← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وقال الهيثم بن عدىّ فى كتاب المثالب: إنّ عمرو بن أميّة كان عبدا لأميّة اسمه ذكوان فاستلحقه، وهو أبو أبى معيط، واسم أبو معيط أبان، وهو جدّ أبو قطيفة الشاعر المشهور، واسمه عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط، وهو القائل: القصر فالنخل فالجمار بينهما ... أشهى إلى القلب من إيوان جيرون إلى البلاط فما حازت قرائنه ... دور نزحن عن الفحشاء والهون قد تكتم الناس أسرارا فأعلمها ... ولا ينالون حتى الموت مكنونى الشعر لأبى قطيفة المذكور، واللحن فيه لمعبد، ولأهل مكّة والمدينة مع الحجاز فى ذلك الوقت كانت عناية كبيرة بهذا الشعر ممّا يأتى ذكر بعض شئ منه فى موضعه اللائق به إن شاء الله تعالى. ولمّا بلغ ﷺ إحدى وخمسين سنة قدم عليه جنّ نصيبين فأسلموا. وفيها أسرى به ﷺ ، وله من العمر إحدى وخمسون سنة وتسة أشهر، من بين زمزم والمقام إلى بيت المقدس، فشرح صدره فاستخرج قلبه فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه حتى حشى إيمانا وحكمة (١)، ثم أتى بالبراق فركبه، وعرج به إلى السماء، فأخبر ﷺ أنّه لقى آدم فى سماء الدنيا، وفى الثانية عيسى ويحيى، وفى الثالثة يوسف، وفى الرابعة إدريس، وفى الخامسة هارون، وفى السادسة موسى،

стр. 1052

وفى السابعة إبراهيم، مسندا ظهره إلى البيت المعمور صلوات الله عليهم أجمعين، وفرض على أمتّه الصلوات الخمس. ولمّا بلغ ثلاثا وخمسين سنة هاجر من مكّة إلى المدينة، وكانت هجرته يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأوّل (١)، وكان دخوله المدينة يوم الاثنين، وكانت إقامته بمكّة بعد النّبوّة ثلاث عشرة سنة. وكان يتبع الناس فى منازلهم بعكاظ ومجنّة، وفى المواسم يقول: من يؤوينى؟ من ينصرنى حتى أبلّغ رسالة ربّى وله الجنّة، فيمشى بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعث الله الأنصار فآمنوا، وكان الرجل منهم يسلم ثم ينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلاّ وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام. وكان يصلّى إلى بيت المقدس تلك المدّة ولا يستدبر الكعبة بل يجعلها بين يديه، وصلّى بعد قدومه إلى المدينة بيت المقدس سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا. ولمّا هاجر ﵇ كان معه أبو بكر الصدّيق، ومولى له يقال له عامر ابن فهيرة ودليلهم عبد الله بن الأريقط (٢) الليثىّ، وهو كافر ولم يعرف له إسلام. قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا ويومنا حتى إذا قام قائم الظهيرة وانقطع الطريق، ولم يمرّ أحد، رفعت لنا صخرة لها ظلّ [لم تأت عليه الشمس، قال: فسوّيت

стр. 1053

للنبىّ ﷺ مكانا فى ظلّها، وكان معى فرو ففرشته، وقلت للنبىّ ﷺ : نم حتى أنفض ما حولك (١)]، فخرجت فإذا أنا براع قد أقبل يريد من الصخرة مثل الذى أردنا، وكان أتاها قبل ذلك، فقلت: يا راعى لمن أنت؟ قال: لرجل من أهل المدينة [يعنى مكة] (١)، قال: فقلت: هل فى شاتك من لبن؟ قال: نعم! فجاءنى بشاة فجعلت أنفض الغبار عن ضرعها ثم حلبت فى إداوة معى كثبة من لبن، وكان معى ماء للنبىّ ﷺ ، قال: فصببت (٢) على اللبن من الماء لأبرّده، وكنت أكره أن أوقظ رسول الله ﷺ ، قال: فوافيته حين قام من نومه، فقلت: اشرب يا رسول الله! قال: فشرب حتى رضيت، فقال لأبى بكر: ما آن الرحيل؟ قال: قلت: بلى: فارتحلنا حتى إذا كنّا بأرض صلبة جاء سراقة ابن مالك بن جعشم، فبكى أبو بكر، فقال: يا رسول الله قد أتينا، قال: كلاّ! ودعا ﷺ بدعوات، فارتطم فرسه إلى بطنه، فقال: قد أعلم أنّ قد دعوتما علىّ، فادعوا لى، ولكما علىّ أن أردّ الناس عنكما ولا أضرّكما، قال: فدعا له فرجع ووفّى وجعل يردّ الناس. وقيل كان الإسراء بعد قدومه من الطائف بسنة ونصف، وفيها هاجر إلى المدينة وله ثلاث وخمسون سنة، وغزا بنفسه الشريفة ﷺ ستّا وعشرين غزوة تأتى أسماؤها فى سنيها بعد ذلك إن شاء الله تعالى. ولم يحجج بعد الهجرة إلاّ حجّة الوداع، وإنّه ﷺ حجّ قبل النبوّة حجّات لم يتّفق العلماء على عددها، وقد اعتمر بعد الهجرة أربع عمر ﷺ .

стр. 1054

ذكر شئ من بعض كلامه ﷺ ممّا لم يسبق إليه (٣٢) فمن ذلك ألفاظ لم يسبقه أحد إليها، قوله: إيّاكم وخضراء الدمن. كل الصيّد فى جوف الفرا. مات فلان حتف أنفه. لا ينتطح فيها عنزان. هدنة على دخن (١) وجماعة على أقذاء. إنّ المنبتّ لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع. نصرت بالرّعب وأوتيت جوامع الكلم. الآن حمى الوطيس. الإيمان قيد القتل. يا خيل الله اركبى. اشتدّى أزمة تنفرجى. ومن ذلك ما أجراه فى عرض كلامه ﷺ تتمثّل به الناس قوله: حوالينا ولا علينا. جواها يد مدّت. سلمان منّا أهل البيت.

стр. 1055

منى مناخ من سبق. نبدأ بما بدأ الله به. اعقل وتوكّل. زرغبّا تزدد حبّا. ومن ذلك تشبيهاته وتمثيلاته ﷺ قوله: الناس كأسنان المشط وإنّما يتفاوتون العافية. الناس كمعادن الذّهب والفضّة، خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام. المؤمن هيّن ليّن، [المؤمن] (١) كالجمل الأنف، إن قيد انقاد وإن نيخ على صخرة استناخ. عترتى كسفينة نوح، من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها هلك. أصحابى كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. مثل أصحابى كالملح، لا يصلح الطعام إلاّ به. أمّتى كالمطر لا يدرى أوّله خير أم آخره. مثل أبى بكر كالقطر أينما وقع نفع. إنّ للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار. عمّالكم كأعمالكم، وكما تكونون يولّى عليكم. وقوله ﵇ لمّا كتب كتاب المهادنة بينه وبين سهيل بن عمرو: العقد بيننا كشرج العيبة، يعنى متى انحلّ بعضه انحلّ جميعه. وقوله: الدالّ على الخير كفاعله.

стр. 1056

المرأة ضلع عوجاء، (٣٣) إن قوّمتها كسرتها وإن داريتها استمتعت بها على عوج. لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كالطير، تغدو خماصا وتعود بطانا. وعد المؤمن كالأخذ باليد. الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخلّ الملح. من نظر فى كتاب أخيه بغير إذنه فكأنّما ينظر فى النار. العائد فى هبته كالعائد فى قيئه. مثل المؤمن كالنحلة لا تأكل إلاّ طيّبا ولا تضع إلاّ طيّبا. مثل المؤمن كالسنبلة تميل أحيانا وتعتدل أحيانا. مثل الجليس السوء كصاحب الكير إن لم يحرق ثوبك آذاك بدخانه، ومثل الجليس الصالح كالعطّار إن لم تصب من عطره أصبت من رائحته. علم لا ينفع ككنز لا ينفق منه. ومن حسن استعاراته ﷺ قوله: المؤمن مرآة أخيه المؤمن. جنّة الرجل جاره. من كنوز البرّ كتمان الصّدقة، والمرض، والمصيبة. دفن البنات من المكرمات (١).

стр. 1057

داووا مرضاكم بالصدقة. قد جدع الحلال أنف الغيرة. صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ. الودّ والعداوة يتوارثان. العلماء ورثة الأنبياء. من هدم بنيان الله فهو ملعون، لعين من قتل نفسا. الحمّى رائد الموت وسجن الله فى الأرض وقطعة من النار. الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر. اتّقوا دعوة المظلوم فإنّها ليّنة الحجاب. الخلق عيال الله وأحبّهم إليه أبرّهم بعياله. الاسمّاع إلى الملهوف صدقة. الحكمة ضالّة المؤمن. اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله. أكثروا ذكر هاذم اللّذات، يعنى الموت. رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى النّاس. هل يكبّ الناس على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم. اليوم الرهان وغدا السباق (٣٤) والجنّة الغاية. المعاصى حمى الله ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ومن ذلك حسن الطباق، كقوله ﷺ : حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات. جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.

стр. 1058

الأرواح جنود (١) مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. احذروا من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه. وكقوله للأنصار: إنّكم لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع. ومن ذلك حسن التجنيس، كقوله ﷺ : الظّلم ظلمات يوم القيامة. ليس الأعمى من عمى بصره، ولكنّه من عميت بصيرته. إنّ ذا الوجهين لا يكون وجيها عند الله. المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم. وكلامه البديع ﷺ أكثر من أن يحصى جمعه، أو يطمع فى معانى شرحه، وإنّما ذكرنا هذه الكلمات للتبرّك بها فى كتابنا، وللنجح فى مقصدنا ومرامنا. ذكر للشبّهين به ﷺ من قريش وغيرها جعفر بن أبى طالب، رضى الله عنه، وجاء عنه ﷺ أنّه قال: «أشبهت خلقى وخلقى يا جعفر. والحسن بن علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليهما، وكانت أمّه فاطمة، صلوات الله عليها لمّا ترقّصه فى حال صغره نقول: وأتانى شبيه أبى، غير شبيه بعلىّ، وقثم الشهيد بسمرقند (٢)، وكاس بن ربيعة، وقيل لمعاوية بن أبى سفيان

стр. 1059

إنّ كاس بن ربيعة به شبه من رسول الله ﷺ فأشخصه، فلمّا رآه من باب الدار قام له قائما وقبّل بين عينيه وأقطعه المرغاب. ذكر زوجاته أسماء من غير نسبة وسيأتى ذكر نسبتهن إن شاء الله تعالى، (٣٥) أمّا زوجاته ﷺ فإنّه تزوّج بعد خديجة رضى الله عنها: سودة، ثمّ عائشة، ثمّ حفصة، ثمّ أمّ سلمة (١)، ثمّ جويرية، ثمّ زينب بنت جحش، ثمّ زينب بنت خزيمة، ثمّ ريحانة، ثمّ أمّ حبيبة، ثمّ صفيّة، ثمّ ميمونة، ثمّ تزوّج فاطمة بنت الضحّاك، وأسماء بنت النعمان، وفيهما خلاف، والمتّفق عليه أنّهن إحدى عشرة امرأة (٢)، مات ﷺ عن تسع، ومات فى حياته منهنّ خديجة وزينب بنت خزيمة رضى الله عنهما. وأمّا سراريه فهنّ أربع: مارية القبطيّة أمّ إبراهيم ولده وماتت فى خلافة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه سنة ستّ عشرة للهجرة، وريحانة، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش. وأخرى أصابها فى بعض السبى، لم أقف على اسميهما.

стр. 1060

ذكر أولاده الذكور والإناث جملة من غير تفصيل لما يأتى بعد ذلك أمّا أولاده ﷺ ، فثمانية ذكور وإناث، فالذكور: القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله، والطّاهر، وإبراهيم، والإناث: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة صلوات الله عليهم أجمعين، وكلّهم من خديجة خلا إبراهيم فإنّه من مارية. وكان له ﵇ اثنا عشر عمّا-وقيل تسعة-والأصحّ عشرة، وستّ عمّات. وكان ابتداء مرضه الّذى مات فيه من صداع عرض له، وكان مدّة مرضه ﷺ عشرين يوما، وقيل ستّة عشر يوما، وقيل أربعة عشر يوما، كما يأتى بيانه فى تاريخ سنة وفاته ﷺ . قلت: ولنبتدئ من هاهنا بذكر سياقة التّاريخ كلّ سنة من أوّل عام الهجرة، ونقدّم قبل كلّ حادث حدث فى تلك السنة حال النيل (٣٦) المبارك، إذ شرطنا سبق بذلك فى الجزء الأوّل من هذا التّاريخ. وقد تقدّم من العبد القول أيضا فى أمر النيل، ومبتدأ أمره، ومن كان المغتنى بجريانه فى أوّل زمان، وكيفيّة ما رتّبه من حين خروجه إلى حين منتهاه، وذكرنا جميع ذلك مع عجائب مصر وغرائب ما حصل من أحوالها، ممّا كنت نقلته من الكتاب القبطىّ الذى كنت وجدته فى الدير الأبيض بالوجه القبلىّ الذى كان أحد الكتب الثلاثة الذين حثّونى على وضع هذا التاريخ لما طالعت ما فيهم من غريب الأحاديث، وقد تقدّم جميع ذلك فى الجزء الأوّل والثّانى ممّا يغنى عن إعادة شئ منه ها هنا، وأخّرنا شيئا من أحوال مصر أيضا نذكره عند

стр. 1061

فتوحها إن شاء الله تعالى، وهو ما لم نذكره فى ذلك الجزء الأوّل والثانى، بحيث لا يخلو جزء من هذا التّاريخ من نكت غريبة، وملح عجيبة، وأنا أسأل الله تعالى حسن التوفيق إلى سلوك هذا الطريق، إنّه بالإجابة جدير، وهو على كلّ شئ قدير. ذكر ابتداء سياقة ذكر النيل المبارك فى أوّل كلّ عام من أوّل الهجرة قال العلماء رضى الله عنهم: كلّ موضع ذكر الله تعالى فيه أمر الماء فابن عليه أمر البعث، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى (١)﴾»، وقال تعالى: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى (٢)﴾»، وقال تعالى: ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ كذلك النّشور» (٣)، وقوله تعالى: ﴿ماءً مُبارَكاً»﴾، الآية إلى قوله: ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ»﴾ (٤). وأمّا قياس النّيل المبارك فقد ذكر ابن لهيعة القاضى رحمه الله تعالى أنّ هذا المقياس عاشر مقياس بنى بأرض مصر، وسيأتى ذكر ذلك عند ذكر فتوح مصر إن شاء الله تعالى.

стр. 1062

ذكر فصل لطيف فى نيل مصر يليق بهذا المكان ذكره وهذا النيل هو أعجب ما فى مصر، ومجيؤه من خلف خطّ الاستواء بإحدى (٣٧) عشرة درجة إلى نحو الجنوب، وينتهى إلى الاسكندرية (١) فرقة، وإلى دمياط فرقة، عند عرض ثلاث وثلاثين فى الشمال، فمن ابتدائه إلى انتهائه اثنتان وأربعون درجة، كل درجة ستّون ميلا، فيكون طوله من موضع مخرج ابتدائه إلى الموضع الذى ينتهى إليه من الجهتين وينصبّ فى المالح ثمانية آلاف وستّمائة وأربعة عشر ميلا وثلثا ميل على القصد والاستواء، وله تعريجات شرفا وغربا فيطول ويزيد على ما ذكرنا. قلت: هذا كلام القاضى ابن لهيعة فى أمر النيل، وهذا فصل لم أكن قد ذكرته فى ذلك الجزء، بل أخّرته حتى ذكرته هاهنا، لأكون قد جمعت جميع ما وقفت عليه، وأثبتّ كلّ كلام فى موضعه اللائق به. [وقال صاحب كتاب ترصيع الأخبار، وهو أحمد بن محمّد بن أنس العذرى: إنّ مخرج نيل مصر من خلف جبل القمر، وينصبّ فى بحيرتين خلف خطّ الاستواء، ويطيف بأرض النوبة، ثمّ يتشعّب دون الفسطاط فتصير شعبة إلى الإسكندرية وشعبة إلى دمياط، عدد أمياله من مخرجه إلى مصبّه خمسة آلاف ميل وتسعمائة وثلاثون ميلا، والأوّل أقرب إلى الصحيح، والله أعلم] (٢). وأمّا هذا المقياس الآن فهو بناء المتوكّل على الله جعفر بن المعتصم بن الرّشيد،

стр. 1063

بنى فى سنة سبع وأربعين ومائتين، وفيها قتل المتوكّل حسبما يأتى من ذكره، وتولّى عمارته الفرغانى وفيه عمد، طوله تسعة عشر ذراعا من أوّله إلى اثنى عشر ذراعا مقسوم بثمانية وعشرين إصبعا، وما بعده مقسوم بأربعة وعشرين إصبعا، والذّراعان متساويان، فما فائدة الاختلاف فى قسمة عدّة الأصابع؟ وما الفرق فيه؟ هذا من دقيق الحكم الغامضة، وسألت ابن أبى الرذاذ فى وقت يحضره القاضى المرحوم فخر الدّين ناظر الجيوش المنصورة عن هذه العلّة، لعلّه يكون عنده فيها جواب مرض، فلم يجب بما يقارب خصوصا أن يكون الصحيح فيه، والله أعلم. ذكر السنة الأولى من الهجرة النبويّة الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث كان سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة بيد الكفّار من قريش، (٣٨) واليمن فى مملكة الفرس مضافة إلى ملك فارس، والشّام فى ملك الروم، ومصر فى مملكة الروم، وبها يومئذ المقوقس، واسمه جريج بن مينا وهو يقوم بخراجها لملك الروم بالشام، وهو مقيم بالإسكندريّة، وعنده تسمين البطرح (١)، سبيله فى النصرانية سبيل القاضى فى الإسلام.

стр. 1064

وفى هذه السنة بعث النبىّ ﷺ فأحضر بناته، وزوجته سودة، وبنى بعائشة، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ورأى عبد الله بن زيد (١) الأذان، وعقد لحمزة لواء أبيض، وقال: «خذه يا أسد الله»، وهو أوّل لواء عقد فى الإسلام. وفيها بعث عبيدة (٢) إلى بطن رابغ (٣) بأصحابه، وفيها رمى سعد بن أبى وقّاص بسهم، وجمع له رسول الله ﷺ التفدية بين أبيه وأمّه (٤)، وهو أوّل سهم رمى فى الإسلام. وفيها غزاة المغيرة، والأبواء، وغزوة بواط، قال ابن إسحاق: إنّ هذه الغزوات كلّها فى السنة الثانية من الهجرة. وفيها زيد فى صلاة الحضر ركعتان، وقيل فيها ولد عبد الله بن الزبير، وهو أوّل مولود ولد فى الإسلام بعد الهجرة، وكان يزعم أنّ اليهود سحروا المهاجرين فلا يولد لهم ولد، فلمّا ولد عبد الله بن الزّبير زال زعمهم واشتدّ الفرح. وفيها بنى مسجده ﷺ ، وبنى مسجد قباء. وفيها غزوة العشيرة، وفيها أغار كرز بن جابر الفهرىّ على سرح المدينة فخرج النبىّ ﷺ خلفه إلى وادى سفوان من ناحية بدر.

стр. 1065

ذكر سنة اثنتين للهجرة النبويّة النّيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وإصبعان. ما لخّص من الحوادث (٣٩) سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة-شرّفها الله تعالى-بأيدى قريش، والشام ومصر بأيدى الروم، والعراق وفارس واليمن فى أيدى الفرس، والحبشة للنجاشى. وفيها كانت غزاة بدر الأولى، وفيها تزوّج علىّ بن أبى طالب-كرّم الله وجهه-بسيّدة نساء العالمين فاطمة بنت سيّد المرسلين صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وفيها كانت غزاة الأبواء (١)، وفيها حوّلت القبلة، ونزلت فريضة صوم رمضان، وأمر بزكاة الفطر. وقيل: وفيها ولد عبد الله بن الزبير (٢)، وفيها سريّة عمير بن عدىّ إلى عصماء بنت مروان فقتلها، وكانت تهجو النبىّ ﷺ ، وسرّية غزوة (٣) بنى قينقاع وتوفيت رقيّة بنت سيّدنا رسول الله ﷺ .

стр. 1066

وفيها ولد الحسن بن علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه، وكذلك ولد النعمان بن بشير، وهو أوّل مولود ولد للأنصار فى الإسلام. وفيها مات أميّة بن أبى الصلت المقدّم ذكره فى الجزء الأوّل، وكذلك هلك أبو لهب. وفيها قاتلت الملائكة ببدر، وفيها غزاة العشيرة، وبعث سعد بن أبى وقّاص، وبعث عبد الله بن جحش، وفيها أعطى لعكاشة جذلا (١) من حطب، وقال له «دونك هذا»، فلمّا أخذه صار فى يده سيفا لم ير الناس مثله. وفيها أنزلت الأنفال، وفيها كانت غزاة بنى سليم، وغزاة السويق، وغزاة ذى أمر، وغزاة ودّان (٢). وفيها خرج ﷺ إلى المصلّى فصلّى بالمسلمين صلاة العيد. وفيها حملت بين يديه العنزة (٣)، وكانت للزبير وهبها له النجاشى، وقيل إنّها إلى الآن عند المؤذّنين بالمدينة، والله أعلم. ذكر سنة ثلاث للهجرة النّبويّة النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم ستّة أذرع وثلاثة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا.

стр. 1067

[ما لخّص من الحوادث] (١) (٤٠) سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة-شرّفها الله تعالى-بأيدى قريش، والشام ومصر بأيدى الرّوم، والعراق وفارس واليمن بأيدى الفرس، والمقوقس بمصر، وكذلك تسمين البطرخ، وهى دار حرب. وفيها كانت غزاة أحد، وفيها قتل حمزة بن عبد المطّلب رضى الله عنه، وفيها غزاة قرقرة الكدر، وغطفان، كسرت رباعيّته ﷺ (٢)، وفيها كانت غزوة حمراء (٣) الأسد. وفيها تزوّج ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، وزينب بنت خزيمة، وفيها تزوّج عثمان بن عفّان أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، وفيها ولد الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵉ فى قول، وفيها غزوة نجران، وغزوة بنى قينقاع من وجه ورواية، وقتل كعب بن الأشرف. وفيها جرح سيّدنا رسول الله ﷺ (٢)، وفيها قتل حنظلة الغسيل (٤). وفيها ردّ رسول الله ﷺ عين أبى قتادة بن ربعى (٥)، وكانت قد نزلت على وجنته، فعادت أجمل عينيه.

стр. 1068

ذكر سنة أربع للهجرة النبويّة النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزّيادة ستّة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة-شرفها الله تعالى-بأيدى قريش، والشام ومصر بأيدى الروم، والعراق وفارس واليمن بأيدى الفرس. وفيها كانت غزوة الخندق (١)، وفيها ولد الحسين بن علىّ بن أبى طالب من وجه ورواية. وفيها غزاة بئر معونة (٢)، وغزاة بنى النضير، ونزلت صلاة الخوف، وفيها قصرت الصّلاة، وأنزلت سورة الحشر بأسرها. فيها مات عبد الله (٤١) بن عثمان، وكان من رقيّة [بنت رسول الله ﷺ ] (٣). وفيها اتّخذ ﷺ الخاتم، وكان نقشه: محمّد رسول الله، وفيها تعلّم زيد [بن ثابت] (٤) كتابة اليهود بأمره له فى خمسة عشر يوما. وفيها غزاة ذات الرقاع.

стр. 1069

وفيها تزوّج ﷺ أمّ سلمة رضى الله عنها. وفيها غزوة بئر معاوية الثانية (١). ذكر سنة خمس للهجرة النبويّة النيّل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم ذراع واحد واثنان وعشرون إصبعا، مبلغ الزّيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. [ما لخّص من الحوادث (٢)] سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة. [وفيها كانت] (٣) غزاة دومة الجندل، وبنى قريظة، وبنى المصطلق، وبنى لحيان (٤). وفيها أنزلت آية الحجاب، وتزوّج زينب بنت جحش. وفيها سقط العقد من عائشة، ونزلت آية التّيمّم. وفيها كان حديث الإفك. وفيها غزوة الخندق (٥)، وغزوة المريسيع (٦)، والله أعلم.

стр. 1070

ذكر سنة ستّ للهجرة النبويّة النيّل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم ثمانية أذرع وأربعة أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة بأيدى المشركين من قريش، والشام ومصر بأيدى الروم، والعراق وفارس واليمن بأيدى الفرس. وفيها كانت غزوة الغابة (١)، وغزوة الحديبية. وفيها كان إنفاذ الرسل إلى الملوك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الحكم، قال: حدّثنا هشام بن إسحاق وغيره قال: لمّا كان سنة ستّ من الهجرة ورجع رسول الله ﷺ من غزاة الحديبية بعث إلى الملوك، قال: حدّثنا أسد بن موسى قال حدّثنا عبد الله بن وهب قال حدّثنا يونس بن زيد عن ابن شهاب قال: حدّثنى عبد الرحمن بن عبد القوى (٢) أنّ رسول الله ﷺ قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وتشّهد، ثم قال: «أمّا بعد فإنّ أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فلا تختلفوا علىّ كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى بن مريم، وذلك أنّ الله تعالى أوحى إلى عيسى بن مريم أن ابعث الحواريّين إلى ملوك الأرض، فأمر الحواريّين، فأمّا القريب مكانا فرضى، وأمّا البعيد مكانا فكره وقال: لا أحسن كلام من تبعثنى إليه، فقال عيسى: اللهم أمرت

стр. 1071

الحواريّين (٤٢) بالذى أمرت (١) فاختلفوا علىّ، فأوحى الله إليه: إنّى سأكفيك، فأصبح كلّ إنسان منهم يتكلّم بلسان الذين وجّهه إليهم»، فقال المهاجرون: يا رسول الله، والله لا نختلف عليك أبدا فى شئ فمرنا وابعثنا! فبعث حاطب ابن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندريّة، وشجاع بن وهب الأسدىّ إلى كسرى (٢)، وبعث دحية بن خليفة إلى قيصر، وبعث عمرو بن العاص إلى ابنى الجلندى أميرى عمان. قال: فمضى حاطب بكتاب رسول الله ﷺ فلمّا انتهى إلى الإسكندريّة وجد المقوقس فى مجلس مشرف على البحر، فركب فى البحر فلمّا حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول الله ﷺ بين إصبعيه، فلمّا رآه أمر بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلمّا قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيّا أن يدعو [علىّ] (٣) فيسلّط علىّ؟ فقال حاطب: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل (٤)؟ فوجم المقوقس ساعة ثم استعادها، فأعادها عليه حاطب، فسكت، فقال له حاطب: إنّه قد كان قبلك رجل زعم أنّه الربّ الأعلى فانتقم الله به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر بك، وإنّ لك دينا لن تدعه إلاّ لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافى الله به فقد ما سواه،

стр. 1072

وما بشارة موسى بعيسى إلاّ كبشارة عيسى بمحمّد ﷺ ، وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلاّ كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنّا نأمرك به، ثم قرأ الكتاب، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد، فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا (٤٣) بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ (١)﴾»، فلمّا قرأه أخذه فجعله فى حقّ من عاج وختم عليه. قال (٢): حدّثنا عبد الرحمن قال حدّثنا عبد الله بن سعد المذحجىّ عن ربيعة ابن عثمان عن أبان بن صالح، قال: أرسل المقوقس إلى حاطب ليلة، وليس عنده إلاّ ترجمان، فقال: ألا تخبرنى عن أمور أسألك عنها فإنّى أعلم أنّ صاحبك قد تخيّرك حين بعثك، قلت: لا تسألنى عن شئ إلاّ صدقتك، قال: إلى ما يدعو محمّد؟ قال: إلى أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتخلع ما سواه، ويأمر بالصّلاة، قال: فكم تصلّون؟ قال: خمس صلوات فى اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان وحجّ البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، قال: من أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: فهل يقاتل (٣) قومه؟ قال: نعم، قال: صفه لى؟ قال: وصفت صفة من صفته لم آت عليها، قال: قد بقيت

стр. 1073

أشياء لم أرك ذكرتها، أفى عينيه حمرة قلّ ما تفارقه؟ وبين كتفيه خاتم النبوة؟ ويركب الحمار؟ ويلبس الشملة؟ ويجتزئ بالتمرات (١) والكسر لا يبالى من لاقى [من] عمّ ولا ابن عمّ؟ قلت: هذه صفته! قال: قد كنت أظنّ مخرجه الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج من العرب فى أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعنى فى اتّباعه، ولا أحبّ أن تعلم بمحاورتى إيّاك، وسيظهر على البلاد، وتنزل أصحابه بعده بساحتنا هذه حتّى يظهروا على ما هنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا، فارجع إلى صاحبك! قال (٢): ثمّ رجع إلى حديث هشام بن إسحاق، قال: ثمّ دعا كاتبا يكتب بالعربيّة فكتب: لمحمّد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام، أمّا بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أنّ نبيّا قد بقى، وقد كنت أظنّ أنّه يخرج من الشام (٤٤) وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام. فلمّا قدم حاطب اتّخذ النبى ﷺ إحدى الجاريتين لنفسه، ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدرى، فهى أمّ زكريّا بن جهم الذى كان خليفة عمرو بن العاص على مصر، ويقال بل وهبها لحسّان بن ثابت، فهى أمّ عبد الرّحمن بن حسّان، ويقال بل وهبها لمحمّد بن مسلمة الأنصارى، ويقال بل وهبها لدحية بن خليفة الكلبىّ.

стр. 1074

قال: حدّثنا عبد الملك بن مسلمة، قال حدّثنا إسماعيل بن عبّاس عن أبى بكر بن أبى مريم عن راشد بن سعد أنّ رسول الله ﷺ قال: لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيّا إلاّ وضعت عنه الجزية، والله أعلم. وفيها كانت بيعة الرضوان، وفيها خرج صلّى الله عليه معتمرا، فصدّه المشركون. وفيها كانت غزاة بنى المصطلق (١)، وأنزلت آية التيمّم، وحديث الإفك، وبنى لحيان، وعمرة الحديبية. وفيها كانت عدّة سرايا وغزوات، منها سريّة عكاشة، وسريّة محمّد بن سلمة، وسريّة أبى عبيدة بن الجراح، وسريّة زيد بن حارثة، وسريّته أيضا، وسريّته أيضا، وسريّته أيضا إلى وادى القرى (٢)، وسريّة علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه. وفيها تزوّج عمر بن الخطّاب رضى الله عنه جميلة بنت ثابت أخت عاصم ابن ثابت، والله أعلم.

стр. 1075

ذكر سنة سبع للهجرة النّبويّة النّيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزّيادة ستّة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، والشّام ومصر بأيدى الرّوم، (٤٥) والعراق وفارس واليمن فى أيدى الفرس، ومكّة-شرّفها الله تعالى-بأيدى المشركين من قريش. وفيها كانت غزاة حنين (١)، وفيها كان قدوم جعفر بن أبى طالب من عند النجاشى إلى المدينة. وفيها نهى النبى ﷺ عن أكل الحمر الأهليّة. وفيها تزوّج ﷺ ميمونة بنت الحارث وهو محرم، وبنى بها وهو حلال (٢)، وهى آخر امرأة تزوّجها ﷺ . وفيها ردّ ابنته إلى أبى العاص (٣). وفيها غزوة خيبر، والله أعلم.

стр. 1076

ذكر سنة ثمان للهجرة النبويّة النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة بأيدى قريش إلى حين فتحها فى هذه السّنة. وفيها ولدت مارية القبطيّة إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وكان الذى بشّر به أبو رافع، فوهب له ﷺ عبدا، وكان مولده فى ذى الحجة. وفيها كانت غزاة حنين والطّائف. ذكر فتح مكّة-شرّفها الله تعالى-فى هذه السّنة قال ابن إسحاق: لمّا أمر رسول الله ﷺ بالجهاز إلى مكّة دخل أبو بكر رضى الله عنه على عائشة رضى الله عنها فقال: أى بنيّة، أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهّزوه؟ قالت: نعم، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدرى. ثم إنّه ﵇ أعلم النّاس أنّه يريد مكّة، وأمرهم بالجدّ والتأهّب، ثم قال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى لا يعلموا ما نريد (١).

стр. 1077

قال الطبرىّ: فلمّا أجمع رسول الله ﷺ (٤٦) السير (١) إلى مكّة، كتب حاطب ابن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ ، وأعطاه لامرأة يزعم محمّد بن جعفر أنّها من مزينة، وزعم غيره أنّها سارة مولاة لبعض بنى عبد المطّلب، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها ثم ضمّت (٢) عليه قرونها، ثم خرجت من المدينة، فنزل الوحى بذلك على رسول الله ﷺ ، فبعث علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه والزبير بن العوّام رضى الله عنه فقال: أدركوا (٣) امرأة قد كتب معها حاطب كتابا إلى قريش يحذّرهم بما اجتمعنا له (٤)! فخرجا فى طلبها، فأدركاها واستنزلاها والتمسا رحلها فلم يجدا (٥) شيئا، فقال لها علىّ ﵇: إنّى أحلف ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا؛ ولتخرجنّ هذا الكتاب أو لنكشفنّك! فلمّا علمت أنّ لا لها بدّ من إخراجه وخافت الفضيحة قالت: أعرض عنّى! ثم استخرجته من قرونها ودفعته إلى علىّ ﵇، [فجاء به إلى رسول الله ﷺ ] (٦) فدعا رسول الله حاطبا، وقال: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، إنّى والله مؤمن ولست بمنافق، ما غيّرت ولا بدّلت، ولكن لى بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليهم، فقال عمر رضى الله عنه: دعنى أضرب عنقه يا رسول الله فإنّ الرجل

стр. 1078

قد نافق! فقال ﷺ : وما يدريك يا عمر، لعلّ الله اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد [غفرت] (١) لكم. قال ابن عبّاس: فأنزل الله تعالى فى حاطب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ»﴾ الآية (٢). قال: ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة كلثوم بن حصين الغفارى، وخرج [لعشر] (٣) مضين من رمضان، فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بين عسفان (٤٧) وأمج أفطر رسول الله ﷺ ، ثم سار حتى نزل مرّ الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين مع جميع المهاجرين والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد. وعمّيت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر. قال: فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسّسون الأخبار، وكان العبّاس بن عبد المطّلب قد أتى رسول الله ﷺ فى بعض الطريق، وكان قبل ذلك مقيما بمكّة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض، فلمّا نزل ﷺ مرّ الظهران قال العبّاس: واصبح (٤) قريش، والله لئن بغتها رسول الله ﷺ بغتة، ودخل مكّة عنوة إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ وخرجت عليها حتى أتيت الأراك، فقلت لعلّى أجد حطّابا أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتى إلى مكّة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ، لعلّ أن يأتوه يستأمنون منه قبل أن يدخلها عنوة، فو الله إنّى

стр. 1079

لأطوف فى الأراك ألتمس ما خرجت إليه إذ سمعت صوت أبى سفيان وبديل ابن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا، فقال بديل بن ورقاء: هى والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذلّ! قال العبّاس: فعرفت صوته فقلت: أى أبا حنظلة! فعرف حسّى وصوتى فقال: العبّاس؟ قلت: نعم! قال: ما وراءك بأبى وأمّى أنت؟ فقلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ فى الناس، واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبى وأمّى؟ قلت: لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك، فاركب فى عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله تستأمن منه! قال: فركب خلفى ورجع صاحبه، فجئت به، فكلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: عمّ رسول الله (٤٨) على بغلة رسول الله، حتى مررت بنار عمر ابن الخطّاب فقال: من هذا؟ ثم قام إلىّ، فلمّا رأى أبا سفيان على عجز البغلة قال: أبو سفيان عدوّ الله ورسوله؟ الحمد لله الذى أمكن منك بغير عهد ولا ميثاق! ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله ﷺ ، وأنا قد ركضت البغلة، ودخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر فى إثرى، فقال: يا رسول الله: هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فأمرنى أضرب عنقه! فقلت: يا رسول الله إنّى قد أجرته! فلمّا أكثر عمر فى شأنه قلت: مهلا يا عمر، فو الله لو كان من رجال عدىّ بن كعب ما أكثرت فيه، ولكنّك عرفت أنّه من رجال عبد مناف! فقال: مهلا يا عبّاس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إلىّ من أن أسلم الخطّاب لو أسلم! فقال رسول الله ﷺ : اذهب به يا عمّ إلى رحلك فإذا أصبحت مأتنى به.

стр. 1080

قال العبّاس: فذهبت به إلى رحلى، فلمّا أصبح غدوت به إلى النبى ﷺ ، فلمّا رآه قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنّه لا إله إلاّ الله؟ قال: بأبى وأمّى أنت، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أنّه لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنّا شيئا بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنّى رسول الله؟ قال: بأبى وأمّى أنت، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه فإنّ فى النفس منها شيئا بعد الآن، فقال العبّاس: ويحك أسلم قبل أن يأمر بك فتضرب عنقك! قال: فأسلم وتشهّد شهادة الحقّ. قال العبّاس: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحبّ الفخر فاجعل له منه نصيبا! فقال ﵇: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فقال: وما يغنى منزلى والمسجد، فدتك نفسى، فقال ﵇: ومن أغلق بابه فهو آمن، فلمّا ذهب أبو سفيان لينصرف قال النبى ﷺ للعبّاس: يا عمّ احبسه بمضيق الوادى حتى تمرّ به جنود الله فيراها. قال العبّاس: فخرجت به حتى حبسته بمضيق الوادى، قال: ومرّت علينا القبائل (٤٩) فكان كلّما مرّت قبيلة يقول: من هذه يا عبّاس؟ فأقول له: هذه سليم، فيقول: مالى ولسليم، ثم تمرّ بنا أخرى فيقول: ومن هذه أيضا فأقول: مزينة، فيقول: ما لى ولمزينة، وعادت القبائل تمرّ بنا أولا فأوّلا، وهو يسألنى وأنا أخبره وهو يقول كذلك حتى مرّ رسول الله ﷺ فى كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى فيهم إلاّ حماليق الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عبّاس، من هؤلاء الذين قد ملئت منهم رعبا وخوفا؟

стр. 1081

فقلت: هذا رسول الله ﷺ فى المهاجرين والأنصار! فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل، والله يا عبّاس لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما! فقلت: يا سبحان الله، إنّها النبوّة، ثم قلت: التجئ الآن إلى قومك! قال: فخرج حتى [إذا] (١) جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ها محمّد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دارى فهو آمن! قال: فقامت إليه هند بنت عتبة زوجته فأخذت بشاربه وقالت: قاتلك الله، وما تغنى عنهم دارك؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن! قال: فتفرّق الناس فى كلّ موضع من هؤلاء المواضع. فلمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى ذى طوى، فرّق جيشه فأمر الزبير بن العوّام وكان على الفرقة اليسرى أن يدخل ممّا يليه، وأمر سعد بن عبادة الأنصارى أن يدخل ممّا يليه أيضا، قال ابن إسحاق: فزعم بعضهم أنّ سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ [الحرمة] (٢)، فسمعها بعض المهاجرين، فقال: يا رسول الله، ما بال سعد بن عبادة أنّه لا يؤمن أن يكون له فى قريش صولة؟ فقال رسول الله ﷺ لعلىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه: «أدركه فخذ الرّاية منه وكن أنت الذى تدخل بها من جهته التى هو بها». وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد رضى الله عنه (٥٠) وكان على الفرقة اليمنى أن يدخل من أسفل مكّة، قال: وكان عكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أميّة قد جمعا جمعا وعزموا على القتال، فلمّا دخل خالد بن الوليد لقيهم فناوشهم القتال

стр. 1082

فقتل من المسلمين رجلان وأصيب من المشركين نحو من ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا، هذه رواية ابن إسحاق. ودخل رسول الله ﷺ من أعلى مكّة وضرب هناك قبّته، قال ابن إسحاق: وكان النبى ﷺ قد عهد إلى أمرائه حين أمرهم بالدخول إلى مكّة ألاّ يقتلوا أحدا إلاّ من قاتلهم، إلا أنّه سمّى جماعة أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم: عبد الله بن أبى سرح وكان قد أسلم ثم ارتدّ، وكان يكتب بين يدى سيّدنا رسول الله ﷺ فى الوحى فيكتب مكان الغفور الرحيم: العزيز الحكيم، ومكان عليما حكيما: غفورا رحيما، وما أشبه ذلك، وقال إن محمّدا يملى علىّ فأكتب أنا ما شئت أن أكتب، فنزل الوحى بذلك، فهرب حتى لحق بالمشركين من قريش، وكان أخا لعثمان بن عفّان من الرضاعة، فغيّبه عثمان وسيّره حتى اطمأنّ أهل مكّة، فجعل يستأمن له من النبى ﷺ ويشفع فيه، قال ابن الحصين: فصمت النّبىّ ﷺ طويلا ثم قال: نعم! فلمّا انصرف عثمان به قال النبى ﷺ لمن حوله: أما والله لقد [صمتّ] (١) ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلىّ يا رسول الله؟ فقال: ما كان لنبىّ أن يكون له خائنة عين (٢)، ثم إنّ ابن أبى سرح أسلم وحسن إسلامه، ونفع الله به وفتح إفريقية.

стр. 1083

ومنهم عبد الله بن خطل من بنى الأدرم أعراب قريش (١)، كان مسلما فبعثه النبى ﷺ مصدقا، وبعث معه فنزل [منزلا، وأمر المولى] (٢) أن يذبح له شاة أو تيسا ويصنع له طعاما، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا على الغلام فقتله وارتدّ مشركا، وكان له قينتان تغنّيان بما لا يسمع فى هجوهما للنبى ﷺ فقتل يوم الفتح وهو متعلّق بأستار الكعبة وقتلت إحدى القينتين، وتخفّت الأخرى ثم وطئها بعد ذلك فرس فقتلها. ومنهم [مقيس بن صبابة (٣)] كان مسلما، فقتل رجلا من الأنصار وارتدّ مشركا، فقتله ذلك اليوم رجل فى معترك الحرب. ومنهم عكرمة بن أبى جهل، نجاه فزارة، ثم إنّ امرأته أسلمت وهى أمّ حكيم [بنت الحارث (٤)] بن هشام، واستأمنت له رسول الله ﷺ ، فرجع من فزارة وأسلم، وصار الناس يقولون فيه، فقال النبى ﷺ : لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات. ومنهم [الحويرث بن نقيذ (٥)]، قتله علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه، لأنّه كان ممّن يؤذى رسول الله ﷺ بمكّة. ومنهم سارّة مولاة بعض بنى عبد المطّلب، كانت تؤذى النبى ﷺ فقتلت يومئذ.

стр. 1084

ومنهم [قريبة (١)]، قتلت أيضا، ومنهم هند بنت عتبة أم معاوية، بايعت ونجت. قال ابن إسحاق: فلمّا نزل رسول الله ﷺ مكّة واطمأنّ الناس، خرج حتى جاء البيت، وأقبل الناس يبايعونه. قال الطبرى: ثمّ إنّ رسول الله ﷺ قام قائما حتى (٢) وقف على باب الكعبة، فقال: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا [كلّ مأثرة (٣)] أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمىّ هاتين إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاجّ، ثمّ، يا معشر قريش، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة [وتعظّمها (٤)] بالآباء، [الناس (٥)] من آدم (٥٢) وآدم [خلق] (٦) من تراب، ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى،»﴾ -الآية (٧). ثم قال: يا معشر قريش-أو قال: يا أهل مكّة -ما ترون أنّى فاعل بكم؛ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم! قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء! فأعتقهم رسول الله ﷺ . قال: ثم اجتمع الناس لبيعة رسول الله ﷺ على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وكذلك كانت بيعته لمن بايع من الناس على الإسلام، فلمّا فرغ

стр. 1085

من بيعة الرجال بايع النساء، وكان ﷺ لا يصافح النساء ولا يمسّ امرأة ولا تمسّه امرأة من غير حلّة، فاجتمع إليه نساء قريش فيهنّ هند بنت عتبة متنكّرة، لما كان من صنيعها بحمزة فى غزاة أحد، فلمّا [دنون (١)] منه للمبايعة قال النبى ﷺ : لتبايعننى على ألاّ تشركن بالله شيئا! قالت هند: والله إنّك لتأخذ علينا أمرا ما تأخذه على الرجال! قال: ولا تسرقن! قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبى سفيان الهنة وما أدرى أكان ذلك حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان حاضرا شاهدا لما تقول: أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت [منه] (٢) فى حلّ، فقال رسول الله ﷺ : وإنّك لهند بنت عتبة، قالت: أنا هند بنت عتبة فاعف عمّا سلف [عفا (٣)] الله عنك! ثم قال: ولا تزنين! قالت: وهل تزنى الحرّة؟ قال: ولا تقتلن أولادكن! قالت: قد ربيناهم صغارا وقتلوا يوم بدر كبارا وأنت بهم أعلم، قال (٤): فضحك عمر بن الخطّاب من قولها، قال: ولا [تعصيننى (٥)] فى معروف! قالت: ما جلس هذا المجلس ونحوه من شهد أنّه يعصيك! فقال النبىّ ﷺ لعمر (٥٣): بايعهنّ واستغفر لهنّ الله، فبايعهنّ عمر رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: وأتى أبو بكر رضى الله عنه بأبيه أبى قحافة يقوده-فقد كان كفّ بصره-إلى رسول الله ﷺ وهو فى المسجد، فلمّا رآه قال: هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ فقال أبو بكر: بأبى أنت وأمّى يا رسول الله هو أحقّ أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه! قال:

стр. 1086

فأجلسه بين يديه ثم مسح بيده على صدره، ثم قال له: أسلم! فأسلم. المعجزة فى سقوط الأصنام قال ابن إسحاق وغيره: دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً»﴾، فما أشار لصنم فى وجهه إلاّ سقط لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلاّ سقط لوجهه حتى أتى على الجميع. وكان فتح مكّة لعشر بقين من شهر رمضان، وكان عدّة من شهد الفتح من المسلمين عشرة آلاف، فمن جهينة ألف وأربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثمائة، ومن سليم سبعمائة، ومن أسلم أربعمائة، ومن غفار أربعمائة، والبقيّة من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من أسد وقيس. وأقام رسول الله ﷺ بعد فتح مكّة خمس عشرة ليلة بها يقضى الصلاة، والله أعلم. وفيها كانت غزاة حنين والطائف، وفيها توفّى جعفر بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وفيها تملّك أردشير بن شيرويه ملك فارس، وفيها اتّخذ النبى ﷺ المنبر، وطلّق سودة، وماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، وفيها كانت غزاة ذات السلاسل، وغزوة الخبط، وفيها كان إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص (٥٤) وفيها بعث خالد بن الوليد إلى القرى ليهدمها، وفيها تزوّج ﷺ بفاطمة الضحّاك، وهى المستعيذة، وفيها خلاف (١)، والله أعلم.

стр. 1087

ذكر سنة تسع للهجرة النّبويّة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستّة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة دار إسلام ببركاته عليه أفضل الصّلاة والسّلام، وعليها أميرا عتّاب بن أسيد من قبل النبى ﷺ . والشّام للروم وملكها قيصر الهرقل، ومصر للمقوقس عظيم القبط وهو يحمل الخراج إلى قيصر ملك الروم، والعراق وفارس فى ملك الفرس، وملكها يومئذ كسرى أردشير بن شيرويه، واليمن ملكها بادان من قبل أردشير ملك الفرس، والحبشة النجاشى وهو مسلم. وفيها كانت غزاة تبوك، وفيها نزلت سورة براءة، وفيها نعى النبى ﷺ ، النجاشى ملك الحبشة، وصلّى عليه صلاة الغائب، وفيها ماتت أمّ كلثوم بنته ﷺ وفيها تتابعت الوفود، وبعث علىّ كرم الله وجهه إلى القليص ليهدمه، وأمر بهدم الضرار، وفيها غزاة عروة، وفيها حجّ أبو بكر رضى الله عنه، وفيها غزاة طى، وفيها توفّى أبو عامر الراهب (١) عند النجاشى، والله أعلم.

стр. 1088

ذكر سنة عشر للهجرة النبويّة النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة دار إسلام، والأقاليم حسبما (٥٥) تقدّم من ذكرهم فى السنة الخاليا. وفيها توفّى إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وكسفت الشمس يوم موته، وتوفّى وله ثمانية عشر شهرا، وقال ﷺ : «الشّمس والقمر آيتان لا تكسفان لموت أحد ولا لحياته» وفيها حجّ حجّة الوداع، وفيها بعث علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه إلى اليمن، وخالد بن الوليد رضى الله عنه إلى بنى الحارث بنجران، وبعث [جرير] (١) إلى ذى قلاع، وعمرو بن العاص إلى أبناء الجلندا (٢)، وفيها ظهر الأسود العنسى الملقّب بذى الخمار، وكان يستعبد ويسبى بحسن نطقه قلب من يسمعه، وفيها هدم الخليصة وهو صنم بجيلة وخثعم، ولمّا بلغه ﷺ سجد شكرا لله تعالى، وفيها أسلم باذان باليمن.

стр. 1089

ذكر حجّة رسول الله ﷺ وهى حجّة الوداع ولمّا أذّن فى الناس فى هذه السّنة أنّ رسول الله ﷺ حاجّ قدم المدينة بشر كثير، كلّهم يلقمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله، وخرج ﷺ نهارا بعد أن ترجّل وادّهن وتطيّب وبات بذى الحليفة، وقال: أتانى الليلة آت من ربّى فقال: صلّ فى هذا الوادى المبارك ركعتين وقل عمرة فى حجّة. وأحرم النبى ﷺ بها بعد أن صلّى فى مسجده بذى الحليفة ركعتين وأوجب من (١) مجلسه، وسمع ذلك منه أقوام منهم ابن عبّاس، ثم ركب فلمّا استقلّت به فاقته أهلّ، ثم لمّا علا على شرف البيداء أهلّ، فمن ثمّ قيل: أهلّ حين استقلت به ناقته، وحين علا على شرف البيداء، وكان يلبّى به تارة وبالحجّ تارة أخرى، فمن ثم قيل إنّه منفرد، وكان تحته ﷺ (٥٦) رحل رثّ عليه قطيفة لا تساوى أربعة الدراهم، وقال: اللهمّ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة. قال جابر (٢): ونظرت إلى مدّ بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه أنزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل من شئ عملنا به.

стр. 1090

ودخل ﷺ مكّة صبيحة يوم الأحد من [كداء] (١) من الثنيّة العليا التى بالبطحاء، وطاف للقدوم مضطبعا، فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم خرج إلى الصفا فسعى بعض سعيه ماشيا، فلمّا كثر عليه ركب ناقته، ونزل ﷺ بأعلى الحجون، فلمّا كان يوم التّروية-وهو ثامن ذى الحجّة-توجّه إلى منى فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبات بها وصلّى بها الصبح. فلمّا طلعت الشّمس سار إلى عرفة، وضربت قبتّه بنمرة، فأقام بها حتى زالت الشمس، فخطب الناس وصلّى بهم الظّهر والعصر جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، ثم راح إلى الموقف ولم يزل واقفا على ناقته القصوى يدعو ويهلّل ويكبّر حتّى غربت الشمس، ثم دفع إلى المزدلفة بعد الغروب، وبات بها وصلّى بها الصبح، ثم وقف على قزح-وهو المشعر الحرام-يدعو ويكبّر ويسبّح ويهلّل حتى أسفر، ثم دفع قبل طلوع الشمس حتى أتى وادى محسّر، فقرع ناقته فحنّت، فلمّا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم انقلب إلى المنحر ومعه بلال وأسامة، أحدهما أخذ بخطام الناقة، والآخر بيده ثوب يظلّه من الشمس، وليس ثم ضرب ولا طرد ولا إليك إليك، ثم نحر فى المنحر، وكان قد أهدى مائة بدنة فنحر منها ثلاثا وستّين بيده، ثم أعطى عليّا ما غبر منها، وأشركه فى هديه، (٥٧) ثم أفاض إلى البيت فطاف به سبعا، ثم أتى السقاية فاستسقى، ثم رجع إلى منّى وأقام بها بقيّة يوم النحر وثلاثة أيّام التشريق، يرمى فى كلّ يوم منها الجمرات الثلاث ماشيا بسبع سبع، يبدأ بالتى تلى فى الخيف ثم بالوسطى،
следующие страницы →