Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وهو هبة الله، ويقال شات بن آدم، أبى البشر صلّى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين من ذريّته وسلّم تسليما.
قلت: هذا الذى فى أيدى الناس من النسب على اختلافهم فيه، وقرأت هذا النسب وصحّحته فى سنة عشر وسبع مائة على الشيخ الإمام صدر الدين ابن وكيل بيت المال المعروف بابن المرحّل (١)، رحمه الله تعالى وسائر علماء المسلمين، وغفر لنا ولهم ولكافّة أمّة محمّد أجمعين (٢).
...
стр. 1017
ذكر ما لخّص من ذكره ﷺ
قال الزبير بن بكّار (١): حملت به أمّه ﵇-وهى آمنة بنت وهب ابن عبد مناف-أيّام التشريق فى شعب أبى طالب. وولد ﷺ بمكّة فى دار محمّد بن يوسف أخى الحجّاج، وقيل بل شعب بنى هاشم، وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّل عام الفيل، وقيل لثمان خلون منه، وقيل لاثنتى عشرة ليلة خلت منه، وقيل لعشر خلون منه.
ووافق ولادته ﷺ يوم عشرين من نيسان سنة اثنتين وثمانين وثمان مائة للإسكندر (٢)، هذا المتّفق عليه.
ومات عبد الله أبوه وله من العمر خمس وعشرون سنة، وقيل ثلاثون، ورسول الله ﷺ فى بطن أمّه، وقيل إنّه مات بالمدينة ولرسول الله ﷺ شهران، (٧) وقيل سبعة أشهر: وقيل بل كان له سنتان وأربعة أشهر. والمتّفق عليه أنّ عبد الله لم يره.
стр. 1018
وماتت أمّه ﷺ بالأبواء بين مكّة والمدينة، وعمره ﷺ يومئذ أربع سنين، وقيل ثمان سنين. هذا جملة ما اختلفوا فيه.
وكفله بعد موت أبيه جدّه عبد المطّلب، قال محمّد بن ظفر (١): حدّثنى الأستاذ الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الوهّاب التميمى عن أبى محمّد الحسين المبارك بن عبد الجبّار الصيرفى، وهو ابن الطيورى، عن أبى محمّد الحسين ابن على الجوهرى، عن محمّد بن العبّاس بن حيويه، عن أبى القاسم عبد الوهّاب بن أبى حبّة، عن محمّد بن شجاع البلخى، عن أبى عبد الله محمّد ابن عمر الواقدى بإسناده أنّ شيبة الحمد، وهو عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، كان يبسط له فراش إلى جوار الكعبة فيجلس عليه فى ظلّها، ويحدق فراشه بنوه وغيرهم من سادة أسرته، وكان الفراش يبسط ويجتمعون حوله قبل مجيئه، فيأتى النبىّ ﷺ -وهو طفل-يدبّ ولا يثنيه عن الفراش شئ حتّى يجلس عليه، فيزيله أعمامه عنه، فيبكى حتى يردّوه إليه، فطلع عليهم عبد المطّلب يوما وقد أزالوه عن الفراش، فقال لهم: ردّوا ابنى إلى مجلسى، فإنّه يحدّث نفسه بملك عظيم، وسيكون له شأن. فكانوا بعد ذلك لا يردّونه عنه حضر عبد المطّلب أو لم يحضر.
ولمّا وفد عبد المطّلب على سيف بن ذى يزن فى سادة قريش يهنّونه بما
стр. 1019
هيّأ الله له من هلاك الحبشة وملك العرب، هكذا يقول أكثر الرواة بأنّه سيف ابن ذى يزن، قلت: صحّحت ذلك أنّه معدى كرب بن سيف بن ذى يزن (١).
وعاد عبد المطّلب (٢) إلى مكّة، وجلس على فراشه إلى جوار الكعبة، فأقبل النبىّ ﷺ وهو صغير يدرج (٨) فقال عبد المطّلب: أفرجوا لابنى، ورماه ببصره حتى استقرّ على الفراش ثم أنشد عبد المطّلب:
أعيذه بالواحد ... من شرّ كلّ حاسد
ثم قال: أنا أبو الحارث، ما رميت غرضا إلاّ أصبته، يريد ما تخطئ فراستى ولا يخيب ظنّى. فقال له ابنه الحارث: يا سيّد البطحاء، إنّك تقول قولا مضمّنا، فلو أوضحت، فقال: ستعلم يا أبا سفيان.
قلت: هذا الحديث يستدعى حديثين: فأحدهما معلق بقول عبد المطّلب:
أعيذه بالواحد، من شرّ كل حاسد. وهو أنّ آمنة بنت وهب أمّ النبىّ ﷺ أرسلت هى وقابلتها إلى عبد المطّلب، فى الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ ، بأن يأتى إليها، وكان عبد المطّلب إذ ذاك يطوف بالبيت، فأتاهما، فقالتا له:
يا أبا الحارث، ولد لك الساعة مولود له أمر عجيب، فذعر عبد المطّلب وقال:
أليس بشرا سويّا؟ فقالت له: بلى، ولكنّه سقط حين خرج إلى الدنيا خارّا
стр. 1020
كالرجل الساجد، ثم [رفع] (١) رأسه وإصبعه نحو السماء، لا تقدّر فيه رأسا ولا [فى] (٢) ذراع كفا، وخرج معه نور ملأ البيت، وجعلت النجوم تدنو حتى ظننّا أنّها ستقع علينا.
وقالت له آمنة: يا أبا الحارث، إنّى لمّا اشتدّ علىّ وجع المخاض كثرت الأيدى فى البيت، فلمّا خرج إلى الدنيا خرج معه نور رأيت فيه قصور بصرى، ولقد أتيت قبل أن ألده فى منامى، فقيل لى إنّك ستلدين سيّد هذه الأمّة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى:
أعيذه بالواحد ... من شرّ كلّ حاسد
وسمّيه محمّدا، فإنّ اسمه فى التوراة أحمد.
فقال عبد المطّلب: أخرجى لى ابنى، فلقد رأيتنى الساعة أطوف بالبيت، فرأيت البيت مال حتى قلت: سقط علىّ، ثم استوى منتصبا، وسمعت من تلقائه قائلا يقول: (٩) الآن طهّرنى ربّى، وسقط هبل على رأسه، فجعلت أمسح عينى وأقول إنّما أنا نائم. فأخرجته آمنة إلى عبد المطّلب، فانطلق به إلى الكعبة، وطاف به أسبوعا، ثم قام به عند الملتزم، وجعل يقول:
يا ربّ كلّ طائف وهاجد ... وربّ كلّ غائب وشاهد
أدعوك والليل طفوح راكد
стр. 1021
لاهمّ فاصرف عنه كيد الكائد ... واحطم به كلّ عدوّ ضاهد
وأنشه ما خلد الأوابد ... فى سؤدد راس وحدّ صاعد (١)
قلت: وفى هذا الرجز من الغريب قوله: هاجد، وهو النائم، وقوله: طفوح، وهو الممتلئ الذى بلغ غاية الملء حتى طفح، وقوله: راكد، وهو الثابت الدائم، وقوله: لا همّ، أى اللهمّ، وقوله: واحطم به، أى اكسر به، وقوله: ضاهد، الضاهد، هو الظالم المغتصب القاهر، وقوله: الأوابد، هى الوحش، والعرب تضرب المثل: بقيت ما بقيت الأوابد.
هذا الحديث الأوّل، فأمّا الحديث الآخر، فيتعلّق بقولنا إنّ ابن ذى يزن بشّر عبد المطّلب بالنبىّ ﷺ ، وهو ما رواه محمّد بن ظفر (٢) بإسناد بلغ به أبا صالح السّمان، أنّ ابن عبّاس قال: لمّا ظهر سيف بن ذى يزن على الحبشة
стр. 1022
وفد عليه أشراف العرب وشعراؤهم وخطباؤهم ليشكروه على عطائه وأخذه بثأر قومه، ويهنّونه بما صار إليه من الملك. وقدم عليه وفد قريش منهم عبد المطّلب بن هاشم وأميّة بن عبد شمس وغيرهما، فاستأذنوا عليه وهو فى رأس غمدان، وهو قصر بصنعاء، فأذن لهم، فدخلوا عليه، فإذا هو مضمّخ بالمسك وعليه بردان، والتاج على رأسه، وسيفه بين يديه، وملوك حمير عن يمينه وشماله، فاستأذنه عبد المطّلب فى الكلام، فقال له: إن كنت ممّن يتكلّم بين يدى الملوك فقد أذنّا لك، (١٠) فقال عبد المطّلب: إن الله أحلّك أيّها الملك محلاّ صعبا باذخا، منيعا شامحا، وأنبتك نباتا طابت أرومته، وعزّت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، بأكرم معدن وأطيب موطن، فأنت-أبيت اللعن-ملك العرب الذى إليه تنقاد، وعمودها الذى عليه الاعتماد، وسائسها الذى بيده القياد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم نعم خلف، ولن يجهل من هم سلفه (١)، ولم يهلك من أنت خلفه، نحن أيّها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذى أبهجنا من كشفك للكرب الذى فدحنا. فقال له الملك: من أنت أيها المتكلّم؟ فقال: أنا عبد المطّلب بن هاشم.
قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. فأقبل عليه من بين القوم، فقال: مرحبا وأهلا،
стр. 1023
وناقة رحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (١)، يعطى عطاء جزلا، قد سمع السلطان (٢) مقالتكم، وعرف فراستكم، أنتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم والجياد (٣) إذا ظعنتم.
ثم أمر بهم إلى دار الضيافة وأجرى عليهم الأنزال، وأقاموا شهرا لا يؤذن لهم ولا يصلون إليه، ثم إنّه انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطّلب خاصّة، فأتاه وأخلاه ثم قال له: إنّى مفض إليك من سرّى وعلمى بشئ لو غيرك كان لم أبح به له، ولكنّى رأيتك أهله وموضعه، فليكن عندك مطويّا حتى يأذن الله فيه أمره: إنّى أجد فى الكتاب الناطق، والعلم الصادق، الذى اخترناه لأنفسنا، واحتجنّاه دون غيرنا، خيرا عظيما، وخبرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس كافّة، ولقومك عامّة، ولك خاصّة.
فقال عبد المطّلب: أبيت اللعن أيّها الملك، لقد أبت بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله لسألته من كشف بشارته إيّاى ما أزداد به سرورا.
فقال الملك: نبىّ (١١) هذا حينه الذى يولد فيه، اسمه محمّد، خدلج الساقين، أنجل العينين، فى عينيه علامة، وبين كتفيه شامة، أبيض كأنّ وجهه فلقة قمر، يموت أبوه وأمّه، ويكفله جدّه وعمّه، قد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منّا أنصارا، يعزّ بهم أولياءه، ويدك بهم أعداءه، يضربون دونه
стр. 1024
الناس عن عرض (١)، ويستفتح (٢) بهم كرائم الأرض، يكسّر الأوثان، ويعبد الرحمن، ويخمد النيران، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
فقال عبد المطّلب: عزّ جدّك، وعلا كعبك، وطال عمرك، هل الملك سارّى بإفصاح؟، فقد أوضح لى بعض الإيضاح، فقال له الملك: والبيت ذى الحجب، والعلامات على النصب، إنّك يا عبد المطّلب، لجدّه غير الكذب.
فخرّ عبد المطّلب ساجدا ثم رفع رأسه، فقال له الملك: ثلج صدرك، وعلا أمرك، وبلغ أملك فى عقبك، هل أحسست بشئ ممّا ذكرت لك؟
قال: نعم، أبيت اللعن، كان لى ابن كنت عليه مشفقا، وبه رفيقا، فزوّجته كريمة من كرائم قومى، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام سمّيته محمّدا، خدلج الساقين، أكحل العينين، بين كتفيه شامة، وفيه كلّما قلت من علامة.
فقال الملك: إنّ الذى قلت لكما قلت، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنّهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، والله مظهر دعوته، وناصر شيعته، فأغض على ما ذكرت لك، واستره دون هؤلاء الرهط الذين معك، فلست آمن أن تدخلهم النفاسة، من أن تكون لكم الرياسة (٣)،
стр. 1025
فينصبوا لك (١) الحبائل، ويطلبوا لك (١) الغوائل، وهم فاعلون أو أبناؤهم، وإن عزّه لباهر، وإنّ حظّهم به لوافر، ولولا علمى أنّ الموت مجتاحى قبل مخرجه لسرت إليه بخيلى ورجلى، وصيّرت يثرب دار ملكى، حيث يكون بها مهاجرته، فأكون أخاه ووزيره، وصاحبه وظهيره، على من كاده وأراده، فإنّى أجد فى الكتاب المكنون، والعلم المخزون، أنّ بيثرب (٢) استحكام أمره، وأهل نصره (٣)، وارتفاع ذكره، وموضع قبره، ولولا الدمامة، بعد الزعامة، وصغر السنّ لأظهرت أمره وأوطأت العرب كعبه، على صغر سنّه، ولكنّى صارف (٤) ذلك إليك من غير تقصير بك وبمن معك.
ثم أمر لكلّ رجل من القوم بعشرة أعبد، وعشر إماء سود، وحلّتين من حلل البرود، وعشرة أرطال من فضّة، وخمسة من ذهب، وكرش (٥) مملوءة عنبرا.
أمر لعبد المطّلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: يا عبد المطّلب، إذا كان رأس الحول فأتنى بخبره وما يكون من أمره، فمات الملك قبل أن يحول الحول فكان عبد المطّلب يقول لأصحابه: لا يغبطنى أحد منكم بجزيل عطاء الملك، ولكن يغبطنى بما أسرّه إلىّ، فيقال له: ما هو؟ فيسكت (٦).
قلت: قد اشتمل هذا الحديث على ألفاظ لغوية مشكلة، هذا بيانها:
стр. 1026
قوله: شامخا وباذخا، هما جميعا المرتفع العالى.
وقوله: طابت أرومته، الأرومة هى الأصل، وهى فى الحقيقة التراب المجتمع المرتفع يكون فى أصول الشجر ونحوها.
وقوله: بسق، معناه علا وارتفع.
وقوله: أبيت اللعن، هذه كلمة كانت العرب تحيّى بها ملوكها فى الجاهليّة، واللعن هو الإبعاد، فقيل المعنى أنّك أبيت أن تأتى أمرا تلعن من أجله، وهذا عندى بعيد، وأظنّ المعنى أنّك أبيت أن تلعن وافدك وقاصدك (١٣) أى أبيت أن تبعده.
وقوله: سدنة بيته، أى خدمته وحجبته.
وقوله: وتحمّلنا منه ما لا نطيقه، يعنى غلبة الحبشة على بلاد العرب.
وقوله: ملكا ربحلا، الربحل هو الضخم الطويل، وإنّما كنّى به عن عظم القدر.
وقوله: عطاء جزلا، الجزل هو الغليظ والكبير من كلّ شئ.
وقوله: احتجنّاه، أى ضممناه إلى أنفسنا وصنّاه عن غيرنا.
وقوله: خدلج الساقين، أى ممتلئهما.
وقوله: أنجل العينين، أى واسعهما.
وقوله: فى عينيه علامة، يعنى الشكلة، وهى حمرة تمازج البياض، فكانت فى عينى النبىّ ﷺ .
وقوله: يضربون الناس عن عرض، أى يضربون فى عرض لهم دونه، ولا يبالون من لقوا، ولا يحابون أحدا فيه، وعرض الشئ ناحية منه.
стр. 1027
وقوله: يخمد النيران، يعنى نيران فارس التى يعبدونها، أخمدها الله برسوله ﷺ فأذهب ملكهم.
وقوله: يدحر الشيطان، معناه يبعده.
وقوله: على النصب هى أعلام حجارة منصوبة كانت للقبائل فى الجاهليّة، يذبح عندها ويلطّخونها بالدماء.
وقوله: أغض على ما ذكرت، أى أخفه وأسرّه، وأصل الإغضاء مقاربة ما بين الجفون.
وقوله: ثلج صدرك، أى برد، وهى كلمة يكنّى بها عن حصول اليقين.
وقوله: النفاسة، وهى نوع من الحسد على الشئ النفيس.
وقوله: الغوائل، هى المهلكات.
وقوله: مجتاحى، أى مستأصلّى بالهلكة.
وقوله: الدمامة، هى الصغر.
وقوله: الزعامة، هى السيادة والرياسة.
وقوله: يغبطنى، أى يحسدنى، والغبط والنفاسة وإن كانا من الحسد فقد يكون لهما وجه ببيحهما الشرع، والفرق بين الغبطة والحسد، أنّ الغابط يودّ أن يكون له مثل نعمة المغبوط من غير أن ينقص من نعمته شئ، وهو الذى يبيحه الشرع المطهر، والحاسد الذى يودّ أن تزول نعمة المحسود من غير أن يناله منها شئ (١٤) وهو الذى يحرّمه الشرع.
وهذا الحديث هو الباعث لعبد المطّلب على أن قال: أنا أبو الحارث ما رميت غرضا إلا أصبته. يريد أن الذى كان يتفرّس فى رسول الله ﷺ ويظنّه به قد صحّ عنده بما أخبره به الملك من أمره.
стр. 1028
الحديث الثانى: أنّ حليمة بنت أبى ذؤيب (١) السعديّة وهى ظئر رسول الله ﷺ ، والظئر هى المرضعة، قالت: قدم علينا قائف، تعنى رجلا متفرّسا، لا تخطئ فراسته، والقافة قوم بأعيانهم من بنى مدلج، يتوارثون القيافة، وإنّما سمّوا قافة لأنّهم يقفون الشبه الذى يتبعونه، وكانت العرب تقضى بأحكام القافة إذا ألحقوا رجلا بقوم أو نفوه عنهم عملوا على ما قالوه: والمشرّع حكم فى القضاء بقولهم فى قضيّة مخصوصة (٢) ليس هذا موضع ذكرها.
قالت حليمة: فانطلق الناس بأولادهم إلى ذلك القائف، فلمّا نظر القائف إلى النبىّ ﷺ أخذه فقبّله، ثم قال: ما ينبغى لهذا الغلام أن يكون فى بنى سعد، فقال له الحارث (٣): صدقت، وهو مسترضع فينا، وهو ابنى من الرضاعة، فقال القائف: ارددوه على أهله، فإنّ له شأنا عظيما، وستفترق فيه العرب، ثم تجتمع عليه.
ونحو ذلك ما روى من حديث جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، قال:
خرج رسول الله ﷺ وهو غلام يلعب، فرآه قوم من بنى مدلج، فرعوه بنظرهم ونظروا إلى قدميه، وفقده عبد المطّلب، فخرج فى طلبه حتى انتهى إليهم، ورسول الله ﷺ بين أيديهم وهم يتأمّلونه، فقالوا له: احتفظ به فما رأينا قدما
стр. 1029
أشبه بالقدمين اللتين فى المقام من قدميه، يعنون أثر إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلّم (١).
ونحو ذلك ما روى بإسناد متّصل يبلغ به شدّاد بن أوس (٢)، أنّه حدّث أنّ رجلا من الكهّان ضمّ النبىّ ﷺ إلى صدره، ثم نادى بأعلى صوته:
يال العرب، يال العرب. . . اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه، فو اللاّت والعزّى لئن تركتموه وأدرك ليبدّلنّ دينكم وليسفّهنّ أحلامكم وعقول آبائكم، وليخالفنّ أمركم، وليأتينّكم بدين لم تسمعوا بمثله.
وعن شدّاد بن أوس أيضا قال: بينما نحن جلوس مع النبىّ ﷺ أقبل شيخ من بنى عامر وهو مدره قومه يعنى الدافع عنهم بمقاله وفعاله، يتوكّأ على عصا، فمثل بين يدى النبى ﷺ ونسبه إلى جدّه، فقال: يا بن عبد المطّلب، إنّى أنبئت أنّك تزعم أنّك رسول الله إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنّك فوّهت بأمر عظيم، وإنّما كانت الأنبياء والخلفاء فى بيتين من بنى إسرائيل، وأنت ممّن يعبد هذه الحجارة والأوثان، فما لك والنبوّة، ولكن لكلّ حقّ حقيقة مأتنى بحقيقة ذلك وبدء شأنك
قال: فأعجب النبىّ ﷺ مسألته، وقال: يا أخا بنى عامر، إنّ لهذا الحديث الذى تسألنى عنه نبأ. فجلس فثنى رجله، ثم برك كما يبرك البعير، فاستقبله النبىّ ﷺ بالحديث، فقال: يا أخا بنى عامر، إنّ حقيقة قولى وبدء شأنى
стр. 1030
أنّى دعوة (١) أبى إبراهيم، وبشرى (٢) أخى عيسى، وأنّى كنت بكر أبى وأمّى، وأنّها حملتنى كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكى إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إنّ أمّى رأت فى المنام أنّ الذى فى بطنها خرج نورا، قالت:
فجعلت أتبع بصرى النور، والنور يسبق بصرى حتى أضات لى مشارق الأرض ومغاربها، ثم إنّها ولدتنى فنشأت وقد بغّضت لى الأوثان وبغّض إلىّ الشعر، وكنت مسترضعا فى بنى سعد بن بكر، فبينا أنا ذات يوم منتبذ (٣) (١٦) عن أهلى فى بطن واد مع أتراب لى من الصبيان إذ أنا برهط ثلاثة بادية، معهم طست من ذهب ملآن ثلجا، فأخذونى من بين أصحابى، فخرج أصحابى هرّابا حتى انتهوا إلى شفير الوادى، ثم أقبلوا على الرهط، فقالوا: ما أربكم إلى هذا الغلام فإنّه ليس منّا، هذا ابن سيّد قريش، وهو مسترضع فينا، غلام يتيم ليس له أب، فماذا يردّ عليكم قتله، وماذا تصيبون من ذلك؟ فإن كنتم لا بدّ قاتليه فاختاروا منّا أيّنا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه ودعوا هذا الغلام، فإنّه يتيم.
فلمّا رأى الغلمان أن القوم لا يحيرون جوابا انطلقوا هرّابا مسرعين إلى الحىّ يؤذنونهم ويستصرخون بهم.
فعمد أحدهم فأضجعنى إلى الأرض إضجاعا لطيفا ثم شقّ بطنى ما بين مفرق
стр. 1031
صدرى إلى منتهى عانتى، وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسّا، ثم أخرج أحشاء بطنى ثم غسلها بذلك الثلج وأنعم غسلها ثم أعادها مكانها.
ثم قام الثانى منهم، فقال لصاحبه: تنحّ، فنحّاه عنّى ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج قلبى وأنا أنظر إليه، فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء ثم رمى بها ثم مال بيده يمنة منه كأنّه يتناول شيئا، فإذا بخاتم من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبى فامتلأ نورا، وذلك نور النبوّة والحكمة، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهرا.
ثم قال الثالث: تنحّ، فنحّاه عنّى ثمّ أمرّ بيده ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى فالتأم ذلك الشقّ بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدى فأنهضنى من مكانى إنهاضا خفيفا، ثم قال للأوّل الذى شقّ بطنى: زنه بعشرين من أمّته! فوزننى فرجحت، ثم قال: زنه بمائة من أمّته! فوزننى فرجحتهم، فقال: دعه! فلو وزنتموه بأمّته كلّهم لرجحهم.
قال: ثم ضمّونى إلى صدورهم، وقبّلوا رأسى وما بين عينىّ، يعنى (١٧) الملائكة، وقالوا: لا ترع، فإنّك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرّت عينك، قال: فبينا نحن كذلك إذ أقبل الحىّ بحذافيرهم، وظئرى أمام الحىّ تهنف بأعلى صوتها، وتقول: يا ضعيفاه!
قال: فانكبّوا علىّ وضمّونى إلى صدورهم وقبّلوا رأسى وبين عينىّ، يعنى الملائكة، وقالوا: حبّذا أنت من ضعيف، ثم قالت ظئرى: يا وحيداه! قال: فانكبّوا علىّ وضمّونى إلى صدورهم وقبّلوا رأسى وما بين عينىّ، يعنى الملائكة، وقالوا: حبّذا أنت من وحيد، وما أنت بوحيد، إنّ الله معك
стр. 1032
وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض، ثم قالت ظئرى: يا يتيماه، استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، قال: فانكبّوا علىّ وضمّونى إلى صدورهم، وقبّلوا رأسى وما بين عينىّ، يعنى الملائكة، وقالوا: حبّذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله، لو تعلم ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك.
قال ﷺ : فوصلوا إلى شفير الوادى، يعنى الحىّ، قال: فلمّا أبصرتنى ظئرى، يعنى مرضعته، قالت: ألا أراك حيّا بعد؟ فجاءت انكبّت علىّ ثم ضمّتنى إليها وإنّ يدى لفى يد بعضهم، يعنى الملائكة.
قال: فجعلت أنظر إليهم، فظننت أنّ القوم ينظرونهم، فقال بعض القوم:
إنّ هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجنّ، فانطلقوا به إلى كاهننا ينظر إليه ويداويه. قال النبىّ ﷺ : فقلت: يا هذا ما بى شئ ممّا تذكرون، إنّى أرانى سليما، وفؤادى صحيح، ليس بى غلبة، فقال أبى-وهو زوج ظئرى-:
ألا ترون كلامه كلاما صحيحا، إنّى لأرجو أن لا يكون با بنى بأس.
فاتّفقوا على أن يذهبوا بى إليه (١)، فلمّا قصّوا عليه قصّتى قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنّه أعلم بأمره منكم. فسألنى فقصصت عليه أمرى من أوّله إلى آخره، فوثب إلىّ وضمّنى إلى صدره ونادى بأعلا صوته: يا للعرب، يا للعرب (١٨) اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه، فو اللاّت والعزّى لئن تركتموه وأدرك ليبدّلنّ دينكم وليسفّهنّ عقولكم وعقول آبائكم وليخالفنّ أموركم وليأتينّكم بدين لم تسمعوا بمثله.
فعمدت ظئرى فانتزعتنى من حجره، وقالت: لأنت أعته وأجنّ، ولو
стр. 1033
علمت هذا من قولك لما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك فإنّا غير قاتلى هذا الغلام.
فأصبحت مفزّعا ممّا عمل بى، وأصبح أثر الشقّ ما بين صدرى إلى عانتى كأنّه الشراك.
ذلك حقيقة قولى وبدء شأنى يا أخا بنى عامر. فقال العامرى: أشهد بالله الذى لا إله غيره أنّ أمرك حقّ. ثم سأل العامرىّ النبىّ ﷺ عن مسائل عدّة غيرها.
ونحو ذلك ماروى بإسناده أنّ سادة قريش اجتمعوا فى دار الندوة يتشاورون وحضرهم قيل من أقيال اليمن، والقيل ملك دون الملك الأعلى من حمير، وكان ذلك القيل نافر إليهم ابن عمّه، أى حاكمه فى الرياسة، فدخل رسول الله ﷺ دار الندوة-وهو غلام-يدعو عمّه أبا طالب، فأشار إليه، فأتاه فناجاه، ثم خرجا معا. فقال ذلك القيل: يا معشر قريش، من هذا الغلام الذى يمشى تلعا (١) ولا يلتفت، وينظر مرة بعينى لبؤة مجرّبة، ومرة بعينى عذراء خفرة؟ قالوا: يتيم أبى طالب وابن أخيه، ثم قالوا له، أو من قال منهم: إنّ وصفك له لينبئنّ عن عظمة فى صدرك. فقال: أما ونسر، يعنى صنما كانت حمير تعبده، لئن بلغ هذا الغلام أشدّه ليميتنّ قريشا ثم ليحييها، ولقد نظر إليكم نظرة لو كانت سهما لا نتظم أفئدتكم فؤادا فؤادا. ثم نظر إليكم أخرى لو كانت نسيما لأنشرت الموتى، فقالوا له، أو من قال منهم: يا قيل حسبك، فإنّ الأمر غير ما تظنّ، فقال: سترون.
стр. 1034
ونحو ذلك ما روى أنّ أكثم بن صيفى حكيم العرب تتّبع أبا طالب، فقال أكثم لأبى طالب: (١٩) يا بن عبد المطّلب، ما أسرع ما شبّ أخوك، يعنى رسول الله ﷺ ، فقال له أبو طالب: إنّه ليس بأخى، ولكنّه ابن أخى عبد الله، قال: ابن الذبيح؟! قال: نعم، قال أكثم: إنّى كنت رأيته فى حجر عبد المطّلب يوم أرسل السحاب إلى بلاد مضر (١)، فظننته ابنه، ثم جعل أكثم يتأمّل النبىّ ﷺ ويتفرّس فيه، ثم قال: يا بن عبد المطّلب، ما تظنوّن بهذا الفتى؟ فقال أبو طالب: إنّا لنحسن به الظنّ، وإنّه لحيىّ، جرىّ، سخىّ، وفىّ، فقال أكثم: هل غير ما تقول يا بن عبد المطّلب؟ قال: نعم، إنّه لذو شدّة ولين، ومجلس مكين، ومفصل مبين، فقال أكثم: هل غير ما تقول يا بن عبد المطّلب؟ فقال: نعم، إنّه لنتيمّن بمشهده، ونتعرّف البركة فيما لمس بيده، فقال أكثم:
هل غير ما تقول يا بن عبد المطّلب؟ فقال أبو طالب: إنّه لغلام يعدّ، وآخرته أن يسود، ويتخرّق بالجود، ويعلو جدّه الجدود، فقال أكثم: لكنّى أقول غير هذا! قال أبو طالب: قل فإنّك نقّاب غيب، قال: أخلق با بن أخيك أن يضرب العرب قامطة، بيد خابطة، ورجل لابطة، ثم ينعق بهم إلى مرتع مريع، وورد تشريع، فمن اخرورط إليه هداه، ومن احرورف عنه أرداه. فقال أبو طالب:
إنّ عندنا لدورا من ذلك.
وقيل إنّ أكثم بن صيفى هذا عاش مائة وتسمين سنة، وقال فى ذلك:
وإن امرأ قد عاش تسعين حجّة ... إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
стр. 1035
ولمّا بلغه دعوة النبىّ ﷺ أمر قومه باتّباعه وحضّهم على طاعته، وأبى هو أن يسلم.
وفى هذا الكلام من الغريب ما يجب شرحه:
قوله: مجلس ركين، الركانة، وقار الحكم وطمأنينته.
(٢٠) وقوله: مفصل مبين، المفصل بكسر الميم الساق، والمبين المفصح ذو البيان.
وقوله: يتخرّق بالجود، أى يتوسّع به ويفيضه فى كلّ جهة، والخرق الواسع العطاء.
وقوله: يعلو جدّه الجدود، الجدّ بفتح الجيم العظمة وعلوّ القدر.
وقول أبى طالب: إنّك لنقاب غيب، النقاب، والنّقاب، والنقيب: الذى يصيب بظنّه ما خفى عن غيره، كأنّه ينقب عن ذلك الشئ حتى يستخرجه.
وقوله: جلاء ريب، أى كشف شكّ.
وقوله: يضرب العرب قامطة، أى جميع العرب، والقمط هو الجمع.
وقوله: بيد خابطة ورحل لا بطة، الخبط الضرب باليد، واللبط الضرب بالرجل.
وقوله: ينعق بهم، أى يصرخ بهم، والراعى ينعق بالغنم.
وقوله. مرتع مريع، المرتع حيث ترتع الماشية أى تأكل كيف شات، والمريع هو الخصيب.
وقوله: ورد تشريع، التشريع أن يؤتى بالماشية الواردة إلى ماء ظاهر على وجه الأرض، فتمكّن من شريعته أى المدخل إليه فتشرب كيف شاءت من غير كلفة، ومنه المثل السائر: «إن أهون الورد التشريع».
стр. 1036
وقوله: اخرورط إليه معناه: أسرع مقتحما، والاخروراط سير سريع لا يثنيه شئ.
وقوله: احرورف عنه، هو مثل الحرف سواء فهو من الانحراف.
وقوله: إنّ عندنا لدورا من ذلك، أى طرفا من العلم به.
وهذا الحديث أيضا يتعلّق به حديثان نذكرهما جريا على الرسم فى إكمال الفائدة، وذلك ما رويناه (١) أنّ عبد المطّلب قيل له: احفر بئر زمزم، خبيئة الشيخ الأعظم (٢)، فى مبحث الغراب الأعصم، بين الفرث والدم، عند قرية النمل.
فانطلق إلى المسجد ينظر ما سمّى له، فخرّت بقرة بالجزورة، فانقلبت من الجازر بحشاشة نفسها (٢١) حتى غلبها الموت فى المسجد، بموضع زمزم، فجزرت البقرة فى مكانها ذلك، واحتمل لحمها فجاء غراب فوقع فى الفرث، فبحث عن قرية النمل، وقرية النمل مجتمعها ومأواها.
فقام عبد المطّلب يحفر هناك، وكانت السيول قد دفنت زمزم وعفتها، فجاء سادة قريش فقالوا لعبد المطّلب: ما هذا الصنيع؟ إنّا لا نرميك بالجهل فما بالك تحفر فى مسجدنا؟ فقال عبد المطّلب: إنّى حافر هذه البئر، ومجاهد من صدّنى عنها. وطفق يحفر هو وابنه الحارث، ولم يكن له يومئذ ولد غيره، فسفّهه الناس من قريش ونازعوه، وانتهى عنه الأشراف لما يعلمونه من صدق عبد المطّلب واجتهاده فى دينهم، واشتدّ عليه الأذى من السفهاء، فنذر لئن ولد له عشرة من
стр. 1037
الولد وبلغوا حتى يمتنع بهم ليذبحنّ أحدهم عند البيت لله، واحتفر البئر حتى بلغ ما أراد من الرىّ، وذلك قول خويلد بن أسد بن عبد العزى:
أقول وما قولى عليهم بسبّة ... إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم
حفيرة إبراهيم يوم ابن آجر ... وركضه جبريل على عهد آدم
فقال عبد المطّلب: ما وجدت أحدا ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد.
وقوله: يوم ابن آجر يريد إسماعيل بن هاجر ﵇، فأقلب الهاء ألفا.
ولمّا تكامل بنو عبد المطّلب عشرة أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء، فقالوا:
إنّا نطيعك فمن تذبح منّا؟ فقال: ليأخذ كلّ رجل منكم قدحا، والقدح سهم بغير فصل، ثم ليكتب فيه اسمه، وليأتنّ به! ففعلوا، فأخذ قداحهم ودخل على هبل، وكان فى جوف الكعبة، وكانوا يعظّمونه ويضربون بالقداح عنده دائبا (٢٢) فيستقسمون بها-أى يرتضون بما تقسم لهم-ولها قيمّ يضرب بها، فدفع عبد المطّلب إلى ذلك القيمّ القداح، وقام يدعو الله ، وهو يرى أنّ القدح إذا أخطأ عبد الله لم يبال من أصاب من بنيه، فخرج القدح على عبد الله.
وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى أساف ونائلة، وكانا صنمين عند الكعبة ينحر ويذبح عندهما النسائك، فقام إليه سادة قريش فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ فقال: أوفى بنذرى، فقالوا: لا ندعك حتى تعذر فيه إلى ربّك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه وتكون سنّة.
وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والله لا تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربّك، ولئن كان من أموالنا فداء له فديناه.
وقالوا له: انطلق إلى فلانة الكاهنة، فلعلّها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك،
стр. 1038
فانطلقوا حتى أتوها بخيبر، فقصّ عليها عبد المطّلب خبره، فقالت: ارجعوا اليوم عنّى حتى يأتينى تابعى من الجنّ فأسأله! فرجعوا عنها ثم غدوا عليها فقالت: كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، وقرّبوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا فى الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا فى الإبل، ثم اضربوا أيضا هكذا حتى يرضى ربّكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضى ربّكم، وتخلّص صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكّة وقرّبوا عبد الله وقرّبوا عشرة من الإبل، وقام عبد المطّلب يدعو الله، فخرجت القداح على عبد الله، ولم يزل يزيد عشرا عشرا حتى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل، فقال سادة قريش لعبد المطّلب:
قد رضى ربّك، فقال: لا والله حتى أضرب بها ثلاث مرات، (٢٣) فضربوها فخرجت على الإبل فنحرت الإبل، وتركت لا يصدّ عنها إنسان ولا طائر ولا سبع.
وانطلق عبد المطّلب بابنه عبد الله من فوره حين أنجاه الله من الذبح فمرّ بالكعبة، وكانت أخت لورقة بن نوفل هناك، فرأت عبد الله فدعته، فجاءها، فقالت: أين تذهب؟ قال: مع أبى، فقالت له: هلاّك يا عبد الله أن تقع علىّ، فأعطيك مائة من الإبل مثل الذى نحرت عنك فدية، فقال لها: إنّى لا أستطيع فراق أبى، وانطلق معه فأتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة فأنكحه ابنته آمنة، وأدخل عليها مكانه، فعلقت منه لوقتها برسول الله ﷺ ، ولبث عندها ثلاثا ثم خرج، فمرّ بأخت ورقة بن نوفل، فلم تقل له شيئا، فقال لها: ما لك لم تعرضى
стр. 1039
علىّ اليوم ما عرضت علىّ قبل؟ فقالت له: والله ما أنا بزانية، ولكن رأيت فى وجهك نورا كغرّة الفرس، فأحببت أن يكون فىّ، وأراه قد فارقك، فما الذى صنعت بعدى؟
فقال: زوّجنى أبى آمنة بنت وهب، فكنت عندها إلى وقتى هذا، فقال:
أبى الله أن يجعله إلا حيث شاء، ثم أنشدت:
إنّى رأيت مخيلة لمعت ... فتلألات بتساير القطر
ورأيت نورا قد أضاء له ... ما حوله كإضاءه البدر
لله ما زهريّة سلبت ... نوريك (١) ما سلبت وما تدرى
وهذا أحد الحديثين، وهو متعلّق بقول أكثم بن صيفى: أهو ابن الذبيح؟ ولهذا قال ﷺ : «أنا ابن الذبيحين» عبد الله والآخر إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أنّ الذبيح إسحاق ﵇ فإن صحّ هذا فالعرب (٢٤) تجعل العمّ أبا، قال الله تعالى إخبارا عن يوسف ﵇: ﴿وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٢)»، فسمّى إسماعيل أبا، وإنّما هو عمّه لقوله تعالى [على لسان يعقوب] (٣):
﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي، قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ»﴾ (٤).
стр. 1040
وأمّا الحديث الآخر، فهو متعلّق بقول أكثم بن صيفى أيضا: رأيته فى حجر عبد المطّلب يوم أرسل السحاب إلى بلاد مضر، ومعنى ذلك ما روى أنّ بلاد قيس ومضر أجدبت وأتت عليهم سنة ذات حطمة شديدة، فاجتمعوا إلى زعمائهم فتشاوروا، فقام أحدهم خطيبا فقال: يا معشر مضر، إنّكم أصبحتم فى أمر ليس بالهزل، وقد بلغنا أنّ صاحب البطحاء استسقى فسقى، وشفّع فشفع، فاجعلوا قصدكم إليه واعتمادكم عليه، فارتحلت قيس ومضر ومن داناهم حتى أتوا مكّة، ودخل ساداتهم على عبد المطّلب، فحيّوه، فقال: أفلحت الوجوه، وسألهم عمّا قصدوا فقام خطيبهم فقال: أبا الحارث [نحن] (١) ذوو رحمك الواشجات (٢)، أصابتنا سنون مجدبات، وقد بان لنا أثرك، ووضح عندنا خبرك، فاشفع لنا إلى شفيعك! فقال عبد المطّلب: موعدكم جبل عرفات.
ثم خرج من مكّة وولده وولد ولده وفيهم رسول الله ﷺ وهو ابن ستّ سنين أو نحوها، فركب عبد المطّلب ناقة وسدّل عمامته ذؤابتين على غارب ناقته، وكان برايته صفائح الفضّة، حتى انتهى إلى عرفات، فنصب له كرسىّ فنزل عليه، وجلس متربّعا، وقام رسول الله ﷺ بين يدى الكرسىّ، فأخذه عبد المطّلب، فأجلسه فى حجره، وقال: اللهم ربّ البرق الخاطف، والرعد القاصف، والقطر الواكف، وربّ الأرباب (٢٥) ومسبّب الأسباب، ومنشئ السحاب، هذه قيس ومضر، خير البشر، قد شعثت شعورها، وحدبت ظهورها، يشكون شدّة
стр. 1041
الهزال، وذهاب الأموال، فارخ اللهم لهم سحابا خوّارة، وسماء خرّارة، تضحك أرضهم، وتذهب ضرّهم.
فما استتمّ كلامه حتى نشأت سحابة دكناء فيها دوىّ، فقال عبد المطّلب مخاطبا للسحابة: هذا أوانك، سحّى سحّا، وانهلى سمحا! ثم قال: يا معشر قيس ومضر، ارجعوا إلى بلادكم، فقد سقيتم! فرجعوا إلى بلادهم، وقد كثرت أمواهها، واخضرّ صحراها.
قلت: إنّما كانت السّقيا ببركة سيّدنا رسول الله ﷺ ، وأحسب أنّ عبد المطّلب تعمد أخذه إلى حجره لذلك، وقد صنع أبو طالب مثل هذا حين استسقى لمضر بعد موت عبد المطّلب، فإنّه قام على قدميه، واحتمل النبىّ ﷺ على كتفه، وكان ﷺ قد أربى على تسع سنين، لم يكن مثله يحمل على الكتف لغير ضرورة.
وفى هذا الحديث ألفاظ لغوية نزيل اللبس عنها: قوله: ذوو رحمك الواشجات، أى المشتبكات (١)، وإنّما جمع نعت الرحم يريد الأرحام.
وقوله: فارخ اللهم لهم سحابا، أى سقها إليهم، أرخيت معناها: سقت سوقا رفيقا.
وقوله: خوّارة، أى ضعيفة تسحّ ولا تستمسك.
وقوله: خرّارة، أى تسمع لها ولسيولها خريرا، أى صوتا.
وبعد، فإنّى لم أعتمد فيما قدّمت من القول عن صدق الفراسة فيمن أهّله
стр. 1042
الله تعالى لحمل رسالاته، والتحدّى بآياته، وأضفى عليه سرابيل كراماته، وكلأه بحفظ معقّباته (١)، فإنّ من كان من الله سبحانه بعظيم هذه المنزلة، فخطبه جليل، وعليه لكلّ عين دليل. وإنّما صدّرت (٢٦) هذه الدرر الفريدة، والكلمات المفيدة، إذ بدأنا بذكرها، وتزيّنا بفخرها، إذ هى من صحح الأحاديث الواردة، المتّفق على صحّتها من رجال الحديث المتواردة (٢)، ولا طمع فى إحصاء جميع شواهد آياته، ولا إحصار معجزاته، ولنبدأ بتلخيص ما تصل القدرة من ذكره، إذ كل فصيح وبليغ يعجز عن أداء واجبات شكره.
وكفله بعد موت أبيه بخمسة أيام جدّه عبد المطّلب، فلمّا حضرته الوفاة، أوصى به أبا طالب عمّه، وعمره يومئذ ﷺ ثمانى سنين، وقيل أكثر، وقيل أقلّ، فأحسن تربيته، إلى أن ملك نفسه ﷺ ، وانفرد عنه.
وكان أبو طالب قد خرج إلى الشام تاجرا، ورسول الله ﷺ معه فرآه بحيرا الراهب فعرفه بعلامة النبوّة والصفة التى كانت عنده، فقال لعمّه، أتحبّ هذا الغلام؟ قال: نعم، فقال: والله لئن عاينه اليهود ليقتلنّه، فإنّه عدوّهم! وأشار على عمّه بردّه إلى مكّة، فردّه، وأقام بها إلى أن بلغ خمسا وعشرين سنة.
ثم خرج إلى الشام لتجارة خديجة بنت خويلد، ثم عاد إلى مكّة، فتزوّجها بعد ذلك بشهرين.
стр. 1043
ولذلك أنّه لمّا عاد من تجارة خديجة، ورأى منه ميسرة فى طريقه من المعجزات ما أبهره، عرّف ذلك لسيّدته خديجة، فطلبته إلى عندها وخطبته لنفسها، وقالت: يا ابن العمّ، إنّى رغبت فيك لقرابتك منّى، وشرفك فى قومك وأمانتك عندهم، وصدق حديثك، فلمّا قالت لرسول الله ﷺ ذلك خرج فعرّف عمومته، فخرج معه حمزة بن عبد المطّلب، حتّى دخل على خويلد ابن أسد فخطبها إليه، ثم حضر أبو طالب، ورؤساء مضر، فخطبها أبو طالب فقال: الحمد لله الذى جعلنا من ذرّية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معدّ (١)، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس، ثم إنّ ابن أخى هذا محمّد ابن عبد الله، لا يوزن به رجل إلاّ رجح به، فإن كان فى المال قلّ فإنّ المال ظلّ زائل، وأمر حائل، ومحمّد من قد عرفتم [قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالى كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل] (٢).
فتزوّجها وله من العمر خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيّام، وهى يومئذ ابنة ثمان وعشرين سنة.
стр. 1044
وروى أنّه أصدقها اثنتى عشرة أوقيّة ذهب فبقيت عنده قبل الوحى خمس عشرة سنة، وبعده إلى قبل الهجرة بثلاث سنين.
وماتت ولرسول الله تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وكانت له وزير صدق.
روى أنّ آدم ﵇ قال: «إنّى سيد البشر يوم القيامة، إلا رجلا من ذرّيتى، فضّل علىّ باثنتين: كانت زوجته عونا له وكانت زوجتى عونا علىّ، وأعانه الله على شيطانه فأسلم وكفر شيطانى».
وقال رسول ﷺ : «أمرت أن أبشّر خديجة ببيت فى الجنّة من قصب (١) لا صخب فيه ولا نصب».
وأتى جبرائيل النبىّ ﷺ فقال: «أقرئ خديجة من ربّها السلام، فقالت:
الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبرائيل السلام».
فلمّا بلغ خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة وتراضت قريش بحكمه، وكان ﷺ يدعى بينهم بالأمين.
فلمّا بلغ أربعين سنة بعثه الله لكافّة الخلق أجمعين، ووكل به إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، ولم ينزل القرآن العظيم على لسانه حتى جاء جبرائيل ﵇ بالقرآن والرسالة، فدعا إلى الدين، فأجابه السابقون الأوّلون مثل علىّ بن أبى طالب، وزيد بن حارثة، وأبى بكر، وسعد بن أبى وقّاص، ومن تلاهم للإيمان.
стр. 1045
(٢٧) وأوّل من أسلم من النساء خديجة رضى الله عنها، ثم إنّ أهل العلم يقولون إنّها أوّل من أسلم من الناس، وإنّ عليّا ﵇ تلاها، وهل كان بالغا أو صبيّا؟ ففى ذلك خلاف.
وأمّا المتفّق عليه فإنّ أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر رضى الله عنه ومن الشباب علىّ ﵇، ومن الموالى زيد بن حارثة رضى الله عنه ومن النساء خديجة رضى الله عنها، هذا لا خلاف فيه بوجه من الوجوه.
ولمّا رأى المشركون ذلك خالفوه وعاندوه وهمّوا بقتله، فأجاره عمّه أبو طالب، وماتت خديجة بعده بخمسة أيّام، فبان أثر موتهما على النبىّ ﷺ .
وقيل كان المبعث لمائة وخمسين من عام الغدر، ولعشرين سنة من ملك أبرويز بن هرمز، وكان جبرائيل ﵇ أتاه بغار حراء-جبل بمكّة- كان يتعبّد فيه الليالى ذوات العدد، فقال: اقرأ! فقال: ما أنا بقارئ، قال:
فأخذ بيدى فغطّنى حتى بلغ منّى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ! فقلت: ما أنا بقارئ، فقال: «اقرأ باسم ربّك الذى خلق إلى قوله علّم الإنسان ما لم يعلم» فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال:
«زمّلونى زمّلونى» فزمّلوه حتّى ذهب عنه الروع، ثم قال: «أى خديجة»، وأخبرها الخبر، وقال: «لقد خشيت على نفسى»! قالت له خديجة: أبشر، والله لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحقّ.
فانطلقت به حتى أتت به ورقة بن نوفل، وهو ابن عمّها، وكان امرأ قد
стр. 1046
تنصّر-وقد تقدّم خبره فى الجزء الأوّل من هذا التأريخ فى ذكر المبشّرين بسيّد المرسلين-فقالت له: «أى ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك»! فقال له: «ماذا ترى يا بن أخ»؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: «بعد الناموس الذى أنزل على موسى؟ يا ليتنى فيها جذعا، يا ليتنى أكون حيّا حين يخرجك قومك»! فقال ﷺ : «أو مخرجىّ هم»؟ قال: «نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما أتيت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزّرا»، ثم لم ينشب ورقة أن توفّى.
ثم أقام بمكّة، فى أكثر الروايات، عشر سنين سوى الثلاث الأول، وخرج إلى الغار-غار ثور-الاثنين لثلاث بقين من صفر، وخرج منه يوم الأحد لأربع خلون من شهر ربيع الأول، وله ثلاث وخمسون سنة، وذلك فيما ذكره الحسّاب، وأقام فى المدينة عشر سنين، لا اختلاف فى ذلك.
ذكر المؤذين له ﷺ
من قريش
أبو لهب بن عبد العزّى بن عبد المطّلب، والحكم بن [أبى] (١) العاص ابن أميّة، وعقبة بن أبى معيط، وعمر بن الطلاطلة الخزاعى، لم يسلم أحد من هؤلاء إلاّ الحكم بن [أبى] العاص، وهو الطريد (٢)، وكان مغموزا فى دينه على ما ذكر، والله أعلم.
стр. 1047
ذكر المستهزئين به ﷺ
من قريش
قال أبو عبيدة، قال: قال عبد الرّحمن بن شبيب بن شبة، فى قوله تعالى لنبيّة ﷺ : «إنا كفيناك المستهزئين»، الآية، أى أظهر أمرك (٢٨) فقد كفيناك الذين كانوا يستهزئون بك ويؤذونك، هلكوا بمكّة فى يوم واحد، وكانوا خمسة نفر من قريش، وهم الوليد بن المغيرة المخزومىّ، والعاص بن وائل السهمىّ، والحارث بن قيس السهمىّ، وهبّار بن الأسود بن المطّلب (١)، والأسود بن عبد يغوث الزهرىّ، وهو ابن خال رسول الله ﷺ ابن أخى آمنة، أهلكهم الله فى يوم واحد.
ذكر المؤلّفة قلوبهم
من قريش وغيرها
أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، وهبّار ابن الأسود، والحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أميّة. وقيس ابن عدىّ، هؤلاء من قريش، ومن فزارة: عيينة بن حصن الفزارىّ وهو الأحمق (٢) المطاع الذى ورد فيه الحديث، ومن تميم: الأقرع بن حابس التميمىّ، ومن النصر: مالك بن عوف النصرىّ، ومن مالك: عبد الرحمن بن يربوع المالكىّ، ومن سليم: العبّاس بن مرداس السلمى، ومن ثقيف: العلاء بن الحارث الثقفى، فهؤلاء المؤلّفة قلوبهم من أهل مكّة، والله أعلم.
стр. 1048
ذكر أصول قريش وفروعها
وشعوبها وقبائلها
وأمّا قبائل قريش فمنهم بنو هاشم بن عبد مناف بن قصىّ، منهم سيّدنا رسول الله ﷺ ، ومنهم علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه، ومنهم بنو أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ، منهم عثمان بن عفّان رضى الله عنه، ومنهم معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه.
ومن قريش بنو عبد المطّلب بن قصىّ، منهم الزبير بن العوّام رضى الله عنه، ومنهم خديجة رضى الله عنها.
ومن قريش بنو زهرة بن كلاب بن قصىّ بن كلاب (٢٩)، منهم عبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبى وقّاص رضى الله عنهما، ومنهم آمنة أمّ النبىّ ﷺ .
ومن قريش بنو تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب، منهم أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه. ومنهم طلحة بن عبد الله رضى الله عنه.
ومن قريش بنو عدىّ بن كعب بن لؤىّ بن غالب، منهم عمر الفاروق رضى الله عنه، ومنهم سعيد بن زيد رضى الله عنه.
ومن قريش بنو مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب، منهم خالد بن الوليد رضى الله عنه.
ومن قريش بنو سهم وبنو أخيه جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤىّ ابن غالب، ومن بنى سهم عمرو بن العاص رضى الله عنه.
ومن قريش بنو حيسل (١) بن عامر بن لؤىّ بن غالب، منهم سهيل بن عمرو.
стр. 1049
ومن قريش بنو هلال بن لهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر بن مالك ابن النضر، منهم أبو عبيدة بن الجرّاح رضى الله عنه.
فهؤلاء قريش البطاح، سمّوا بذلك لأنّهم دخلوا بطحاء مكّة مع قصىّ، فأقاموا بها مع قصىّ، ولم يكن أحد قبلهم يجترئ على أن يسكن لمجاورة الكعبة حتى افتتح ذلك قصىّ، وكانت قريش تهيّبت أن تطيعه فى ذلك وخافت أن ينكر العرب عليها سكناها عند الكعبة، فلمّا كان وقت الحجّ نحر قصىّ على طرقات الحجيج الإبل ونحر بمكّة أيضا، وصنع الثريد، وهو أوّل من أطعم الحجّاج وسقاهم، فقال راجزهم فى ذلك:
إن الحجيج طاعمين دسما ... نحر الحسا مستحقين الشحما
أوسعهم زيد قصىّ لحما ... ولبنا مخيضا وخبزا هشما (١)
ومن قريش أيضا الظواهر، وهم الذين لزموا ظواهر الحرم، فأقاموا ببادية مكّة ولم يدخلوا بطحاءها مع قصىّ، منهم بنو بغيض (٢) بن عامر بن لؤىّ ابن غالب، ومنهم بنو الأدرم بن غالب، والأدرم لقب، (٣٠) فهو بنو تيم ابن غالب أخو لؤىّ بن غالب، ومنهم بنو محارب والحارث ولدى الفهر بن مالك ابن النضر-سوى بنى هلال بن لهيب بن ضبّة بن الحارث الذين ذكرنا أنّهم دخلوا مكّة البطحاء فأوطنوها-فسمّوا قريش الظواهر.
ومن قريش أيضا قبائل ليست بأبطحيّة ولا ظاهريّة، فمنهم بنو أسامة بن غالب، لحقوا بعمان، ومنهم بنو خزيمة بن لؤىّ بن غالب، لحقوا بنى شيبان،
стр. 1050
ومنهم بنو سعد بن لؤىّ بن غالب، لحقوا بغطفان، فهؤلاء ليسوا بخميس وكانت الخميس أمورا جاهليّة شرعوها لأنفسهم، واختصّوا بها دون غيرهم على معنى التديّن، يأتى ذكرها فى موضعها إن شاء الله تعالى.
ذكر الأعياص من بنى أميّة
ابن عبد شمس
كانت لأميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أحد عشر ذكرا، كلّ واحد منهم يكنّى باسم أخيه، وهم: العاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص، وعمرو، وأبو عمرو، وحرب، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان، والعويص لا كنية له.
فهؤلاء الأعياص فيما أخبر به حرمى بن أبى العلاء واسمه أحمد بن محمد بن إسحاق، والطوسىّ واسمه أحمد بن سليمان، قالا: حدثنا الزبير بن بكّار عن محمّد ابن الضحّاك عن أبيه، قال: الأعياص: العاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص، والعويص.
وأمّا المنابس: فهم حرب، وأبو حرب، وعمرو، وأبو عمرو، وسفيان، وأبو سفيان، وإنّما سمّوا العنابس لأنّهم ثبتوا مع أخيهم حرب بن أميّة بعكاظ، وعقلوا أنفسهم فقاتلوا أشدّ قتال فشبّهوا بالأسد، والأسد يقال لهم العنابس، واحدها عنبسة.
وفى الأعياص يقول عبد الله بن فضالة بن شريك:
من الأعياص أو من آل حرب ... أغرّ كغرّة الفرس الجواد
وسيأتى ذكر سبب قوله هذا البيت فى جملة أبيات عند ذكر عبد الله بن الزبير إن شاء الله تعالى.
стр. 1051
وقال الهيثم بن عدىّ فى كتاب المثالب: إنّ عمرو بن أميّة كان عبدا لأميّة اسمه ذكوان فاستلحقه، وهو أبو أبى معيط، واسم أبو معيط أبان، وهو جدّ أبو قطيفة الشاعر المشهور، واسمه عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط، وهو القائل:
القصر فالنخل فالجمار بينهما ... أشهى إلى القلب من إيوان جيرون
إلى البلاط فما حازت قرائنه ... دور نزحن عن الفحشاء والهون
قد تكتم الناس أسرارا فأعلمها ... ولا ينالون حتى الموت مكنونى
الشعر لأبى قطيفة المذكور، واللحن فيه لمعبد، ولأهل مكّة والمدينة مع الحجاز فى ذلك الوقت كانت عناية كبيرة بهذا الشعر ممّا يأتى ذكر بعض شئ منه فى موضعه اللائق به إن شاء الله تعالى.
ولمّا بلغ ﷺ إحدى وخمسين سنة قدم عليه جنّ نصيبين فأسلموا.
وفيها أسرى به ﷺ ، وله من العمر إحدى وخمسون سنة وتسة أشهر، من بين زمزم والمقام إلى بيت المقدس، فشرح صدره فاستخرج قلبه فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه حتى حشى إيمانا وحكمة (١)، ثم أتى بالبراق فركبه، وعرج به إلى السماء، فأخبر ﷺ أنّه لقى آدم فى سماء الدنيا، وفى الثانية عيسى ويحيى، وفى الثالثة يوسف، وفى الرابعة إدريس، وفى الخامسة هارون، وفى السادسة موسى،
стр. 1052
وفى السابعة إبراهيم، مسندا ظهره إلى البيت المعمور صلوات الله عليهم أجمعين، وفرض على أمتّه الصلوات الخمس.
ولمّا بلغ ثلاثا وخمسين سنة هاجر من مكّة إلى المدينة، وكانت هجرته يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأوّل (١)، وكان دخوله المدينة يوم الاثنين، وكانت إقامته بمكّة بعد النّبوّة ثلاث عشرة سنة.
وكان يتبع الناس فى منازلهم بعكاظ ومجنّة، وفى المواسم يقول: من يؤوينى؟ من ينصرنى حتى أبلّغ رسالة ربّى وله الجنّة، فيمشى بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعث الله الأنصار فآمنوا، وكان الرجل منهم يسلم ثم ينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلاّ وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام.
وكان يصلّى إلى بيت المقدس تلك المدّة ولا يستدبر الكعبة بل يجعلها بين يديه، وصلّى بعد قدومه إلى المدينة بيت المقدس سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا.
ولمّا هاجر ﵇ كان معه أبو بكر الصدّيق، ومولى له يقال له عامر ابن فهيرة ودليلهم عبد الله بن الأريقط (٢) الليثىّ، وهو كافر ولم يعرف له إسلام.
قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا ويومنا حتى إذا قام قائم الظهيرة وانقطع الطريق، ولم يمرّ أحد، رفعت لنا صخرة لها ظلّ [لم تأت عليه الشمس، قال: فسوّيت
стр. 1053
للنبىّ ﷺ مكانا فى ظلّها، وكان معى فرو ففرشته، وقلت للنبىّ ﷺ :
نم حتى أنفض ما حولك (١)]، فخرجت فإذا أنا براع قد أقبل يريد من الصخرة مثل الذى أردنا، وكان أتاها قبل ذلك، فقلت: يا راعى لمن أنت؟ قال: لرجل من أهل المدينة [يعنى مكة] (١)، قال: فقلت: هل فى شاتك من لبن؟ قال: نعم! فجاءنى بشاة فجعلت أنفض الغبار عن ضرعها ثم حلبت فى إداوة معى كثبة من لبن، وكان معى ماء للنبىّ ﷺ ، قال: فصببت (٢) على اللبن من الماء لأبرّده، وكنت أكره أن أوقظ رسول الله ﷺ ، قال: فوافيته حين قام من نومه، فقلت: اشرب يا رسول الله! قال: فشرب حتى رضيت، فقال لأبى بكر: ما آن الرحيل؟ قال: قلت: بلى: فارتحلنا حتى إذا كنّا بأرض صلبة جاء سراقة ابن مالك بن جعشم، فبكى أبو بكر، فقال: يا رسول الله قد أتينا، قال: كلاّ! ودعا ﷺ بدعوات، فارتطم فرسه إلى بطنه، فقال: قد أعلم أنّ قد دعوتما علىّ، فادعوا لى، ولكما علىّ أن أردّ الناس عنكما ولا أضرّكما، قال: فدعا له فرجع ووفّى وجعل يردّ الناس.
وقيل كان الإسراء بعد قدومه من الطائف بسنة ونصف، وفيها هاجر إلى المدينة وله ثلاث وخمسون سنة، وغزا بنفسه الشريفة ﷺ ستّا وعشرين غزوة تأتى أسماؤها فى سنيها بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
ولم يحجج بعد الهجرة إلاّ حجّة الوداع، وإنّه ﷺ حجّ قبل النبوّة حجّات لم يتّفق العلماء على عددها، وقد اعتمر بعد الهجرة أربع عمر ﷺ .
стр. 1054
ذكر شئ من بعض كلامه ﷺ
ممّا لم يسبق إليه
(٣٢) فمن ذلك ألفاظ لم يسبقه أحد إليها، قوله:
إيّاكم وخضراء الدمن.
كل الصيّد فى جوف الفرا.
مات فلان حتف أنفه.
لا ينتطح فيها عنزان.
هدنة على دخن (١) وجماعة على أقذاء.
إنّ المنبتّ لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع.
نصرت بالرّعب وأوتيت جوامع الكلم.
الآن حمى الوطيس.
الإيمان قيد القتل.
يا خيل الله اركبى.
اشتدّى أزمة تنفرجى.
ومن ذلك ما أجراه فى عرض كلامه ﷺ تتمثّل به الناس قوله:
حوالينا ولا علينا.
جواها يد مدّت.
سلمان منّا أهل البيت.
стр. 1055
منى مناخ من سبق.
نبدأ بما بدأ الله به.
اعقل وتوكّل.
زرغبّا تزدد حبّا.
ومن ذلك تشبيهاته وتمثيلاته ﷺ قوله:
الناس كأسنان المشط وإنّما يتفاوتون العافية.
الناس كمعادن الذّهب والفضّة، خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام.
المؤمن هيّن ليّن، [المؤمن] (١) كالجمل الأنف، إن قيد انقاد وإن نيخ على صخرة استناخ.
عترتى كسفينة نوح، من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها هلك.
أصحابى كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.
مثل أصحابى كالملح، لا يصلح الطعام إلاّ به.
أمّتى كالمطر لا يدرى أوّله خير أم آخره.
مثل أبى بكر كالقطر أينما وقع نفع.
إنّ للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار.
عمّالكم كأعمالكم، وكما تكونون يولّى عليكم.
وقوله ﵇ لمّا كتب كتاب المهادنة بينه وبين سهيل بن عمرو:
العقد بيننا كشرج العيبة، يعنى متى انحلّ بعضه انحلّ جميعه.
وقوله: الدالّ على الخير كفاعله.
следующие страницы →