← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فأجلسه بين يديه ثم مسح بيده على صدره، ثم قال له: أسلم! فأسلم. المعجزة فى سقوط الأصنام قال ابن إسحاق وغيره: دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً»﴾، فما أشار لصنم فى وجهه إلاّ سقط لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلاّ سقط لوجهه حتى أتى على الجميع. وكان فتح مكّة لعشر بقين من شهر رمضان، وكان عدّة من شهد الفتح من المسلمين عشرة آلاف، فمن جهينة ألف وأربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثمائة، ومن سليم سبعمائة، ومن أسلم أربعمائة، ومن غفار أربعمائة، والبقيّة من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من أسد وقيس. وأقام رسول الله ﷺ بعد فتح مكّة خمس عشرة ليلة بها يقضى الصلاة، والله أعلم. وفيها كانت غزاة حنين والطائف، وفيها توفّى جعفر بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وفيها تملّك أردشير بن شيرويه ملك فارس، وفيها اتّخذ النبى ﷺ المنبر، وطلّق سودة، وماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، وفيها كانت غزاة ذات السلاسل، وغزوة الخبط، وفيها كان إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص (٥٤) وفيها بعث خالد بن الوليد إلى القرى ليهدمها، وفيها تزوّج ﷺ بفاطمة الضحّاك، وهى المستعيذة، وفيها خلاف (١)، والله أعلم.

стр. 1087

ذكر سنة تسع للهجرة النّبويّة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستّة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة دار إسلام ببركاته عليه أفضل الصّلاة والسّلام، وعليها أميرا عتّاب بن أسيد من قبل النبى ﷺ . والشّام للروم وملكها قيصر الهرقل، ومصر للمقوقس عظيم القبط وهو يحمل الخراج إلى قيصر ملك الروم، والعراق وفارس فى ملك الفرس، وملكها يومئذ كسرى أردشير بن شيرويه، واليمن ملكها بادان من قبل أردشير ملك الفرس، والحبشة النجاشى وهو مسلم. وفيها كانت غزاة تبوك، وفيها نزلت سورة براءة، وفيها نعى النبى ﷺ ، النجاشى ملك الحبشة، وصلّى عليه صلاة الغائب، وفيها ماتت أمّ كلثوم بنته ﷺ وفيها تتابعت الوفود، وبعث علىّ كرم الله وجهه إلى القليص ليهدمه، وأمر بهدم الضرار، وفيها غزاة عروة، وفيها حجّ أبو بكر رضى الله عنه، وفيها غزاة طى، وفيها توفّى أبو عامر الراهب (١) عند النجاشى، والله أعلم.

стр. 1088

ذكر سنة عشر للهجرة النبويّة النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ما لخّص من الحوادث سيّدنا رسول الله ﷺ بالمدينة، ومكّة دار إسلام، والأقاليم حسبما (٥٥) تقدّم من ذكرهم فى السنة الخاليا. وفيها توفّى إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وكسفت الشمس يوم موته، وتوفّى وله ثمانية عشر شهرا، وقال ﷺ : «الشّمس والقمر آيتان لا تكسفان لموت أحد ولا لحياته» وفيها حجّ حجّة الوداع، وفيها بعث علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه إلى اليمن، وخالد بن الوليد رضى الله عنه إلى بنى الحارث بنجران، وبعث [جرير] (١) إلى ذى قلاع، وعمرو بن العاص إلى أبناء الجلندا (٢)، وفيها ظهر الأسود العنسى الملقّب بذى الخمار، وكان يستعبد ويسبى بحسن نطقه قلب من يسمعه، وفيها هدم الخليصة وهو صنم بجيلة وخثعم، ولمّا بلغه ﷺ سجد شكرا لله تعالى، وفيها أسلم باذان باليمن.

стр. 1089

ذكر حجّة رسول الله ﷺ وهى حجّة الوداع ولمّا أذّن فى الناس فى هذه السّنة أنّ رسول الله ﷺ حاجّ قدم المدينة بشر كثير، كلّهم يلقمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله، وخرج ﷺ نهارا بعد أن ترجّل وادّهن وتطيّب وبات بذى الحليفة، وقال: أتانى الليلة آت من ربّى فقال: صلّ فى هذا الوادى المبارك ركعتين وقل عمرة فى حجّة. وأحرم النبى ﷺ بها بعد أن صلّى فى مسجده بذى الحليفة ركعتين وأوجب من (١) مجلسه، وسمع ذلك منه أقوام منهم ابن عبّاس، ثم ركب فلمّا استقلّت به فاقته أهلّ، ثم لمّا علا على شرف البيداء أهلّ، فمن ثمّ قيل: أهلّ حين استقلت به ناقته، وحين علا على شرف البيداء، وكان يلبّى به تارة وبالحجّ تارة أخرى، فمن ثم قيل إنّه منفرد، وكان تحته ﷺ (٥٦) رحل رثّ عليه قطيفة لا تساوى أربعة الدراهم، وقال: اللهمّ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة. قال جابر (٢): ونظرت إلى مدّ بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه أنزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل من شئ عملنا به.

стр. 1090

ودخل ﷺ مكّة صبيحة يوم الأحد من [كداء] (١) من الثنيّة العليا التى بالبطحاء، وطاف للقدوم مضطبعا، فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم خرج إلى الصفا فسعى بعض سعيه ماشيا، فلمّا كثر عليه ركب ناقته، ونزل ﷺ بأعلى الحجون، فلمّا كان يوم التّروية-وهو ثامن ذى الحجّة-توجّه إلى منى فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبات بها وصلّى بها الصبح. فلمّا طلعت الشّمس سار إلى عرفة، وضربت قبتّه بنمرة، فأقام بها حتى زالت الشمس، فخطب الناس وصلّى بهم الظّهر والعصر جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، ثم راح إلى الموقف ولم يزل واقفا على ناقته القصوى يدعو ويهلّل ويكبّر حتّى غربت الشمس، ثم دفع إلى المزدلفة بعد الغروب، وبات بها وصلّى بها الصبح، ثم وقف على قزح-وهو المشعر الحرام-يدعو ويكبّر ويسبّح ويهلّل حتى أسفر، ثم دفع قبل طلوع الشمس حتى أتى وادى محسّر، فقرع ناقته فحنّت، فلمّا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم انقلب إلى المنحر ومعه بلال وأسامة، أحدهما أخذ بخطام الناقة، والآخر بيده ثوب يظلّه من الشمس، وليس ثم ضرب ولا طرد ولا إليك إليك، ثم نحر فى المنحر، وكان قد أهدى مائة بدنة فنحر منها ثلاثا وستّين بيده، ثم أعطى عليّا ما غبر منها، وأشركه فى هديه، (٥٧) ثم أفاض إلى البيت فطاف به سبعا، ثم أتى السقاية فاستسقى، ثم رجع إلى منّى وأقام بها بقيّة يوم النحر وثلاثة أيّام التشريق، يرمى فى كلّ يوم منها الجمرات الثلاث ماشيا بسبع سبع، يبدأ بالتى تلى فى الخيف ثم بالوسطى،

стр. 1091

ثم بجمرة العقبة، ويطيل الدعاء عند الأولى والثانية. ثم نفر فى اليوم الثالث، ونزل المحصّب فصلّى به الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة، ورقد رقدة من الليل، وأعمر عائشة من التنعيم تلك الليلة، ثم لمّا قضت عمرتها أمر بالرحيل، ثم طاف للوداع وتوجّه إلى المدينة، فكان مدّة إقامته بمكّة وأيّام حجّه عشرة أيّام. وقد أفردنا لصفة حجّه ﷺ من الأحكام والشرائع منذ خرج من المدينة إلى حين رجع إليها ما هذا صفته لينتفع به ويأتمّ سامعه. وأمّا عمره فأربع، وكلّها فى ذى القعدة: عمرة الحديبية، وصدّه المشركون عنها ثم صالحوه على أن يعود من العام المقبل معتمرا، ويخلوا له مكّة ثلاثة أيّام ولياليها، ويصعدون رؤوس الجبال، فحلّ من إحرامه بها، ونحر سبعين بدنة كان ساقها، فيها جمل لأبى جهل فى رأسه برة فضّة يغيظ بذلك المشركين. وعمرة القصبة من العام المقبل أحرم بها من ذى الحليفة، وأتى مكّة وتحلّل منها وأقام بها ثلاثة أيّام، وكان تزوّج ميمونة الهلاليّة قبل عمرته ولم يدخل بها، فأنفذ إليهم عثمان بن عفّان فقال: إن شئتم أقمت عندكم ثلاثا أخر، وأولمت بكم وعرست بأهلى، فقالوا: لا حاجة لنا فى وليمتك اخرج عنّا! فخرج فأتى سرف، وهى على عشرة أميال من مكّة فعرس بأهله هناك. وعمرة الجعرانة فى سنة ثمان لمّا فتح مكّة وخرج إلى الطائف فأقام عليها شهرا، ثم تركها ورجع على دجنا، ثم علا على قرن المنازل، ثم علا نخلة حتى خرج (٥٨) إلى الجعرانة، فلحقه أهل الطائف بها وأسلموا، وأحرم ﷺ بها

стр. 1092

ودخل مكّة معتمرا لثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة، وفرغ من عمرته ليلا، ثم رجع إلى الجعرانة وأصبح بها كبائت ورجع إلى المدينة. وعمرته مع حجّته ﷺ . ذكر سنة إحدى عشرة للهجرة النبويّة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ذكر وفاته ﷺ فى هذه السّنة كانت وفاته ﷺ ، قال ابن إسحاق: ابتدئ رسول الله ﷺ فى مرضه الذى قبضه الله فيه ورفع روحه الطاهرة إليه، لما أراد من كرامته ﷺ فى ليال بقين من صفر وربيع الأوّل، وذلك أنّه كان خرج إلى بقيع الغرقد فى جوف اللّيل فاستغفر لهم، ثمّ رجع إلى أهله، فلمّا أصبح ابتدئ بوجعه من يومه. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: لمّا رجع ﷺ من البقيع وجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى وأقول وا رأساه! فقال: بل أنا يا عائشة وا رأساه! قالت: ودام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى [استعز] (١) به وهو فى بيت ميمونة، قالت ميمونة: فدعا نسائه فاستأذنهنّ فى أن يمرّض فى بيت عائشة، فأذنّ له.

стр. 1093

وعن عائشة قالت: لمّا استغرق ﷺ فى مرضه قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» قالت، فقلت: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن، قال: «[مروه] (١) فليصلّ بالنّاس»، قالت فأعدت عليه القول فقال: «إنّكنّ صويحبات يوسف. مروه فليصلّ بالنّاس». قال القضاعى: وصلّى أبو بكر (٥٩) بالنّاس سبع عشرة صلاة، وكذا روى الدولابىّ أيضا. وقال ابن إسحاق: فلمّا كان يوم الاثنين خرج رسول الله ﷺ عاصبا رأسه إلى صلاة الصبح، وأبو بكر يصلّى بالناس، قال فلمّا خرج ﷺ [تفرّج] (٢) النّاس، فعرف أبو بكر رضى الله عنه بجعجعة النّاس واشتداد فرجهم أنّ رسول الله ﷺ بينهم، فنكص عن مصلاّه، فدفع رسول الله ﷺ فى ظهره ثم قال: «صلّ بالنّاس»! وجلس ﷺ إلى جنبه فصلّى قاعدا عن يمين أبى بكر، فلمّا فرغ من صلاته أقبل على النّاس بوجهه الكريم فكلّمهم رافعا صوته: حتى خرج صوته من باب المسجد، وهو يقول: «أيّها النّاس، سعّرت النار، وأقبلت [الفتن] (٣) كقطع الليل المظلم، إى والله ما تمسكون علىّ بشئ، إنّى لم أحلّ إلاّ ما أحلّ القرآن، ولم أحرّم إلاّ ما حرّم القرآن»، قال: فلمّا فرغ من كلامه دخل إلى أهله.

стр. 1094

قال ابن إسحاق: إنّ العبّاس أخذ بيد علىّ كرّم الله وجهه فقال: يا علىّ، أحلف بالله لقد عرفت الموت فى وجه رسول الله ﷺ ، كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطّلب فانطلق بنا إليه، فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا النّاس، فقال علىّ عليه ﵇: لا أفعل والله ولا أعزّيه فى نفسه، لئن منعناه لا [يؤتيناه] (١) أحد بعده. ثم توفّى من ذلك اليوم حين اشتدّ الضحى. ومن رواية المسعودى فى ذكر وفاة رسول الله ﷺ عن جماعة الصحابة رضى الله عنهم قال: دخلنا على رسول الله ﷺ فى بيت عائشة رضى الله عنها حين دنا الفراق منه، فنظر إلينا ثم دمعت عيناه ثم قال: «مرحبا بكم حيّاكم الله آواكم الله نصركم الله، أوصيكم (٦٠) بتقوى الله وأوصى بكم الله، إنّى لكم منه نذير مبين، ألا تعلوا على الله فى عباده وبلاده، فقد دنا الأجل، والمقلب إلى الله، وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنّة المأوى والكأس الأوفى، فاقرءوا على أنفسكم وعلى من دخل فى دينكم بعدى منّى السلام ورحمة الله». وروى أنّه قال لجبريل عند موته: «من لأمّتى بعد بعدى» فأوحى الله تعالى إلى جبريل أن بشّر حبيبى أنّى لا أخذله فى أمّته، وبشّره أنّه أسرع النّاس خروجا من الأرض إذا بعثوا، وسيّدهم إذا جمعوا، وأنّ الجنّة محرّمة على الأمم حتى تدخلها أمّته، فقال: «الآن طاب قلبى وقرّت عينى». وقالت عائشة رضى الله عنها: أمرنا رسول الله ﷺ أن نغسله بسبع قرب من سبعة آبار، ففعلنا، فوجد راحة فى ذلك، فخرج يصلّى بالناس، واستغفر لهم،

стр. 1095

واستغفر لأهل أحد، ودعا لهم وأوصى بالأنصار فقال: «أمّا بعد، يا معشر المهاجرين، فإنّكم تزيدون، وأضحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التى هى عليها اليوم، وإنّ الأنصار هى عيبتى (١) التى أويت إليها، فأكرموا كريمهم-يعنى محسنهم-وتجاوزوا عن مسيئهم». ثم قال: «إنّ عبدا خيّر بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله»، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، وظنّ أنّه يريد نفسه، فقال النبى ﷺ : «على رسلك يا أبا بكر، سدّوا هذه الأبواب الشوارع فى المسجد إلاّ باب أبى بكر، فإنّى لا أعلم امرأ أفضل عندى فى الصحبة من أبى بكر». وقالت عائشة رضى الله عنها: فقبض ﷺ فى بيتى وبين سحرى (٢) ونحرى، وجمع الله بين ربقى وريقه عند الموت، دخل عليه عبد الرحمن أخى وبيده سواك فجعل ينظر إليه، فعلمت أنّه قد أعجبه ذلك السواك، فقلت: آخذه لك يا رسول الله (٦١) فأومأ برأسه أى نعم، فليّنته وكان بين يديه ركوة ماء فناولته إيّاه ثم جعل يدخل يده فى تلك الركوة ويقول: «لا إله إلاّ الله، إنّ للموت سكرات»، ثم يصبّ يده ويقول: «الرفيق الأعلى، الرفيق الأعلى». وعن سعيد بن عبد الله عن أبيه قال: لمّا رأت الأنصار أنّ النبى ﷺ يزداد ثقلا طافوا بالمسجد، فدخل العبّاس على النبى ﷺ فأعلمه بمكانهم، ثم دخل الفضل فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل علىّ ﵇ فأعلمه بذلك، فمدّ يده، قال: «ما يقولون؟» قال: يقولون نخشى أن تموت، قال: فبادر

стр. 1096

رسول الله ﷺ فخرج متوكّئا على علىّ كرّم الله وجهه، والفضل رضى الله عنه والعبّاس رضى الله عنه أمامه، ورسول الله ﷺ معصوب الرأس يخطّ برجله حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، وثاب الناس حواليه فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: «أيّها الناس، إنّه بلغنى أنّكم تخافون علىّ الموت، كأنّه استنكار منكم للموت، وما تنكرون من موت نبيّكم؟ هل خلّد نبى قبلى فيمن بعث فأخلّد فيكم؟ ألا إنّى لاحق بربّى، وإنّكم لا حقون به، وإنّى أوصيكم بالمهاجرين الأوّلين خيرا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم، فإنّ الله تعالى قال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَااصَوْا بِالْحَقِّ وَتَااصَوْا بِالصَّبْرِ»﴾ (١)، وإنّ الأمور تجرى بإذن الله، ولا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله، فإنّ الله تعالى لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادعه خدعه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ»﴾ (٢)، وأوصيكم بالأنصار خيرا فإنّهم الذين تبوّأوا الدّار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم الثمار؟ ألم يوسّعوا لكم فى الدار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم (٦٢) الخصاصة، ألا فمن ولّى أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأمروا عليهم، ألا وأنى فرط لكم، وأنتم لا حقون بى، ألا وإنّ موعدكم الحوض حوضى أعرض ممّا بين بصرى الشام وصنعاء اليمن، فيه ماء أشدّ بياضا من

стр. 1097

الّلبن وألين من الزّبد وأحلى من الشّهد، من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا، ألا من أحبّ أن يرده فليكف لسانه ويده إلاّ فيما ينبغى». فقال العبّاس: يا نبى الله أوص لقريش! فقال: «إنّما أوصى بهذا الأمر قريشا، والنّاس تبع لقريش، برّهم لبرّهم، وفاجرهم لفاجرهم، فاستوصوا آل قريش بالنّاس خيرا، يا أيّها الناس إنّ الذّنوب تغيّر النّعم وتبدّل النّسم، فإذا برّ الناس فبرّوهم وإذا فجر الناس عقّوهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾ (١). وعن ابن مسعود أنّه ﷺ قال لأبى بكر: «سل يا أبا بكر»! فقال: يا رسول الله دنا الأجل؟ فقال: «قد دنا وتدلّى»، فقال: ليهنك يا نبىّ الله ما عند الله، فليت شعرى عن منقلبنا؟ فقال: «إلى الله وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنّة المأوى، والفردوس الأعلى، والكأس الأوفى» قال: فيما نكفّنك؟ فقال: «فى ثيابى وفى حلّة يمانيّة وفى بياض مصر»، فقال: يا نبىّ الله من يغسّلك؟ فقال: «رجل من أهل بيتى الأدنى». قال: فكيف الصّلاة عليك منّا؟ وبكى وبكى رسول الله، ثم قال: «مهلا غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرا، إذا غسّلتمونى وكفّنتمونى فضعونى على سريرى فى بيتى هذا على شفير قبرى، ثم اخرجوا عنّى ساعة، فإنّه أوّل من يصلّى علىّ ربّى : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ»﴾ (٢). ثم يأذن

стр. 1098

الله للملائكة فى الصلاة علىّ، فأوّل من يصلّى علىّ من الملائكة جبرئيل ثم ميكائيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنود كثيرة من الملائكة (٦٣)، ثم الملائكة بأجمعها، ثم أنتم. فادخلوا علىّ أفواجا أفواجا فصلّوا علىّ زمرة زمرة، وسلّموا تسليما، وليبدأ فى الصّلاة أهل بيتى الأدنى، ثم أصحابى الأخصّاء، ثم النساء زمرا زمرا، ثم الصّبيان كذلك»، قال: فمن يدخل القبر؟ قال: «أهل بيتى الأدنى فالأدنى، مع ملائكة كثيرة لا ترونهم ويرونكم». قال عبد الله بن زمعة: جاء بلال فى أوّل ربيع الأوّل فأذّن للصّلاة، فقال النبى ﷺ : «مروا أبا بكر يصلّى بالنّاس». قال [عبد الله] (١): فخرجت فلم أجد بالباب إلاّ عمر بن الخطّاب فى رجال ليس فيهم أبو بكر، فقلت: قم يا عمر فصلّ بالنّاس! فقام عمر فلما كبّر، وكان رجلا صيّتا، فسمعه النّبىّ ﷺ فقال: «وأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، قالها ثلاث مرات، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس». فقالت عائشة: يا رسول الله، إنّ أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قام فى مقامك غلبه البكاء فقال: «إنكنّ صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، قال فصلّى أبو بكر بعد تلك الصلاة التى صلاّها عمر وكان عمر يقول لعبد الله بن زمعة بعد ذلك: ويحك ماذا صنعت بى؟ والله لولا أنّى ظننت أنّ رسول الله أمرك بذلك لما فعلت، فيقول عبد الله: إنّى لم أر أحدا أولى بذلك منك.

стр. 1099

قالت عائشة رضى الله عنها: ما قلت ذلك ولا صرفته عن أبى بكر إلاّ رغبة به عن الدّنيا وما فى الولاية من المخاطرة والهلكة، إلاّ من سلّم الله، وخشيت أيضا ألاّ تكون الناس يحبّون رجلا صلّى فى مقام النبى ﷺ وهو حىّ أبدا -إلاّ أن يشاء الله-يحسدونه ويبغون عليه ويشاءمون به، فإذن الأمر أمر الله، والقضاء قضاؤه، عصمه الله من كلّ ما تخوّفت عليه فى أمر الدنيا والدين. قالت عائشة رضى الله عنها: (٦٤) فلمّا كان اليوم الذى مات فيه رسول الله ﷺ رأيت منه فى أول النهار خفّة، فتفرّق عنه الرجال إلى منازلهم وحوائجهم مستبشرين، وأخلوا رسول الله ﷺ بالنّساء، فبينا نحن على ذلك لم يكن مثل حالنا فى الرخاء والفرح قبل ذلك إذ قال النبى ﷺ : «اخرجن عنّى، هذا الملك يستأذن علىّ»، قالت: فخرج من فى البيت غيرى، ورأسه فى حجرى، فجلس، فقمت عنه فى ناحية من البيت، فناجى الملك طويلا، ثم إنّه دعانى فأعاد رأسه فى حجرى، وقال للنّسوة: «ادخلن»، فدخلن، فقلت: يا رسول الله ما هذا بحسّ جبريل ﵇. فقال: «أجل يا عائشة، هذا ملك الموت جاء إلىّ وقال إنّ الله أرسلنى إليك، وأمرنى أن لا أدخل عليك إلاّ بإذن منك، وإن لم تأذن لى وإلاّ رجعت، وأمرنى أن لا أقبض نفسك إلاّ بأمرك، فقلت: تربص حتى يأتينى جبريل ﵇»، قالت عائشة: وجاء جبريل فى ساعته، فعرفت حسّه فجلا به ساعة، فسمعناه يقول: «الرّفيق الأعلى، الرّفيق الأعلى» ثم قبض ﷺ ضحى نهار. وجرت أحواله ﷺ كلّها على يوم الاثنين، وذلك أنّه ولد يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، وخرج من مكّة يوم الاثنين، ودخل المدينة مهاجرا

стр. 1100

يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة النبويّة. قال ابن إسحاق: فلمّا توفّى ﷺ قام عمر فقال: إنّ رجالا يزعمون أنّ رسول الله ﷺ قدمات، وإنّ رسول الله ﷺ ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب (٦٥) موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل فيه إنّه مات، والله ليرجعنّ رسول الله كما رجع موسى، وليقطعنّ أيدى رجال وأرجلهم. قال: فأقبل أبو بكر رضى الله عنه حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر رضى الله عنه يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شئ حتى وصل إلى رسول الله ﷺ فى بيت عائشة، فوجده مسجّى فى ناحية البيت، فأقبل حتى كشف عن وجهه الكريم ﷺ فقبّله، ثم قال: بأبى وأمّى أنت يا رسول الله، أمّا الموتة التى كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن [تصيبك] (١) بعدها موتة أبدا، ثم ردّ الثوب-وهى البردة-على وجهه الكريم، ثم خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلاّ أن يتكلّم، فلمّا رآه لا ينصت أقبل على الناس، فحمد الله وأثنى عليه، فلمّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، ثم قال: أيّها النّاس من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حىّ لا يموت، ثم تلا: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ»﴾ (٢) - الآية، قال: فو الله لكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر،

стр. 1101

قال عمر: ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها فصرخت حتى وقعت [إلى] (١) الأرض ما حملتنى رجلاى. وعرفت أنّ رسول الله ﷺ قد مات حقّا. وتوفّى صلّى الله عليه وله من العمر ثلاث وستّون سنة، وهو المتّفق عليه، وكان له بالمدينة عشر سنين، وغسّله علىّ ﵇ والعبّاس والفضل وقثم رضوان الله عليهم، فكان علىّ يسنده إلى صدره، والعبّاس والفضل (٦٦) يقلبونه، وأسامة وشقران يصبّان عليه الماء، ويقال: كان فيهم أوس بن خولى من الخزرج، وكفّن ﷺ فى ثلاثة أثواب بيض سحوليّة (٢)، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، وصلّى عليه النّاس زمرا زمرا بغير إمام، ودخل قبره العبّاس وعلىّ والفضل وقثم وشقران، وقيل أدخلوا معهم عبد الرّحمن بن عوف، وقيل إنّهم اختلفوا فى مكان الدّفن، فقال بعضهم: ندفنه فى مصلاّه، وقال بعض: بالبقيع، فقال أبو بكر رضى الله عنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبىّ قطّ إلاّ فى المكان الذى توفّى فيه» فدفن فى الموضع الذى قبض فيه، وحفر له مكان فراشه ولحد وأطبق عليه تسع لبنات، وقيل: اختلفوا أيلحد له أم لا، وكان بالمدينة حفّاران أحدهما يلحد، وهو أبو طلحة والآخر لا يلحد وهو أبو عبيدة، فاتّفقوا على أىّ من جاء منهم أوّلا عمل عمله، فجاء الذى يلحد فلحده ﷺ .

стр. 1102

ذكر أسمائه ﷺ قال ﷺ : «أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحى بى الكفر، وأنا الحاشر الذى أحشر الناس، وأنا العاقب فلا نبىّ بعدى. وفى رواية: وأنا المقفّى، ونبىّ التّوبة ونبىّ الرحمة، وفى رواية: «الملحمة»، وسمّاه الله فى كتابه العزيز: بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا، ورؤوفا رحيما، ورحمة للعالمين، ومحمّدا، وأحمد، وطه، ويس، ومزمّلا، ومدثّرا وعبدا فى قوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ»﴾ (١). وعبد الله فى قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ»﴾ (٢) ونذيرا مبينا، ومذكّرا فى قوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ»﴾ ﷺ ، وقد ذكرت له أسماء كثيرة؛ منها المتوكّل والفاتح والخاتم والضحوك (٦٧) والقتّال والأمين والمصطفى والرسول النبى الأمّى والقثم، ومعلوم أنّ أكثر هذه الأسماء صفات، وقد تقدّم شرح الماحى والحاشر والعاقب والمقفّى والمرحمة بمعنى الرحمة، والملاحم: الحروب، والضحوك صفته فى التوراة، قال ابن فارس: إنّما سمّى بذلك لأنّه كان طيّب النفس فكها، والقثم من معنيين: أحدهما العطاء، يقال: قثم له أى أعطاه، وكان صلّى الله عليه أجود من الريح المرسلة، والثانى من القثم الجمع، يقال للرّجل الجامع للخير قثوم وقثيم، والله أعلم.

стр. 1103

ذكر صفته ﷺ كان ﷺ ربعة من القوم: لا بائن من طول، ولا تقتحمه العين من قصره غصن بين غصنين، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون مشرب بحمرة، وقيل أزهر (١)، ليس بالأبيض الأمهق (٢) ولا بالأدم، له شعر رجل يبلغ شحمة أذنيه إذا طال، وإذا قصر إلى أنصافهما، لم يبلغ شيبه فى رأسه ولحيته عشرين شعرة، كأنّ عنقه جيد دمية فى صفاء الفضّة، ظاهر الوضاءة مبلج الوجه يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، حسن الخلق معتدله لم تعبه ثجلة (٣)، ولم تزر به صعلة (٤)، وسيما قسيما، فى عينيه دعج، وفى بياضهما عروق دقاق، وفى أشفارهما غطف (٥)، وفى صوته صحل (٦)، وفى عنقه سطح، وفى لحيته كثافة (٧). إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل: لا نزر ولا هذر (٨)، كأنّ منطقه خرزات نظم تنحدر من عقد، واسع الجبين، أزجّ (٩) الحواجب فى غير قرن، بينهما

стр. 1104

عرق يدرّه الغضب (١)، أقنى العرنين (٢)، له نور يعلوه، يحسبه من لم (٦٨) يتأمّله أشمّ (٣)، سهل الخدّين (٤) ضليع (٥) الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، من لبّته إلى سرته شعر يجرى كالقضيب، ليس فى بطنه ولا صدره شعر غيره، أشعر الذراعين والمنكبين، بادن (٦) متماسك، سواء البطن والصدر، [سبيح (٧)] الصدر، ضخم الكراديس (٨)، أنور المتجرّد (٩)، عريض الصّدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن (١٠) الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب (١١)، خمصان الأخمصين (١٢)، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا (١٣)، ويخطو تكفّيا (١٤) ويمشى هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب (١٥)، وإذا التفت التفت جميعا، بين كتفيه خاتم النبوة

стр. 1105

كأنّه زرّ حجلة (١) أو بيضة حمام، لونه كلون جسده، عليه خيلان (٢)، كأنّ عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ وعن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله ﷺ فى [حلّة] (٣) حمراء لم أر شيئا قطّ أحسن منه، وعن أنس قال: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من رائحته ﷺ ، وكان أبو بكر رضى الله عنه إذا رأى النبىّ ﷺ يقول: أمين مصطفى بالخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام وعن أبى هريرة قال: كان عمر بن الخطّاب رضى الله عنه ينشد قول زهير ابن أبى سلمى فى هرم بن سنان فيقول: لو كنت من شئ سوى بشر ... كنت المضئ لليلة البدر ثم يقول عمر وجلساؤه حوله: كذلك كان رسول الله ﷺ (٦٩) ولم يكن كذلك غيره، وفيه يقول عمه أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلاّك (٤) ... من آل هاشم فهم عنده فى نعمة وفضائل وميزان حقّ لا يخيس (٥) ... شعيرة ووزّان عدل وزنه غير عائل

стр. 1106

ذكر صفاته المعنويّة ﷺ عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: سألت عائشة رضى الله عنها عن خلقه ﷺ ، فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، وكان لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها إلاّ أن تنتهك حرمات الله فيكون لله ينتقم، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد، وكان أشجع الناس وأجرأهم صدرا. قال علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه: كنّا إذا اشتدّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ . وكان أسخى الناس وأجودهم، ما سئل قطّ شيئا فقال لا، وأجود ما كان فى شهر رمضان، وكان لا يبيت فى بيته دينار ولا درهم، فإن فضل ولم يجد من يعطيه وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ ممّا آتاه الله إلاّ قوت أهله عاما فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك فى سبيل الله، ولا يدّخر لنفسه شيئا، ثمّ يؤثر (١) من قوت أهله حتّى ربّما احتاج قبل انقضاء العام. وكان أصدق الناس لهجة، وأوفاهم بذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، محقود محسود، لا عابس ولا مفند، فخما مفخّما (٢)، وكان أحلم الناس، وأشدّ حياء من العذراء فى خدرها، لا يثبّت بصره فى وجه أحد، خافض لطرفه، نظره إلى الأرض (٧٠) أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة. وكان أكثر الناس تواضعا، يجيب من دعاه من غنىّ أو فقير، أو شريف أو دنئ، أو حرّ أو عبد، يصفّى الإناء للهرّة فما يرفعه حتى تروى رحمة لها، ويسمع بكاء الصغير وهو مع أمّه فى الصلاة فيخفّف رحمة لها.

стр. 1107

وكان أعفّ الناس لم تمسّ يده امرأة قطّ لا يملك رقّها أو نكاحها أو تكون ذات رحم. وكان أشدّ الناس كرامة لأصحابه، ما رؤى قطّ مادّا رجله بينهم، ويوسّع عليهم إذا ضاق المكان، ولم تكن ركبتاه تتقدّمان ركبة جليسه، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبّه، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام. وكان يقول: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنّما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». وكان يتجمّل لأصحابه فضلا، ويقول: «إنّ الله يحبّ من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّأ لهم ويتجمّل»، وكان يتفقّد أصحابه ويسأل عنهم؛ فمن كان مريضا عاده، ومن كان غائبا دعا له وتفقّد أهله، ومن مات استرجع فيه وأوسعه بالدعاء، ومن كان يتخوّف أن يكون وجد فى نفسه شيئا قال: «لعلّ فلانا وجد علينا فى شئ، أو رأى منّا تقصيرا، انطلقوا بنا إليه». فينطلق حتى يأتيه فى منزله، وكان يخرج إلى بساتين أصحابه ويأكل ضيافة من أضافه فيها، ويتألّف أهل الشرف ويكرم أهل الفضل، ولا يطوى بشره عن أحد، ولا يجفو عليه، ولا يقبل الثناء إلاّ من مكافئ، ويقبل معذرة من يعتذر إليه، والقوىّ والضعيف والقريب والبعيد عنده فى الحقّ سواء. وكان لا يدع أحدا يمشى خلفه ويقول: «خلّوا ظهرى للملائكة»، ولا يدع أحدا يمشى معه وهو راكب حتى يحمله، فإن أبى قال: «تقدّمنى المكان

стр. 1108

الذى (٧١) تريد»، وركب ﷺ حمارا عريانا إلى قباء، وأبو هريرة معه، فقال: «يا أبا هريرة، أحملك»؟ [فقال: ما شئت، فقال: «اركب»] (١)، وكان فى أبى هريرة ثقل فوثب ليركب، فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ فوقعا جميعا، ثم ركب ﷺ ، فقال: «أحملك؟» فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب»، فلم يقدر فاستمسك بالنبى ﷺ فوقعا جميعا، ثم قال: «يا أبا هريرة، أحملك؟» فقال: لا، والّذى بعثك بالحقّ لا صرعتك ثالثا. وكان ﷺ له عبيد وإماء لا يترفّع عليهم فى مأكل ولا ملبس ويخدم من خدمه، قال أنس رضى الله عنه: خدمت النبى ﷺ نحوا من عشرين سنة فو الله ما صحبته فى سفر ولا حضر لأخدمه إلاّ وكانت خدمته لى أكثر من خدمتى له، وما قال لى أفّ قطّ، ولا لشئ فعلته لم فعلت كذا. وكان ﷺ فى بعض أسفاره، فأمر بإصلاح شاة فقال رجل: يا رسول الله علىّ ذبحها، وقال آخر: وعلىّ سلخها، وقال آخر: وعلىّ طبخها، فقال ﷺ : «وعلىّ جمع الحطب». فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك، فقال: «إنّ الله يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه»، وقام ﷺ وجمع الحطب. وكان ﷺ فى سفر فنزل للصلاة، فتقدّم إلى مصلاّه، ثم كرّ راجعا، فقالوا: يا رسول الله أين تريد؟ قال: «أعقل ناقتى!» قالوا: نحن نكفيك! قال: «لا يستعن أحدكم بالناس ولو فى وصمة من سواك». وكان يوما جالسا يأكل هو وأصحابه تمرا، فجاء صهيب وقد غطّى على عينه

стр. 1109

وهو أرمد، فسلّم وأهوى فى التمر يأكل، فقال ﷺ : «تأكل الحلوى وأنت أرمد؟» فقال: يا رسول الله إنّما آكل بشقّ عينى الصحيحة. (٧٢) وكان يأكل ذات يوم رطبا، فجاءه علىّ ﵇ وهو أرمد، فدنا ليأكل فقال: «أتأ كل الحلوى وأنت أرمد؟»، فتنحّى ناحية، فنظر إليه ﷺ وهو ينظر إليه، فرمى له برطبة ثم أخرى، حتى رمى إليه سبعا، فقال: «حسبك، فإنّه لا يضر من التمر ما أكل وترا». وأهدت إليه أمّ سلمة رضى الله عنها قصعة ثريد، وهو عند عائشة، فرمت بها عائشة وكسرتها، فجعل ﷺ يجمع ذلك فى القصعة ويقول: «غارت أمّكم، غارت أمّكم». وحدّث ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت امرأة منهم: كأنّ الحديث حديث خرافة، فقال ﷺ : «أتدرون ما خرافة؟ إنّ خرافة كان رجلا فى عذرة، أسرته الجنّ فى الجاهليّة، فمكث فيهم دهرا، ثم ردّوه إلى الإنس، فكان يحدّث الناس بما رأى منهم من العجائب، فقال الناس: حديث خرافة». وكان ﷺ إذا دخل منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزء لله، وجزء لنفسه وجزء لأهله، ثم جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فيردّ ذلك بالخاصّة على العامّة. وكان ﷺ من سيرته فى جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمته على قدر فضلهم فى الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم، ويخبرهم بالذى ينبغى لهم، ويقول: «ليبلغ

стр. 1110

الشاهد [منكم] (١) الغائب وأبلغونى حاجة من لا يستطيع [إبلاغها، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها] (١) ثبّت الله قدميه يوم القيامة» لا يذكر عنده [إلاّ] (١) ذلك ولا يقبل من أحد غيره، ويدخلون روّادا (٢)، ولا [يتفرّقون] (٣) إلاّ ذواق (٤)، ويخرجون أدلة، يعنى على الخير. وكان ﷺ يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، [ويكرم كريم كلّ قوم] (٥) ويولّيه عليهم، والّذى يليه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده (٧٣) أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة، ولا يجلس ولا يقوم إلاّ على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس: ويأمر بذلك ويعطى كلّ جلسائه [نصيبه] (٦)، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه ممّن جالسه، وإذا جلس أحد إليه لم يقم حتى يقوم الذى جلس إليه إلاّ إن استعجله أمر فيستأذنه، ولا يقابل أحدا بما يكره، ولا ضرب خادما قطّ ولا امرأة ولا أحدا إلاّ فى جهاد أو حدّ، ويصل ذا رحمه من غير أن يؤثره على من هو أفضل منه، ولا يجزى السيئة بمثلها بل يعفو ويصفح، وكان يعود المرضى، ويحبّ المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيرا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه، ويعظّم النعمة وإن قلّت، لا يذمّ منها شيئا، ويحفظ ويكرم ضعيفه ويبسط له رداءه.

стр. 1111

وجاءته ظئره التى أرضعته يوما فبسط رداءه لها وقال: «مرحبا بأمّى» وأجلسها عليه. وكان أكثر النّاس تبسّما وأحسنهم بشرا، مع أنّه كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، لا يمضى له وقت من غير عمل لله، لو فيما لا بدّ له. أو لأهله منه، ولا خيّر فى شيئين قطّ اختار أيسرهما، إلاّ أن يكون فى قطيعة رحم فيكون أبعد النّاس منه. وكان يخصف نعله، ويرفّع ثوبه ويخدم فى مهنة أهله ويقطع اللّحم معهنّ. ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده أو غيره ويمسح وجه فرسه بطرف كمّه، أو بطرف ردائه، وكان يتوكّأ على العصى، وقال: «التوكّؤ على العصى من أخلاق الأنبياء»، ورعى الغنم، وقال: «ما من نبىّ إلاّ وقد رعاها». وعقّ ﷺ عن نفسه بعد ما جاءته النبوّة. وكان لا يدع العقيقة عن المولود من أهله، ويأمر بحلق رأسه (٧٤) يوم السّابع، وأن يتصدّق عنه بزنته فضّة، وكان يحبّ الفأل، ويكره الطّيرة، ويقول: «ما منّا إلاّ من يجد فى نفسه، ولكن الله يذهبه بالتوكّل». وكان إذا جاءه ما يحبّ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»﴾، وإذا جاءه ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال»، وإذا رفع الطّعام من بين يديه قال: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا من المسلمين»، وروى فيه: «الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه غير مودّع ولا مستغنى عنه ربّنا»، وإذ عطس خفض صوته واستتر بيده أو بثوبه.

стр. 1112

وكان يكثر الذّكر ويقلّ الّلغو ويطيل الصّلاة ويقصّر الخطبة ويستغفر فى المجلس الواحد مائة مرّة، وينام أوّل الليل، ثم يقوم من السحر ثم يوتر، ثم يأتى فراشه، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبا أفاض عليه وإلاّ توضّأ وخرج إلى الصّلاة، وكان يصلّى قائما وربّما صلّى قاعدا، قالت عائشة رضى الله عنها: لم يمت ﷺ حتى كان أكثر صلاته جالسا. وكان يسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء وهو فى الصّلاة. وكان يصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيّام من كلّ شهر، وعاشوراء، وقلّ ما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه فى شعبان، وكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه انتظارا للوحى، وإذا نام نفخ ولا يغطّ غطيطا، وإذا رأى فى منامه ما يروعه قال: «هو الله لا شريك له»، وإذا أخذ مضجعه وضع كفّه اليمنى تحت خدّه، وقال: «ربّ قنى عذابك يوم تبعث عبادك»، وكان يقول: «الّلهمّ باسمك أموت وأحيا»، وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». وكان إذا تكلّم بيّن كلامه حتى يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثا لينقل عنه، ويخزن لسانه لا يتكلّم فى غير حاجة، ويتكلّم بجوامع الكلام، فضل لا فضول ولا تقصير. (٧٥) وكان يتمثّل بشئ من الشعر، وكثيرا ما يتمثّل بقول: ويأتيك بالأخبار من لا تزوّد (١) ...

стр. 1113

أو بغير ذلك. وكان جلّ ضحكه التبسم، وربّما ضحك لشئ يعجبه حتى تبدو نواجذه ﷺ من غير قهقهة. وما عاب ﷺ طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله وإن لم يشته تركه، وكان لا يأكل متّكئا ولا على خوان، ولا يمتنع من مباح، ويأكل الهدّية ويكافئ عليها، ولا يأكل الصّدقة ولا يتأنّق فيما كان يأكل، يأكل ما وجد تمرا كان أو خبزا، وإن وجد شواء أكله وإن وجد لبنا اكتفى به، ولم يأكل خبزا مرقّقا حتى مات ﷺ . قال أبو هريرة: خرج رسول الله ﷺ من الدّنيا لم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتى على آل محمّد الشّهر والشّهران لا يوقد فى بيت من بيوته نار، كان قوتهم التمر والماء، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد أتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، فأبى أن يقبلها واختار الآخرة عليها. وكان يأتى عائشة فيقول: «عندك غذاء؟» فتقول: لا، فيقول: «إنىّ صائم». فأتاها يوما، فقالت: يا رسول الله: أهدى لنا هدّية، قال: «وماهى؟» قالت: حسيا. قال: «أما إنّى أصبحت صائما»، قالت، ثم أكل وأكل ﷺ الخبز بالخلّ، وقال: «نعم الإدام الخلّ»، وأكل لحم الدّجاج، ولحم الحبارى، وكان يحبّ الدّبّاء ويتبعه، ويعجبه الذراع من الشاة، وقال «إنّ أطيب اللحم لحم الظهر»، وقال: «كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة»، وكان يعجبه التفل، يعنى ما بقى من الطّعام، وكان يأكل بأصابعه الثلاثة ويلعقهم.

стр. 1114

وعن سلمى زوجة أبى رافع أنّ الحسن وابن عبّاس وابن جعفر أتوها فقالوا: اصنعى لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله! فقالت: إنّكم لا تشتهونه اليوم، قالوا: بلى، اصنعيه! قال: فقامت فطحنت شعيرا وجعلته فى قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتوابل وقرّبته إليهم، فقالت: هذا ما كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله. وأكل ﷺ خبز الشعير بالتمر، وقال: هذا أدم هذا، وأكل ﷺ البطيخ بالرطب، والقثّاء بالرطب، والتّمر بالزبد. وكان يحبّ الحلوى والعسل، وكان يشرب قاعدا، وربّما شرب قائما، وتنفّس ثلاثا، وإذا فضل منه فضلة وأراد أن يسقيها بدأ بمن عن يمينه. وشرب ﷺ لبنا، وقال: «من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهّم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن أسقاه الله لبنا فليقل: «اللهّم بارك لنا فيه وارزقنا منه»، وقال ﷺ : «ليس شئ يجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن». وكان ﷺ يلبس الصوف وينتعل بالمخصوف، ولا يتأنّق فى ملبس، ويلبس ما وجد مرّة شملة، ومرّة بردا، ومرّة حبرة، ومرّة جبة صوف، وكان يلبس النعال السبتيّة (١)، ويتوضّأ فيها، وكان لنعليه قبالان، وأوّل من عقد عقدا واحدا عثمان، وكان أحبّ اللباس إليه الحبرة؛ وهى من برد اليمن، فيها حمرة وبياض، وكان أحبّ الثياب إليه القميص، وكان إذا استجدّ ثوبا سمّاه باسمه: عمامة أو قميصا أو بردا أو غير ذلك، يقول: «اللهمّ لك الحمد كما ألبستنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له»، وكان تعجبه الثياب

стр. 1115

الخضر، وكانت تكون قميصه مشدودة الأزرار، وكان يلبس الكساء الصوف وحده فيصلّى فيه، وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، يعقد طرفيه من كتفيه يصلّى فيه، وكان يلبس القلانس تحت العمائم ويلبسها دون (٧٧) العمائم، ويلبس العمائم دونها، ويلبس القلانس ذات الآذان فى الحرب، وربّما نزع قلنسوته وجعلها سدّة بين يديه وصلّى إليها، وربّما مشى بلا قلنسوة ولا عمامة ولا رداء راجلا يعود المرضى كذلك فى أقصى المدينة، وكان يعتمّ ويسدل طرف عمامته بين كتفيه، وعن علىّ ﵇: عمّمنى رسول الله ﷺ بعمامة وسدل طرفها على منكبى، وقال: «إنّ العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين». وكان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر، ويعتمّ، ويلبس خاتما من فضّة، فصّه منه، نقشه: محمّد رسول الله، فى خنصره الأيمن، وربّما لبسه فى الأيسر، ويجعل فصّه ممّا يلى باطن كفّه. وكان ﷺ يحبّ الطيب ويكره الريح الخبيثة، ويقول: «إنّ الله حبّب إلىّ النسّاء والطّيب وجعل قرّة عينى فى الصّلاة». وكان يتطيّب بالغالية والمسك حتى يرى وبيصه (١) فى مفارقه، ويتبخّر بالعود ويطرح معه الكافور، وكان يعرف فى الليلة المظلمة بطيب ريحه، وكان يكتحل بالإثمد فى كلّ ليلة فى كلّ عين، وربّما اكتحل ثلاثا فى اليمين واثنين فى اليسار، وربّما اكتحل وهو صائم، وكان يقول: عليكم بالإثمد فإنّه [يجلو (٢)] البصر ويثبّت الشعر، وكان يكثر دهن رأسه ولحيته. وكان يترجّل غبّا (٣)، وكان يحبّ التيمّن فى

стр. 1116

ترجّله وتنعله وطهوره، وفى شأنه كلّه، وكان ينظر فى المرآة وربّما نظر فى الماء فى ركوة فى حجر عائشة وسوى جمته، وكان لا يفارقه فى سفره قارورة الدهن، والمكحلة، والمرآة، والمشط، والمقراض، والسواك، والخيوط والإبرة فيخيط بها ثيابه، ويخصف فعله. وكان يستاك بالأراك، وكان إذا قام من النوم يشوّص فاه بالسواك فيستاك فى الليلة ثلاث مرار: قبل النوم، وعند القيام من النوم، وعند الخروج (٧٨) إلى صلاة الصبح. وكان يحتجم فى الأخدعين وبين الكتفين، واحتجم وهو محرم [بملل (١)] على ظهر القدم، وكان يحتجم لسبعة عشر وتسعة عشر وإحدى وعشرين. وكان ﷺ يمزح ولا يقول إلاّ حقّا، دخل يوما على أمّ سلمة وقد مات نغير (٢) ابنها من أبى طلحة، [فقال له: «يا أبا عمير (٣)]، ما فعل النّغير؟» وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، احملنى على جمل، فقال: «أحملك على ولد النّاقة؟» فقالت: لا يطيقنى، قال: «لا أحملك إلاّ على ولد النّاقة». قالت: لا يطيقنى. فقال لها الناس: وهل الجمل إلاّ ولد الناقة؟ وجاءته أخرى فقالت: يا رسول الله إنّ زوجى مريض، وهو يدعوك، فقال: «لعلّ زوجك الذى فى عينيه بياض». فرجعت المرأة وفتحت عين زوجها لتنظر إليها، فقال: ما لك؟ فقالت: أخبرنى رسول الله ﷺ أن فى عين زوجك بياضا، فقال: ويحك وهل أحد إلاّ وفى عينيه بياض؟ وجاءته أخرى فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلنى الجنّة! فقال:

стр. 1117

«يا أمّ فلان إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز، فولّت المرأة وهى تبكى، فقال رسول الله ﷺ : أخبروها أنهّا لا تدخل الجنّة وهى عجوز، إنّ الله تعالى يقول: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً، عُرُباً أَتْراباً»﴾ (١). وقالت عائشة رضى الله عنها: سابقته ذات يوم فسبقته، فلمّا كثر لحمى سابقته فسبقنى، ثم ضرب كتفى، وقال: «هذه بتلك» وجاء ﷺ إلى السوق من وراء ظهر رجل اسمه زاهر، وكان ﷺ يحبّه، فوضع يده على عينيه، وما كان يعرف أنّه رسول الله ﷺ ، حتى قال: «من يشترى [هذا] (٢) العبد؟» فجعل يمسح ظهره برسول الله ﷺ ، ويقول: إذا تجدنى كاسدا يا رسول الله! فقال: «لكنّك عند ربّك لست بكاسد»، ورأى ﷺ حسينا مع صبية فى السكّة فتقدّم ﷺ أمام القوم وطفق (٧٩) الحسين يفرّ هاهنا وهاهنا ورسول الله ﷺ يضاحكه، حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى فوق رأسه. وكان رسول الله ﷺ يدخل على عائشة رضى الله عنها والجوارى يلعبن عندها، فإذا رأينه تفرّقن فسيّرهن إليها، وقال لها يوما: وهى تلعب بلعبها: «ما هذه يا عائشة»؟ فقالت: خيل سليمان بن داود، فضحك وطلب الباب، فابتدرته واعتنقته، فقال: «ما لك يا حميراء»؟ فقالت: بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، ادع الله أن يغفر لى ما تقدّم من ذنبى وما تأخّر، قالت: فرفع يديه حتى بان بياض إبطيه، وقال: «الّلهمّ اغفر لعائشة بنت أبى بكر ظاهره وباطنه مغفرة لا تغادر ذنبا ولا تكسب بعده خطيئة ولا إثما»، وقال ﷺ : «أفرحت

стр. 1118

يا عائشة»؟ فقلت: إى والذى بعثك بالحقّ، فقال: أما والّذى بعثنى بالحقّ ما خصصتك بها من بين أمّتى، وإنّها لصلاتى لأمّتى فى الليل والنهار فيمن مضى منهم ومن بقى ومن هو آت إلى يوم القيامة، وأنا أدعو لهم والملائكة يؤمّنون على دعائى. قلت: إنّ فى هذا الخبر من البشارة لأمّة محمّد ﷺ ما يوجب أن يدعو لواضعه فى هذا التاريخ (١) بالعفو والمسامحة والآخرة الصالحة. وكان ﷺ خاتم النبيّين وسيّد المرسلين، وآتاه الله علم الأوّلين والآخرين ولا يحصى مناقبه أحد من العالمين، صلّى الله عليه وعلى آله أجمعين، وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم الدين. وأنشد الأمين العاصمى يقول: يا جاعلا سنن النّبىّ ... شعاره ودثاره مستمسكا بحديثه ... منتبّعا أخباره [سنن الشّريعة خذ بها ... متوسّما آثاره] (٢) وكذا الطّريقة فاقتبس ... فى سبلها أنواره هو قدوة لك فاتّخذ ... فى السنّتين شعاره قد كان يقرى ضيفه ... كرما ويحفظ جاره ويجالس المسكين يؤ ... ثر قربه وجواره الفقر كان رداءه ... والجوع كان شعاره

стр. 1119

يلقى [بغرّة ضاحك] (١) ... مستبشرا زوّاره بسط الرداء كرامة ... لكريم قوم زاره ما كان مختالا ولا ... مرحا يجرّ إزاره قد كان يركب بالرّدي ... ف من الخشوع حماره فى مهنة هو [أو] (٢) ... صلا ة ليله ونهاره فتراه يحلب شاة من ... زله ويوقد ناره ما زال كهف مهاجريه ... ومكرما أنصاره برّا بمحسنهم [مقي ... لا] (٣) للمسئ عثاره يهب الّذى تجوى يدا ... هـ لطالب إيثاره زكّى عن الدّنيا الدّن ... يّة ربّه مقداره جعل الإله صلاته ... أبدا عليه نثاره فاختر من الأخلاق ما ... كان الرّسول اختاره لتعدّ سنّيا وتو ... شك أن تبوّأ داره صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. قلت: وأمّا المدائح الكريمة فى سيّدنا رسول الله ﷺ فأكثر من أن تحصى، وقد اعتنى بجمع ذلك الأمير علاء الدين علىّ بن أمير حاجب متولّى يومئذ

стр. 1120

مصر المحروسة، فالذى وصلت إليه قدّرته ما وقفت له من ذلك على مجلّد كبير ضخم جدّا، يتضمّن فهرستا بعدّة أسماء الكتب المجلّدات التى ضمّنها ما جمع من المدائح النبويّة، فكان عدّة ذلك مائة وخمسين مجلّدة، وعدّة القصائد المضمّنة مدحه ﷺ ثمانية آلاف ومائتى قصيد وقصيد واحد، وعدّة الأبيات فى هذه القصائد المذكورة أربعمائة ألف بيت وأربعة وعشرين ألف بيت وأربعمائة وأربعة وأربعين بيتا. ذكر ما لخّص من كتاب الشفاء من معجزاته ﷺ وعظّم وكرّم فمنه القرآن العظيم المعجز الذى أعجز الفصحاء معارضته، وقصرت البلغاء عن مشاكلته، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وأيقن الملحدون بصدقه لمّا سئلوا أن يأتوا بعشر سور أو بسورة أو بآية من مثله. ومنها حديث سلمان، وقول العالم الذى كان يأتى بيت المقدس فى كلّ عام مرّة له: لا أعلم فى الأرض أعلم من يتيم خرج من أرض تهامة، إن ينطلق الآن نوافقه، وفيه ثلاث خلال: يأكل الهديّة ولا يأكل الصدقة، وعند غطروف كتفه الأيمن خاتم النبوّة مثل البيضة، لونها لون جلده، فانطلق فوجده ﷺ ، ووجد العلامات.

стр. 1121

ومنها شرح صدره لمّا عرج به، وإخراج العلقة التى هى حظّ الشيطان من قلبه، ثم غسله بماء زمزم وأعاده، وقد تقدّم ذكره. ومنها إخباره عن بيت المقدس وما فيه وهو بمكّة حين تردّدوا فى عروجه، وسألوه أن يصف لهم بيت (٨١) المقدس، فكشف الله له عنه فوصفه لهم. ومنها انشقاق القمر له فرقتين حين سألته قريش آية، وأنزل ذكر ذلك فى القرآن العظيم. ومنها أنّ ملأ من قريش جلسوا فى الحجر بعد ما تعاقدوا على قتله فخرج ﷺ فخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم على صدورهم، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل ﷺ حتى وقف على رؤوسهم، فقبض قبضة من تراب وقال: «شاهت الوجوه»، ثم حصبهم فما أصاب رجلا منهم حصبة من ذلك الحصى إلاّ قتل يوم بدر. ومنها أنّه رمى القوم يوم حنين بقبضة من تراب فهزمهم الله تعالى، وقال بعضهم: لم يبق منّا أحد إلاّ امتلأت عيناه ترابا، وفيه أنزل: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى»﴾ (١). ومنها آية الغار، إذ خرج القوم فى طلبه، فعمى عليهم أثره، وصدّوا عنه وهو نصب أعينهم، وبعث عنكبوت فنسجت عليه.

стр. 1122

ومنها أنّه مسح على ضرع عناق ولم يثر عليها الفحل فضرّت وشرب وسقى أبا بكر. ومنها أنّه مسح على ضرع شاة أمّ معبد وهى حائل أجهدها الهزال فدرّت وتحفّل ضرعها. ومنها دعوته لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه أن يعزّ به الإسلام، أو بأبى جهل ابن هشام فسبقت لعمر، ودعوته أيضا لعلىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه أن يذهب الله عنه الحرّ والبرد فأذهبهما الله عنه، ودعوته له أيضا وهو يشكو وجعا فلم يشكه بعد. ومنها أنّه تفل فى عينيه وهو أرمد فبرأ من ساعته لم يرمد بعدها. ومنها أنّ رجلا أنصاريّا أصيبت رجله فى حرب فمسحها فبرأت من ساعتها، ومنها أنّ سمرة أصابته ضربة يوم حنين فنفث فيها ثلاث (٨٢) نفثات، قال: فما اشتكيتها حتّى الساعة. ومنها دعوته لعبد الله بن عبّاس أن يفقّهه فى الدين ويعلمه الله التأويل، فكان يدعى البحر لسعة علمه. ومنها دعوته لجمل جابر بن عبد الله فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا، ومنها أن الله بارك فى تمر جابر حتى قضى منه دينه عن أبيه، وفضل منه ثلاثة عشر وسقا، وكان سأل غرماءه أن يأخذوا التمر بما عليه لهم فأبوا. ومنها دعوته لأنس بطول العمر وكثرة المال والولد وأن يبارك له فيهما، فولد له مائة وعشرون ولدا لصلبه، وكان نخله يحمل فى السنة مرّتين، وعاش نحو المائة سنة.

стр. 1123

ومنها أنّه شكى إليه قحوط المطر وهو على المنبر فدعا الله تعالى وما فى السماء فرعة فثارت سحابة مثل الترس ثم انتشرت، ومطروا إلى الجمعة الأخرى حتى شكوا إليه انقطاع السبل، فدعا الله فارتفع عنهم. ومنها دعوته على عيينة بن أبى جهل (١) أن يسلّط عليه كلبا من كلابه فقتله أسد بالزرقاء (٢) من أرض الشام، ومنها دعوته على سراقة لمّا اتّبعه حين هاجر فارتطمت فرسه، وقد تقدّم ذكرها. ومنها شهادة الشجر له بالرسالة حين عرض على أعرابى الإسلام، فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ فقال ﷺ : «هذه السمرة» فدعاها فأقبلت إليه تخدّ الأرض حتّى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ومنها أنّ أعرابيّا من بنى عامر قال له: إنّك تقول أشياء فهل لك أداويك؟ وكان يداوى ويعالج، فقال له النبى ﷺ : «هل لك أن أريك آية»؟ وعنده نخل وشجر، فدعا رسول الله ﷺ عزقا منها (٨٣) فأقبل إليه وهو يسجد ويرفع رأسه، ويسجد ويرفع رأسه، حتى انتهى إليه، فقام بين يديه ثم قال له رسول الله ﷺ : «ارجع إلى مكانك» فرجع إلى ما كان عليه، فقال له العامرى: والله لا أكذّبك فى شئ تقوله أبدا. ومنها أنّه أمر شجرتين فاجتمعتا ثم أمرهما فافترقتا، ومنها أنّه أمر أنسا أن ينطلق إلى نخلات، إلى جانبهن رجم من حجارة فيقول لهنّ: يقول لكنّ

стр. 1124

رسول الله: تلفعن بعضكن إلى بعض، حتى تكنّ سترة لمخرج رسول الله ﷺ ، قال أنس: فخرجت فقلت لهنّ الذى أمونى به، فو الذى بعثه بالحق لكأنى أنظر إلى قفزهنّ بعروقهن وترابهن حتى لصق بعضهن ببعض، فكنّ كأنّهنّ نخلة واحدة وكأنى أنظر إلى الرجم وقفزه حجرا حجرا حتى كأنهن على بعض حتى كأنّهن كنّ جدارا ولما قضى رسول الله ﷺ حاجته قال لى: «انطلق، فقل لهن: يأمر كن رسول الله ﷺ تعدن إلى ما كنتنّ عليه»، فقلت لهن، فعاد كل إلى ما كان عليه. ومنها أنّه نام فجاءت شجرة تشقّ الأرض حتى قامت عليه، فلمّا استيقظ ذكرت له ذلك، فقال: «هى شجرة استأذنت ربّها أن تسلّم علىّ فأذن لها». ومنها تسليم الشجر والحجر عليه ليالى بعثه بمكّة ﷺ ، ومنها حنين الجذع الذى كان يخطب عليه حين اتّخذ المنبر ﷺ ومنها تسبيح الحصى فى كفّه ثم وضعه فى كفّ أبى بكر ثم عمر ثم عثمان فسبّح، ومنها تسبيح طعام دعا أصحابه إليه ﷺ ، ومنها تكلّم الذراع من الشاة بأنّى مسموم، ومنها شكوى البعير إليه إيذاءه فى العمل وقلّة العلف (٨٤)، ومنها أنّ ظبية وقعت فى شبكة صائد فسألته أن يطلقها لترضع أولادها ثم ترجع فأطلقها، وجلس حتى رجعت وأتى الصّائد فاستوهبها منه وخلّى سبيلها، فاتّخذ القوم ذلك المكان مسجدا، ومنها انقياد الفحلين من الإبل له لمّا عجز صاحبهما عن أحدهما فجاء فبركا بين يديه فخطمهما ودفعهما إليه، ومنها أنّه أراد أن ينحر ستّ بدنات أو سبعا فجعلن تزدلفن إليه بأيّتهن يبدأ، ﷺ .

стр. 1125

ومنها أنّ عين قتادة بن النعمان ندرت وصارت على وجنته فردّها ﷺ فكانت أحسن عينيه، ومنها إخباره يوم بدر بمصارع المشركين فلم يتعدّ أحد منهم مكان صرعه الذى عيّنه. ومنها أنّه أخبر أنّ طوائف من أمّته يغزون البحر، وأنّ أمّ حرام فيهم وهى بنت ملحان (١) فكان كذلك، ومنها قوله لعثمان رضى الله عنه إنّه ستصيبه بلوى شديدة فكانت قتلته رضى الله عنه، ومنها قوله للأنصار «إنّكم سترون بعدى أثرة» فكانت فى ولاية معاوية رضى الله عنه، ومنها قوله للحسن ﵇: «إنّ ابنى هذا سيّد، ولعلّ الله يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين»، فكان كذلك. ومنها أنّه أخبر بقتل العنسى الكذّاب ليلة قتله، ومن قتله وهو بصنعاء اليمن، فكان كذلك، ومنها أنّه أخبر عن الشيماء الأزديّة أنّها رفعت له فى خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذت فى زمان أبى بكر ضى الله عنه فى جيش خالد ابن الوليد بهذه الصفة بعينها. ومنها قوله ﷺ : «زويت لى الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لى منها»، فكان كما قال، وبلغ ملكهم من أوّل المشرق من بلاد الترك إلى آخر المغرب من بحر الأندلس وبلاد البربر، ولم يتّسعوا فى الجنوب ولا فى الشّمال، ومنها قوله [لثابت] (٢) بن قيس: «تعيش حميدا وتموت شهيدا»، فعاش حميدا (٨٥) وقتل يوم اليمامة.
следующие страницы →