Полный текст (15 012 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
المبحث الثاني: توثيق نسبه الكتاب للمؤلف:
كتاب المستخرج على صحيح مسلم الذي بين أيدينا، ثابت النسبة إلى أبي عوانة الإسفراييني، للأمور التالية:
١ - كلُّ من ترجم لأبي عوانة ﵀ نسب هذا الكتاب إليه، على اختلافٍ بينهم في التعبير عن اسم الكتاب كما سبق.
٢ - اتفقت جميع النسخ الخطيَّة على نسبة الكتاب إلى أبي عوانة الإسفراييني في غلاف النسخ، وفي السماعات الموجودة بها.
٣ - صحة أسانيد الكتاب -المثبتة في مستهلِّ أكثر النسخ- إلى أبي عوانة، كما سيأتي بيانه في مبحث وصف النسخ الخطية للكتاب.
٤ - كثرة سماعات العلماء لهذا الكتاب، ومنهم علماء أجلَّة، وسيأتي بيان ذلك أيضًا في المبحث المذكور.
٥ - ضمَّن الحافظ ابن حجر أسانيد أحاديثه مع أطراف متونه في كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة" ونسبها لأبي عوانة، وهي موجودةٌ في هذا الكتاب كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
٦ - أغلب الشيوخ الذين روى عنهم أَبو عوانة في كتابه هذا، نصَّ العلماء على أخذ أبي عوانة عنهم، وتتلمُذه عليهم.
٧ - نقولاتُ بعض العلماء من هذا الكتاب ونسبة تلك النقولات إليه، وهي موجودةٌ في هذا الكتاب، ومن هؤلاء:
стр. 107
أ- ابن الصلاح في كتابه "صيانة صحيح مسلم (١) ".
ب- المزي في "تهذيب الكمال (٢) ".
جـ- ابن حجر العسقلاني في كتابيه "فتح الباري (٣) "، و "النكت الظراف (٤) ".
فكلُّ هذه الأمور تؤكد صحة نسبة الكتاب إلى أبي عوانة ﵀.
_________
(١) انظر مثلًا: صيانة صحيح مسلم (ص: ١٤٦) و (ص: ٢٣٥) و (ص: ٢٥٥) و (ص: ٢٥٦) و (ص: ٢٨٠)، وقارن -بالترتيب- بحديث رقم (١٤ - ١٥)، وحديث (١١٨ - ١١٩)، وحديث (٥٤)، وحديث (٢٤٢)، والتعليق عقب الحديث (٢٥٧) في مستخرج أبي عوانة.
(٢) انظر: تهذيب الكمال (٥/ ٤٨٠) و (١٧/ ٤٠٣)، وقارن بحديث (٤٤)، وحديث (١٦٧) في مستخرج أبي عوانة.
(٣) انظر على سبيل المثال: فتح الباري (١/ ٢٢، ٢٩، ٣١٤)، ونقولات الحافظ ابن حجر من كتاب أبي عوانة كثيرة جدًّا، وقد أحصى الشيخ مشهور حسن سلمان ما ورد من ذلك في فتح الباري.
انظر: معجم المصنفات الواردة في فتح الباري له (ص: ٢٦٦ - ٢٦٧) و (ص: ٣٦٥).
(٤) انظر: النكت الظراف لابن حجر (٩/ ٤٨٣ - ٤٨٤) (مطبوع بهامش: تحفة الأشراف للمزي)، وقارن بحديث (٥٤) هنا.
стр. 108
المبحث الثالث: مصادره في كتابه.
عاش أَبو عوانة -رحمه الله تعالى- في الفترة (٢٣٠ - ٣١٦ هـ) التي كانت قد صُنِّفَتْ فيها أمهاتُ المصادر في علم الحديث من الصِّحَاح، والسُّنَنِ، والمسانيد، وغيرها، ومع ذلك فإن العلماءَ في تلك الحقبة من الزمن عُنُوا بالسماع والتلقّي عن الشيوخ، والرحلة في طلب الحديث، ولم يقتصروا على الأخذ من المصنفات الحديثية.
ورحلات أبي عوانة إلى الآفاق كانت من ثمار هذا الدافع، فقد مكَّنَتْه رحلاتُه من الالتقاء بعدد كبير من المشايخ -كما سبق- فروى عنهم ما دوَّنه في هذا السِّفْرِ العظيم.
ولأن مادة الكتاب مادة حديثية؛ فسنكتفي بدراسة مصادره الحديثية، حيث تنوعت إلى عدة أنواع:
النوع الأول: الرواية:
وهذا النوع هو الغالب على طابع الكتاب، فالإمام أَبو عوانة إمام رحَّال طاف البلدان، ورحل إلى الأمصار، ولقي أئمة الحديث أصحاب الرواية فأخذ عنهم، فمنهم من أكثر عنهم كأبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، ومحمد بن يحيى الذهلى، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد ابن إسحاق الصاغاني، ومحمد بن جعفر الصائغ، ومحمد بن رجاء السندي -وله كتاب مخرج على صحيح مسلم (١) - ويونس بن مسلم [¬*] وغيرهم.
_________
(١) انظر السير (١٣/ ٤٩٢).
_________
[¬*] قال أحمد بسيوني: كذا في المطبوعة: (يونس)، ولعل صوابه: (يوسف)، وانظر تعليقنا على حديثي (٤٨٤٦، ٨٤٠٩)، وهو يوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي.
стр. 109
ومنهم من روى عنهم ولكنه لم يكثر عنهم، كابن المنادي، وهلال ابن العلاء الرقي، وأبي قلابة الرقاشي، وغيرهم.
ومنهم من روى عنهم الحديث والحديثين، كمحمد بن عامر المصيصى، وعبد المؤمن بن أحمد، ويعقوب بن إسحاق القلوسي وغيرهم.
النوع الثاني: ما سمعه من شُيوخه من المصنَّفات والكتب والصحائف الحديثية (١):
ذكر الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني (ت ٤٠٠ هـ)، أن أبا عوانة قد أجاز له جميع كتبه في كتاب كتبه، في وصية له ولجماعة فقال: "قد أجزت لهم جميع كتبي، التي سعتها من جميع المشايخ، منها كتب عبد الرزاق، كتب ابن أبي الدنيا، وأحاديث سفيان، وشعبة، ومالك والأوزاعي، والتفاسير، والقراءات، ليرووها عني على سبيل الإجازة، في رمضان سنة خمس عشرة وثلاث مائة (٢) " أهـ.
فهذا النص يدل على أن أبا عوانة كانت عنده كتب سمعها من مشايخه قد أجيزت له، ومن طريقها كان يقتبس بعض المرويات.
ومن الكتب التي نقل منها أَبو عوانة بعض الأحاديث ما يلي:
١ - صحيفة همام بن منبه، برواية السلمي عن عبد الرزاق عن
_________
(١) انظر: السير (١٧/ ٧٢).
(٢) المصدر نفسه.
стр. 110
معمر عن همام.
٢ - موطأ الإمام مالك بن أنس.
٣ - كتاب القدر لعبد الله بن وهب.
٤ - مسند أبي داود الطيالسي، برواية يونس بن حبيب.
٥ - مصنفات الشافعي برواية الربيع بن سليمان، والمزني عنه.
٦ - مصنف عبد الرزاق برواية الدبري.
٧ - مسند الحميدي، من طريق بشر بن موسى الأسدي، وابن أبي مسرة.
٨ - سنن سعيد بن منصور.
٩ - مسند مسدد بن مسرهد الأزدي.
١٠ - المصنفات عن يحيى بن معين.
١١ - المسند للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله.
١٢ - صحيح الإمام مسلم.
١٣ - السنن لأبي داود السجستاني.
١٤ - مسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة داهر.
١٥ - السنن الكبرى والصغرى للنسائي.
١٦ - كتاب الجزية ليونس بن عبد الأعلى.
١٧ - كتاب العلم ليونس بن عبد الأعلى.
١٨ - كتاب الصمت وأدب اللسان لابن أبي الدنيا.
стр. 111
١٩ - كتاب المرض والكفارات لابن أبي الدنيا.
ومن مصادره في بيان غريب الحديث أَبو عبيد القاسم بن سلام ابن عبد الله (ت ٢٢٤ هـ) مصنف غريب الحديث، والغريب المصنف، وفضائل القرآن وغيرها (١).
كما ينقل شرح بعض الغريب عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت ٢٨٥ هـ) شيخ النحاة وإمام العربية ببغداد في زمانه، صاحب الكامل، نقل عنه نصا في بيان معنى الأيم، فقال: سمعت أبا العباس المبرد يقول: "الأيم التي لا زوج لها نكحت أو لم تنكح (٢) ".
النوع الثالث: ما رواه عن طريق الكتابة والمراسلة:
ومن ذلك قوله: كتب إلي الحسن بن سفيان على يدي عبد الله ابن محمد، يذكر أن حرملة بن يحيى حدثهم .... (٣).
_________
(١) انظر: حديث رقم: (٣٨٢٨، و ٤٣٧٨).
(٢) انظر حديث رقم: (٤٦٨٣).
(٣) انظر: حديث رقم: (١١٧٤٥).
стр. 112
المبحث الرابع: درجة أحاديث الكتاب.
غالب أحاديث كتاب أبي عوانة صحاح، وممن نص على هذا العلامة المعلمي ﵀ (١)، لأنه في الأصل مستخرج على صحيح مسلم، وبالتالي فأحاديثه غالبها مخرجة في صحيح مسلم، وهذا لا كلام فيه، وإنما البحث والنظر في الأحاديث التي زادها أَبو عوانة على صحيح مسلم، وهذه الأحاديث قد تبين من خلال دراستها أن فيها الصحيح والحسن والضعيف، وهو ما أشار إليه بعض أهل العلم من قبل، كالحافظ ابن حجر حيث قال: "كتاب أبي عوانة وإن سماه بعضهم مستخرجا على مسلم، فإن له فيه أحاديث كثيرة مستقلة في أثناء الأبواب، نبه هو على كثير منها، ويوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف أيضًا والموقوف (٢) ".
وكذا ذكر العلامة المعلمي أن في مستخرج أبي عوانة أحاديث ضعيفة (٣) لكن أظهرت الدراسة لهذه الزيادات أن الغالب عليها الصحة، وهذا يتبين من خلال النظر في تخريجها والنظر في الكلام على أسانيدها (٤).
بل أشار الذهبي إلى وجود بعض الأحاديث الموضوعة أيضًا في كتاب
_________
(١) انظر: التنكيل (١/ ٤٤٤).
(٢) انظر: النكت على ابن الصلاح (١/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٣) انظر: التنكيل (١/ ٤٤٤).
(٤) انظر: المبحث الثامن من هذا الفصل: "دراسة الزوائد والمعلقات".
стр. 113
أبي عوانة، كما ذكر في ترجمة عبد الله بن محمد البلوي من الميزان: "روى عنه أَبو عوانة في صحيحه في الاستسقاء خبرا موضوعا (١) ".
لكنَّ وجود الأحاديث الموضوعة في كتاب أبي عوانة إنما هو على سبيل النُّدرة.
_________
(١) انظر: الميزان (٢/ ٤٩١ ترجمة ٤٥٥٨)، وانظر المبحث الثامن المتعلق بدراسة الزوائد.
стр. 114
المبحث الخامس: درجةُ رجال أبي عوانة.
أكثرُ رجال أبي عوانة في مستخرجه ثقات أو في حيز الاحتجاج، وهذا ظاهر لمن تأمل تراجمهم، وذلك أن كتاب أبي عوانة هو في الأصل مستخرج على صحيح مسلم، وهو يلتقي مع مسلم في أغلب الأحيان في شيخه أو شيخ شيخه، ورجالِ أَبي عوانة في الغالب هم رجالُ مسلمٍ الذين أخرج لهم في الصحيح، لكن مع هذا فقد أخرج أَبو عوانة في كتابه لجماعة من الضُّعفاء، بل وفيهم بعضُ المتروكين والكذابين، لكن على سبيل الندرة (١)، وليس هذا غريبا، لأن أصحاب المستخرجات ومنهم أَبو عوانة، إنما جل قصدهم أن يعلو إسنادهم في الأحاديث التي يخرجونها، ويجتهدون أن يكونوا هم والمخرَّج عليهم سواء، فإن فاتهم ذلك فأعلى ما يرونه، فمن ثم فإنهم لا يلتزمون في أسانيدهم الصحَّة، لأنَّ هذا ليس هو قصدَهم الأصليّ، فمثلا ربَّما لا يقع لأبي عوانة الحديث إلا من طريقِ رجلٍ ضعيف، فيتساهلُ في ذلك، لأن أصل الحديث صحيح معروف، من غير طريق ذاك الضعيف، والقصد إنما هو العلو وقد حصل (٢).
وإذا نظرنا إلى مستخرج أبي عوانة وحال رجاله، فيما بينه وبين ملتقى
_________
(١) راجع ما تقدم تقريره في المبحث الرابع من هذا الفصل.
(٢) انظر: النكت (١/ ٢٩٣)، وفتح الباري (١٣/ ٨٨)، فتح المغيث (١/ ٤٦)، تدريب الراوي (١/ ١١٥)، التنكيل (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
стр. 115
إسناده مع إسناد مسلم؛ نجدهم يختلفون في درجاتهم، فغالبهم ثقات، ومن سواهم وهم قلة على أنواع:
أ- من يكتب حديثه مثل:
١ - مسلم بن خالد القرشي (١).
٢ - العلاء بن هلال الرقي (٢).
٣ - زمعة بن صالح (٣).
ب: ضعيف لا يعتبر بحديثه -وهم قليل- منهم:
١ - أشعث بن سوَّار الكندي (٤).
٢ - بكار بن محمد (٥).
٣ - أحمد بن محمد بن يحيى الحضرمي (٦).
جـ: من لا يعرف فيه جرح ولا تعديل، مثل:
١ - فضل بن عبد الجبار (٧).
_________
(١) انظر: حديث رقم (٧٠٣٩).
(٢) انظر: حديث رقم (٣٤٧).
(٣) انظر: حديث رقم (٦٨٠٨).
(٤) انظر: حديث رقم (٢٣٢٨).
(٥) انظر حديث رقم (٨٥٤٢).
(٦) انظر: حديث رقم (٢٣٤٧).
(٧) انظر: حديث رقم (٦٥).
стр. 116
٢ - محمد بن عمرو بن نافع (١).
د: من اتهم بالكذب مثل:
١ - عبد الله بن عمرو الواقعي (٢).
٢ - إسماعيل بن إبراهيم أَبو الأحوص الإسفراييني (٣).
٣ - جعفر بن عبد الواحد (٤).
٤ - عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة (٥).
٥ - خالد بن يزيد العمري (٦).
وإجمالا فرجال أبي عوانة ينطبق عليهم ما تقدم نقلُه (٧) عن الحافظ ابن حجر في قوله: إن من فوائد المستخرجات: "الحكم بعدالة من أخرج له فيه -أي صاحب المستخرج-، لأن المُخَرِّج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يُخَرِّج إلا عن ثقة عنده، فالرجال الذين في المستخرج ينقسمون أقسامًا فهم:
أ- من ثبتت عدالته قبل هذا المُخَرِّج، فلا كلام فيهم.
_________
(١) انظر: حديث رقم (٨٦٩٧).
(٢) انظر: حديث رقم (٧١٤).
(٣) انظر: حديث رقم (١٣٥).
(٤) انظر: حديث رقم (٨٧١٦).
(٥) انظر: حديث رقم (٨٨٣٤).
(٦) انظر: حديث رقم (٨٨٣٦).
(٧) انظر: المبحث الرابع من الفصل الأول ص (٣٣).
стр. 117
ب - ومنهم من طعن فيه غير هذا المُخَرِّج فينظر في ذلك الطعن إن كان مقبولًا فيقدم وإلا فلا.
جـ - ومنهم من لا يعرف لأحد قبل المخرج فيه توثيق ولا تجريح فتخريج من يشترط الصحة لهم ينقلهم من درجة من هو مستور إلى درجة من هو موثوق، فيستفاد من ذلك صحة أحاديثهم التي يروونها بهذا الإسناد ولو لم يكن في ذلك المستخرج والله أعلم".
стр. 118
المبحث السادس: بيان معنى الاستخراج، ودراسة موضوع الكتاب.
معنى الاستخراج:
الاستخراج لغة مصدر من باب الاستفعال، مأخوذ من: خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوجًا ومَخْرَجًا.
قال ابن فارس: (خرج) الخاء والراء والجيم أصلان، فالأول: النفاذ عن الشيء، والثاني: اختلاف لونين (١).
والاستِخراج بمعنى الاستنباط والاستِخلاص، يقال: استخرجت الشيء من المعدن: خلصته (٢).
والمُستخرَج -بفتح الراء- اسمُ مفعولٍ منه، والمقصودُ منه الكتابُ الذي استُخرِجَ على كتابٍ آخر، وسمي بذلك لاستنباط مؤلفه للطرق المتعلقة بأحاديث الكتاب المستخرج عليه، وقد يقال له "المخرَّج" كما وقع في كلام ابن الصلاح، و "المستخرِجُ" -بكسر الراء- اسم فاعلٍ منه، ويرادُ به مصنِّفُ المستخرَجِ، أو من يقومُ بالاستخراج على أحاديث كتابٍ ما (٣).
_________
(١) معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٧٥).
(٢) المصباح المنير (١/ ١٦٦)، ولسان العرب (٢/ ٢٤٩).
(٣) انظر: صيانة صحيح مسلم (ص ٢٣٥)، لسانَ العرب (٤/ ٥٢، ٥٣) (٤/ ٢١)، القاموس المحيط (ص ١٨٣)، تهذيب اللغة (١٣/ ٢٥٠)، تاج العروس (٢٠/ ١٣٣)، =
стр. 119
و "الاستخراجُ" في مصطلحِ أهل الحديث هو: أن يعْمدَ حافظٌ من الحفَّاظ إلى كتابٍ من كُتب الحديث فيخرِج أحاديثَه بأسانيدَ لنفسه من غير طريق صاحب الكِتاب فيِجتمعَ معه في شَيخه أو من فوقه، ولو في الصَّحابي (١).
شرطُ الاستِخراج: كما قال الحافظ ابن حجر: "أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علوٍ أو زيادة مهمَّة، ولذلك يقول أَبو عوانة في مستخرجه على مسلم بعد أن يسوق طرق مسلم كلها: من هنا لمُخَرِّجه (٢)، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع
_________
= مختار الصحاح (ص ٧٢)، توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ٢٤٨).
(١) انظر: فتح المغيث (١/ ٣٨)، توضيح الأفْكار (١/ ٦٩ - ٧٠)، توجيه النَّظر (١/ ٣٤٦).
(٢) ما حكاه الحافظ عن أبي عوانة في قوله: "من هنا لِمُخَرِّجه" لعله ساقه بالمعنى، أو اشتبه على الناسخ فيه، لأن أبا عوانة إنما يقول -فيما وقفنا عليه-: "من هنا لم يخرجه" وعلى تقدير كونه بالمعنى تكون اللام في قول الحافظ "لمخرِّجه" للتمليك، والمُخَرِّج هو أَبو عوانة.
وقد وقع في طبعة تدريب الراوي (١/ ٩١) بتحقيق نظر الفاريابي: "من هنا أخرجه". ولا يستقيم كلام الحافظ فإذا اللفظ، فهذا خطأ وهو مخالف لما في طبعة الشيخ عبد الوهاب بن عبد اللطيف للتدريب كما في (١/ ١١٢)، وما في النسخة الخطية لمكتبة الأحقاف كما في لوحة (١٨/ أ) منها، وأيضًا كما في نسخة الشيخ محمد مظهر الفاروقي كما في لوحة (١٩/ أ).
стр. 120
مسلم فيمن فوق ذلك، وربما قال: من هنا لم يخرجاه، ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلمًا، فإني استقريت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة (١) فإنه كان قرين مسلم، وصنَّف مثل مسلم".
"ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء قي الصحابي أنهما لو اتفقا في الشيخ مثلًا ولم يتحد سنده عندهما ثم اجتمع في الصحابي، إدخاله، وإن صرح بعضهم بخلافه وربما عز على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلًا، أو يعلقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنف الأصل" (٢).
وقال الإمام السَّخاوي: "وربما عزّ على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلًا، أو يعلِّقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنف الأصل" (٣).
ولا يلزَم في المستخرَج موافقةُ لفظِ الأصل المخرَّجِ عليه، لأنَّ المستخرِجين يروون بالألفاظ التي تقعُ لهم عن شُيوخِهم فيحصُل فيها تفاوتٌ في اللَّفظِ، أو في اللَّفظ والمعنى معا (٤).
_________
(١) أحمد بن سلمة بن عبد الله البزار المعدل النيسابوري، رافق مسلم بن الحجاج في رحلته، كتب بانتخابه على الشيوخ، ثم جمع له مسلم الصحيح في كتابه.
انظر: تاريخ بغداد (٤/ ١٨٦)، السير (١٣/ ٣٧٣).
(٢) فتح المغيث (١/ ٣٨).
(٣) انظر: المصدر نفسه.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة (١/ ٥٨ - ٥٩).
стр. 121
أما موضوع كتاب أبي عوانة ﵀: فحديث رسول الله ﷺ ، والآثار عن صحابته والتابعين؛ التي رواها بأسانيد مسلم في صحيحه، كذلك ما رواه أحمد بن سلمة النيسابوري في صحيحه، وهذا الأخير مقصود أبي عوانة بقوله -أحيانًا "من هُنا لَم يخرِّجَاه (١) " أو يشير إليهما بصِيغة الجَمع -نادرًا-: "لَم يخرِجُوه (٢) " أو "لم يخرجْه أصحابنا (٣) " ونبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر؛ فقد قال: "ولا يُظنُّ أنه يعني بذلك البخاري ومسلمًا، فإني قد استقرأت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة (ت / ٢٨٦ هـ) فإنه كان قرين مسلم وصنَّف مثل مسلم (٤) ".
على أنَّ الإمام الذهبي ﵀ سبق الحافظ بقول كهذا، بل له فائدة أخرى، فقد قال ﵀ في أثناء ترجمته لأحمد بن سلمة هذا: "له مستخرجٌ كهيئة صحيح مسلم (٥) "، وهذا يُرشد إلى أنَّ كتاب أحمد بن سلمة:
_________
(١) انظر على سبيل المثال الأحاديث بأرقام: (٥١٨٤، ٧٠١٢، ٧١١٥، ٤٧٤٠، ٧١٧٤، ٨٦٦٥).
(٢) انظر: حديث رقم (٣٦٧٩).
(٣) انظر: حديث رقم (٧٠٧، و ٧١٤)، والظاهر أنه يريد بأصحابه مسلمًا، وأحمد بن سلمة فعبَّر عنهما بالجمع.
(٤) انظر: تدريب الراوي للسيوطي (١/ ١١٢).
(٥) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٦٣٧).
стр. 122
"مستخرجٌ على صحيح مسلم" سابق لمستخرج أبي عوانة، ويؤيِّده أن الكتَّاني ذكر "صحيح أحمد بن سلمة" هذا في عِداد "المستخرجات على الصحيحين؛ أو أحدهما (١) ".
ومن ثم يمكن أن يكون معنى قول أبي عوانة ﵀: "من هنا لم يخرِّجاه" أي: لم يخرجه مسلم، وتبعًا لذلك لم يستخرجه أحمد بن سلمة -عليه- أيضًا.
وفي قول أبي عوانة: "من هنا لم يخرِّجاه" وقوله: "من هنا لم يخرجه" ما يلي:
١ - يلتقي إسناد أبي عوانة مع ما استخرج عليه فيمن فوق شيخ الأصل المستخرج عليه ولو في الصحابي.
ولعل مراد أبي عوانة في نفيه الإخراج هنا: أن صاحب الأصل المستخرج عليه لم يخرج الحديث من هذا المخرج الذي أورده أَبو عوانة، وإن كان قد أخرج أصل الرواية (٢).
وقد يورد أَبو عوانة هنا أحاديث تشهد لما في الأصل ولكنه لم يخرجها، وقد يورد أيضًا أحاديث زائدة تدخل ضمن ترجمة الباب الذي
_________
(١) انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (ص: ٢٨).
(٢) انظر: حديث رقم (٢٥٧٨)، (٢٥٧٩)، وانظر حديث (٨٦٦٥) إلى نهاية حديث (٨٦٦٨).
стр. 123
عقده أَبو عوانة، أو الكتاب الذي يتبع له ذلك الباب (١).
وينتهي هذا الموضع بقول أبي عوانة في آخره: "إلى هنا لم يخرجاه"، أو قوله: "إلى هنا لم يخرجه مسلم" (٢)، أو بقوله: "إلى هنا زدته من عندي" (٣) وقد ينتهي هذا الموضع بنهاية الباب الذي ترجم له (٤).
٢ - يختص الاستخراج في الموضع الذي يقول فيه أَبو عوانة: "من هنا لم يخرجاه" بكونه على صحيحي مسلم وأبي الفضل أحمد بن سلمة، وأما ما سواه فالاستخراج فيه مختصٌ بأصل موضوع الكتاب على صحيح مسلم وحده.
_________
(١) انظر: بداية حديث رقم (٢٥٦٧) وما بعده.
(٢) انظر: نهاية حديث (٢٥٨٣).
(٣) انظر: حديث (٧١٤).
(٤) انظر: حديث (٨٨٧٢) إلى نهاية الباب.
стр. 124
المبحث السابع: دراسة الزوائد والمعلقات في المستخرج.
المطلب الأول: دراسة الزوائد في المستخرج.
اعتنى أَبو عوانة -زيادةً على الاستخراج على صحيح مسلم- بالزوائد المتنية والإسنادية وإيراد أحاديث مستقلة زائدة على ما في صحيح مسلم.
فقد يصدر بعض الأحاديث بقوله: "زيادات لم يخرجها مسلم في صحيحه"، أو يقول: "من هنا لم يخرجاه"، أو "من هنا لم يخرجه مسلم"، وهذا إنما يفعله أَبو عوانة بعد سياقه طرق مسلم كلها، فيورد في هذا الموضع أحاديثًا يجتمع فيها مع من فوق شيخ مسلم، أو تكون تلك الأحاديث زائدة لم يخرجها صاحب الأصل الذي استخرج عليه أصلًا.
ولذا يقول الذهبي: في ترجمة أبي عوانة من كتابه السير: " … وزاد أحاديث قليلة في أواخر الأبواب" (١).
وقال في "التذكرة": " … وله فيه زيادات عِدَّة" (٢).
ويقول الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة في حديثه عن كتاب أبي عوانة: "وهو في الأصل كالمستخرج على صحيح مسلم، لكنه زاد فيه زيادات كثيرة جدًّا من الطرق المفيدة، بل ومن الأحاديث المستقلة" (٣).
_________
(١) (١٤/ ٤١٧).
(٢) (٣/ ٧٧٩).
(٣) إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة (١/ ١٥٩).
стр. 125
وقال في النكت: "كتاب أبي عوانة، وإن سمَّاه بعضهم مستخرجًا على مسلم فإن له فيه أحاديث كثيرة مستقلة في أثناء الأبواب نبَّه هو على كثير منها ويوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف -أيضًا- والموقوف" (١).
وقال في المعجم المفهرس: "صحيح أبي عوانة، وهو مستخرج على صحيح مسلم لكن زاد فيه طرقًا في الأسانيد، وقليلًا في المتون … " (٢).
فالزيادات القليلة هي بالنسبة للأحاديث المستقلة، أما الزيادات العِدَّة فبالنسبة للطرق الزائدة لأحاديث مسلم، وعلى هذا يحمل كلام الذهبي السابق، وهذا هو واقع الكتاب من خلال العمل فيه.
وقد جنح ابن الصلاح في مقدمته إلى صحة ما وقع في الكتب المخرَّجة على الصحيحين أو أحدهما ككتاب أبي عوانة هذا من الزيادات (٣)، إذ نجده في صيانة صحيح مسلم يعبر عن كتاب أبي عوانة فيقول: "ورويناه في كتاب أبي عوانة الإسفراييني المُخَرَّج على شرط مسلم" (٤).
وتبعه على هذا العراقي في التقييد (٥)، وابن الملقن في المقنع في علوم
_________
(١) (١/ ٢٩٢).
(٢) (ص ٢٢)، تحقيق: محمد شكور المياديني.
(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح مع محاسن الاصطلاح (ص: ١٦٤).
(٤) انظر: صيانة صحيح مسلم ص (١٤٥).
(٥) التقييد والإيضاح (١٧).
стр. 126
الحديث (١)، وفي البدر المنير حيث قال عقب حديث أخرجه أَبو عوانة وهو مما زاده على مسلم: "رواه أَبو عوانة في صحيحه كذلك قال: وهو مما لم يخرجه مسلم -أي وهو على شرطه-" (٢).
وتعقَّب الحافظ ابن حجر ابن الصلاح بما ذكرته عنه سابقًا، ثم تعرض ﵀ لما ذكره ابن الصلاح من أن أصحاب الكتب المخرَّجة على الصحيحين لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتهما في ألفاظ الأحاديث بعينها من غير زيادة ونقصان لكونهم رووا تلك الأحاديث من غير جهة البخاري ومسلم طلبًا لعلو الإسناد فحصل فيها تفاوتٌ في الألفاظ (٣).
فأشار الحافظ ابن حجر إلى أن هذه الزيادات التي حكم عليها ابن الصلاح بالقبول يتوقف الحكم بصحتها على أحوال رواتها، وثبوت الصفات المشترطة في الصحيح للرواة الذين بين صاحب المستخرج وبين من اجتمع مع صاحب الأصل الذي استخرج عليه، وكلما كثرت الرواة بينه وبين من اجتمع مع صاحب الأصل فيه افتقر إلى زيادة التنقير، وكذا كلما بعد عصر صاحب المستخرج من عصر صاحب الأصل كان الإسناد كلما كثرت رجاله احتاج الناقد إلى كثرة البحث عن أحوالهم (٤).
_________
(١) (١/ ٦٦).
(٢) البدر المنير (مخطوط) (٤/ ٢٢١ / أ).
(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح مع محاسن الاصطلاح (١٦٥).
(٤) انظر: النكت (١/ ٢٩١ - ٢٩٣).
стр. 127
ومن ثمَّ فزيادات أبي عوانة ليست كلها صحيحة بل تجري عليها قواعد أهل الحديث فيحكم عليها بما تستحقُّه صحة وضعفًا، وإن كان كتاب أبي عوانة قد وُسِمَ بالصحة فقد أَخْرَجَ فيه عن من ليس على شرط الصحيح كما سبق بيانه عن الحافظ ابن حجر.
هذا بالنسبة لما يتعلَّق بزيادات المصنِّف، وأما أسانيده التي يسوقها على سبيل الاستخراج فقد يقع في رواتها من لا يحكم لحديثه بالصحة انفرادًا، ولكن بالاعتضاد فهذا حديثه صحيح، لقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح فيقال: هو الحديث الذي يتصل بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه إذا اعتضد عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذًا ولا معلَّلًا وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيرًا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يحكم عليها بالصّحة إلاّ بذلك" (١).
وأما إخراجه للأحاديث من الطرق الواهية. وهي قليلة. فهذا مما ينتقد به كتابه، ولذا يستنكر الحافظ ابن حجر عليه روايته عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، وهو ممن رمي بالكذب فيقول بعد نقله كلام الأئمة في توهينه فيما حكاه الذهبي: "ومع هذا كله أخرج له أَبو عوانة في صحيحه، والحاكم في مستدركه" (٢).
_________
(١) المصدر نفسه (١/ ٤١٧).
(٢) انظر: لسان الميزان (٢/ ٢٠٩).
стр. 128
وهذا كله من حيث الإجمال، وأما بيان ذلك، فزوائد أبي عوانة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: زوائد الطرق والأسانيد، وهي على نوعين:
أ- زيادات المتابعات على ما أخرجه الإمام مسلم ﵀، وهي كثيرة جدًّا، فإن الحافظ أبا عوانة قد اعتنى بجمع الطرق من المتابعات والشواهد غاية الاعتناء، حتى إنه ربما بلغ عدد طرق بعض الأحاديث إلى (٨٩) طريقا، كما في حديث ابن عمر ﵁ في وجوب الغسل يوم الجمعة (١).
ب- زيادات الشواهد للأحاديث التي أخرجها مسلم ﵀.
منها ما هو صحيح أو حسن كالأحاديث الآتية:
١ - (٦٣٨٩) حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: أفاء الله على رسوله إبلًا ففرقها، فقال أَبو موسى: يا رسول الله أحملني، فقال: "لا"، فقال له ثلاثًا، فقال النبي ﷺ "والله لا أفعل". . . الحديث.
٢ - (ح/٦٣٩٣) حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير".
٣ - (ح/ ٦٤٤٦ إلى ح/٦٤٥٣) حديث أبي هريرة ﵁
_________
(١) انظر شجرة إسناد هذا الحديث آخر المبحث الثامن.
стр. 129
عن النبي ﷺ أنه قضى باليمين مع الشاهد.
٤ - (ح/٦٤٥٦) حديث الزُّبيب ﵁ أن النبي ﷺ قَبِل له شاهدًا واحدًا ويمينه.
٥ - (ح/٦٤٦٤) حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يأثره عن النبى ﷺ أنه كان يقضي باليمين مع الشاهد الواحد.
٦ - (ح/٦٦٢٦) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قُتل رجل على عهد رسول الله ﷺ فدُفع القاتل إليه، فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: والله يا رسول الله ما أردت قتله … الحديث.
٧ - (ح/٦٦٩٧) حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قضى فيمن زنى ولم يحصن أن ينفى عامًا مع إقامة الحدِّ عليه.
٨ - (ح/٦٧٢٤) حديث جابر ﵁ في قصة رجم ماعز ابن مالك.
٩ - (ح/٦٨١٥) حديث عامر بن ربيعة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
ومنها ما هو معلول ونص المصنف على علته، مثل:
١٠ - (ح/٦٤٢٥ - ٦٤٢٧) حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فهو بالخيار إن شاء مضى وإن شاء ترك"، قال أبو عوانة: "في حديث
стр. 130
أيوب عن نافع مرفوع نظر".
١١ - (ح/ ٦٤٣٢) حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث"، قال أبو عوانة: "إنه يقال غلط فيه عبد الرزاق، إنما هو مختصر من الحديث الذي يليه".
١٢ - (ح / ٦٤٥٧ إلى ح / ٦٤٥٨) حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أتاني جبريل فأمرني باليمين مع الشاهد، وقال: إن يوم الأربعاء يوم نحس مستمر"، ثم رواه مرسلًا -بلفظ-: "أنَّ النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد"، وقال: "المرسل هو الصحيح".
١٣ - (ح / ٦٥٤٢) حديث عبد الله بن عمر أو عمرو -شكَّ يونس- عن النبي ﷺ ونزلت فيهم آية المحاربة، قال أَبو عوانة: "إسناد عجَبْ".
ومنها ما أخرجه لبيان الاختلاف في طرقه، نحو:
١٤ - (ح / ٦٤٥٤) حديث عن زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ قال -يعني- قضى باليمين مع الشاهد الواحد (١).
١٥ - (ح / ٦٤٥٩ إلى ح / ٦٤٦١) حديث سعد بن عبادة أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
_________
(١) هذا الحديث يحتمل أن أبا عوانة يرى أنه يصح بالوجهين؛ فيكون شاهدًا صحيحًا، وقد صُحح كذلك.
стр. 131
١٦ - (ح / ٦٦٨١ إلى ح / ٦٦٨٣) حديث ابن عمر ﵁ قال: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.
١٧ - (ح / ٦٨٠٧) حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
ومنها ما استشهد به وهو ضعيف، نحو:
١٨ - (ح / ٦٤٦٢ إلى ح / ٦٤٦٣) حديث سُرَّقٍ أن رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد.
والحديث في سنده جهالة التابعي.
١٩ - (ح / ٦٨١٨) حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال "إنَّ مِنْ قضاء رسول الله ﷺ أن المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار".
في سنده انقطاع.
٢٠ - (ح / ٦٨١٩) حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ "السائمة جبار والجُبُّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
في إسناده راوٍ ضعيف ولم يتابع.
القسم الثاني: زوائد المتون، وهي على نوعين:
أ- زيادات تقع أثناء المتون في الأحاديث التي أخرج أصولها الإمام
стр. 132
مسلم في صحيحه، وهي كثيرة، والغالبُ عليها الصحة (١)، ومنها المعلة والضعيفة، وهي قليلة (٢).
ب- متون مستقلَّة لم يخرج أصولها الإمام مسلم ﵀ في صحيحه، وهي على قسمين:
أحدهما: أحاديث زادها في أثناء متون الأحاديث وأثناء الأبواب من غير تنبيه على زيادتها.
والثاني: أحاديث زادها مع التنبيه على عدم إخراج صاحب الأصل لها، وربما كان فيها ما هو مخرج أصله بالأصل، كنحو قوله في آخر كتاب الاستسقاء: "زيادات في الاستسقاء ما لم يخرجه مسلم ﵀ في كتابه" حيث أورد سبعة عشر حديثًا منها خمسة عشر حديثًا زائدًا.
وحديثين التقى فيهما مع مسلم فيمن هو فوق شيخه. أحدهما ما أسنده عن الحسن البصري، عن أنس ﵁، قال: أصاب أهل المدينة قحط ومجاعة شديدة، فقام رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام ناس فقالوا: يا رسول الله، هلكت الأموال وخشينا الهلاك على أنفسنا، … " (٣).
_________
(١) انظر على سبيل المثال: (ح / ٢٥٨٧، ٢٥٩٠).
(٢) انظر على سبيل المثال: (ح / ٣١١).
(٣) انظر: حديث رقم (٢٥٧٨).
стр. 133
وهذ كله منه ما هو صحيح أو حسن، مثل:
١ - (ح / ٦٤٠١ إلى ح / ٦٤٠٦) حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف بغير الله كفر أو أشرك".
٢ - (ح / ٦٤١٦) حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف على منبري هذا بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار".
٣ - (ح / ٦٤٦٦) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أُكره الاثنان على اليمين فاستحباها فأسهم بينهما".
٤ - (ح / ٦٥١٥) حديث عجلان مولى المُشْمَعِلّ، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا جاء مملوك أحدكم بطعامه قد ولي حرّ النار فلْيَدْعُهُ فليأكل معه، ولا تضربوهم وأطعموهم مما تأكلون".
٥ - (ح / ٦٧٠٥) حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما رُجِم ماعز قال: "لقد رأيته يَتَخَضْخَضُ في أنهار الجنة".
ومنها ما هو معلولٌ ونصَّ المصنف على علته، مثل:
٦ - (ح / ٦٨١١ إلى ح / ٦٨١٢) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "النَّار جبار"، قال أبو عوانة: كان يقال غلط فيه عبد الرزاق، إنما هو "البئر جبار"، فجعلها "النار"، ثم وافقه عليه عبد الملك عن معمر.
٧ - (ح / ٦٨١٦) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ
стр. 134
قال: "الرجل جبار"، قال أَبو عوانة؟ "لم يقله أحد غيره" اهـ. يعني سفيان ابن حسين عن الزهري.
ومنها ما هو معلول ولم ينص المصنف على العلة فيه، بل اكتفى بسوق الأسانيد المختلفة التي تُبيِّن موضع العلة، كمثل:
٨ - (ح / ٦٣٣١ إلى ح ٦٣٣٢) حديث ابن عمر عن عمر قال: سمعني رسول الله ﷺ أحلف بأبي فقال: "يا عمر لا تحلف بأبيك، احلف بالله ولا تحلف بغير الله"، قال: فما حلفت بعد إلّا بالله، ورآني أبول قائمًا؛ فقال: "يا عمر لا تبل قائمًا"، قال: فما بلت قائمًا بعد.
وبالجملة فإن عدد الأحاديث الزائدة المستقلة متنا أو إسنادا يزيد على (٤٥٢) حديثا ومتنا.
المطلب الثاني: دراسة المعلقات في المستخرج.
المعلَّق من الحديث هو: ما حُذِف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر ولو إلى آخر الإسناد (١).
وقد أكثر أَبو عوانة من إيراد الأحاديث المعلَّقة مقارنةً بصاحب الأصل الإمام مسلم، ومقارنةً بأبي نعيم، فالإمام مسلم غاية ما تبلغ عدد الأحاديث المعلَّقة عنده (١٧ حديثًا) في كتابه الصحيح كلِّه على ما ذكره
_________
(١) انظر: نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص ٤٠)، وهدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني (ص: ١٩)، تدريب الراوي للسيوطي (١/ ١١٧).
стр. 135
السيوطي (١)، وقريب منه أَبو نعيم، أما أَبو عوانة فمعلقاته تقارب ثلاثمائة حديث معلق.
والتعليق عند أبي عوانة على أوجه: فتارة يعلِّقه عن بعض شيوخه، وتارة عمَّن فوقهم، وتارة عمَّن فوق ذلك.
وأحيانًا يعلِّق الإسناد ويذكر معه طرفًا من المتن، وأحيانًا يكتفي -عند تعليق الإسناد- بإحالة المتن على السابق، كما سيأتي الكلام عليه في بيان منهج أبي عوانة في كتابه.
وجميع هذه المعلقات يذكرها أبو عوانة عقب الأحاديث المتصلة، سوى عدد قليل منها صدر بها الأبواب (٢).
وهذه المعلقات منها ما هو موصول عند المصنف نفسه (٣)، ومنها ما هو موصول عند مسلم (٤)، ومنها ما هو موصول عند غيرهما (٥).
وبعد التأمل والنظر في تلك المعلقات ترجح لدينا أن أبا عوانة أوردها للأغراض التالية:
أولًا: الأغراض العائدة للإسناد:
_________
(١) تدريب الراوي للسيوطي (١/ ١١٧).
(٢) انظر: حديث رقم: (٣٧١٩، و ٦٦١٨).
(٣) علقه عقب الحديث رقم: (٦٤٩٠)، ووصله برقم: (٦٤٨٦).
(٤) انظر -مثلًا- الحديث رقم: (٢٠٤٦، و ٢٠٨٧).
(٥) انظر -مثلًا-: الحديث رقم: (١٧٦٢، و ٢٠٣٣).
стр. 136
١ - لبيان المتابعة على الوصل والإرسال.
فمثال ما علقه لبيان المتابعة على الوصل:
حديثٌ أسنده من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّ يد السارق لم تكن تقطع في عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه (١).
ثم قال عقبه: رواه عَبدة وأبو أُسامة عن هشام متصلًا أيضًا.
ومثال ما علقه لبيان المتابعة على الإرسال:
حديثٌ أسنده من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة … "، الحديث (٢).
ثم قال عقبه: "رواه ابن جريج عن علي بن زيد"اهـ، يعني عن الحسن.
٢ - لبيان المتابعة على زيادة راوٍ في الإسناد أو حذفه.
فمثال ما علقه لبيان المتابعة على حذف راوٍ من الإسناد:
حديثٌ رواه عن أبي داود السجستاني عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس … الحديث (٣)، وأعقبه بحديث أبي داود السجستاني من طريق وهيب عن أيوب بإسناده.
ثم قال عقبه: روى محمد بن يحيى وغيره عن سليمان بن حرب كما
_________
(١) انظر: ح (٦٦٥٨).
(٢) انظر: ح (٦٣٨٢).
(٣) انظر: ح (٦٥٥٠).
стр. 137
رواه أَبو داود سواء لم يُذكر أَبو رجاء.
ومثال ما علقه لبيان المتابعة على زيادة راوٍ في الإسناد:
الحديث السابق نفسه رواه عن أبي أمية الطرسوسي عن سليمان ابن حرب بزيادة أبي رجاء بين أيوب وأبي قلابة (١).
ثم قال عقبه: رواه هارون بن عبد الله عن سليمان بن حرب هكذا عن أبي رجاء عن أبي قلابة.
٣ - لبيان سماع الراوي من شيخه.
مثاله: حديثٌ أسنده من طريق ابن وهب عن مالك عن أبي ليلى ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة … الحديث (٢).
ثم قال عقبه: رواه مطرف عن مالك عن أبي ليلى بن عبد الله عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه.
٤ - لبيان الاختلاف في تسمية الراوي المبهم في الإسناد.
مثال ذلك ما أسنده من طريق أبي عامر العَقَدي، قال حدثنا قُرَّة ابن خالد، قال حدثني محمد بن سيرين، قال حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل في نفسي أفضل من عبد الرحمن -حُمَيد بن عبد الرحمن- عن أبي بكرة قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال: "أي يوم هذا" …
_________
(١) انظر: ح (٦٥٥٣).
(٢) انظر: ح (٦٤٧٦).
стр. 138
الحديث (١).
ثم قال عقبه: ورواه يحيى القطان، فقال: "وعن رجل آخر أفضل في نفسي"، ولم يسمه كما سماه أَبو عامر.
٥ - لتقوية المتكلم فيه في الإسناد.
مثاله: حديثٌ رواه من طريق أيوب بن خالد عن الأوزاعي. . . (٢)
ثم قال عقبه: "رواه الفريابي عن الأوزاعي … ".
وأيوب بن خالد قال فيه ابن عدي: "حدث عن الأوزاعي بالمناكير" (٣).
٦ - لنزول إسناده عمن علقه عنه.
ومثال ذلك أحاديث غندر عن شعبة، يعرض عنها أبو عوانة لنزول إسناده إلى شعبة من طريق غندر، فمثلًا علق عنه أربعة مواضع عن شعبة (٤)، وأسند له حديثًا واحد عن الصاغاني عن خلف المخرمي عنه عن شعبة (٥)، فبينه وبين شعبة في هذا الإسناد ثلاثة أنفس، وعند أبي عوانة إسناد آخر إلى غندر من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عنه، وهو
_________
(١) انظر: ح (٦٦١٥).
(٢) انظر: ح (٦٥٣٤).
(٣) وينظر مثال آخر: حديث رقم: (٦٥٢٧).
(٤) عقب الأحاديث الآتية: (٦٤٨٦، ٦٤٩٦، ٦٦٠٤، ٦٧٠٧).
(٥) انظر: ح (٦٥٦٣).
стр. 139
نازل أيضًا، ولم يخرج بهذا الإسناد شيئًا (١).
٧ - لكثرة الطرق.
وذلك في بقية المعلقات -حاشا ما في الأغراض العائدة للمتن- والظاهر أن إيرادها لكثرة الطرق، وأما ما كان منها موصولًا عند مسلم، فلعله مما عز عليه وجوده من غير طريق صاحب الأصل، فعلقه عن بعض رواته، وقد نبه السخاوي على أنه من صنيع المستخرجين فيما عزَّ عليهم وجوده من غير جهة مصنِّف الأصل (٢).
ثانيًا: الأغراض العائدة للمتن.
١ - التنبيه على اختلاف ألفاظ الرواة.
ومثاله: ما أسنده من حديث جابر بن سَمُرة ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ ردَّ ماعزًا مرتين، وشهدت رسول الله ﷺ حين رجم ماعز بن مالك … الحديث (٣).
ثم قال عقبه: كذا قال غندر وشبابة: مرتين.
_________
(١) وذلك بالتتبع في أحاديثه من حديث رقم (٦٣٢٢) إلى (٦٨١٩)، وثمة مثال آخر، وهو حديث حديث الأعمش، برقم: (٦٥٩٥) لو أسنده من الطريق التي علقها لنزل درجة عن الطريق التي أسندها.
(٢) ينظر: فتح المغيث (١/ ٤٤).
(٣) رقمه (٦٧٠٨).
стр. 140
ورواه أبو عامر فقال: مرتين أو ثلاثًا (١).
٢ - لبيان المتابعة على لفظة اختلف فيها الرواة.
ومثاله: ما أسنده من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ "قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة … "، الحديث (٢).
ثم قال عقبه: رواه ورقاء عن أبي الزناد بنحوه: "تسعين امرأة" (٣).
٣ - لبيان أن بعض الرواة اختصر الحديث.
ومثاله: ما أسنده من طريق الحميدي، حدثنا سفيان -هو ابن عيينة- عن أيوب، عن أبي قلابة، عن زهدم قال: قُرِّب إلى أبي موسى دَجاج، فقال لي: ادنُ فكُلْ، فقلتُ: كأنِّي لا أُريده، إني حلفتُ أن لا آكله … وساق الحديث بطوله في قصة الأشعريين وطلبهم الحملان من النبي ﷺ .
ثم قال عقبه: رواه الثوري عن أيوب في الدَجاجة فقط.
والذي يظهر أن أبا عوانة علق هذه المواضع للاختصار، فإنه لو أسندها لطال الكتاب جدًّا، فاقتصر على موضع الحاجة منها.
أما ما علقه عن شيوخه، فلم يتبين سبب عدم تصريحه بالسماع
_________
(١) وينظر أمثلة أخرى: عقب الأحاديث: (٦٣٤٤، ٦٣٥٥، ٦٤٦٧، ٦٤٩١، ٦٥٠٤، ٦٥٣٤، ٦٧٠٧، ٦٧٧٣، ٦٧٩٣، ٦٧٩٦).
(٢) انظر: ح (٦٤٣٣٦).
(٣) ينظر التعليق على حديث رقم (٦٤٢٨) لمعرفة اختلاف الرواة في هذه اللفظة.
стр. 141
منهم، إلا أن يكون سمعه منهم مذاكرة.
وقد قرر ابن الصلاح أن المعلِّق إذا علق عن بعض شيوخه وكان غير مدلس حمل على أنه سمعه منه، ولا فرق بين أن يقول: "قال" أو "روى" أو "ذكر" أو ما أشبه ذلك من الصيغ التي ليست بصريحة، قاله ابن حجر (١).
_________
(١) ينظر: النكت (١/ ٣٥٤) وعلوم الحديث (ص / ٦١ وما بعدها).
стр. 142
المبحث الثامن: أهمية كتاب أَبي عوانة وعناية العلماء به.
الكتاب مستخرج على صحيح مسلم، فهو يستمد أهميته من أهمية الكتاب المستخرج عليه، ويعد كتاب أبي عوانة من أوائل الكتب التي خدمت صحيح مسلم، سواءً من حيث الأسانيد أو المتون.
ويمكن إيجاز أهمية الكتاب في الأمور التالية:
١ - أنه مستخرج على صحيح الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- وهو ثاني أصح الكتب بعد كتاب الله ، ومعلومة أهمية المستخرجات وفوائدها.
٢ - أن الحافظ أبا عوانة قد اعتنى بتراجم أبواب كتابه، فهي تتميّز بالوضوح والدقة وغزارة المادة الفقهية، ومعلوم أن صحيح مسلم ليس فيه بعد مقدمته إلا الحديث السرد، وفق ترتيب دقيق دون تراجم ظاهرة لأبوابه، وإن كان هو مبوبا في الحقيقة، وأما عناوين الأبواب وتراجمها المثبتة على النسخ المطبوعة فهي من عمل الشراح، ومنهم الإمام النووي، ولذا يُعدُّ صنيع أبي عوانة في تراجم أبوابه من أوائل من أظهر تراجم الصحيح (١).
٣ - اشتماله على فوائد الاستخراج الكثيرة التي تخدم صحيح الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- مثل: -
_________
(١) انظر صيانة صحيح مسلم ص ١٠٣، والإمام مسلم ومنهجه في الصحيح (١/ ٣٨٣، ٣٨٨).
стр. 143
أ- كثرة الطرق الزائدة على ما في صحيح مسلم، وهذه الكثرة يستفاد منها في تقوية الحديث والترجيح عند التعارض، وغير ذلك من الفوائد المشتملة عليها تلك الطرق (١).
ب- وإيراد حديث المختلط من طريق من سمع منه قبل الاختلاط، وهو في الصحيح من طريق من سمع منه بعد الاختلاط، وبيان تصريح المدلس بالسماع وهو في الصحيح بالعنعنة، وهذا مما يؤكد حمل الأئمة ما كان من هذا القبيل في الصحيح على الصحة لكون صاحب الصحيح قد انتقى من أحاديث هذا القبيل (٢).
ج- ذكر ألفاظ الرواة الذين لم يذكر ألفاظَهم الإمام مسلم في صحيحه (٣)، مع تمييز تلك الألفاظ لمن هي من الرواة (٤).
٤ - اشتماله على كثير من الألفاظ والأحاديث الزائدة على صحيح مسلم، بل له أحاديث انفرد بها (٥).
_________
(١) انظر: مثلًا حديث رقم (٢٦٢٣) إلى (٢٦٩٦)، وسيأتي الكلام عليه في آخر هذا المبحث.
(٢) انظر مثلا، حديث رقم (٢٧٦٦)، وحديث رقم (٢٩٩٩).
(٣) انظر الأحاديث: (٤٢٣٨، ٤٢٥٦، ٤٢٥٧، ٤٢٨٤، ٤٢٨٨، ٤٢٩٣، ٤٣١٠، ٤٣٤٠، ٤٣٤١).
(٤) انظر بقية فوائد الاستخراج في مبحث فوائد الاستخراج.
(٥) انظر -على سبيل المثال- الأحاديث: (من ٩٤٣٢ - ٩٤٣٥).
стр. 144
٥ - احتواؤه بعض فتاوى الصحابة والتابعين (١).
٦ - اشتماله على أقوال مصنّفه في الجرح والتعديل، وقد استفاد منها الأئمة الذين جاءوا بعده كالحافظ المزي وابن حجر.
ولأهمية كتاب الحافظ أبي عوانة -رحمه الله تعالى- فإنه يعدّ من أهم مصادر السنة النبوية الشريفة، ولذلك أصبح محلّ عناية للعلماء -رحمهم الله تعالى- ينهلون من معينه ويستفيدون منه، فاعتنوا به: سماعًا ونقلًا، وانتقاءً، وجمعًا لأطرافه.
ومما يدل على ذلك:
تداول الكتاب نقلا ورواية، ويدل على ذلك السماعات الكثيرة على نسخ الكتاب وبخاصة النسخة الظاهرية.
وكثرة النقل من الكتاب سواءً من رواياته، أو ما فيه من الكلام على بعض الرواة وغير ذلك.
كصنيع ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم (٢).
والمزي في تهذيب الكمال (٣).
والذهبي في جزئه "المنتقى من مسند أبي عوانة" (٤).
_________
(١) انظر على سبيل المثال- الأحاديث: (٥٠٣٦، ٥٠٦٧، ٥٠٧٨).
(٢) انظر: صيانة صحيح مسلم (ص ٢٣٨، ٢٧٦).
(٣) انظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٢١).
(٤) ذكره الحافظ ابن حجر في المجمع المُؤَسِّس (٢/ ٩١).
стр. 145
والحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ينقل منه كثيرًا في تخريج بعض الطرق، وفي تهذيب التهذيب، يذكر أحيانًا أن الراوي أخرج له أَبو عوانة (١)، وقد جمع أطراف حديثه وطرقه ضمن كتابه إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة، واستفاد من تلك الطرق والمتون في شرحه فتح الباري، في عدة مواضع، ومن أبرز ذلك قوله عن رواية نافع عن ابن عمر ﵄ في حديث الغسل يوم الجمعة، "ورواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث مشهورة جدًّا فقد اعتنى بتخريج طرقه أَبو عوانة في صحيحه فساقه من طريق سبعين نفسًا رووه عن نافع، وقد تتبعت ما فاته وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد لغرض اقتضى ذلك فبلغت أسماء من رواه عن نافع مائة وعشرين نفسًا … " (٢).
ثم أشار الحافظ إلى الفوائد المستنبطة من تلك الطرق بالنسبة لرواية البخاري في الصحيح فذكر عدة فوائد، أُبْرِزُ منها ما يتعلق بكتاب أبي عوانة مما يدل على عناية العلماء به واستفادتهم منه:
الفائدة الأولى: تكرار الأمر بالاغتسال منه ﷺ كما في رواية صخر ابن جويرية عن نافع بلفظ: "كان النبي ﷺ إذا خطب يوم الجمعة قال:
_________
(١) انظر: تهذيب التهذيب (٩/ ٢١٧).
(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ٤١٧)، وهذا الحديث خرجه أَبو عوانة كما في الحديث رقم (٢٦٢٣) إلى (٢٦٩٦).
следующие страницы →