Полный текст (1 291 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مالك، وبذلك يقول الشافعي وغيره من أهل العلم.
قوله: «يجوز أن يكون أعيانًا ومنافع، والأعيان أحب إلينا» تنبيه على خلاف. وتحصيل القول فيه: أن كونه عينًا متفق على جوازه. واختلفوا في جواز كونه منافع، وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال.
الجواز وهو قول مالك فيما رواه (أصبغ وسحنون)، وبه قال الشافعي، والمنع وهي رواية ابن القاسم، والكراهية. فالجواز قياسًا على البيع، لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر، واعتمد على قضية شعيب مع موسى قال الله تعالى حاكيًا عنهما: ﴿إني أريد أن أنكحك﴾ الآية [القصص: ٢٧] والمنع بناء على أن قبض الأوائل ليس كقبض الأواخر، وقصة شعيب موسى ﵇ مخصوصة بهما بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا والكراهية توسطًا بين القولين. وقوله ﵇: (انكحها بما معك من القرآن) فيه خلاف في محلين:
الأول: هل هو خاص بذلك الرجل لخروجه عن الأصل أم لا؟
والثاني: في مفهوم قوله: (بما معك من القرآن) فقال بعضهم: إنه ﵇ جعل القرآن لنا شفيعًا، وأنكحها منه بغير صداق لحرمة القرآن، وهذا يقتضي الخصوصية، وفي لفظ آخر: فعلمها وهذا يدل على انعقاده على المنفعة: التعليم.
قوله: «ولا يجوز إصداق ما لا يجوز بيعه»: ضابط القول الكلي
стр. 597
فيه: إن كل ما جاز بيعه جاز أن يكون صداقًا، وليس كل ما يجوز إصداقه يجوز بيعه بجوازه على وصف مطلقًًا، وعلى جهاز بيت، وكل ذلك لا يجوز، ويقضي في ذلك بالوسط، إذ هو المتعارف. وقال أبو حنيفة: يقضي فيه بالقيمة مطلقًا، ومنع الشافعي قياسًا على البيع مثل: القاضي بالخمر والخنزير في المحرم العين، وبالإبل الشارد، وفي المحرم الأجل.
قوله: «تعجيل المهر وتأجيله» وهذا كما ذكره، ويعني به الأجل القريب، وأما الأجل البعيد فمكروه، والأجل المجهول إلى موت أو فراق محرمًا عند جمهور العلماء، وأجازه الأوزاعي إلى موت أو فراق، ومنع قول التأجيل به مطلقًا. ولو وقع النكاح فاسدًا من جهة صداقه بوجه من وجوه فساد الصداق لوجب فسخه قبل الدخول، وهل يفسخ بعده أم لا؟ فيه روايتان، وهل فسخه إيجابًا، أم استحبابًا فيه أيضًا روايتان، وظاهر النظر: أن الفاسد لا يقرر، وتصحيح بعد الدخول تقرير له، إلا أنهم لاحظوا حده بالاطلاع على العورة، فلذلك صححوه بعد الدخول بعوض الصداق الجائز، وإنما استحب مالك وأصحابه تعجيل ربع دينار لتتحقق بالإباحة بعوضها المحقق، فيخرج من مشابهة السفاح، وعلى ذلك عمل كثير من السلف.
قوله: «والصداق واجب بالعقد والتسمية، ويستقر وجوبه بالدخول فيؤمن سقوطه» وهذا لباب المذهب، واحترز القاضي بقوله: «والتسمية» من نكاح التفويض، وذلك أنه لو طلق قبل الدخول والفرض لم يكن عليه
стр. 598
شيء، فلو اقتصر على العقد دون التسمية لدخل فيه نكاح التفويض، وانظر هل سقوطه يقتضي تحقيقه قبل السقوط أم لا؟ إذ لولا ثبوته لم يسقط، إذ الساقط لا يسقط، والتحقيق يقتضي أن العقد يوجب تحقيق نصفه، والنصف الثاني واجب بأول الملاقاة لا قبلها، وإيجابه بطول الخلوة بعد إرخاء الستور دون مسيس استحسان لا دليل عليه، وفيه خلاف في المذهب.
قوله: «وعلى المرأة أن تتجهز لزوجها من صداقها، أو غيره»: وهذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فقال الجمهور: هو ملك لها لا يلزمها التجهز به، ولا بشيء منه تمسكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ومالك وأصحابه اعتبر العادة في ذلك، وأجازوا أن يقتضي منه -إن كان عينًا- اليسير من دينها، وأجاز الجمهور التصرف فيه، وهو قول القاضي، وغيره بناء على العرف، وذلك إذا كان لها مال ممن تقتضي العادة أن الزوج غالى في الصداق لأجل مالها.
واختلف في الصداق إن فعل ذلك فوجدت عديمة، فقيل: يلزمه جميع ما سمى ولا يسقط عنه منه شيء، وقيل: يسقط عنه ما يرى أنه زاد لأجل ما ظنه من مالها. والقول الثالث اعتبار الزيادة على صداق المثل فيسقط، ولا يسقط من صداق المثل شيء.
قوله: «وله إن طلقها قبل الدخول نصف ما ابتاعته»: لأنها تصرفت تصرفًا جائزًا، فلا ينقض فعلها الواقع على وجه الجواز، فإن خرجت عن عادة فعلها ردت نصف ما قبضت لا نصف ما اشترت.
قال القاضي ﵀: «ونكاح الشغار باطل» إلى قوله: «وصداق المثل».
стр. 599
شرح: الشغار مصدر شاغر شغارًا، واختلف أهل اللغة في اشتقاقه، فقيل: من قولهم: بلد شاغر إذا كان خاليًا، فسمي به هذا النكاح لخلوه عن الصداق وقيل: هو مشتق من قولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، فكأن كل واحد من الوليين يقول: لا ترفع رجل وليتي بذلك الفعل حتى أرفع رجل وليتك بها، والصحيح عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : (نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا مهرًا بينهما). واختلف العلماء في هذا التفسير هل هو من كلام الراوي، أو من كلامه ﵇. وأجمع العلماء على النهي عنه، وإنما اختلفوا في حكمه إذا وقع، فقال الجمهور: إنه فاسد يجب فسخه اعتمادًا على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، سواء كانت من كلام النبي أو من كلام الراوي، لأنه أعلم بما روى، وقال أبو حنيفة: إنه فاسد إلا أنه إذا وقع صح بعوض الصداق الصحيح فيه. وفي المذهب فيه تفصيل أشار القاضي إليه، لبابه أنه إما أن يعرى عن التسمية من الطرفين أو من أحدهما، أو لا يعرى من التسمية بل تقع التسمية. واشتراط العقد بالعقد. فالأول: تقع فيه التسمية مطلقًا قبل الدخول وبعده لما ذكرناه، والثاني: يصح فيه نكاح المسمى لها. وأما نكاح التي لم يسم لها فيفسخ ما لم يقع الدخول، فإن وقع الدخول ففيه قولان: الفسخ، والإمضاء فإن وقع الفسخ قبل الدخول فلا صداق فيه، وللمدخول بها الأكثر
стр. 600
من المسمى لها أو المثل على الأصح. وإن وقعت التسمية من الطرفين، واشتراط أحد العقدين بالآخر بطل الشرط، وصح النكاح قبل الدخول وبعده، وقيل: يفسخ قبل الدخول، ويفوت بالدخول، وقيل: يفسخ مطلقًا، لأنه من وجه الشغار، وكأنها كالصفقة تجمع حلالًا وحرامًا، فتفسخ كلها على الأصح.
قوله: «ونكاح المتعة باطل» وهذا كما ذكره، وقد انعقد الإجماع على تحريمه، وهو من أغرب ما وقع في الشريعة فإنه أبيح ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، ولم يعهد نظير ذلك في الشريعة، وفي حرف ابن عباس: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى).
واختلفت الأحاديث متى حرم، فقيل: عام خيبر، وقيل: عام تبوك، وقيل: في حجة الوداع، وقيل: في عمرة القضاء، وقيل: في عام أوطاس، وقيل: عام الفتح، وقيل غير ذلك، ولم يخالف فيه أحد، وصح القول عن ابن عباس وأصحابه من أهل مكة واليمن قال: (ما كان المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد لولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا الأشقى ثم رجع عنه إلى التحريم). فأما حديث جابر: (كنا نستمتع بالقبضة من التمر، والقبضة من الدقيق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ونصفًا من خلافة عمر، ثم نهى عمر عنها الناس) رواه ابن جريج
стр. 601
وعطاء وغيرهما.
قوله: «وهو العقد المشترط فيه الأجل»: بنقصه أن يعول أو المهم من الطرفين.
واختلف المذهب على قولين إذا قصده الزوج وحده: هل هو متعة فيفسخ أم لا؟
قوله: «والخطبة على خطبة الغير جائزة على وجه وممنوعة على آخر»: قلت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: (لا بيع أحدكم على بيع أخيه، قال: ولا يسوم أحدكم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته) الحدث ثابت، وعليه عمل أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في مفهومه فحمله بعضهم على الإطلاق، ورأى مالك ومن تابعه أن النهي إنما تعلق بحالة التراكن، وأما الخطبة قبل التراكن وتقدير الصداق فجائزة، وهو نص القاضي. ولو خطب غير المسلم فهل يجوز للمسلم الخطبة على خطبته، إذ ليس بأخ حقيقة، أو لا يجوز، لأن ما خرج عن العادة لا مفهوم له فيه قولان في المذهب مبنيان على ما ذكرناه، وهل يفسخ نكاح الخاطب على الخطبة فيه قولان: الأصح الفسخ إذا وقع التراكن بناء على أن مقتضى النهي
стр. 602
محمول على الكراهية، وفيه قول ثالث: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده وهو الجاري على المشهور من المذهب. وأما اشتراط الحباء من الولي فيحرم، ولا يحل للولي أكله، لأن ذلك من أكل المال الباطل إلا أن يهبه ذلك بعد العقدة، فهو له، وكان من عادة الجاهلية أن يشترط لنفسه توليته، فنهى الشارع عن ذلك، وقد جاء فيه أثر ضعيف الإسناد خرجه النسائي وأبو داود وعبد الرزاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة نكحت على حباء قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته وأخته).
وتكلم المحدثون في صحيفة عمرو بن شعيب. قال الإمام أبو عمر بن عبد البر: إذا روته الثقات عمل بها، لأنها صحيفة ثابتة، وهي نص أقواله ﵀.
стр. 603
قوله: «ونكاح التفويض جائز»: الأصل في جواز نكاح التفويض الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم﴾ الآية. انعقاد النكاح قبل قبض الصداق، ولا يرد إلا على النكاح المنعقد. وأما السنة: فما خرجه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث بروع بنت واشق وصححه الترمذي، وبه احتج ابن مسعود حين سئل عن ذلك إذا مات الزوج قبل التسمية والدخول فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني: أرى لها صداق امرأة من نسائها ولا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقال معقل بن سنان: أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق. وانعقد الإجماع على جوازه.
واختلف في النكاح على التحكيم هل يجري مجراه أم لا؟ وفيه ثلاثة أقوال جوازه مطلقًا، ومنعه مطلقًا، وجوازه إذا كان الحكم للزوج دون غيره، وكل هذه الأقوال معروفة في المذهب. ومبنى المسألة في اختلافهم في جواز القياس على النص.
стр. 604
قال القاضي ﵀: «ولا يسميا صداقًا، أو على أن يفرضاه بعد العقد» فيها صورتان بالشخص متحدتان في الحكم. والثانية منها أخص، لأنه إذا كان الفرض بعد العقد، فمقتضاه أن الدخول لا يكون إلا بعد الفرض، ولو عقد على أن لا يسميا صداقًا لكان الدخول جائزًا قبل الفرض، ويقع الفرض بعد الدخول، ويقضي على الزوج فيه بمهر المثل.
قوله: «وإن طلق استحب له أن يمتع» وهذا كما ذكره، وإنما ذلك لتكون المتعة عوضًا من الصداق وتسلية وحشية الطلاق. وقد اختلف الفقهاء في حكم المتعة، والجمهور على أنها مستحبة تمسكًا بمقتضى قوله تعالى: ﴿حقًا على المحسنين﴾ [البقرة: ٢٣٦] وفي آية أخرى: ﴿حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] والتقييد يقتضي الاختصاص وينفي الإيجاب، لأن للزوج أن يقول: لست بمحسن، وذكر أنها بحسب الأحوال، والأمر كذلك. قال علماؤنا: أربعة لا متعة لهن: المختلعة، والمخيرة، والملاعنة والمطلقة قبل الدخول وقد فرض لها فحسبها نصف صداقها، وروى عن مالك أن للمخيرة المتعة.
قوله: «ومن مات من الزوجين قبل الفرض فبينهما الميراث ولا صداق» وهذه المسألة مشهور بالخلاف، وأصل المذهب الذي لا خلاف فيه أن لها المتعة والميراث ولا صداق لها وهو قول الأوزاعي، وأحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة وأحمد وداود لها الصداق والميراث وهو قول الشافعي، واعتمادًا على حديث بروع بنت واشق، وقال الشافعي: إن ثبت فلا يعول على سواه حكاه المزني عنه، وعول مالك على أن الصداق
стр. 605
عوض وإذا لم يقبض المعوض عنه لم يجب العوض.
قوله: «والموت في استقرار الصداق به كالدخول»: هو استئناف حكم لا يرجع إلى المسألة التي قبلها، ولا يتناقض كلام، لأن الموت قبل الفرض لا يوجب نصف الصداق ولا جميعه، فليس كالدخول البتة إلا أن يريد الموت بعد الفرض وقبل الدخول، فهو صحيح.
قال القاضي ﵀: «وصداق المثل معتبر بحالها» إلى آخره.
شرح: والأمر في صداق المثل على ما ذكره، ولا خلاف فيه في المذهب فيما أعلمه. ثم تكلم على منع جواز العتق صداقًا، والأصل في هذه المسألة أنه ﵇ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، فقال مالك: ذلك خاص به ﷺ لكثرة اختصاصه في قاعدة النكاح، وأجازه الشافعي وأحمد وداود وغيرهم، واعتمد مالك على أنها إذا عتقت فقد ملكت نفسها، فلا يلزمها النكاح، قال الشافعي: إن كرهت زواجه غرمت له قيمتها وهو إنما رضي بعتقها بشرط الاستمتاع بها.
стр. 606
قوله: «وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها» قلت: وهذا كما ذكره، وكذلك حكم البائع له منع السلعة إلا بعض قبض ثمنها، ولو اختلفا في تقديم قبض الثمن، أو تقديم السلعة يجري فيه الخلاف المشهور فقيل: يفترقان، وقيل: يقضي على البائع بإقباض المبيع، ثم على المشتري بدفع الثمن، وقيل بالعكس، ولو طاعه بالتسليم قبل قبض الصداق ولم يكن لها رجوع في ذلك.
قوله: «وإذا اختلفا في مقدار الصداق» قلت: الاختلاف في الصداق إما أن يقع في مقداره، أو في جنسه، أو في قبضه، أو في أجله. فإن اختلفا في المقدار فلا يخلو أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول ففيه قولان، المشهور التحالف والتفاسح من غير اعتبار بدعوى الأشبه.
والقول الثاني: اعتبارًا بالأشبه. فإذا فرعنا على المشهور فمن يبدأ باليمين هل الزوج وهو وراء المشتري، أو الزوجة وهي وراء البائع، فيه قولان: المشهور تبدئة المرأة كالبائع، وإذا حلفا فهل يقع الانفساخ بنفس التحالف، أو لابد في ذلك من حكم الحاكم فيه قولان في المذهب، ولو نكلا معًا، ففسخ النكاح، ثم أرادت المرأة الرجوع إلى قول الزوج وأبي الزوج ذلك، فهل يجبر عليه، لأنه مقتضى إقراره أولًا، لأن العقد الأول لم يتقارا عليه، فلا يؤخذ بمقتضاه فيه قولان في المذهب، وشبهه بعضهم باللعان. فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، فالقول قول الحالف. وإن كان اختلافهما في ذلك بعد الدخول ففيه قولان المشهور: إن القول قول الزوج كالفوت في البيع، والقول الثاني: التحالف والتفاسخ، ويجري صداق المثل في ذلك كالقيمة في المبيعات ويقضي للمرأة به كما يقضي على المشتري برد القيمة مع فوت السلعة.
فرع: أبو البكر في اليمين المتوجهة عليه كابنته، لأنه وكيل مفوض إليه متوجه عليه اليمين دون البكر لاسيما إن كانت صغيرة.
فرع: إذا ادعت المرأة أنها تزوجها بالعين في عقدتين، وأقامت البينة
стр. 607
على ذلك، لزم العقدان لإمكان أن يتحللها قبل الدخول أو بعده فيه احتمال، وخلاف بين الأشياخ قيل يقدر قبله إلا أن تبين المرأة أنه وقع بعد الدخول، فيستقر لها الصداق، وقيل: يقدر بعد الدخول إلا أن يثبت الزوج خلاف ذلك، فيسقط عنه نصف المهر الأول بوقوع الطلاق قبل الدخول، وأما لو اختلفا في جنسه فقال: تزوجتك على عبد، وقالت: على خادم، فلا يخلو أيضًا أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وجرى فيه ما ذكرناه من الاختلاف في القدر، وإن كان بعد البناء ففيه خلاف في المذهب، فقيل: القول قول الزوج، وهو اختيار القاضي وأبي الحسن بن القصار وقيل: يرجع في ذلك إلى صداق المثل ما لم يكن أقل مما اعترف به، وأكثر مما ادعت وهو المشهور من المذهب، وقيل: ينظر في ذلك إلى الأشبه ولو اختلفا في التسمية، فادعى أحدهما التسمية، والآخر التفويض، فالأصل التسمية إلا أن ترده العادة، وكذلك لو اختلف في التوقيت، فادعت حلولها وادعى الأجل، فالأصل الحلول إلا أن ترده العادة وأما إذا اختلفا في القبض، فالصحيح القول في المعجل قول الزوج، وفي الكالئ قول المرأة، إذ هو الآن مقتضى العادة، واختلاف الرواية في ذلك مبني على اختلاف العادات، وروي أن ذلك إن كان في عقد صداقها، والقول قولها قبل الدخول، وبعده، لأن الوثيقة شاهدة بالحق.
قال القاضي ﵀: «ويثبت الخيار للزوجين بعيوب» إلى قوله: «وأما العيوب».
شرح: الأصل في الرد بهذه العيوب الأصل والمعنى، فأما الأصل فما ثبت أنه ﵇ تزوج امرأة من بني جهينة فوجد بها وضحًا فردها وقال
стр. 608
لأهلها: دلستم علي. وصح عن عمر بن الخطاب أنه قال: (أيما رجل تزوج امرأة وبها جذام أو برص أو قرن فلها صداقها كاملًا، وذلك غرم لزوجها على وليها). وفي طريق آخر عنه أنه قال: (ترد المرأة من أربع الجنون والجذام والبرص، وداء الفرج) قاله بمحضر الصحابة، ولا مخالف له فكان حجة، ومضى عليه العمل، وبه قال الفقهاء السبعة، وفقهاء الأمصار. وأما المعنى فقياس النكاح على البيع، ولما كان العيب في البيوع يوجب خيار الرد أو الإمساك فكذلك النكاح. واختلف الفقهاء بعد ذلك في تفصيل العيوب التي توجب الرد فقال أبو حنيفة والثوري: لا ترد المرأة إلا بعيبين فقط القرن والرتق. والجمهور على أنها ترد من الأربعة المذكورة في الحديث. وقسم العيوب على قسمين مشترك ومختص، فالمختص بالزوج أربعة عيوب: الجب والخصا والعن والاعتراض. أما المجبوب فهو المقطوع ذكره وأنثياه، والخصى هو المقطوع أحدهما. قال الجوهري في الصحاح:
стр. 609
خصيت للفحل خصًا ممدودًا إذا سللت خصييه، والرجل خصى، وموضع القطع مخصي، واختلف في العنين فقيل: هو الذي له ذكر صغير لا يقدر به على الوطء وقيل: هو الذي ذكره لا يتحرك كالأصبع. قال صاحب الصحاح: عن الرجل عن امرأته إذا حكم القاضي عليه بذلك، والاسم من العنة، ورجل عنين لا يريد النساء، وامرأة عنينة لا تريد الرجال ولا تشتهيهم، وكذلك اختلفوا في الحصور، فقيل: هو الممنوع من الوطء فهو فاعل بمعنى مفعول كأنه محصور من الوطء فيرجع معناه إلى معنى الاعتراض، وقيل: هو الذي خلق بغير ذكر، وقد فسر القاضي ﵀ الأربعة عيوب تفسيرًا حسنًا على مقتضى اللغة.
وتحصيل القول في هذه العيوب: أنها توجب للمرأة خيار الرد أو البقاء، لأن الوطء مراد لها مطلوب منهما معًا، وهذا إذا حدثت قبل العقد وأما إذا حدثت بعد العقد فهو مصيبة بها لا قيام لها بها.
ولو تزوجته عالمة بالعيب، فوطئ مرة، ثم حدث اعتراض أوجب فهل لها القيام لها، لأن المرة الواحدة قد قطعت الخيار. الثاني: أن لها الخيار رفقًا لأصحاب الضرر.
وبنى القاضي على المشهور من المذهب في الخصى القائم الذكر الذي يمكنه الوطء دون الإنزال، فجعل لها الخيار في ذلك، لأن الخصى أكمل وطئًا، وفي المذهب قول آخر: أنه ليس بعيب يوجب الخيار، لأن الذكر إذا كان قائمًا يمكن به الوطء دون وجوده. هل هو عيب يوجب الخيار أم لا؟
стр. 610
وفيه قولان في المذهب. واختلف المذهب أيضًا على قولين في هذه العيوب إذ يوم العقد هل توجب الخيار أم لا؟ وفيه قولان في المذهب.
قوله: «وأما المعترض فيضرب له أجل سنة» وهو كما ذكره إنما وقع التحديد لتمر عليه الفصول الأربعة مبناهما على ترجيح أحد القولين المتساويين على الآخر للتقابل إلى موجب فيها.
واختلف المذهب في أجل العبد في ذلك فقيل: هو كالحر ملاحظة للفصول الأربعة، وذلك متساوي بالنسبة إلى الحر والعبد، والرواية المشهورة أن أجل العبد في ذلك ستة أشهر على الشطر من أجل الحر وهي رواية ابن القاسم في الكتاب.
قوله: «والقول قوله: إن ادعى الوطء في السنة» وهذا هو المشهور في البكر والثيب. وقد روى عن مالك أن النساء ينظرن إليها إن كانت بكرًا، لأن هذا الحال ضرورة، فيجوز فيه الاطلاع على العورات، وإذا قلنا: إن القول قوله في دعوى الوطء، فهل لها أن تستحلفه على ذلك أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور أن لها أن تستحلفه رفعًا للدعوى، وقيل القول قوله بغير يمين.
فرع: إذا قلنا: إن القول قوله في دعوى الإصابة بيمين، فنكل عن اليمين
стр. 611
فلها الخيار عند انقضاء الأجل، فإن اختارت البقاء معه، ثم أرادت الفراق بعد ذلك، فروى أبو زيد في العتبية عن ابن القاسم أن ذلك لها وهو قول ابن المواز لأن لها أن تقول: رجوت البرء بخلاف الجب والخصى والعنة وغير ذلك مما لا يمكن تغيره كما ذكره القاضي.
واختلفوا في فرعين:
الأول: هل يتكرر لها ضرب الأجل أم لا؟ وفيه قولان أحدهما: أن الأجل الأول كاف، لأن الرد قد تحقق، ورأى أنه قد تقرر. الثاني: أن يضرب له أجل آخر، وكأنه ابتداء حكم، وهو أظهر.
الفرع الثاني: هل لها أن تفارق دون أمر السلطان، أم ليس لها ذلك إلا بأمر السلطان فيه قولان المشهور أنها لا تفارق إلا بأمر السلطان، لأنه أمر مختلف فيه، والحاكم يرجح أحد الطرفين بحكمه، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن لها أن تطلق نفسها مكانها متى شاءت بغير أمر السلطان، لأن الحاكم لما حكم بضرب الأجل أولًا فقد حكم بما يؤول إليه من الطلاق.
قوله: «وذلك إذا لم يكن منه وطء قبل الاعتراض» وهذا تقييد لازم كما ذكره لأنه إذا وطئ، ثم اعترض فهو مصيبة نزلت بها لا قيام لها بذلك كما ذكرناه. وذكر في تكميل الصداق روايتين إحداهما: التكميل مطلقًا.
стр. 612
الرواية الثانية: التكميل بشرط طول إقامتها وتلذذه بها قياسًا على مسائل الخلوة وهو اجتهاد محض، ومقتضى النص أن الطلاق قبل المسيس لا يوجب إلا نصف الصداق، وعلل التكميل في الكتاب بأنه قد بلى جهازها وخلق ستورها، وفيه نظر، قال بعض المتأخرين: إن طال مقامه ففي تكميل الصداق بها روايتان: المشهور: التكميل نظرًا إلى ما ذكرناه، والشاذ عدم التكميل نظرًا إلى الأصل، ولو لم يطل ففيه أيضًا قولان المشهور عدم التكميل تمسكًا بالأصل بنص قوله سبحانه: ﴿وإن طلقتموهن من قبل﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧].
قال القاضي ﵀: «وأما العيوب المختصة بالمرأة» إلى قوله: «وتستحب المتعة».
شرح: عيوب الفرج كثيرة، والمعتبر منها في هذا الباب أربعة: الرتق، قال القاضي وما في معناها. قال ابن الجلاب: قرن من صفة القرن والرتق والبخر والإفضاء وهو أن يكون المسلكان واحد، زاد غيره العفن والرتق والقرن، وجمع ابن حبيب هذه العيوب تحت ضابط واحد داء الفرج كل ما كان في الفرج مما يقطع لذة الوطء.
وتحصيل القول في عيوب المرأة أن الزوج إما أن يشترط السلامة من عيوبها كلها شرطًا مقصودًا منصوصًا عليه أم لا يشترط ذلك، أو يشكل الأمر، فحينئذ ترد بالعمى والعور والعرج وداء الفرج والزمانة، والسواد، والقرع، والبخر والجرب ونحو ذلك من العيوب المخالفة لمقتضى شرطه، فإن لم يشترط ذلك فله الرد بالعيوب الأربعة المانعة من الوطء والاستمتاع. وإن أشكل الأمر فهل يجعل كالاشتراط فترد بكل عيب، بناء على أن قاعدة النكاح خارجة عن قاعدة المعاوضة قولان بين الأشياخ، قالوا: ولو قالوا صحيحة، العقل والبدن لم يكن شرطًا، لأنه من تلفيق الموثقين، فلو قال سالمة العقل والبدن لكان كالشرط.
стр. 613
وههنا فرع: إذا ادعى الزوج بأن للمرأة عيبًا في الفرج، أو ادعت المرأة على الزوج عيبًا فأنكر. وتحصيل القول في ذلك: إن الأصل السلامة والتمسك بدعواهما هو مقتضى الحكم، إلا أن الروايات في ذلك من المذهب مختلفة فقال ابن حبيب وسحنون وابنه ينظر إليها النساء إذا ادعى الزوج بأن بها عيبًا في الفرج، وقال ابن القاسم القول قولها، ولا ينظر إليها النساء تمسكًا بما ذكرناه من حكم الأصل، ولو ادعت هي عليه فأنكر فهو مصدق. وقال ابن حبيب: أما الحصور والممسوح الذكر والأنثيين، أو الذكر خاصة فيعتبر بالجس على الثوب، ولو ادعت أنه عنين، أو معترض فأنكر فهو مصدق، ونزلت بالمدينة، فأفتى مالك وعبد العزيز بن الماجشون بذلك.
فرع: إذا اطلع الزوج على عيب بعد العقد، فادعى أنه كان سابقًا على العقد فعليه البينة، لأنه يريد الفسخ للعقد الثابت المقرر المستصحب حكمًا. وقال ابن حبيب: إن كان الولي أبًا أو أخًا فعليهما يمين، لأنهما ممن يظن به أن يعلم على ذلك غالبًا.
وإن كان بعيدًا ممن لا يظن به العلم فاليمين على المرأة، وهذا اليمين لا فائدة لها إلا التداعي في الصداق وهو مال.
قوله: «وإن طلق فلا شيء عليه»: لأنه فسخ اقتضته الأحكام، وحكم بالتخيير فيه للإمام.
قوله: «وأما المشتركة فالجنون والجذام والبرص» والأمر كما ذكره،
стр. 614
وهذه العيوب مانعة من كمال لذة الوطء، لأن من أصله، فالجنون هو ذهاب العقل بصرع، أو وسواس، فإن كان مطبقًا في جميع أحواله، أو هو نادر في أوقات قليلة، فانظر هل يعتبر أم لا؟ وعموم الروايات أنه عيب من غير تفصيل واعتبار الأغلب منه دون إيقاع النادر، وكذلك نص الروايات في الجذام أنه عيب قليلًا كان أو كثيرًا، لأنه أقرب إلى العود. واختلف المذهب في البرص وتحصيل القول فيه أنها ترد من البرص الكثير لتحقق الضرر به، وتأدية الزوج هذا مشهور الروايات، واختلفت الروايات في القليل، فروى عن مالك ما سمعت إلا في الحديث ولم يفرق بين قليل ولا كثير، وروى عن ابن القاسم أن البرص بالفرج لا يثبت الخيار، وإن كان شديدًا. وروى عنه عيسى أنه لا يرد بالبرص الخفيف بخلاف ما فيه ضرر مما لا يصبر على المقام عليه، وروى عن ابن القاسم رواية ثالثة في الزوجة أنها ترد من قليله إلا أن يعلم أنه لا يزيد، وسوى ابن عبد الحكم بين الرجل والمرأة بالبرص وهو الأصح من روايات ابن القاسم، وروى أشهب أن برص الرجل لا يثبت به الخيار للزوجة وإن غرها.
وأصل القاضي على ظاهر الروايات حيث أطلق من غير تقييد، وهو مقتضى نص الخبر الثابت في القاعدة، ولا مهر لها إن اختارت أو اختار الفسخ قبل الدخول لأن بضعها بيدها وسلعتها معها، فإن وقع الدخول وجب لها الصداق، لأن سلعتها قبل فاتت عليها، والنظر بعد هذا في الرجوع به.
وتحصيل القول فيه: أنها إما أن يكون منها الغرر أو من وليها، فإن كان الغرر منها رجع عليها بعد دفعه إليها ولم يترك لها منه سوى ربع دينار عوضًا عن الاستباحة الشرعية. واختلف المذهب إذا غرته بعيب فلم يعلم به إلا بعد موتها، أو طلاقها، أو اختلاعها منه أو غيرها، فلم تعلم إلا بعد ذلك، فهل يقع الرجوع أم لا؟ فيه قولان المشهور ألا رجوع على المعيب
стр. 615
منهما بما أخذ، ولو مات أحدهما توارثا، وكان لها الصداق، قاله مالك في الواضحة وكتاب محمد. وقال سحنون: يتراجعان فيما بينهما، وللزوج أيضًا أن يرجع على من غره ولو بعد الموت والطلاق والخلع والأول أشهر، وكأنه جعله من باب التفويض. وقال سحنون: أصح في القياس لأنه حق أوجبته الأحكام فلا يتغير، وأما إن كان الغرر من قبل الولي فلا يخلو أن يكون قريبًا ممن يظن به علم ذلك كالأب والأخ ونحوهما، أو بعيدًا كابن العم والمولى والرجل من العشيرة، فإن كان قريبًا يظن به علم ذلك فلا يخلو أن يكون غرره بالقول أو بالفعل فإن كان بالفعل فقولان المشهور اللزوم والرجوع عليه، وقيل: لا يرجع عليه، وإن غر بقوله لا بفعله فقولان: أحدهما: لا يرجع عليه، والثاني: يرجع عليه وهو ظاهر الروايات، واختلف في فروع:
الأول: إذا كان قريبًا ممن يظن به علم بحيث يعلم أنه يخفى خبرها، فالمشهور عن مالك أنه لا غرم عليه وهو رواية ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم عنه، وروى أشهب أن عليه الغرم، وإن كان غائبًا لا يعلم وهو بعيد في النظر، وهل يستحلفه الزوج على نفي العلم فيه قولان، فروى ابن حبيب عن ابن القاسم أنه يحلف بالله أنه ما علم به، وقيل: لا يحلف ومبناه على الخلاف في أيمان التهم.
الفرع الثاني: إذا حلف الولي القريب الغيبة على نفي العلم على مقتضى رواية ابن حبيب عن ابن القاسم، ففي رجوع الزوج على الزوجة بعد أن استحلف الولي روايتان أحدهما: أنه يرجع عليها لأن يمينه لا يقتضي إسقاط حقه عنها بل عن الولي روايتان أحدهما: أنه يرجع عليها لأن يمينه لا يقتضي إسقاط حقه عنها بل عن الولي فقط، وقيل: لا يرجع، لأنه حق قد استحلف على أصله.
الفرع الثالث: إذا كان له الرجوع على الولي فكان فقيرًا، هل يرجع على الزوجة إن كانت موسرة بناء على أنهما غريمان أم لا؟ بناء على أن الولي هو الغار فهو الغريم، حقيقة فيه قولان، وكذلك اختلف هل يتبع أولهما أو
стр. 616
أيسر، أو يطلب يسر الولي الغار فقط، فيه قولان عندنا مبنيان على ما ذكرناه هل هما غريمان أم لا؟ وأما إن كان الولي بعيدًا كابن العم، والرجل من العشيرة والمولى، فلا يرجع الزوج عليه، ويرجع على الزوجة، ويترك لها ربع دينار، وإذا وجب له الرجوع على الولي حيث يوجبوه، فهل يترك الزوج له ربع دينار أم لا؟ فيه قولان، فقيل: يترك كما يترك للزوجة ملاحظة لعوض الاستباحة، وقيل: لا يترك، لأن عوض الاستباحة حاصل للزوج وجوب الغرم على الولي أمر اقتضته الأحكام من جهة الغرور وهل للزوج أن يستحلف الولي الأبعد الذي لا رجوع له عليه على نفي العلم أم لا؟ قال ابن المواز: لا يمين له عليه، وقال ابن حبيب إن اتهم، وإلا فلا شيء عليه، فإذا غرم الولي بسبب غروره، فانظر هل يرجع الولي على الزوجة أم لا؟ ومقتضى القياس أنه يرجع ويترك لها ربع دينار فقط، لأن معوضها لا يستحق عوضًا.
قوله: «ولا خيار له فيما سوى ذلك من العيوب» هذا كما ذكره إذا لم يشترط السلامة من العيوب كلها شرطًا مقصودًا صريحًا، فإن اشترط ذلك وجب الوفاء بشرطه كما قدمناه.
قال القاضي ﵀: «وتستحب المتعة لكل مطلقة إلى قوله: ونكاح المريض».
شرح: قد تقدم الكلام في هذا الفصل بما يغني عن إعادته فأشبه الرجعة إن لم يرتجع فإن ارتجع قبل انقضاء العدة فلا متعة لها، ولو كان الطلاق بائنًا فهي إذا كان لها المتعة، فهذا نص الروايات.
قوله: «وتجب النفقة للزوجة بالعقد والتمكين» إلى آخره. النفقة على
стр. 617
الزوجات بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ الآية [الطلاق: ٧]. وقال تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وأما السنة فقوله ﵇ لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه، لأنه من الحقوق المقتضاة، وبإمكان الاستمتاع بمثلها، أما التمكين فاحترازًا من الناشز، وقد اختلف العلماء في وجوب النفقة على الناشز، وفي المذهب في ذلك قولان أحدهما: وجوب النفقة لها، والثاني: سقوطه، وتحصيل القول في ذلك: أن المرأة إما أن يظهر منها التمكن أو الاستمتاع، أو أشكل الأمر ولا يظهر منها تمكن ولا امتناع، استحقت النفقة لشرطها على خلاف، وإن أظهرت الامتناع وعدم التمكن فلا نفقة لها، وإن لم يظهر منها تمكين ولا امتناع فهل يتنزل منزلة المتمكنة أو الممتنعة فيه قولان في المذهب المشهور: الامتناع بعد التمكن، والمشهور من المذهب سقوط النفقة بالنشوز بعد التمكن إجراء لها مجرى المعاوضة، لأنها إنما وجبت عوضًا عن الاستمتاع فقط فيسقط بالمنع منه، ومن رأى أنها مستحقة بالزوجية وهي ثابتة أوجبها كوجوبها للمريضة والمجنونة، والنشوز منع الوطء والاستمتاع، والخروج بغير إذنه نشوز. قال في كتاب محمد: إذا أسخطت المرأة فخرجت بغير إذنه وأبت أن ترجع وأبى أن ينفق عليها حتى ترجع فأنفقت من عندها. قال مالك: فلها إتباعه بالنفقة وهذا يدل على وجوب النفقة للناشز، وكذلك إذا حلف بطلاقها إن أرسل إليها حتى تأتي بنفسها فعليه النفقة ما أقامت، وهذا يدل على وجوب النفقة للناشز، لأن له أن ينقلها كرهًا، واختار اللخمي إذا عجز عن ردها فلا نفقة.
стр. 618
وأما البلوغ فاحترازًا من الصغير، وتحصيل القول فيه: أنهما إن كانا بالغين وجبت النفقة، وإن كانا غير بالغين ولا مطيقين للوطء البتة لصغرهما فلا نفقة، وإن بلغ ولم تبلغ، فإما أن تطيق الوطء، أو لا، وإن لم تطق الوطء فلا نفقة لها البتة، وإن طاقت على الوطء فلها النفقة. وإن بلغت الحلم ولا القدرة على الوطء فلا نفقة عليه وإن كان قادرًا على الوطء، وجبت عليه النفقة وإن لم يحتلم.
قوله: «وإمكان الاستمتاع» تحرزًا من المريضة التي بلغت السياق ونحوها مما لا يمكن الاستمتاع، ففي وجوب النفقة لها خلاف، المشهور وجوبها، واستحسان سقوطها بناء على تحقيق معنى المعاوض.
قوله: «والاعتبار بحالهما» فهذا مذهب مالك في النوع والقدر والزمان ستة أشهر والجمعة للجمعة وهو ما ينوي. وروى أنه قدر بالمد، وقدر غيره من أصحابه بالمد والثلث. وروى عن ابن القاسم أنه قال: يفرض لها في الشهر وبيتان ونصف إلى ثلاثة وبيات، قال ابن حبيبة: والويبة اثنان وعشرون مدًا بمد النبي ﵇، والمد المعتبر عند الجمهور الوسط من الشبع من البر أو الشعير أو الذرة أو التمر على حسب الأحوال، والأشخاص، وبحسب اختلاف البلدان، وكذلك يفرض لها من القوت والإدام ما لا يستغنى عنه، وكذلك آلات الطبخ مما لا يستغنى عنه. قال علماء المالكية: الواجب على الزوج للزوجة حقوق الطعام والإدام ونفقة الخادم لمن
стр. 619
يستحق منصبها الخدمة والكسوة والآلات النظيفة كالحناء والمشط والكحل والسكنى، ويزاد على المهر بقدر ما يحتمل حاله، وعلى الجملة فالمقصود من ذلك ما يقيم الاو .... في حق المعسر، وهل يقضى على الموسر بالزائد على مقار القوت أم لا؟ فيه قولان المشهور اختبار ذلك.
قوله: «ويخدمها كفايتها» وهذا هو المشهور إذا كانت ممن لا يخدم مثلها، وإذا كان معسرًا فليس عليه إخدامها، وإن كانت ذات قدر وشرف، وعليه الخدمة الباطنة كالعجين والطبخ والكنس والفرش وعمل البيت كله، واستقاء الماء إذا كان معها، وهل يقضى عليها بلباسها الحرير، إن كانت مما يليق بها أم لا المنصوص أنه لا يلزم. وقال ابن القصار: يلزم إذا اقتضاه الحال، وهل يقضى عليه بخادمين فأكثر إذا كان حالهما يقتضي ذلك أم لا؟ فيه قولان، فقيل: يقضى عليه بذلك، وهي رواية أصبغ، وروى سحنون عنه أنه لا يفرض لها إلا نفقة خادم واحد. قال أصبغ: ولو ارتفع قدرها جدًا مثل بنت السلطان الأعظم لرأيت أن يزاد في عدد الخادم إلى الأربع والخمس ويلزم الزوج الإنفاق عليهن، وإخراج زكاة الفطر عنهن، وهل تطلق عليها بالإعسار الخادم قياسًا على النفقة أم لا؟ قولان فيه، المشهور أنها لا تطلق لذلك، والشاذ أنها تطلق لأنهما من باب واحد في اللزوم.
قوله: «إلا أن تتزوجه عالمة بفقره، وأنه متكفف لا مال له» وهذا كما ذكره، وفي هذه الصورة قولان: المشهور أن لها القيام وإن دخلت على فقره لما ترجوه من انتقال حاله، والثاني: أنه ليس لها ذلك، إذ قد رضيت به أولًا.
стр. 620
فرع: هل يجوز له أخذ الثمن من الطعام أم لا؟ فيه قولان، أحدهما: المنع، لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، والثاني: الجواز، لأنه معروف فجاز فيه ذلك كالطعام الثابت من قرض.
فرع: إذا خاصمت المرأة زوجها فأبى إلا مقاصتها بذلك من دين له عليها لزمها ذلك إن كانت موسرة، وإن كانت معسرة لم يلزمها ذلك.
قوله: «ولها في غير ذلك أن تفارقه مع الإعسار» قلت: الأصل في ذلك قوله النبي ﷺ : (والزوجة تقول له أنفق علي أو طلقني) الحديث. واختلفوا في ضبط العجز عن النفقة الذي به يكون الطلاق لها.
وتحصيل القول فيه: أن العجز عن القوت مطلقًا، أو ما يسد مسدها، ويبقى رمقًا يوجب للمرأة، واختلفوا في قدر ما يسد الرمق، هل يقع لها الخيار مع وجود القدرة عليه على قولين حكاهما الإمام وغيره. قال ابن حبيب: إذا لم يعجز عن الخبز وحده، وما يواري عورتها من غليظ الكتان لم يفرق بينهما غنية كانت أو فقيرة شريفة، أو وضيعة.
قوله: «بعد ضرب الأجل» اختلفوا في مقدار التلوم. فقال أصبغ: إن لم يطمع له بمال فالشهر، وإن طمع له بمال فأكثر من ذلك. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب الشهر والشهرين. وقال محمد بن المواز: الذي عليه أصحاب مالك في ذلك الشهر ونحوه. وفي المبسوط يؤخر اليوم ونحوه مما لا يضر بها في الجوع، وقيل: يضرب لها الإمام من غير تحديد،
стр. 621
وهذا هو الأصح، وهو بحسب اجتهاد الحاكم في حال الزوج، ولا تطلق عليه عن النفقة لما مضى من الزمان، لأن ذلك من الديون المستقرة في ذمته، وكذلك لا تطلق من الصداق بعد الدخول ولو أعسر به قبل الدخول لكان لها أن تطلق نفسها بعد تلوم السنة والسنتين بحسب حاله إذا أجرى النفقة، وإن لم يقدر على إجراء الإنفاق فالشهر ونحوه.
قوله: «وطلاقه رجعي» قلت: إنما وقع بسبب فينتفي بانتفائه، والرجعة موقوفة على اليسر وله الرجعة بوجود ما لو وجده أولًا لم تطلق عليه، فمن كان حاله يقتضي أن يفرض عليه الشهر بالشهرين رجع إذا أيسر بوجود نفقة الشهر، وكذلك من وجد نفقة الجمعة إذا كان حاله يقتضي ذلك، وكذلك إذا لم يجد إلا عيش يوم أو يومين، فله الرجعة إلا أن يكون ممن لا يفرض عليه ذلك. واختلفوا هل تطلق الزوجة على زوجها الغائب الذي لا يوجد له مال ينفق عليها منه أم لا؟ على قولين للمتأخرين: المشهور أنها تطلق رفعًا للضرر وهو أصل المذهب.
قال الشيخ أبو الحسن: لا يفرق على الغائب لأنه لم يستوف حجته.
قال القاضي ﵀: «ونكاح المريض المخوف عليه» إلى قوله: «وأما الصهر».
شرح: اختلف المذهب في نكاح المريض والمريضة على ثلاثة أقوال: المشهور أنه غير جائز، وروى مطرف عن مالك إجازة ذلك جملة من غير تفصيل، والقول الثالث التفصيل، فإن دعته إلى ذلك ضرورة، واقتضته الحاجة وإلا فلا.
وسبب الخلاف أصلان، الأول: اختلافهم هل النكاح من باب الترفهات منعه، لأن في ذلك إدخال وارث، ولذلك منعنا نكاح المريض، وقلنا: إن
стр. 622
طلاقه له يقطع الميراث جملة من غير تفصيل، والأصل الثاني: أن الصداق لا يعلم هل يستحق من الثلث أو من رأس المال. وإذا فرعنا على ما قلناه، فهل يكون الصداق من رأس المال، أو من الثلث، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من رأس المال كضروراته التي يحتاج إليها من النفقة على نفسه في مرضه. الثاني: أنه من الثلث كالوصايا. الثالث: أن الصداق المثل منه من أصل المال، والزائد على ذلك وصية فجعلت الثلث، ولهذا اختلفوا إذا تزوج هل يبدأ الزوج بصداقها إذا طلق من الثلث أم لا؟ وفيه قولان، فقيل: يبدأ لأنه عوض عن استهلاك البضع وقيل: لا يبدأ إجراء له مجرى الوصايا المتساوية. وحكى الشيخ أبو عمران إجماع أصحابنا على أن الصداق من الثلث. وحكى الشيخ أبو الحسن عن المقبري أنه من رأس المال. ووقع في كتاب المقبري أنه من الثلث، فنقل الشيخ أبو الحسن عنه في ذلك مضطرب. وحكى بعض الأشياخ أن يكون ربع دينار منه رأس المال، وما زاد فيزاد عليه من الثلث فاختاره أبو محمد عبد الحق. وإذا قلنا بإبطاله فلا صداق لها ما لم تدخل، فإن دخل بها فلها المسمى إن كان صداق مثلها، والمشهور أن لها المسمى كاملًا مطلقًا، وهو قول مالك وأكثر أصحابه من الثلث لا من رأس المال كما ذكرنا احتياطًا على الورثة، ولهذا اختلفوا إذا تزوج في مرضه من لا يرث كالأمة، النصرانية، واليهودية، فقال: لا يصح ذلك لوجهين. الأول: طرد القاعدة فلا تنقض بالصور النادرة. الثاني: اعتبار
стр. 623
الطوارئ لجواز تغيير حالهما بالإسلام والعتق، وقيل: يصح نكاحه لهاتين نظرًا إلى العلة، وتغليبًا لحق الورثة لأنه ليس العقدة، وقد خرج الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو محمد وغيرهما الخلاف فيه هل هو فاسد لعقده، أو لحق الورثة على روايتين، وثمرة ذلك إذا صح قبل الفسخ، فقال ابن القاسم: هو صحيح لا يفسخ، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: يفسخ وهو قول ابن عبد الحكم، وفي رواية أخرى عن ابن القاسم مبنية على ما ذكرناه، وحكى القاضي في التلقين روايتين.
قوله: «ولا نكاح المولى عليه إلا بإذن وليه» يعني: المحجور، لأن ذلك نظر في مال وبضع، والمحجور معزول عن النظر في ذلك، وقد ذكرنا الخلاف في البالغ السفيه هل يجيره أبوه، أو وصيه، على النكاح أم لا؟ والمشهور أنه يجبر وقال عبد الملك: لا يزوجه من ولي عليه إلا برضاه.
فرع: لو تزوج اليتيم بغير إذن وليه، فالولي بالخيار بين الإجازة والفسخ، فإن لم يعلم وليه حتى مات أحدهما، فهل يقع التوريث بينهما أم لا؟ فيه خلاف، فروى أصبغ عن ابن القاسم أنهما يتوارثان ويمضي الصداق، لأن النظر قد فات بالميراث، وقيل: لا يتوارثان وترد ما أخذت من الصداق، واختلفوا هل يترك لها ربع دينار لاستحلال البضع أم لا، حفظًا لمال المحجور عليه، وروى عن ابن القاسم أنه إن مات المحجور عليه فلا ميراث لها منه، وإن ماتت الزوجة فالخيار للولي أن يجيز النكاح، فيستحق الميراث، ويغرم عنه الصداق، أو يرد النكاح، ولا ميراث ولا صداق حينئذ، وهو قول
стр. 624
مطرف، وابن الماجشون. وروى عن أصبغ أنه إن مات الزوج وردت كل ما أعطاها إلا ربع دينار أصابها، ولم ترثه، وقيل: يزاد الشريفة على ربع دينار أصابها بحسب الاجتهاد، وروى ذلك عن ابن القاسم.
قوله: «ولا يجوز استباحة الفرج في الشرع» إلى قوله: «وأما الصهر» وهذا كما ذكره والانحصار في الوجهين إجماع، وكلام القاضي في هذا التقسيم جامع.
قوله: «إلى غير المرأة» فيه تجوز، لأن الحكم لا يعلق بالأعيان بل لمعان فيها، فقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] إشارة إلى تحريم فعل فيها هو الوطء أو نحوه من أنواع المحرمات، فإذا أضيف الحكم إلى العين فهو في المعنى متعلق بمعنى في العين، وكذلك قول الشارع حرمت الخمر، فالمراد شربها، والانتفاع بها، وقد قيل في هذا النوع من الخطاب أنه مجمل، والصحيح خلاف ذلك، ثم تكلم على الأعيان السبع.
قوله: «فتدخل في ذلك الأم دينة وأمهاتها» هو إشارة إلى إطلاق اللفظ لغة أو شرعًا، ولهذا انعقد الإجماع على أنها إذا ولدت من الزنا لم يحل لها نكاح ولدها لغة وشرعًا.
وقوله: «والبنت اسم لكل أنثى لها عليها ولادة» وهذا كما ذكره ثابت بالإجماع في ابنة الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن، وإنما اختلف العلماء في نكاح الزاني للمخلوقة من مائة فالمشهور من مذهب مالك أن نكاحه لها حرام. وأجازه عبد الملك بن الماجشون وحكاه القاضي أبو الحسن بن القصار، وقال سحنون: قول ابن الماجشون خطأ صراح، وما علمت من قاله من أصحابنا اعتمادًا على ما ذكرنا من أن الأم في الزنا أو ولدها أخوها، وسيجيء الكلام في الزاني بأم المرأة هل يقتضي فراق المرأة أم لا؟
стр. 625
قوله: «وأما الرضاع فإنه يكسب من وجوبه من الاسم ما يكسبه النسب» وهذا كما ذكره لقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣] وقوله ﵇: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
قال القاضي ﵀: «وأما الصهر فأربعة» إلى قوله: «وأما التحريم».
شرح: التحريم بالصهر ثابت في هذه الأربعة بإجماع المسلمين، أم المرأة والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ [النساء: ٢٢] وحليلة الابن والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء: ٢٣] وإنما قيد سبحانه بالوصف تحرزًا من ادعائه بالتبني، وقد فصل القاضي الكلام في ذلك فنتبعه.
قوله: «فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح»: أجمع المسلمون على تحريم الاثنين من هؤلاء الأربع بنفس العقد وهما: زوجات الآباء والأبناء تمسكًا بمقتضى اللفظ لقوله تعالى: ﴿ولا تنحكوا ما نكح﴾ والمراد به العقد كقوله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ [الأحزاب: ٤٩] وقوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ وهي بالعقد تسمى حليلة، وأجمعوا على أن البنت لا تحرم إلا بالدخول بالأم اعتبارًا باشتراطه في نص الآية، واختلفوا في الأم، فذهب فقهاء الأمصار على أن العقد على البنت يرحم الأم. وروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس أن الأم لا تحرم إلا بالدخول بالبنت كالبنت التي لا تحرم إلا بالدخول بالأم، وسبب الخلاف اختلافهم في التقييد بالوصف هل يعود إلى المتقدم أو إلى المتأخر وهو أقرب مذكور. قال
стр. 626
تعالى: ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٣] هل يعود هذا التقييد بالوصف إلى البنات فقط، أو على البنات والأمهات هذا مورد الخلاف والجمهور على أنه يعود إلى الأخير لأنه أقرب، ويؤيده ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (أيما رجل نكح امرأة ودخل أو لم يدخل فلا تحل له أمها).
قوله: «بمجرد العقد الصحيح» تحرزًا من العقد الفاسد. وتحصيل القول في العقد الفاسد لا يخلو أن يكون مجمعًا على فساده أو مختلفًا فيه، فإن كان مجمعًا على فساده كنحاح الخامسة، والنكاح في العدة، ونكاح التحليل، ونكاح السر ونحو ذلك. ففي المذهب قولان: المشهور أن التحريم لا يقع به، وهو مذهب مالك ورواية ابن القاسم. والقول الثاني: وقوع التحريم به مراعاة للعقد، وإذا وقع التحريم بالزنا على أحد القولين فالعقد ( ... ) لعقود الشريعة أو بالتحريم، وإن كان مختلفًا في فساده، وقد وقع التحريم. قال ابن القاسم: كل نكاح لم يكن حرامًا في كتاب الله ولا حرمه رسول الله، وقد اختلف الناس فيه، فهو عنده يحرم كما يحرم النكاح الصحيح الذي لا اختلاف فيه وهو الذي سمعت عمن ارتضي، قلت: وهذا الكلام يقتضي وقوع الخلاف فيه حينئذ، وأجرى أبو الحسن اللخمي الخلاف فيه
стр. 627
فمنهم من أوقع التحريم، ومنهم من لم يوقعه، والمذهب ما ذكرناه.
قوله: «في الدخول وما دونه» قتل: لا خلاف أن الوطء ينشر الحرمة، وأما مقدمات الوطء إن كان للذة من بالغ فلا خلاف عندنا أنها كالوطء اعتبارًا بالمعنى لأن التلذذ بما دون الوطء في معنى الوطء إذ لا مقصود من الوطء للذة، وهي حاصلة في المقدمات فإن كانت لغير لذة فإنها لا تنشر الحرمة. واختلف المذهب في فروع، من ذلك اللمس إذا كان للذة من الرجل البالغ هل تنشر الحرمة أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور وقوع الحرمة. وقال داود والشافعي والمزني وجماعة من أهل العلم: لا يحرمها إلا الوطء وقوفًا مع النص.
قوله: «استمتاعًا مباحًا أو بشبهة» أما الاستمتاع المباح فظاهر وهو المستحق بالعقد الصحيح، قوله: «أو بشبهة» يحتمل أمرين: الأول: إشارة إلى الاستمتاع في العقد المكروه المختلف في فساده الذي بقيت بالدخول، وقد قدمنا حكمه. الثاني: أن يكون إشارة إلى الوطء بالأشباه، فإنه يحرم. قال الشيخ أبو عمران: نعلم خلافًا بين أصحابنا في وطء الشبهة أنه يحرم إلا ما روى عن سحنون فيمن مد يده إلى زوجته في الليل فوقعت على ابنته منها غالطًا أن ذلك لا يحرم زوجته.
قوله: «وفي محض الزنا روايتان»: فمذهب الموطأ لا يحرم وهو قول الشافعي، ومذهب المدونة أنه يحرم وهو قول أبي حنيفة والثوري
стр. 628
والأوزاعي. قال سحنون: أصحاب مالك إلا ابن القاسم على ما في الموطأ وليس بينهم فيه خلاف وهو عندهم. قال ابن القاسم: قال لنا مالك فيمن زنى بأم امرأته فارقها ولا يقيم عليها.
واختلف الأشياخ هل يحمل الأمر بالفراق على الإيجاب أو على الاستحباب. وسبب الخلاف في هذه المسألة مراعاة الدلالة اللغوية، أو الدلالة الشرعية قال: لا يحرم إذ لا يسمى نكاحها شرعًا.
فرع: إذا وطئ امرأة مكرهًا هل تنشر الحرمة بوطئه ذلك أم لا؟ قال الإمام أبو عبد الله: حكم هذه المسألة يتخرج الخلاف في وطء المكره هل يعد زنا فيحد فيه أو لا يعد زنا فيسقط عنه الحد إجراء مجرى الغلط وقد وقعت هذه المسألة بالفقيه أبي بكر بن التبان وذلك أنه أراد وطء زوجته فوقعت يده على ابنتها، فالتذ. وقد اختلف الأشياخ في حكم هذه المسألة حين وقعت، واختلف المتقدمون أيضًا فيها. وذهب الليث بن سعيد، وابن سحنون وأبو القاسم الطائي وأبو سعيد بن أبي هشام، وأبو القاسم بن شبلون إلى أن ذلك لا يحرم عليه زوجته، وذهب غيرهم إلى أن
стр. 629
ذلك يحرم عليه زوجته وهو اختيار أبي إسحاق بن شعبان والشيخ أبي الحسن القابسي والشيخ أبي عمران وأبو بكر عبد الرحمن، وأبي الحسن التونسي وأبي حفص القطاني، وأبي القاسم السيوري وأبي بكر بن التبان والشيخ عبد الحميد وغيرهم من الأشياخ، وعن الشيخ أبي محمد بن زيد روايتان في هذه المسألة التحريم ونفيه، وروى عن الشيخ أبي الحسن القابسي والشيخ أبي عمر أنه يؤمر باجتناب الزوجة ومفارقتها على وجه الاستحباب لا على معنى الإيجاب، وقد ألف الإمام أبو عبد الله المازري في ذلك جزءًا سماه: «كشف الغطا عن لمس الخطأ» واختار فيه أن الزوجة لا تحرم عليه، واحتج عليه بأنه لا رافع للحد المستصحب في الزوجة إلا آية التحريم للمصاهرة وهي لا تناول البنت من نسائه في الحال كالزوجة ولا يصلح كالأجنبية هذا نص الإمام أبي عبد الله. وعول الآخرون القائلون بانتشار الحرمة على التحريم بالزنا، وأنه ينشر من الحرمة على مذهب المدونة ما ينشره الوطء الصحيح، فقاسوا الوطء الأشبه على وطء الزنا، ومنهم من قاس ذلك على انتشار الحرمة بشبهة العقد، ومن الأشياخ من وقف في هذه المسألة، ولم يحكم بتحريم ولا تحليل، من الوطء المختلف فيه هل ينشر
стр. 630
الحرمة أم لا؟ مثل: أن يعبث الإنسان بربيبته أو بابنته، ففي انتشار الحرمة بذلك قولان مبنيان على انتشار الحرمة بوطء الحرام المحض. فقال الإمام أبو بكر بن المنذر: اتفقوا على الوطء بملك اليمين يحرم من ذكر ما يحرم بالنكاح.
قوله: «سواء كانت الربيبة في حجر المتزوج أمها أم لا» وهذا مذهب مالك كما ذكره خلافًا لداود احتجاجًا بظاهر التقييد بالوصف في قوله تعالى: ﴿في حجوركم﴾ وقال الجمهور وهو خطاب خرج عن الغالب فلا مفهوم له.
قوله: «وأما اللعان فيحرم على التأبيد» وهذا هو المشهور من المذهب. وروى الأبهري أن فراق اللعان كثلاث تطليقات تحل بعد زوج.
قوله: «وكذلك وطء المتزوجة في عدة بنكاح أو ملك» وهذا هو أيضًا المشهور في المذهب وفيه عندنا أربعة أقوال في المذهب، الأول: التحريم وإن لم يطأها. الثاني: لا تحريم وإن وطئ. الثالث: التحريم إن وطئ.
قال القاضي ﵀: «وأما التحريم غير التأبيد» إلى آخر الفصل.
شرح: ذكر في هذه المسألة ستة عشر قسمًا، الأول: أن تكون المرأة ذات زوج وهذا تبين في التحريم. الثاني: أن تكون في عدة، والتحريم أيضًا في هذه الصورة بين لما يؤدي الحال في ذلك من اختلاف الأنساب المناقض لحكم الشريعة. الثالث: أن تكون مستبرأة من غير الناكح، وقع فيه روايتان: أحدهما: مستبرأة مأخوذ من الاستبراء الذي هو فسخ العدة والعقد على المستبرأة كالعقد على المعتدات سواء في التحريم. والرواية الثانية: مستبرأة
стр. 631
مأخوذ من الريبة، وحكم المستبرأة انتظار زوال الريبة، وسنفصل ذلك بعد.
قوله: «من غير الناكح»: تقييد لازم، لأن استبراءها من غير الناكح مظنة لاختلاط الأنساب. وأما الناكح فالماء ماؤه أولًا وآخرًا.
قوله: «أو حاملًا حملًا لا يلحق به» يريد لا يلحق بالناكح، لأنه ليس له.
قوله: «كان لاحقًا بالواطئ»: يريد إذا كان الوطء مما يلحق فيه النسب بنكاح أو ملك وغير لاحق كالزنا. الرابع: أن يكون أحدهما مرتدًا وهو كما ذكره لأن ارتداد أحد الزوجين سبب فسخ النكاح، ووقوع التحريم. واختلف المذهب هل يفسخ بطلاق ولو ارتد إلى دين زوجته اليهودية أو النصرانية. قال ابن القاسم: تقع الحرمة بينهما كما لو كانت مسلمة. وقال أصبغ: لا يخلي بينه وبينها ولا تحرم عليه إن عاد إلى الإسلام، ولو رفع زوجته المسلمة إلى الحاكم، وادعى أنها ارتدت وأنكرت قضى عليه بالفراق لمقتضى إقراره. قاله سحنون، واختلف إذا رجع المرتد إلى الإسلام وزوجته في عدتها فقال ابن الماجشون، وسحنون، والمخزومي: هو أحق بها كالمشرك. وقال ابن القاسم: لا رجعة له البتة. الخامس: أن تكون المرأة كافرة غير كتابية وهذا لأن نكاح الكافرة غير الكتابية لا يجوز، فإذا كان العقد على ما لم يترتب عليه مقتضاه. السادس: أن يكون الرجل كافرًا بأي أنواع الكفر كان لا يحل له وطء المسلمة مطلقًا لا بنكاح ولا بملك يمين. السابع: أن تكون أمة كافرة وهذا كما ذكره لأن نكاح إماء الكوافر لا يجوز لقوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]. الثامن: أن يكون في حال الإحرام لقوله ﵇: (لا ينكح المحرم ولا ينكح). وهذا القسم قد اختلف فيه العلماء لاختلاف الآثار فيه، ومن عول على الحديث الذي قدمناه منعه
стр. 632
النكاح، ومن عول على ما روى أن رسول الله ﷺ : (تزوج ميمونة وهو محرم) أجازه العقد وهو قول أبي حنيفة، وروى أنه ﵇ تزوجها وهو حلال. التاسع: أن تكون المرأة أمته أو أمة ولده. العاشر: أن يكون الرجل العبد للمرأة أو لولدها، والأمر في هذين القسمين ظاهر، لأن الملك والنكاح لا يجتمعان، فإذا كانت أمة وطئها بالملك وإذا كان عبدًا لها انفسخ النكاح لأنها تطلبه بحكم الزوجية وهو يطلبها بحكم العبودية وأمة الولد الصغير كأمته في ذلك، وانظر هل الكبير كالصغير إذ لا يجد في وطئه، أو ليس كذلك، لأنه ابن مستقل بنفسه. الحادي عشر: إن نكاح الحر الأمة بغير شرط الإباحة على الأشهر من المذهب في أن الإباحة موقوفة على الشرطين وقد تقدم. الثاني عشر: أن يكون جامعًا بين أكثر من أربع. الثالث عشر: أن يكون عنده من ذوات محارمه ممن لا يجوز الجمع بينها وبينها وهذا راجع إلى صفة العقد وسنذكره بعد. الرابع عشر: أن يكون أحدهما مريضًا وقد قدمنا الكلام في نكاح المريض. الخامس عشر: نكاح من ركنت إلى غيره لقوله ﵇: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) وهذا أيضًا راجع إلى صفة العقد، ويجوز أن يرجع إلى صفة الزوجة. السادس عشر: أن يكون العقد يوم الجمعة والإمام على المنبر وهذا خارج على الضابطين الأولين لأن الفساد فيه من جهة الزمان لورود النهي عن البيع حينئذ، وفي معنى البيع جميع المشغلات وإن رددناه إلى أحد الضابطين ففيه مسامحة.
стр. 633
قال القاضي ﵀: «ولا يجوز العقد على معتدة» إلى قوله: «وإذا أسلم الكافر».
شرح: الأصل في منع العقد على المعتدة ومنع التصريح بخطبتها قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٥] إلى قوله: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ فمنع سبحانه المواعدة والعقد، وأباح التعريض، ويتعلق بذلك مسائل.
المسألة الأولى: التعريض جائز كما ذكرنا، وهل يجوز له أن يهدي لها وليها اختلفوا فيه فأجازه بعض المالكية، قال: ولا يجوز أن يهدي لها في أيام عدتها، ومنعه الجمهور فمن أجازه رآه من ناحية التعريض، ومن منعه رآه من ناحية المواعدة.
المسألة الثانية: إذا نكحها في العدة ودخل بها وهو عالم بالتحريم، فقد اختلف في ذلك على قولين: أحدهما: أنه زان وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها. والثاني: أن الحد عنه ساقط، والمهر لازم، والولد لاحق، ويفرق بينها وبينه ولا يتزوجها أبدًا حكاهما الشيخ ابن الجلاب في تفريعه، وقد قدمنا الروايات الأربع في تأبيد التحريم، وإذا دخل بها في العدة، والمعتمد عليه في ذلك قضاء عمر بن الخطاب، وبانتشار قضائه بين الصحابة ﵃ ووافقه ولا مخالف له، وقياسًا على الملاعن، لعلة إدخال التهمة في النسب، وعلى القاتل حيث منعناه الميراث لعلة الاستعجال.
المسألة الثالثة: اختلفوا في القبلة والمباشرة في العدة هل هي كالوطء
стр. 634
أم لا؟ فيه قولان عندنا. ففي المدونة: أنها كالوطء يقع به التحريم المؤبد. روى عيسى عن القاسم أنها لا تحرم بخلاف الوطء.
المسألة الرابعة: العدة من الوفاة والطلاق البائن سواء، واختلف إذا كان الطلاق رجعيًا فتزوج في عدتها منه فقيل: هو كالتزويج في العدة، وقيل: هو كمن تزوج ذات زوج، لأن أسباب الزوجية من النفقة والميراث وغير ذلك باقية.
المسألة الخامسة: اختلف إذا فرق بينهما بعد الدخول، وقد مضت حيضة من عدتها، فقيل: تعتد بثلاث حيض من يوم فرق بينها وبين الزوج الثاني وعدتها ذلك للموطئين جميعًا، لأن علامة الاستبراء حاصلة، وقيل: تعتد بقية العدة الأولى، ثم تعتد بعد ذلك للزوج الثاني عدة ثانية بناء على أن باب العدة عبادة، والروايتان في المذهب.
المسألة السادسة: قد تقدم أن ذكرنا أن الوطء في أيام الاستبراء كالوطء في أيام العدة وقد اختلفت الرواية فقال مالك ومطرف: سبيله سبيل من تزوج في العدة كما ذكرنا. وقال ابن الماجشون: لا تحرم بالوطء في الاستبراء، ولو كانت مستبرأة من وطء المالك من بيع، أو هبة فوطئها في ذلك الاستبراء بملك، فإنها لا تحرم بذلك، ولا يكون حكمه حكم الوطء في العدة، وهذا مما لا يختلف فيه.
قوله: «ويجوز لمن زنى بامرأة أن يتزوجها إذا استبرأها» وهذا كما ذكره، ويجب عليه مع ذلك التوبة والاستغفار.
وفائدة هذا الاستبراء تحقق صحة النسب، لأن الماء الأول فاسد قد يمكن الحمل منه، أما الزانية المعروفة بالزنا فيكره نكاحها، لأن ذلك أنزه
стр. 635
للدين والمروءة وقد حرم قوم من أهل العلم نكاح العفيف للزانية، والزاني للعفيفة لقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣] والإشارة عندنا أن الزنا طاهر إلى النكاح، ونص القاضي كراهية نكاح الكتابية وذلك بين لوجهين:
الأول: إنها تحمل ولدها إلى الكنيسة وتنشئته على الكفر.
الثاني: قذارتها بالكفر من حيث كانت لا تطهر من جنابة، ولا تتنظف تنظيف أهل الإسلام، وقد قال بعض السلف: إن نكاح الإماء المسلمات خير من نكاح الكتابيات.
قوله: «ولا يفسخ نكاح المرأة بزناها عند زوجها» وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم واستبراؤها من وطء الزاني واجب خيفة اختلاط الأنساب.
قوله: «ونكاح حرائر الكتابيات جائز»: قلت: في ظاهر كلامه تعارض لأنه جعل ذلك في قسم المكروه كتزويج المعروفة بالزنا، وجعله هذا في قسم الجائز، ومعنى كلامه أنه يكره ابتداء، فإن وقع جاز، والكراهية الأولى كراهية تنزيه لا تحريم وبكراهية ذلك قال عبد الله بن عباس وعبد الله بن الخطاب وغيرهما والدليل على جواز نكاح الكتابية قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: ٥] والإحصان ههنا عبارة عن الحرية وأما إماء أهل الكتاب فوطؤهن جائز بالملك دون النكاح اعتبارًا بالتقييد بالوصف من قوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ وروى عن أشهب فيمن أسلم وتحته أمة كتابية بالتزويج قال: لا يفسخ نكاحها، واستقرأ منه الشيوخ جواز نكاح الإماء الكتابيات، وفيه نظر، لأن ابتداء العقد ليس كالتمادي على
следующие страницы →