل الموطن السادس من مواطن الصلاة عليه ﷺ الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة ٣٨٦ - لما روى مسلم في "صحيحه" (٣): من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سَمِعْتُم المؤذِّنَ فقُولوا مِثْلَ ما يَقُولُ، ثم صَلُّوا عَلَيَّ، فإنّه مَنْ صَلَّى عَلَيَّ

стр. 492

صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَليْه بهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيْلَة، فإِنَّها مَنْزِلةٌ فِي الجَنَّة لا تنبَغِي إلَّا لعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله تعالى، وأرْجُو أنْ أكُوْنَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سألَ (١) لِيَ الوَسِيْلة حَلَّتْ عَلَيْه الشَّفَاعَة" (٢). ٣٨٧ - وقال الحسن بن عرفة: حدثني محمد بن يزيد الواسطي، عن العوام بن حوشب (٣)، حدثنا منصور بن زاذان، عن الحسن قال: "من قال مثل ما يقول المؤذن، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، قال: اللهم رب هذه الدعوة الصادقة والصلاة القائمة، صل على محمدٍ عبدك ورسولك، وأبلغه درجة الوسيلة في الجنة؛ دخل في شفاعة محمد ﷺ (٤) ". ٣٨٨ - وقال يوسف بن أسباط (٥): بلغني أن الرجل إذا أقيمت الصلاة فلم يقل: اللهم رب هذه الدعوة المستمعة المستجاب لها، صل على محمد وعلى آل محمد، وزوجنا من الحور العين. قلن الحور العين: ما أزهدك فينا".

стр. 493

وفي إجابة المؤذن خمس سنن عن رسول الله ﷺ ، قد اشتمل حديث عبد الله بن عمرو على ثلاثة منها، والرابعة: أن يقول ٣٨٩ - ما رواه مسلم (١): عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ المؤذِّن: أشْهَدُ أنْ لا إلَه إلَّا الله وحْدَه لا شَرِيْك لَه، وأنَّ مُحمَّدًا عبْدُهُ ورسوْلُهُ، رَضِيْتُ بالله ربًّا، وبمُحمَّدٍ رَسُولًا، وبالإسْلامِ دِيْنًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبَه". والخامسة: أن يدعو الله بعد إجابة المؤذن، وصلاته على رسوله، وسؤاله له الوسيلة، لما في "سنن أبي داود، والنسائي" (٢)، من حديث عبد الله بن عمرو (٣)؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن (٤) المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : ٣٩٠ - "قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل (٥) تعطه".

стр. 494

٣٩١ - وفي "المسند" (١): من حديث جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة، والصلاة النافعة، صل على محمدٍ وارض عنه رضى لا سخط بعده، استجاب الله له دعوته". ٣٩٢ - وفي "المستدرك" للحاكم (٢): من حديث أبي أمامة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع الأذان قال: "اللهم رب هذه الدعوة الصادقة المستجابة (٣) المستجاب لها، دعوة الحق، وكلمة التقوى، توفني عليها (٤)؛ وأحيني (٥) عليها، واجعلني من صالح أهلها عملًا يوم القيامة". فهذه خمسة وعشرون سُنَّة في اليوم والليلة لا يحافظ عليها

стр. 495

إلا السابقون (١). فصل الموطن السابع من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند الدعاء وله ثلاث مراتب: إحداها: أن يصلي عليه قبل الدعاء، وبعد حمد الله تعالى. والمرتبة الثانية: أن يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره. والثالثة: أن يصلي عليه في أوله (٢) وآخره، ويجعل حاجته متوسطة بينهما. ٣٩٣ - فأما المرتبة الأولى: فالدليل عليها حديث فضالة بن عبيد (٣)، وقول النبي ﷺ فيه: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بَعْدُ (٤) بما شاء" وقد تقدم.

стр. 496

٣٩٤ - وقال الترمذي (١): حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله، قال: كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ : "سل تعطه، سل تعطه (٢) ". ٣٩٥ - وقال عبد الرزاق (٣): أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "إذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بحمده والثناء عليه بما هو أهله؛ ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يسأل بعد، فإنه أجدر أن ينجح أو يصيب". ورواه شريك: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، نحوه (٤). ٣٩٦ - وأما المرتبة الثانية: فقال عبد الرزاق (٥): عن الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن

стр. 497

جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوني كقدح الراكب -فذكر الحديث- وقال: "اجعلوني في وسط الدعاء وفي أوله وفي آخره". ٣٩٧ - وقد تقدم حديث علي (١): "ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى يصلي على محمد ﷺ ، فإذا صلى على النبي ﷺ انخرق الحجاب، واستجيب الدعاء، وإذا لم يصل على النبي ﷺ لم يستجب الدعاء". ٣٩٨ - وتقدم قول عمر ﵁: الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك ﷺ . ٣٩٩ - وقال أحمد بن علي بن شعيب: حدثنا محمد بن حفص، حدثنا الجراح بن يحيى، حدثني عمرو (٢) بن عمرو، قال: سمعت عبد الله بن بسر (٣) يقول: قال رسول الله ﷺ (٤): "الدعاء كله محجوب حتى يكون أوله ثناء على الله ، وصلاة على النبي

стр. 498

ﷺ ، ثم يدعو يستجاب لدعائه" (١). وعمرو بن عمرو هذا هو الأحْمُوْسِي، له عن عبد الله بن بسر (٢) حديثان، هذا أحدهما. ٤٠٠ - والآخر رواه الطبراني في "معجمه الكبير" (٣) عنه، عن النبي ﷺ : "من استفتح أول نهاره بخير وختمة بالخير؛ قال الله لملائكته: لا تكتبوا عليه ما بين ذلك من الذنوب". والصلاة على النبي ﷺ للدعاء بمنزلة (٤) الفاتحة من الصلاة. وهذه المواطن التي تقدمت كلها شرعت الصلاة على النبي ﷺ فيها أمام الدعاء، فمفتاح (٥) الدعاء الصلاة على النبي ﷺ ، كما أن مفتاح الصلاة الطهور، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. وقال أحمد بن أبي الحواري (٦): سمعت أبا سليمان الداراني يقول: "من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ

стр. 499

وليسأل حاجته، وليختم بالصلاة على النبي ﷺ ، فإن الصلاة على النبي ﷺ مقبولة، والله أكرم أن يرد ما بينهما" (١). فصل الموطن الثامن من مواطن الصلاة على النبي ﷺ عند دخول المسجد وعند الخروج منه ٤٠١ - لما روى ابن خزيمة في "صحيحه" (٢)، وأبو حاتم (٣) بن حبان: عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم". ٤٠٢ - وفي "المسند" (٤) والترمذي، و"سنن ابن ماجه": من حديث فاطمة بنت الحسين، عن جدتها فاطمة الكبرى، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: "اللهم صل على محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج قال مثلها، إلا أنه يقول. "أبواب فضلك"، ولفط الترمذي: "كان

стр. 500

رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمدٍ وسلم". وقد تقدم الكلام على هذا الحديث. فصل الموطن التاسع من مواطن الصلاة عليه ﷺ على الصفا والمروة ٤٠٣ - لما روى إسماعيل بن إسحاق في كتابه (١): حدثنا هدبة، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا نافع؛ أن ابن (٢) عمر ﵄ كان يُكبِّر على الصَّفا ثَلاثًا، يقول: "لَا إله إلّا الله وحْدَه لا شَرِيْك لَه، لَه المُلْك ولَه الحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْر، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، ثم يَدْعُو، ويُطِيْل القِيَام والدُّعَاء، ثُمَّ يَفْعَلُ على المَرْوَة مِثْل ذلك". وهذا من توابع الدعاء أيضًا. ٤٠٤ - وروى جعفر بن عون (٣)، عن زكريا، عن الشعبي، عن

стр. 501

وهب بن الأجدع، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس بمكة يقول: "إذا قَدِم الرَّجُل مِنْكم حَاجًّا فلْيَطُفْ بالبيتِ سَبْعًا، ولْيُصَلِّ عند المَقَامِ ركْعتَيْن، ثم يَسْتَلم الحَجَر الأسْود، ثم يَبْدأُ بالصَّفَا، فَيقُوم عليها ويَسْتَقْبِل البَيْت فَيُكَبِّر سَبْع تَكْبيرات بَيْن كل تكْبيرتَيْنِ حَمْد الله وثناءٌ عليه ، وصَلاة عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، ومَسْألة لِنَفْسِه، وعلى المَرْوة مثل ذلك". رواه أبو ذر (١): عن زاهر (٢)، عن محمد بن المسيب، عن عبد الله بن خُبَيْق (٣)، عن جعفر، ورواه البزار عن عبد الله بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن المسور، عن سفيان، عن (٤) مسعر، عن فراس، عن الشعبي، عن وهب، به.

стр. 502

فصل الموطن العاشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند اجتماع القوم قبل تفرقهم وقد تقدمت الأحاديث بذلك عن النبي من غير وجه، أنه قال: ٤٠٥ - "ما جلس قوم مجلسًا ثم تفرقوا، ولم يذكروا الله، ولم يصلوا على النبي ﷺ إلا كان عليهم من الله ترة، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم"، رواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وغيرهما (١). ٤٠٦ - وقد روى عبد الله بن إدريس الأودي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: "زَيِّنُوا مَجَالسَكم بالصَّلاة على النَّبي ﷺ ، وبِذِكْر (٢) عمر بن الخطاب ﵁" (٣).

стр. 503

فصل الموطن الحادي عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند ذكره وقد اختلف في وجوبها كُلَّما ذُكِر اسمه ﷺ ، فقال أبو جعفر الطحاوي (١)، وأبو عبد الله (٢) الحَلِيْمي (٣): تجب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه. وقال غيرهما: إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه. ثم اختلفوا (٤)؛ فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العُمُرِ مَرَّةً واحدةً، لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرة، وهذا محكي عن أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي (٥). وقال عياض (٦) وابن عبد البر (٧): وهو قول جمهور الأمّة. وقالت فرقة: بل تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير كما

стр. 504

تقدم، وهو قول الشافعي، وأحمد في آخر الروايتين عنه، وغيرهما. وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب، لا أمر إيجاب، وهذا قول ابن جرير وطائفة، وادعى ابن جرير فيه الإجماع (١). وهذا على أصله، فإنه إذا رأى الأكثرين على قول، جعله إجماعًا يجب اتباعه، والمقدمتان هنا باطلتان. واحتج الموجبون بحجج: ٤٠٧ - الحجة الأولى: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي (٢) ﷺ : "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي"، صححه الحاكم وحسنه الترمذي. ورغم أنفه: دعاء عليه وذم له، وتارك المستحب لا يذم، ولا يدعى عليه. ٤٠٨ - الحجة الثانية: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه صعد المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين" فذكر الحديث المتقدم في أول الكتاب وقال فيه: "من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين"، رواه ابن حبان في "صحيحه" (٣).

стр. 505

وقد تقدمت الأحاديث في هذا المعنى من رواية أبي هريرة (١)، وجابر بن سمرة (٢)، وكعب بن عجرة (٣)، ومالك بن الحويرث (٤)، وأنس بن مالك (٥)، وكل منها حجة مستقلة، ولا ريب أن الحديث بتلك الطرق (٦) المتعددة يُفِيْدُ الصِّحَّة. ٤٠٩ - الحجة الثالثة: ما رواه النسائي (٧): عن محمد بن المثنى، عن أبي داود، عن المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذكرت عنده فليصل علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا ﷺ ". وهذا إسناد صحيح، والأمْرُ ظاهِرُهُ (٨) الوجوب. ٤١٠ - الحجة الرابعة: ما رواه ابن حبان في "صحيحه" (٩): من حديث عبد الله بن علي بن حسين، عن علي بن حسين، عن

стр. 506

أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي"، ورواه الحاكم في "صحيحه"، والنسائي والترمذي. قال ابن حبان: "هذا أشبه شيء روي عن الحسين بن علي، وكان الحسين ﵁ حين قُبضَ النبي ﷺ ابن سبع سنين إلا أشهرًا (١)، وذلك أنه ولد لليال خلون من شعبان سنة أربع، وابن (٢) ست سنين وأشهرًا، إذا كانت لغته عربية (٣) يحفظ الشيء بعد الشيء". وقد تقدمت الأحاديث في هذا المعنى والكلام عليها. ٤١١ - قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا الحارث ابن محمد، حدثنا عبيد الله بن عائشة (٤)، حدثنا حماد، عن أبي الهلال العنزي، قال: حدثني رجل في مسجد دمشق، عن عوف بن مالك الأشجعي؛ أن رسول الله ﷺ قعد إلى أبي ذر (٥)، أو قعد أبو ذر -فذكر حديثًا طويلًا- وفيه: قال رسول الله ﷺ : "إن أبخل الناس من ذكرت عنده، فلم يصل علي" (٦). ٤١٢ - وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا

стр. 507

جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : "بحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلم يصل علي" (١). ٤١٣ - وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، عن أبي حرّة، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى به شحًّا أن أذكر عنده فلا يصلي علي ﷺ " (٢). قالوا: فإذا (٣) ثبت أنه بخيل فوجه الدلالة له من وجهين: أحدهما: أنّ البُخْل اسم ذمٍّ، وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٣ - ٢٤]، فقُرِنَ البُخل بالاختيال والفخر، والأمْرِ بالبخل، وذَمَّ على المجموع، فدلَّ على أن البخل صفة ذمٍّ، وقال النبي ﷺ : ٤١٤ - "وأيُّ دَاءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ" (٤). الثاني: أن البخيل هو: مانع ما وجب عليه. فمن أدَّى الواجب عليه كله لم يُسَمَّ بخيلًا، وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله.

стр. 508

الحجة الخامسة: أن الله أمر بالصلاة والتسليم عليه، والأمر المطلق للتكرار، ولا يمكن أن يقال: التكرار هو في كل وقت (١)، فإن الأوامر المُكَرَّرَة إنما تَتكرَّرُ في أوقاتٍ خاصَّة، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها، وليس وقت أولى من وقت؛ فتكرر المأمور به (٢) بتكرر ذكر النبي ﷺ أولى لما تقدم من النصوص. فهنا ثلاث مقدمات: الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرًا مطلقًا، وهذه معلومة. المقدمة الثانية: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهذا مختلف فيه، فنفاه طائفة من الفقهاء والأصوليين، وأثبته طائفة، وفَرَّقت طائفة بين الأمر المُطْلق، والمعلَّق على شرط أو وقْتٍ، فأثبتت التِّكْرار في المعلَّق دون المطلق، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي، وغيرهما (٣). ورجَّحت هذه الطائفة التكرار بأنَّ عامَّة أوامر الشَّرع على التِّكرار، كقوله تعالى: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾

стр. 509

[البقرة: ٢٠٨]، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١]، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقوله تعالى في اليتامى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وذلك في القرآن أكثر من أن يُحْصَر، وإذا كانت أوامر الله ورسوله ﷺ على التكرار حيث وردت إلا في النادر، عُلِم أن هذا عُرْف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المُجَرَّد ما يؤذِن بتكرار ولا فوْر، فلا ريب أنه في عُرْف خِطَاب الشَّارع (١) للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عُرْفِهِ والمألوف من

стр. 510

خطابه؛ وإن لم يكن ذلك مفهومًا من أصْل الوضْع (١) في اللُّغة، وهذا كما قلنا: إنَّ الأمْر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد. فإن هذا معلوم من خطاب الشارع، وإن كان لا تَعرُّض لصحَّة (٢) المنْهيِّ ولا لفَسَاده (٣) في أصل موضوع اللغة. وكذا خطاب الشارع لواحد من الأمة يقتضي بعُرْفه (٤) الخاص أن يكون اللفظ متناولًا له، ولأمثاله (٥)، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذا لغة صاحب الشرْع وعُرْفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يُعْلم (٦) صحَّة القياس واعتباره وشروطه، وهكذا فالفرق بين اقتضاء اللفظ، وعدم اقتضائه الغة، وبين اقتضائه) (٧) في عرف الشارع وعادة خطابه. المقدمة الثالثة: أنه (٨) إذا تكرر المأمور به، فإنه لا يتكرر إلا بسبب أو وقت، وأولى الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه ﷺ ، لإخباره برغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه، وللإسْجَال (٩) عليه

стр. 511

بالبخل وإعطائه اسمه. قالوا: ومما يُؤيِّد ذلك أن الله سبحانه أمَرَ عباده المؤمنين بالصَّلاة عليه عَقِب إخباره لهم بأنه سبحانه وملائكته يصلون عليه (١) ومعلوم أن هذه الصلاة من الله تعالى وملائكته عليه ﷺ (٢) لم تكن مرَّة وانقطعت، بل هي صلاة متكررة، ولهذا ذَكَرها مُبيِّنًا بها فضله وشرفه وعلو منزلته عنده، ثم أمر (٣) المؤمنين بها، فتكرارها في حقِّهم أحقّ وآكد لأجْل الأمْر. قالوا: ولأن الله تعالى أكَّد السَّلام بالمصْدر الذي هو التَّسْلِيْم، وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كِمِّيَّتِهِ، وذلك بالتكرار. قالوا: ولأن لفظ الفعل المأمور به يدلُّ على التَّكْثيْر، وهو (٤) "صلَّى وسَلَّم" فإن "فَعَّل" المشدَّد يدل على تكرار الفعل، كقولك: كَسَّر الخبز، وقطَّعَ اللحم، وعلَّم الخير، وشدَّد في كذا، ونحوه. قالوا: ولأن الأمر بالصلاة عليه في مُقابلة (٥) إحسانه ﷺ إلى الأمَّة، وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم، وما حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة، ومعلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا

стр. 512

يحصل بالصَّلاة عليه مرة واحدة في العُمُر، بل لو صلَّى العبد عليه بِعَدَدِ أنْفَاسِه لم يكن مُوَفِّيًّا لحقه ولا مؤدِّيًا لنعمته، فجعل ضابط شكر هذه النعمة بالصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ . قالوا: ولهذا أشار النبي ﷺ إلى ذلك بتسْميةِ (١) من لم يُصَلِّ عليه عند ذكره بخيلًا، لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم، وحصل له به هذا (٢) الخير الجسيم، ثم يُذكَرُ عنده ولا يثني عليه، ولا يبالغ في حمده (٣) ومدحه وتمجيده، ويبدي ذلك ويعيده، ويعتذر من التقصير في القيام بشكره وحقه؛ عَدَّه الناس بخيلًا لَئِيْمًا كَفُورًا، فكيف بمن أدْنى إحسانه إلى العبد يَزِيْدُ على أعظم إحسان المخلوقين بعضهم لبعض، الذي بإحسانه حصل للعبد خير الدنيا والآخرة، ونجا من شرِّ الدنيا والآخرة، الذي لا تَتَصوَّر القلوبُ حقيقةَ (٤) نعمته وإحسانه، فضلًا عن أن يقوم بشكره، أليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يُعظَّم ويُثْنَى عليه، ويُسْتفْرَغَ الوُسْع في حمده ومدحه إذا ذُكر بين الملأ؟ فلا أقلَّ من أنْ يُصَلَّى عليه مرَّةً إذا ذكر اسمه ﷺ . قالوا: ولهذا دعا عليه النبي ﷺ برغم أنفه، وهو أن يُلْصَقَ أنفه بالرّغام وهو التُّراب، لأنه لما ذكر عنده فلم يصل عليه استحق

стр. 513

أن يذلَّه الله، ويلصق أنفه بالتُّراب. وقالوا: ولأن الله سبحانه نهى الأُمَّة أن يجعلوا دعاءَ الرسول بينهم كدُعاء بعضهم بعضًا، فلا يُسمُّونه إذا خاطبوه باسمه كما يسمي بعضهم بعضًا، بل يدعوه (١) برسول الله ونبي الله، وهذا من تمام تَعْزِيره وتَوْقِيره وتعْظِيمه، فهكذا ينبغي أن يُخَصَّ باقتران اسمه بالصلاة عليه، ليكون ذلك فَرْقًا بينه وبين ذِكْر غيره، كما كان الأمر بدعائه بالرسول والنبي فَرْقًا بينه وبين خطاب غيره، فلو كان عند ذكره لا تجب الصلاة عليه كان ذكره كذكر غيره في ذلك. هذا على أحد التفسيرين في الآية. وأما على التفسير الآخر، وهو أن المعنى لا تجعلوا دُعاءَه إِيَّاكُم كدعاء بعضكم بعضًا، فتؤخِّرُوا الإجابة بالاعتذار والعلل التي يؤخِّر بها بعضكم إجابة بعض، ولكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة، ومعاجلة الطاعة، حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرًا لهم في التخلف عن إجابته، والمبادرة إلى طاعته، فإذا لم تكن الصلاة التي فيها شغل عذرًا يستباح به (٢) تأخير إجابته فكيف ما دونها من الأسباب والأعذار؟ فعلى هذا يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وعلى القول الأول يكون مضافًا إلى المفعول. وقد يقال -وهو أحسن من القولين-: إنَّ المصدر هنا لم

стр. 514

يضف إضافته إلى فاعل ولا مفعول، وإنما أُضيف إضافة الأسماء المَحْضَة، ويكون المعنى: لا تجعلوا الدعاء المُتَعلِّق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضًا. وعلى هذا فيعُم الأمْرَين معًا، ويكون النهي عن دعائهم له باسمه، كما يدعو بعضهم بعضًا، وعن تأخير إجابته ﷺ . وعلى كل تقدير فكما أمر الله سبحانه بأن يُمَيَّز عن غيره في خطابه، ودعائه إياهم، قيامًا للأُمَّة بما يجب عليهم من تعظيمه وإجلاله، فتمييزه بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام هذا المقصود (١). قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ أن من ذكر عنده فلم يصل عليه خَطِئَ طريق الجنة، هكذا رواه البيهقي (٢)، وهو من مراسيل محمد بن الحنفية، وله شواهد قد ذكرناها في أول الكتاب (٣)، فلولا أن الصلاة عليه واجبةٌ عند ذكره لم يكن تاركها (٤) مخطئًا لطريق (٥) الجنة. قالوا: وأيضًا فمن ذكر النبي ﷺ أو ذكر عنده فلم يصل عليه فقد جفاه، ولا يجوز لمسلم جفاؤه ﷺ . ٤١٥ - فالدليل على المقدمة الأولى ما رواه أبو (٦) سعيد بن

стр. 515

الأعرابي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي" ﷺ (١). ولو تركنا وهذا المُرْسَل وحْده لم نحتجّ به، ولكن له أصول وشواهد قد تقدمت من تسمية تارك الصلاة عليه عند ذكره بخيلًا وشحيحًا، والدعاء عليه بالرغم، وهذا من موجبات جفائه. والدليل على المقدمة الثانية: أن جفاءَه منافٍ لكمال حُبِّه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال، وأنه أولى بالمؤمن من نفسه؛ فإن العبد لا يؤمن (٢) حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه، ومن ولده، ووالده، والناس أجمعين، كما ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ٤١٦ - يا رسول الله! والله لأنْتَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ كلِّ شيءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي. قال: "لَا يَا عُمَر! حَتَّى أكُوْنَ أحَبَّ إليكَ مِنْ نَفْسِك". قال: فَوَالله لأنْتَ الآنَ أحَبُّ إليَّ مِنْ نَفْسِي. قال: "الآنَ يَا عُمَر" (٣). ٤١٧ - وثبت عنه في "الصحيح" (٤) أنه قال: "لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم

стр. 516

حتى أكُونَ أحبَّ إليْه مِن ولَدِه ووالدِه والنَّاسِ أجْمَعِيْن". فذكر في هذا الحديث أنواع المحبَّة الثلاثة، فإنَّ المحبَّة إمَّا محبَّة إجلال وتعظيم؛ كمحبَّه الوالد، وإمَّا محبَّة تحنُّن (١) وَودّ ولطف؛ كمحبَّة الولد، وإمّا محبَّة لأجْل الإحسان وصفات الكمال؛ كمحبَّة الناس بعضهم بعضًا، ولا يؤمن العبد حتى يكون حُبُّ الرَّسولِ ﷺ عنده أشدَّ من هذه المحابِّ كلِّها. ومعلوم أن جَفَاءَه ﷺ ينافي ذلك. قالوا: فلمَّا كانت مَحبَّته (٢) فرضًا، وكانت توابعها من الإجلال والتعظيم والتوقير والطاعة والتقديم على النفس، وإيثاره بنفسه بحيث يقي نفسه بنفسه = فرضًا؛ كانت الصلاة عليه ﷺ إذا ذكر من لوازم هذه الأُحَبِّيَّة وتمامها. قالوا (٣): وإذا ثبت بهذه الوجوه وغيرها وجوب الصلاة عليه ﷺ على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر نفسه أولى، ونظير هذا أن سامع السجدة إذا أُمِرَ بالسُّجود إمَّا وجوبًا أو استحبابًا على القولين (٤)، فوجوبها على التَّالي أوْلى. والله أعلم.

стр. 517

فصل قال نفاة الوجوب: الدليل على قولنا وجوه (١): أحدها: أنه (٢) من المعلوم الذي لا ريب فيه: أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كُلَّما ذُكرَ ﷺ يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي ﷺ أكثر من أن يُذْكر، فإنهم كانوا يقولون: يا رسول الله، مقتصرين على ذلك، وربما كان يقول أحدهم: "صلَّى اللهُ عليك"، وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبةً عند ذكره لأنكر عليهم تَرْكها. الثاني: أنَّ الصَّلاة عليه لو كانت واجبةً كلما ذُكِرَ لكان هذا من أظهر الواجبات، ولَبَيَّنه النَّبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأُمَّته بيانًا يقطع العِلَّة، وتقوم به الحُجَّة. الثالث: أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يُعْرف (٣) أحد منهم قال له، وأكثر الفقهاء، بل قد حكي الإجماع على أن الصلاة عليه ﷺ ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ، ومخالفة الإجماع السابق، كما تقدم، فكيف تجب خارج الصلاة.

стр. 518

الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائمًا، لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ، وهذا لا يشرع له في الأذان فضلًا أن يجب عليه. الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه ﷺ ، وقد أمر ﷺ السامع أن يقول كما يقول المؤذن، وهذا يَدُلُّ (١) على جواز اقتصاره على قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله"، فإن هذا هو (٢) مثل ما (٣) يقول (٤) المؤذن. السادس: أن التشهد (٥) الأول ينتهى عند قوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" اتفاقًا (٦)، واختلف هل يشرع أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله فيه، على (٧) ثلاثة أقوال: أحدها: لا يشرع ذلك إلا في الأخير (٨). والثاني: يشرع.

стр. 519

والثالث: تشرع الصلاة عليه خاصة دون آله. ولم يقل أحد بوجوبها في الأول عند ذكر النبي ﷺ . السابع: أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ . الثامن: أن الخطيب في الجُمَع والأعياد وغيرهما لا يحتاج أن يصلي على النبي ﷺ في نفس التشهد، ولو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذِكْرِه لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة، ولا يقال: تكفي الصلاة عليه في الخطبة، فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر اسمه عند الشهادة (١)، ولاسيما مع طُوْل الفَصْل، والموجبون يقولون: تجب الصلاة عليه كُلَّما ذُكِر، ومعلوم أن ذكره ثانيًا غير ذكره أولًا. التاسع: أنه لو وجبت (٢) الصلاة عليه كلما ذكر لَوَجَبَ (٣) على القارئ كلما مَرَّ بذكر اسمه أن يصلي عليه، ويقطع لذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، فإن الصلاة عليه ﷺ لا تبطل الصلاة، وهي واجب قَدْ تعيَّن فلزم أداؤُه، ومعلوم أن ذلك لو كان واجبًا لكان الصحابة والتابعون أقوم به وأسرع إلى أدائه وترك إهماله.

стр. 520

العاشر: أنه لو وجبت الصلاة عليه كُلَّما ذُكِرَ لوجب الثناء على الله كُلَّما ذُكِر اسمه، فكان يجب على كل (١) مَنْ (٢) ذكر اسم الله أن يَقْرِنَه بقوله: " " أو " " أو "﵎" أو "جلَّت عَظَمته" أو "تعالى جدُّه" ونحو ذلك، بل كان ذلك أوْلى وأحْرى، فإن تعظيمَ الرَّسولِ وإجلالَهُ ومَحَبَّتَهُ وطاعَتَهُ تابعٌ لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبَّة والطَّاعة والتَّعظيم والإجلال للرسول ﷺ دون مرسله، بل إنما يثبت له (٣) ذلك تبعًا لمحبَّة الله تعالى وتعظيمه وإجلاله، ولهذا كان (٤) طاعة الرسول طاعة لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومبايعته مبايعة لله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ومحبَّته محبّه لله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وتعظيمُه ﷺ تعظيمًا لله، ونصرته نصرةٌ لله، فإنه رسوله وعبْده الدَّاعي إليه وإلى طاعته ومحبته وإجلاله، وتعظيمه وعبادته وحده لا شريك له، فكيف يقال: تجب الصلاة عليه كُلَّما (٥) ذُكِرَ اسْمُه، وهي ثناء وتعظيم كما تقدم، ولا يجب الثناء والتعظيم للخالق

стр. 521

كُلَّما ذكر اسمه؟! هذا محالٌ من القول. الحادي عشر: أنه لو جلس إنسانٌ ليس له هِجِّيْرَى (١) إلا قوله: محمد رسول الله، أو اللهم صل على محمد وعلى (٢) آل محمد، وبشرٌ كثير يسمعون، فإن قلتم: تجب على كل أولئك السامعين أن يكون هِجِّيْرَاهم الصلاة عليه ﷺ ، ولو طال المجلس ما طال، كان ذلك حَرَجًا ومَشَقَّة وتَرْكًا لقراءة قارئهم، ودراسة دارسهم، وكلام صاحب الحاجة منهم، ومذاكرته في العلم، وتعليمه القرآن وغيره، وإن قلتم: لا تجب عليهم الصَّلاة عليه في هذه الحال، نقضْتُم مذهبكم؛ وإن قلتم: تجب عليه مرَّة أو أكثر، كان تحكُمًا بلا دَلِيل، مع أنه مبطل لقولكم. الثاني عشر: أن الشهادة له بالرسالة أفرض (٣) وأوجب من الصلاة عليه بلا ريب، ومعلوم أنه لا يدخل في الإسلام إلا بها، فإذا كانت لا تجب كلما ذكر اسمه، فكيف تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وليس من الواجبات بعد كَلِمَة الإخلاص أفرض (٤) من الشهادة له بالرسالة، فمتى أقرَّ له فهي أولى بوجوبها (٥) عند ذكر

стр. 522

اسمه، تُذَكِّرُ العبد الإيمان (١) وموجبات هذه الشهادة، فكان يجب على كل من ذكر اسمه أن يقول محمدٌ رسول الله، ووجوب ذلك أظهر بكثير من وجوب الصلاة عليه كُلَّما ذُكِر اسمه. ولكلِّ فِرْقة من هاتين الفرقتين أجْوبة من حُجَجِ الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيفٌ جدًا (٢)، وبعضها محتمل، وبعضها قويّ، ويظهر ذلك لمن تأمَّل حُجَجَ الفريقيْن. والله أعلم بالصَّواب. فصل الموطن الثاني عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند الفراغ من التَّلْبِيَة ٤١٨ - قال الدارقطني (٣): حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا

стр. 523

علي بن زكريا التمار، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، قال: سمعت صالح بن محمد بن زائدة يحدث عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته: "سأل الله تعالى مغفرته ورضوانه واستعاذ برحمته من النار". قال صالح: سمعت القاسم بن محمد يقول: "كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ ". قلت: وهذا أيضًا من توابع الدعاء، والله أعلم. فصل الموطن الثالث عشر من مواطن الصلاة على النبي ﷺ عند استلام الحَجَر ٤١٩ - قال أبو ذر الهروي (١): حدثنا محمد بن بكران،

стр. 524

أخبرنا أبو عبد الله بن مخلد، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عون بن سلام، أنبأنا محمد بن سلام، حدثنا محمد بن مهاجر، عن نافع، قال: كان ابن عمر ﵄ إذا أراد أن يستلم الحجر قال: اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك وسنة نبيك ﷺ ويستلمه (١)، ويصلي (٢) على النبي ﷺ ". وقد تقدم أن من مواطن الصلاة عليه على الصَّفَا والمَرْوَة ﷺ . فصل الموطن الرابع عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند الوقوف على (٣) قَبرِه ٤٢٠ - قال سحنون: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، قال: "رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ ، ويدعو لأبي بكر وعمر ﵄". ذكره مالك في الموطأ (٤). ٤٢١ - وقال مالك أيضًا (٥): عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله

стр. 525

ابن عمر ﵄ "أنه كان إذا أراد سفرًا، أو قدم من سفر، جاء قبر النبي ﷺ فصلى عليه (١) ودعا، ثم انصرف". ٤٢٢ - وقال ابن نمير (٢): حدثنا محمد بن بشر (٣)، حدثنا عبيد الله (٤)، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا قدم من سفر، بدأ بقبر النبي ﷺ فيصلي عليه، ولا يمس القبر، ثم يسلم على أبي بكر ﵁، ثم يقول (٥): "السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أبتِ" (٦). فصل الموطن الخامس عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ إذا خرج إلى السوق أو إلى دعوة أو نحوها ٤٢٣ - قال ابن أبي حاتم (٧): حدثنا أبو سعيد (٨) بن يحيى بن

стр. 526

سعيد القطان، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا مسعر، حدثنا عامر بن شقيق، عن أبي وائل، قال: "ما رأيت عبد الله جَلَس فِي مأدُبة ولا جَنَازَة ولا غيرِ ذلك، فيقومَ حتى يَحْمَد الله، ويُثْنِي عَليه، ويُصَلِّي على النَّبي ﷺ ، ويَدْعُو بَدَعَوَات، وإنْ كانَ يَخْرج إلى السُّوقِ فَيَأْتِي أغْفَلَهَا مَكَانًا، فيَجْلِس، فَيَحْمَدُ الله، ويُصَلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويَدْعو بَدَعَوَات". فصل الموطن السادس عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ إذا قام الرجل من نوم الليل ٤٢٤ - قال النسائي في "سننه الكبير" (١): أخبرني علي بن محمد بن علي، حدثنا خلف -يعني ابن تميم -، حدثنا أبو الأحوص، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي (٢) عبيدة، عن

стр. 527

عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "يَضحَكُ اللهُ إلى رَجُلَيْن، رجلٌ لَقِيَ العَدُو، وهُوَ عَلَى فَرَسٍ مِن أمْثَلِ خيلِ أصحابه، فانْهَزَمُوا وثَبَتَ، فإنْ قُتِلَ اسْتُشْهِد، وإن بَقِي فذلك الذي يَضْحَكُ اللهُ إليه. ورجلٌ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لا يَعْلَمُ به أحدٌ فَتَوضَّأ فأسْبَغَ الوُضُوء، ثُمَّ حَمِد الله ومجَّده وصلَّى على النَّبي ﷺ ، واسْتَفْتَح القرآن، فَذلك الذي يَضْحَكُ الله إليه، يقولُ: انْظُرُوا إلى عَبْدِي قَائِمًا لا يَراهُ أحدٌ غَيْرِي". ٤٢٥ - وقال عبد الرزاق (١): حدثنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: "رجلان يضحك الله إليهما … ". فذكره بنحوه. فصل الموطن السابع عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ عقب ختم القرآن وهذا لأن المحل محل دعاء، وقد نصَّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الدعاء عقب (٢) الختمة، فقال في رواية أبي الحارث:

стр. 528

٤٢٦ - كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده (١). وقال في رواية يوسف بن موسى، وقد سئل عن الرجل يختم القرآن فيجتمع إليه قوم فيدعون؟ قال: "نعم، رأيت معمرًا يفعله إذا ختم". وقال في رواية حرب: "أَسْتَحِبُّ إذا ختم الرجل القرآن أن يجمع أهله ويدعو". ٤٢٧ - وروى ابن أبي داود في "فضائل القرآن" (٢) عن الحكم، قال: "أرسل إليَّ مجاهد وعَبْدَة بن أبي لُبَابة: أرسلنا إليك، أنا نريد أن نختم القرآن، وكان يقال: إن الدعاء يستجاب عند ختم القرآن، ثم دعوا بدعوات". ٤٢٨ - وروى أيضًا في كتابه (٣): عن ابن مسعود، أنه قال:

стр. 529

"من ختم القرآن فله دعوةٌ مستجابة". ٤٢٩ - وعن مجاهد (١) قال: "تنزل الرحمة عند (٢) ختم القرآن". ٤٣٠ - وروى أبو عبيد في كتاب "فضائل القرآن" (٣) عن قتادة، قال: كان بالمدينة رجل يقرأ القرآن من أوله إلى آخره عند أصحاب له، فكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يضع عليه الرقباء، فإذا كان عند الختم جاء ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فشهده. ونصَّ أحمد -رحمه الله تعالى- على استحباب ذلك في صلاة التَّراويح، قال حنبل (٤): "سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءتك: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١]، فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان

стр. 530

ابن عيينة يفعله معهم (١) بمكة". قال عبَّاس بن (٢) عبد العظيم: "وكذلك أدركت الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا أشياء، وذكر عن عثمان بن عفان" (٣). وقال الفضل بن زياد (٤): "سألت أبا عبد الله فقلت: أختم القرآن، أجعله في التراويح أو في الوتر؟ قال: اجعله في التراويح، حتى يكون لنا دعاءٌ بين اثنين. قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن، فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام. قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت. قال: ففعلت كما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ويرفع يديه". وهذا إذا كان من آكد مواطن الدعاء وأحقها بالإجابة، فهو من آكد مواطن الصلاة على النبي ﷺ .
следующие страницы →